|
لقد حظيت قضية الوحدة بين ابناء
الامة الاسلامية والتقريب بين المذاهب الاسلامية دائماً، ومنذ القدم
باهتمام المفكرين الاحرار والشخصيات السياسية والدينية المصلحة، وكانت من
اهدافهم كما شهدت الجهود في سبيل تحقيقها في مختلف العهود الكثير من
المنعطفات وقد حظي بلوغ هذا الهدف المقدس الذي يعتمد على الجذور القوية في
الكتاب والسنة النبوية الشريفة منذ تشكيل نظام الجمهورية الاسلامية
الايرانية باهتمام القائد العظيم للثورة الاسلامية سماحة آية الله
الخميني(ره).
و كان طرح موضوع التقريب بين المذاهب الاسلامية بمعنى «التقارب بين اتباع
المذاهب الاسلامية من اجل التعارف ومعرفة الآخر ومن اجل بلوغ التآلف
والاخوة الدينية القائمة على اساس الاصول المسلّم بها والقواسم الدينية
المشتركة». وفي اعقاب عدم التعايش وحالات التفرقة الموجودة بين مختلف
المجتمعات الاسلامية توضحت التداعيات المتمخضة عن هذه الحالة في العلاقات
القومية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية بين المسلمين. وإلى جانب ظهور
هذه الخلافات، بدأت الجهود نحو تحقيق التضامن والوحدة بين ابناء الامة
الاسلامية من جانب العلماء والمصلحين في المجتمع الاسلامي. واثر هذه الجهود
شهد القرن السادس الهجري تلاقياً فكرياً واسع النطاق بين العلماء وحملة
الحديث من مختلف اطياف المذاهب الاسلامية كما شهدت هذه الحقبة الزمنية
الكثير من المناظرات العلمية والبحثية دون ابراز تعصب حيال مذهب خاص، مما
شكل ذلك دلالة على التقارب والتعايش والانسجام بين مختلف الطوائف
الاسلامية.
رغم التحولات والمنعطفات في الجهود المبذولة نحو تحقيق الوحدة بين المسلمين
في الحقب التالية، ومنذ اواسط القرن الميلادي العشرين في اعقاب استغلال
الدوائر الغربية والاستعمار القديم للخلافات المذهبية الجزئية الموجودة بين
المسلمين وتضخيمها واستخدامها كسلاح لمنع اقتدار المسلمين واتحاد العالم
الاسلامي. لكن مع ظهور مفكرين مصلحين كالسيد جمال الدين اسد آبادي المعروف
بالافغاني والشيخ محمد عبده والشيخ محمد حسين كاشف العظاء والسيد عبدالمجيد
سليم والشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد تقي القمي وآية الله العظمي البروجردي
والكثير من غيرهم من الدعاة إلى الوحدة ازدادت الجهود لتوجيه الدعوة اليهم
نحو التقارب والوحدة بعد ما كانوا ملتزمين ببعض الآراء التي لا تمتها صلة
بالمعتقدات الضرورية والتي كانت تباعدهم عن بعضهم.
تتوضح اهمية طرح فكرة التقريب بين المذاهب الاسلامية عندما ناخذ بنظر
الاعتبار الخلاف بين المسلمين كمنفذ واداة يستغلها معارضو الاسلام واعداء
الاسلام. وقد شهدنا طوال التاريخ دائماً بأن الاستعمار عندما ينوي توجيه
ضربة للاسلام والمسلمين، فهو يستخدم اهم ادواته المتمثلة في اثارة الخلافات
بين المسلمين، واثارة التعصبات المذهبية بين مختلف الاقوام والمجتمعات
الاسلامية. وكلنا نعلم بان استعادة الامة الاسلامية لمجدها واقتدارها لا
تتحقق الامن خلال الوحدة بين المسلمين والتقارب بينهم. وقد بذل الاعداء
دائماً محاولاتهم لمنع توحيد ابناء هذه الامة، ويحولون دون تحقيق هذا الهدف
السامي من خلال اثارة المسائل الخلافية بينهم.
يجري كل ذلك والامة الاسلامية من كل طائفة ومذهب ملتزمة بالمبادئ الاساسية
للدين الاسلامي الحنيف وهي متساوية بين الجميع ويسود بين الطوائف الاسلامية
قاسم اسلامي مشترك حتى في الكثير من الفروع ويستطيع العلماء والمفكرون
المسلمون مراجعة هذه الاسس والتأكيد عليها لفتح السبيل امام بلوغ هذا الهدف
السامي. وينبغي بكل ذكاء وجهد، افشال مخططات الاعداء في تضخيم هذه
الخلافات. وكان على هذا الاساس قد هاجر الاستاذ الشيخ محمد تقي القمي من
الحوزة العلمية الشيعيّة إلى القاهرة وهي المركز الكبير لاهل السنة والمكان
الذي يجتمع فيه كبار علماء اهل السنة زارعاً بذلك شتلة التقريب هناك.
و قد اوضح الشيخ القمي هناك، لاهل السنة بانهم كانوا قد اخطأوا في اعتبار
الشيعة بانهم من الغلاة والمخطئة كما وكان الشيعة على خطأ حينما اعتبروا
اهل السنة من النواصب. وكان الشيخ القمي يطرح هناك افكاره في تبادل الافكار
مع علماء اهل السنة داعياً الجميع إلى وحدة الكلمة ورحابة الصدر.
و كانت حصيلة التبادل الفكري ايجاد مركز يحمل اسم «دار التقريب بين المذاهب
الاسلامية». وكان من جملة انشطة هذا المركز نشر رسالة الاسلام وقد نشر
العدد الاول لها في شهر ربيع الاول عام ١٣٨٦ هـ/ الموافق عام ١٩٤٩م وتواصل
نشرها حتى شهر رمضان عام ١٣٩٢هـ/ اكتوبر عام ١٩٧٢م حيث كانت تدرج فيها
مختلف المقالات العلمية والقيمة في حقل البحوث التطبيقية من جانب جمع من
علماء مختلف المذاهب الاسلامية. وكان من بين الفعاليات البارزة الاخرى لدار
التقريب في القاهرة هو الاهتمام بتصحيح ونشر كتاب «مجمع البيان لعلوم
القرآن» تأليف امين الاسلام الطوسي وهو من العلماء والمفسرين في القرن
السادس الهجري وقد اشاد رئيس جامع الازهر آنذاك الشيخ عبدالمجيد سليم بهذا
الكتاب واعتبرة كتاباً قيماً وثميناً واحد المراجع في تفسير القرآن وعلومه.
وكانت فتوي الشيخ محمود شلتوت شيخ جامع الازهر في ١٧ ربيع الاول ١٣٧٨ هـ في
جواز مراجعة كافة المذاهب المعروفة ومنها المذهب الجعفري قمه فعاليات هذا
المركز الديني ونتائجه. وكان نص هذه الفتوى يحتوي على نقاط مهمة وجديرة
بالتأمل غير مسبوقة حتي ذلك العهد: «حيث ان الاسلام لم يلزم اياً من اتباعه
بانتهاج مذهب محدد. بل اننا نقول بان كل مسلم يكون من حقه اتباع كل مذهب تم
نقله بشكل صحيح وقد دوّنت احكامه في كتب خاصة به منذ البداية.
و يحق لكل شخص يكون قد قــلــّد احد هذه المذاهب ان ينتقل إلى مذهب آخر من
هذه المذاهب - ولا يورد عليه اي اشكال في ذلك. والمذهب الجعفري المعروف
بالشيعة الامامية الاثني عشرية هو مذهب يجوز التعبّد فيه كباقي مذاهب اهل
السنة فعليه يجدر بالمسليمن ان يعرفوا هذه الحقيقة والابتعاد عن التعصب غير
المطلوب حيال مذهب خاص. لأن دين الله وشريعته لا يتبعان مذهب خاص، ولأن
علماء هذه المذهب كانوا جميعاً مجتهدين يكون اجتهادهم مقبولاً لدي الله
المتعال ويستطيع الذين لم يكونوا اصحاب رأي واجتهاد تقليدهم والاخذ بما هو
موجود في فقههم ولا فرق في هذا الجانب بين العبادات والمعاملات»
و هكذا حظيت فكرة التقريب في اطار مدرسة فكرية بالاهتمام في المجامع
العلمية الاسلامية. المدرسة التي تعتمد قاعدتها واساسها على البحث
والاستدلال العلمي والكتاب والسنة النبوية الشريفة. وكان هذا المنحى شهد
تبادل الآراء والافكار بين العلماء والمفكرين من مختلف المذاهب الاسلامية
وتيرة تصاعدية.
و كان انتصار الثورة الاسلامية في ايران وايجاد حكومة اسلامية من جانب مؤسس
الثورة سماحة الامام الخميني (ره) قد مهّدا المجال لزيادة توسيع هذا الجهد
بين المسلمين. وقد تبلور طرح شعار الوحدة الاسلامية والاهتمام الخاص الذي
اولاه الامام الخميني الراحل(ره) بهذه الفكرة في دستور الجمهورية الاسلامية
حيث يصرح الدستور في احد بنوده على الحرية الكاملة لاتباع المذاهب
الاسلامية في الالتزام بمعتقداتهم. حتى ويحق لهم مراجعة محاكمهم التي تصدر
احكامها وفقاً لوجهات نظرهم. مما يشكل ذلك انموذجاً بارزاً آخراً من اهتمام
الثورة الاسلامية بوحدة الامة الاسلامية وتعظيم الشعائر الاسلامية كالحج
وصلاة الجمعة والتي تشكل ابرز المجالات للاجتماعات الشعبية في الدين
الاسلامي. وكان الامام الخميني رحمة الله ينوي من تسمية الفترة الزمنية بين
الثاني عشر والسابع عشر من شهر ربيع الاول من كل عام باسم اسبوع الوحدة وضع
المسلمين من خلال اجراء الاحتفالات الرائعة للذكرى السنوية لمولد الرسول
الكريم (ص) من الناحية الفكرية والمعنوية في اجواء من الوحدة الاسلامية
بكافة وجودهم. وسبب ذلك سبيلاً نحو تحقيق الوحدة بعد أن كانت تشكل مصدراً
نحو تشديد الخلافات بين الشيعة والسنة من المسلمين. وعقد المؤتمر الدولي
للوحدة الاسلامية في هذا المنحي وفي ايام اسبوع الوحدة الاسلامية بحضور جمع
من المفكرين من العالم الاسلامي في طهران. وقد اصدر سماحة آية الله خامنئي
امراً بتشكيل المجمع العالمي للتقريب بين مذاهب الاسلامية المجمع الذي تكون
رسالته الاصلية طبقاً لما جاء في استراتيجيتها هي عبارة عن: «رفع مستوى
التعارف والوعي وتعميق التفاهم بين اتباع المذاهب الاسلامية وتقوية
الاحترام المتبادل وتقوية اواصر الوحدة بين المسلمين دون اي تمييز من ناحية
المعتقدات المذهبية او القومية او الوطنية لهم من اجل بلوغ الامة الاسلامية
الموحّدة».
و يقدم هذا الكتاب تعريفاً اجمالياً عن اهداف المجمع العالمي للتقريب بين
المذاهب الاسلامية وهيكليته وانشطته والذي جاء اعداده من اجل زيادة معرفة
المسلمين بهذا المركز من جانب المعاونية الثقافية للمجمع. |