ـ(3)ـ

 

 

الحمد لله ربّ العالمين ، ثم الصلاة والسلام على خير الأنام محمد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين ، كما صلّى وسلّم على إبراهيم وآل إبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين .

وبعد : فقد برزت للمسلمين اهتمامات خاصة بالقرآن الكريم منذ العصر الأول للنزول ، لم يشهده كتاب منزل من قبل . فكانت آياته تتلى آناء الليل وأطراف النهار ، وكان المسلمون يحظون بالتشرف عند نبيّه الكريم ليستمعوا إلى ما يتلو عليهم من آياته ، ويعلّمهم من أحكامه ، ويوضح لهم اسباب نزوله ، وناسخه ومنسوخه . وقد حظي بالقسط الأوفر الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لقرب منزلته منه ، وملازمته له ، حتى قال في درر كلمه وهو الصادق : «ما نزلت آية إلاّ علمت فيمَ نزلت وأين نزلت في ليل أو في نهار ، أو جبل أو سهل»(1) ، كذلك عبد الله بن عباس وجملة من الصحابة الذين لازموه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وبعد أن اختار الله لنبيه الكريم دار قراره ، وانتشر المسلمون في مختلف البلاد ، ظهرت الحاجة إلى التفسير ، وبيان التأويل لما لمسوا في آياته من أسرار خفيّة ، وحقائق تستحق ان تستجلى وتكتشف للآخرين . هكذا بدأ التأليف في التفسير والتصنيف في علومه ، وكلّما بعد العهد عن عصر الرسالة الخالدة ازدادت الحاجة إلى ذلك .

ونظراً لكون القرآن الكريم أحد الثقلين اللّذين يعتمد عليهما التشريع الإسلامي في معرفة الأحكام الشرعية ، وتبيان لكلّ شيء ، لذا كان الفقهاء في أمسّ الحاجة إلى

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ غرر الحكم و درر الكلم 2 : 273 ، برقم 225 .

ـ(4)ــ

معرفة أسراره ، وغوامض آياته . فاهتموا بتفسير آياته الكريمة المتضمنة للأحكام فحسب ، فألفوا في هذا المضمار العديد من المصنّفات على اختلاف مذاهبهم يطول بيانها .

ومن هؤلاء الأعلام مؤلف هذا السفر الجليل الشيخ الفقيه الفاضل المقداد بن عبد الله السيوري رضوان الله تعالى عليه ، فأضاف للمكتبة الإسلامية كنزاً من كنوز عرفانه ، والذي امتاز بمنهجية قلّ أن نجدها في كتب من سبقه ، فجاءت دراسته لآيات الأحكام دراسة موضوعية ، بعيدة عن التعصب الطائفي ، واستعراض واف للآراء الفقهية المختلفة ، جمعت في جوانبها النحو واللغة وأسباب النزول وغير ذلك ممّا يتطلب معرفته الفقيه والباحث مع ملاحظته للإيجاز والاختصار ، فجاء هذا الكتاب وبحقّ نموذجاً حيّـاً للموسوعات الفقهية المقارنة .

ونظراً لأهمية هذا الكتاب ، وما امتاز به ، اهتم المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية ومركزه العلمي في طبعه ونشره ، فطلب من سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد القاضي حفظه الله القيام بتحقيقه تحقيقاً يتناسب مع أهمية هذا الكتاب ، فتقبل هذه المهمة مشكوراً ، كما طُلب من سماحة آية الله الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني الأمين العام للمجمع أن يُتحف السيد المحقق بمالديه من ملاحظات قيّمة لما له من تضلّع في هذا المضمار ، وسابقة تدريس لهذا الكتاب في الجامعات الإسلامية ، فتقبل ذلك مشكوراً ، فخرج هذا السفر الجليل بحمد الله والمنّة بحلّة قشيبة جديدة امتازت عمّا سبقتها من طبعات ، سائلين الباري عزّ اسمه أن يوفق الجميع لما فيه الخير والصلاح ، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين .

 

قم المشرفة : 1 / 12 / 1419 هـ .

محمد مهدي نجف

المعاون الثقافي

للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

ـ(5)ـ

 

 

 

جولة في آيات الأحكام

للأُستاذ محمد واعظ زاده الخراساني

الأمين العام للمجمع العالمي

للتقريب بين المذاهب الإسلامية

 

 

 

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد خاتم النبيين ، وعلى آله الطاهرين وصحبه الميامين ، ومن والاهم إلى يوم الدين .

وبعد ، اتفق المسلمون على أن الكتاب والسنّة هما الدعامتان والحجّتان على الناس في الفقه وفي غيره ممّا يحتاج إليه العباد في حقل الشريعة والعقيدة . والكتاب موضع اتفاق نصّه وإن اختلفوا في بيانه وتفسيره ، وأ مّا السنّة ـ والمراد بها سنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فمع اتفاقهم على اعتبارها اختلفوا في الطريق إليها وفي تفسيرها وتخريج نصّها ، فالجمهور من فقهاء المسلمين يأخذونها عن طريق الصحابة إذا صحّ اسنادها عندهم ، وأتباع أهل البيت(عليهم السلام) يأخذونها في الأغلب عن أئمة أهل البيت وعن غيرهم إذا صحَّ اسنادها عندهم .

والجدير بالاهتمام اشتراك ما بلغنا عن هذين الطريقين لفظاً أو معناً بما يقارب خمس وثمانين في المائة في أصول الأحكام دون الفروع المستنبطة منها ، وأ مّا

ــ(6)ــ

الأخلاق والآداب فكادت أن تكون موافقة مائة في المائة .

ولا ريب أن الكتاب هو الدّعامة الأُولى والثقل الأكبر ، وهو كالأصل للسنّة  ، وهي بيان له . وشطر من آيات الكتاب حَكَم وآداب أخلاقية تعالج الخصال النفسية ، ومنها أحكام عملية تعالج أعمال المكلَّفين على صعيد العبادات ، والمكاسب ، والمناكح ، والمواريث ، والسياسات ، والأحكام ، والقضاء وغيرها ، فيقال لها الأحكام الفقهيّة ، ويعبّر عن آياتها بـ «آيات الأحكام» .

وكانت هذه الآيات موضع اهتمام الفقهاء ، حيث خصُّوها بالبيان والتفسير في مؤلفات ، علاوة على التصدّي لها طيّ التفاسير المطوّلة : كتفسير الطبري (310) والطوسي (460) والطبرسي (548) والرازي(606) والقُرطبي(671) وأخيراً المنار للسيّد رشيد رضا وغيرها .

والكتب الخاصة بآيات الأحكام تارة يعبّر عنها بهذا التعبير ، وأخرى بـ  «أحكام القرآن» وبينهما فرق ، والنسبة بينهما عموم وخصوص مطلق ، فأحكام القرآن تعني في الأغلب بيان حكم يتعلّق بالآيات سواء ما استفيد منها أو استفيد من غيرها ولكن تعلّق بها ، وقد يعدّ حكماً فقهيّـاً وقد لا يعدّ ، فمثلاً يبحث في كتاب أحكام القرآن (بسم الله الرحمن الرحيم)انّها آية من كلّ سورة ، أو في سورة الحمد فقط ، أو ليست جزء منها وانّما هي مجرد فصل بين السورتين ، مع الاعتراف بكونها جزء من آية (30) من سورة النمل : (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) ، وهذا ليس حكماً فقهيّـاً ، وانّما يترتّب عليه أحكام فقهية لا تستفاد من نفس الآية ، مثل أ نّه هل تجب قرائتها في الصلاة في سورة الحمد أو في غيرها من السور أو لا تجب ، وهل يجب الجهر بها أو لا يجب إلى غير ذلك من الأحكام .

وأ مّا «آيات الأحكام» فلا تشمل سوى الآيات التي تحمل في طيّها حكماً

ــ(7)ــ

فقهيّـاً دون غيرها ممّا تعلّق بها حكم ، ويبدو أن هذين التعبيرين  : «أحكام القرآن» و «آيات الأحكام» غلب كل منهما على فريق من المسلمين .

فأحكام القرآن مصطلح شائع عند أهل السنة ، وآيات الأحكام شائع عند الشيعة الإمامية . فقد ذكر الحاج خليفة في كشف الظنون عدّة كتب(1) ـ وعمدة ما فيه لأهل السنة ـ تحت عنوان «أحكام القرآن» ليس فيها «آيات الأحكام» . وقد طالعت في مقدمة كتاب أحكام القرآن لابن العربي فوجدت أن الكاتب سرد المؤلفات التالية :

1 ـ أحكام القرآن للإمام محمد بن ادريس الشافعي 150 ـ 204 هـ ، وسنخصه بالبحث .

2 ـ أحكام القرآن لأبي بكر أحمد بن علي الجصّاص الرازي إمام الحنفية في بغداد المتوفى 370 هـ .

3 ـ أحكام القرآن لألكيا الهراسي الشافعي المتوفى 504 هـ .

4 ـ أحكام القرآن للقاضي أبي بكر محمد بن عبد الله الحافظ المالكي المعروف بابن العربي (486 ـ 543) ، وهو رفيق الغزالي في الطب(2) .

وقال كاتب المقدمة : يعتبر هذا الكتاب مرجعاً مهماً للتفسير الفقهي عند المالكية ، بل عند كافة المذاهب .

5 ـ أحكام القرآن لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (384 ـ 458 هـ  ) وسنتداوله بالبحث .

6 ـ الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الخزرجي القرطبي المتوفى 671 هـ  . ولا ريب أ نّه تفسير كبير للقرآن كلّه ، اهتم كثيراً بآيات

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ كشف الظنون 1 : 18 و 20 .

2 ـ مقدمة احكام القرآن للبيهقي : 12 .

ــ(8)ــ

الأحكام ، واستوفى ما يستفاد منها ، ربما تبلغ في آية واحدة عشرين حكماً أو أكثر ، وفي نفس الوقت هذا الكتاب أوسع التفاسير من ناحية الأبحاث اللغوية .

7 ـ كنز العرفان ، وهو هذا الكتاب ، وسنخصه بالبحث ، وهو من كتب الإمامية .

8 ـ الثمرات اليانعة والأحكام الواضحة الناطقة ليوسف بن أحمد الثلاثي الرازي اليمني المتوفى سنة 832 هـ ويبدو أنه من علماء الزيدية .

9 ـ وجاء في كشف الظنون(1) : أحكام الراي في أحكام الآي للشيخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن ابن الصائغ الحنبلي المعروف بابن أبي الفرس المتوفى 776 هـ .

كما زاد في مقدمة كتاب أحكام القرآن للبيهقي ، على ما تقدم من المؤلفات الكتب التالية :

10 ـ أحكام القرآن لعلي بن موسى بن يزداد القمي الحنفي المتوفى سنة 305هـ .

11 ـ أحكام القرآن لأبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي الحنفي المتوفى
سنة 321 هـ .

12 ـ التفسيرات الأحمدية لملاّ جيون الهندي .

13 ـ أحكام القرآن لإسماعيل القاضي كبير المالكية بالبصرة ، قال : ويتعقبه الجصّاص .

14 ـ مختصر أحكام القرآن لاسماعيل القاضي ، تأليف بكر بن محمد بن العلاء القشيري المالكي المتوفي 344 هـ .

15 ـ أحكام القرآن لابن بكير .

16 ـ مختصر أحكام القرآن لجمال الدين ابن السّراج محمود بن أحمد القونويّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ كشف الظنون 1 : 18 و 20 .

ــ(9)ــ

الحنفي المتوفى سنة 770 هـ .

وقد اختلفوا في أول من صنّف في هذا الفن ، فجاء في كشف الظنون وغيره : أ نّ الشافعي أ وّل من صنّف في هذا الفن . وقد حكى في الذريعة(1) عن ابن النديم ـ كما يأتي ـ  : أ نّ أول من ألّف فيه هو محمد بن السائب الكلبي المتوفى 146 هـ .

ويتبين من كلام البيهقي في كتابه أحكام القرآن(2) أ نّه جمعه من كتب الشافعي ، ولم يكن للشافعي كتاب مفرد في ذلك ، إذ قال : «... فرأيت مَن دلّت الدلالة على صحة قوله ـ أبا عبد الله ، محمد بن ادريس الشافعي المطّلبي ابن عم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ قد أتى على بيان ما يجب علينا معرفته من أحكام القرآن ، وكان ذلك مفرَّقاً في كتبه المصنّفه فى الأصول والأحكام ، فميّزته وجمعته في هذه الأجزاء على ترتيب المختصر ....». والبيهقي يذكر في كل مسألة كلام الشافعي في الاستدلال عليها بآية من القرآن .

والحقّ أ نّه من قسم آيات الأحكام حيث لا يوجد فيه شيء ممّا جاء في كتب أحكام القرآن ممّا تعلق بالآيات . وقدّم المؤلف ما يتعلّق باصول الفقه بدءً بوجوب تعلّم أحكام القرآن ، ثم العموم والخصوص ، ثم حجيّة السنّة ، ثم حجيّة خبر الواحد ، ثم النسخ ، ثم إبطال الأخذ بالاستحسان ، ثم أورد آيات متفرقة وفيها حجيّة الاجماع . وبعد ذلك شرع في الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج ، ثم البيوع والمعاملات والفيء والغنيمة والصدقات الى آخر المجلّد الأول ، وبدء المجلّد الثاني بالسير والجهاد ثم غيرهما من أبواب الفقه .

هذا ما أمكن الوقوف عليه من كتب أحكام القرآن وهي أهمها عند أهل السنّة ، وربّما كُتب غيرها ممّا لم نقف عليه . كما صدرت في السنين الأخيرة كتب منها :

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ الذريعة الى تصانيف الشيعة 1 : 300 .

2 ـ أحكام القرآن : ص 29 .

ــ(10)ــ

كتاب «روائع البيان تفسير آيات الأحكام من القرآن» لمحمد علي الصابوني استاذ كلية الشريعة والدراسات الاسلامية بمكة المكرمة في مجلدين يحتوي على ثلاثين محاضرة انتهج المؤلف فيها منهجاً جديداً ، فهو لم يكن مرتباً حسب ترتيب السور كما هو الغالب في كتب أحكام القرآن ، ولاحسب أبواب الفقه كما هو في كتاب كنز  العرفان وغيره من كتب آيات الأحكام ، بل اشتمل على مواضيع فقهيّة متفرقة تعرّض المحاضر فيها لجملة من الآيات ويفسرها لغوياً وبلاغياً وقرائة; ثم يخرج منها بمادلت عليها من الأحكام ، فهو معدود في عداد كتب آيات الأحكام أيضاً دون أحكام القرآن . هذه جولة عاجلة في كتب أحكام القرآن .

وأ مّا مصطلح آيات الأحكام فهو شائع عند الشيعة الإمامية ، وقد عبّر عنها العلاّمة الطهراني في موسوعته القيّمة «الذريعة الى تصانيف الشيعة»(1) فذكر تحت عنوان «آيات الأحكام» ثلاثين كتاباً بدءً بـ «آيات الأحكام» أو «أحكام القرآن»(2) لأبي النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي المتوفى 146 هـ ، وقال فيه : «إ نّه من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام) (المتوفى 146) ، وهو والد هشام الكلبي النسّابة الشهير ـ وهو هشام بن محمد أبي النضر بن السائب بن بشر الكلبي أبو المنذر المتوفى 204 هـ »(3) ثم حكى عن ابن النديم قوله : «أ نّه أول من صنّف في هذا الفن» . لا الإمام الشافعي المتوفى 204 هـ كما صرّح به في كشف الظنون ، و لا القاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف البياتي القرطبي الاندلسي الاخباري اللغوي المتوفى 340 هـ ، ولم يذكره صاحب كشف الظنون ولا غيره في جملة مؤلفي أحكام القرآن ـ الى أن قال ـ : ثم إن جمعاً من أصحابنا تابعوا الكلبي في إفراد

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ الذريعة الى تصانيف الشيعة 1 : 40 فما بعدها .

2 ـ المصدر السابق 1 : 300 .

3 ـ المصدر السابق 1 : 300 .

ــ(11)ــ

آيات الأحكام... فذكر (29) كتاباً في آيات الأحكام للشيعة الإمامية ، وفي جملة ما ذُكر ، هذا كتاب القيّم نقدّمه بين يدي الباحث الكريم وهو  :

«كنز العرفان في فقه القرآن» للشيخ الأجل جمال الدين المقداد بن عبد الله السيوري المتوفى عام 826 هـ أي بعد مائة عام مضت على رحيل العلاّمة الحلّي المتوفى 726 هـ وقد نُشرت بحمد الله جملة من هذه الكتب بعضها سابق على كنزالعرفان وكثير منها متأخرة عنه . ومن جملتها كتاب لم نقف عليه كان موضع اهتمام صاحب كنز العرفان باسم «النهاية في تفسير خمسمائة آية» للشيخ فخرالدين ، أحمد بن عبد الله بن سعيد بن المتوّج البحراني ، وهو الذي يذكره مؤلفنا في مواضع من كتابه بعنوان «المعاصر» حاكياً بعض آراءه ويضعها موضع المناقشة . ومن عجيب امر هذا الرجل أ نّه وُجد سَمّي له يشاركه في النسب وفي المؤلفات حتّى ظُنّ أنهما شخص واحد ، وقد أوردهما العلامة العاملي في أعيان الشيعة في عداد من سمّي بأحمد فلاحظ(1) .

والذي يلفت النظر أ نّ صاحب الذريعة لم يذكر كتاباً باسم آيات الأحكام أو أحكام القرآن سوى ما قاله في موضع من كتابه بشأن كتاب الكلبي ، وذكره تارة باسم آيات الأحكام ، وأخرى باسم أحكام القرآن كما تقدم(2) .

وأما هذا الكتاب فقد قال مؤلفه بشأن كتابه : «... وقد اعتنى العلماء بالبحث عنها أي «آيات الأحكام» واستخراج السرّ الدفين منها ، لكني لم أظفر بكتاب في تنقيح تلك الآيات بما يبرد الغليل ويشفي العليل ، ويحتوي على جملة ما يبغيه الراغب ، ويستطرفه الطالب ، بل إ مّا مُسهبٌ بذكر الأقاويل والأخبار ، أو مقصّر قد ملَّل بالايجاز والاختصار ، فحداني ذلك على وضع كتاب يشتمل على فوائد قد

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ اعيان الشيعة 3 : 10 .

2 ـ الذريعة الى تصانيف الشيعة 1 : 300 .

ــ(12)ــ

خلا عنها أكثر التفاسير ، وفرائد لم يعثر عليها إلاّ كل نحرير ، وضممت إلى ذلك فروعاً فقهيّة تقتضيها نصوص تلك الآيات ، أو ظهورها ...» .

والذي تميّز به هذا الكتاب وكثير من كتب آيات الأحكام ـ الفارق بينهما وبين كتب أحكام القرآن المرتبة غالباً حسب ترتيب السور إلاّ ما شذَّ كما قلنا في أحكام القرآن للبيهقي ـ أ نّه مرتّب بحسب أبواب الفقه بدءً بكتاب الطهارة وختاماً بكتاب الجنايات والقصاص ، كما أ نّه خاص بالآيات التي تستخرج منها الاحكام دون ما تعلّق بها حكم من الآيات .

كما امتاز إضافة إلى ما تقدّم بحسن التنظيم لآيات كل باب حيث يقسّمها على أنواع ويذكر تحت كل نوع مافيه من الآيات .

ولو جاز أن نؤاخذ مؤلفه بشيء في هذا النظم البديع فيمكن أن نقول أولاً : بأ نّه غفل عن آيات تدل على مسائل اصول الفقه ، وقد لاحظها البيهقي كما تقدم ، فان الفقيه يحتاج اليها في مسائل الفقه .

وثانياً : إ نّه كان ينبغي مراعاة ترتيب النزول في آيات كل باب حتّى يعلم سرّ التشريع وسير التقنين في الفقه القرآني ، وحتّى يُعرف الناسخ من المنسوخ كما شاع التعبير عنهما عند كثير من المفسرين ، أو تكامل التشريع القرآني كما عبّر عنه الدكتور محمد البهيّ المصري في كتاب له في هذا الشأن .

ومن مميزات هذا الكتاب أيضاً هو ذكر آراء المذاهب الفقهية الأُخرى ، الأمر الذي يجب الالتفات إليه لمن أراد استفراغ الوسع في استنباط الأحكام ، وهو أمر تقريبي دعانا لتجديد طبع هذا الكتاب ونشره مع تخريج تلك الآراء من مداركها .

 

عدد آيات الأحكام

أ مّا عدد آيات الأحكام التي كانت موضع اهتمام الفقهاء قديماً وحديثاً ،

ــ(13)ــ

فالمعروف بينهم وبين الأوساط العلميّة أنها خمسمائة آية ، فقد جاء في كشف الظنون بشأن أحكام القرآن لابن العربي : «وهو تفسير خمسمائة آية متعلقة بأحكام المكلّفين»(1) ولعلّ مراده أن عدد الآيات التي يمكن أن تستخرج منها أحكام في هذا الكتاب تبلغ هذا العدد ، وإلاّ فما بُحث حولها من الآيات أكثر من ذلك ، فإنه ككثير غيره من كتب أحكام القرآن حسب ما سبق ممّا يعمّ الأحكام المتعلّقة بكل آية ، وهي أكثر من خمسمائة آية ، والتي جاءت في كتاب البيهقي في الآيات أقل من ذلك ، وأول ما وقفنا عليه من العدد خمسمائة آية هو كتاب «النهاية في خمسمائة آية» التي أومأنا إليها .

ولعل أضبط وأثبت شيء في هذا الشأن ما جاء في كنز العرفان ، وقد أحصيت ما فيها احصاءً عاجلاً فبلغت (420) آية ، فإذا أضيفت إليها آيات كثيرة مرغبة لإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوها ، كادت أن تبلغ الخمسمائة آية . أ مّا عدد آيات العبادات فهي (155) آية كالتالي :

الطهارة : 12 ، الصلاة 62 ، الصوم 5 ، الزكاة 15 ، الخمس والأنفال4 ، الحجّ 23 ، الجهاد 33 ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 3 .

وعدد آيات المكاسب والعقود والإيقاعات وما يلحق بها (265) آية كالتالي :

المكاسب 6 ، البيع 10 ، الدَّين 6 ، الرهن  1 ، الضمان 2 ، الصلح 6 ، الإجارة 2، الشركة 3 ، المضاربة3 ، الابضاع 3 ، الإيداع 3 ، العارية 2 ، السبق والرماية 3 ، الشفعة 3 ، اللقطة 4 ، الغصب 4 ، الإقرار 6 ، الوصية  13 ، العتق 2 ، النكاح 39 ، الطلاق وما يلحق بها 22 ، العطايا 3 ، النذر 2 ، العهد 3 ، اليمين 3 .

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ كشف الظنون 1 : 20 .

ــ(14)ــ

وعدد آيات الأحكام 60 آية : المطاعم والمشارب 16 ، المواريث 9 ، الحدود  10 ، القصاص والجنايات 10 ، القضاء والشهادات 15 .

وبالنظر إلى هذه الأرقام يتّضح أنّ عدد آيات غير العبادات كادت أن تبلغ ضعف عدد آيات العبادات.

وختاماً ، فليس لي إلاّ الثناء البالغ والشكر الجميل لعالمين جليلين اهتمّا اهتماماً بالغاً بإخرج هذا السفر الجليل : أحدهما سماحة حجة الاسلام والمسلمين السيّد محمد القاضي الذي تحمّل ثقل تحقيق الكتاب ; وثانيهما سماحة العلاّمة الشيخ محمد مهدي نجف مدير مركز الدراسات العلمية التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية   ، أدام الله أيام إفادتهما ويوفقهما وإيانا لما يحبّ ويرضى وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وسلام على المرسلين .

 

 

25 ذي الحجة الحرام عام 1419 هـ

محمد واعظ زاده الخراساني

 

-(15)-

 

مقدمة المحقق

 

المؤلف : حياته وسيرته

هو الشيخ جمال الدين المقداد بن عبد الله بن محمد بن الحسين ابن محمد السيوري ، الحلي ، الأسدي.

قال في أمل الآمل:

«كان عالماً ، فاضلاً ، متكلماً ، محققاً ، مدققاً ، له كتب منها : شرح نهج المسترشدين في أُصول الدين ، وكنز العرفان في فقه القرآن ، والتنقيح الرائع في شرح مختصر الشرائع ، وشرح الباب الحادي عشر ، وشرح مبادئ الأصول ، وغير ذلك.

يروي عن الشهيد محمد بن مكي العاملي.

وكان فراغه من شرح نهج المسترشدين سنة 792»(1).

ومثله في رياض العلماء ، وأضاف :

«هو شرف الدين ، أبو عبد الله ، وابنه عبد الله من العلماء ، والسيور قرية من توابع الحلة ونواحيها(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أمل الآمل 2 : 325.

(2) لم أجد في معاجم البلدان من تعرَّض لهذه القرية، وفي طبقات أعلام الشيعة (القرن التاسع) ص 138 : «ويقال : السوراوي، وهو أصح ، نسبة إلى (سورا) على وزن بشرى ، مدينة بقرب الحلة» ، وهذه المدينة قال عنها في معجم البلدان 3 : 284 : « موضع بالعراق من أرض بابل ، وهو مدينة السريانيين ، وقد نسبوا الخمر إليها ، وهي قريبة من الوقف والحلة المزيدية» .

   أقول : وفيها مرقد القاسم بن الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) ، وهو قبر مشيد ، وعليه ضريح من الذهب.

-(16)-

ويروي عنه الشيخ سيف الدين الشفرابي ، كما يظهر من بعض الإجازات»(1).

وقال في البحار:

«الشيخ الأجل المقداد بن عبد الله ، من أجلة الفقهاء ، وتصانيفه في نهاية الاعتبار والاشتهار»(2).

وقال في المستدرك:

«الشيخ الفاضل ، الفقيه ، المتكلم ، المحقق الوجيه ، جمال الدين أبي عبد الله المقداد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن محمد السيوري، الأسدي ، الحلي ، الغروي، صاحب التنقيح وكنز العرفان وغيرهما»(3).

وقال في أعيان الشيعة:

«المقداد بن عبد الله السيوري الحلي، له الأنوار الجلالية في
شرح الفصول النصيرية للخواجة نصير الدين الطوسي(4)، عندنا منه
ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رياض العلماء 5 : 216.

(2) بحار الأنوار 1 : 41.

(3) مستدرك الوسائل / الخاتمة 2 : 274.

(4) جاء في أمل الآمل (2 : 299) : «المحقق خواجه نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي ، كان فاضلاً، ماهراً، عالماً، متكلماً، محققاً في العقليات . له كتب منها : تجريد الاعتقاد، والتذكرة في الهيئة... يروي عنه العلامة، و قال في إجازة له عند ذكره : كان هذا الشيخ أفضل أهل عصره في العلوم العقلية والنقلية، و له مصنفات كثيرة في العلوم الحكمية، والأحكام الشرعية على مذهب الإمامية، و كان أشرف من شاهدناه في الأخلاق، نوَّر الله مضجعه، قرأت عليه إلهيات الشفاء لأبي علي بن سينا، وبعض التذكرة في الهيئة تصنيفه، ثم أدركه الموت المحتوم، قدس الله روحه. انتهى».

-(17)-

نسخة كتبت (سنة 1146).

وله شرح نهج المسترشدين ألَّفه (سنة 792)»(1).

وقال في موضع آخر:

المقداد بن عبد الله السيوري الحلي، يروي عن الشهيد الأول.

ويروي عنه تلميذاه : محمد بن شجاع القطان الحلي، والشيخ
زين الدين علي بن الحسن بن العلالا ، أجازه المترجم في جمادى
الآخرة (سنة 822)»(2).

هذا مجمل ما ذكره العلماء في ترجمة شيخنا المقداد السيوري(رحمه الله)، إلا أنهم لم يذكروا شيئاً عن ولادته ، ولا عن سيرته في حياته ، ولا عن أُسرته ، وما إلى ذلك من التعريف بشخصه الكريم ، ويبدوا أن شهرته بينهم ، ومعروفيته لديهم ، أغنتهم عن تدوين الكثير من التفاصيل ، فبقيت ترجمته مبتورة ، يحوطها نوع من الغموض من جوانب عديدة.

 

مشايخه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أعيان الشيعة 10 : 134.

(2) المصدر السابق

-(18)-

1 ـ الشهيد الأول ، أبو عبد الله محمد بن مكي النبطي العاملي الجزيني(رحمه الله) ، المتوفى تاسع عشر جمادى الأُولى ، سنة ست وثمانين وسبعمائة هجرية.

وقد أرخ المترجم له وفاة شيخه هذا، ونقل قصة مقتله بتفاصيلها(1).

وكان شيخنا المترجم له من أجلاء تلامذته والراوين عنه ، ويبدوا أنه كان من المختصين به ، حيث كتب له الشهيد الأول(رحمه الله) أجوبة لمسائله سميت بالأسئلة المقدادية ، كما يأتي.

كما أن شيخنا المترجم له رتب كتاب القواعد لاستاذه ـ هذا ـ وسماه نضد القواعد ، كما يأتي أيضاً.

2 ـ فخر المحققين ، الشيخ محمد بن الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، نجل العلامة الحلي، المتوفى (سنة 771)(2).

قال في المستدرك عند ذكره للشيخ أبي العباس بن فهد : «وهذا الشيخ الجليل يروي عن جماعة من الأساطين ، من أجلاء تلامذة الشهيد الأول وفخر المحققين، الأول : الشيخ المقداد... »(3).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر : بحار الأنوار 108 : 149 / خاتمة المستدرك 2 : 304.

(2) قال في أمل الآمل (2 : 261) «كان فاضلاً محققاً فقيهاً ثقة جليلاً ، يروي عن أبيه العلامة وغيره. له كتب منها ... ويروى عنه الشهيد وأثنى عليه في بعض إجازاته ثناءً بليغاً جداً .

   وذكره السيد مصطفى فقال : من وجوه هذه الطائفة وثقاتها وفقهائها، جليل القدر، عظيم المنزلة، رفيع الشأن، حاله في علو قدره وسمو رتبته وكثرة علومه أشهر من أن يذكر، روى عن أبيه، و روى عنه شيخنا الشهيد، له كتب جيدة منها الإيضاح . انتهى».

(3) مستدرك الوسائل / الخاتمة 2 : 294.

-(19)-

3 ـ السيد ضياء الدين بن عبد الله الأعرجي(1).

تلامذته

والمشهورون منهم:

1 ـ الشيخ شمس الدين محمد بن شجاع القطان الحلي(2).

2 ـ الشيخ زين الدين علي بن الحسن بن العلالا (علالة خ.ل) ، أجازه شيخنا المترجم له في جمادى الآخرة (سنة 822) ، كما يأتي.

3 ـ الشيخ أبي العباس أحمد بن فهد ، المتوفى سنة (841)(3).

4 ـ الشيخ سيف الدين الشفرابي(4).

5 ـ الشيخ الجليل الحسن بن راشد الحلي(5) ، صاحب (الجمانة البهية في شرح الألفية) ، وهي ارجوزة نظم فيها ألفية الشهيد الأول(رحمه الله)، وقد قرَّظ شيخنا المترجم له(رحمه الله) هذه الارجوزة(6).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مقدمة التنقيح الرائع 1 : 29 ، نقلاً عن ماضي النجف وحاضرها.

(2) قال في أمل الآمل (2 : 275) : «فاضل صالح ، يروي عن المقداد بن
عبد الله السيوري». وانظر : مستدرك الوسائل / الخاتمة 2 : 274.

(3) جاء في أمل الآمل (2 : 50) : «فاضل عالم ثقة صالح زاهد عابد ورع جليل القدر ، له كتب منها: المهذب شرح المختصر النافع ، وعدة الداعي ... يروى عن تلامذة الشهيد» . وانظر: مستدرك الوسائل / الخاتمة 2 : 294.

(4) رياض العلماء 5 : 216.

(5) في أمل الآمل (         ): «الحسن بن راشد، فاضل، فقيه، شاعر، أديب، له شعر كثير في مدح المهدي وسائر الائمة(عليهم السلام)، ومرثية الحسين(عليه السلام)، و أرجوزة في تاريخ الملوك والخلفاء، وأرجوزة في تاريخ القاهرة، و أرجوزة في نظم ألفية الشهيد، و غير ذلك».

(6) قال في الذريعة (1 : 429) : «وهو تقريظ في غايه البلاغة والجزالة ، ونقل الكفعمي صورة خط الفاضل المقداد وتقريظه على نسخة نفسه ، وذكر ان الناظم يروي الألفية عن شيخه المقداد، وهو يرويها عن مؤلفها الشهيد.

   ثم انه حصلت نسخه خط الكفعمي عند ابن عذافة ـ وهو العالم الجليل الشيخ حسام الدين بن عذافة النجفي . الذي كان من مشايخ السيد حسين بن حيدر بن قمر الكركي، المجاز من كثير ممن أدركهم من الأعاظم ، مثل الشيخ البهائي والمير الداماد ، وتاريخ إجازاتهم له من (1003) وما بعدها ـ فاستنسخ ابن عذافة هذا عن نسخة خط الكفعمي نسخة لنفسه ، وكتب عليها جميع ما ذكره الكفعمي ، ولقد رأيت في المشهد الرضوي عند الحاج الشيخ عباس القمي نسخة من الجمانة منتسخة عن خط ابن عذافة هذا بجميع ما في نسخته».

-(20)-

والشيخ الحسن بن راشد هذا هو الذي أرخ وفاة استاذه المقداد،
كما يأتي.

 

مؤلفاته

1 ـ آداب الحج

سماه في رياض العلماء (رسالة في آداب الحج) وقال : «رأيتها بأردبيل ، وعليها خطه وإجازته ، وتاريخ تأليفها عشر ذي الحجة سنة تسع وسبعين وسبعمائة»(1).

ونقل في الذريعة عن المصدر السابق انه رآه في أردبيل بخط تلميذ المصنف الشيخ زين الدين علي بن الحسن بن علالا (غلالة خ. ل) وعلى ظهره إجازة المصنف لتلميذه الكاتب المذكور، وتاريخ الإجازة ثاني جمادى الثانية (سنة 822)(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رياض العلماء 5 : 217.

(2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 1 : 17.

-(21)-

2 ـ إجازة

للشيخ زين الدين علي بن الحسن بن علالة، مختصرة نقلها في الرياض عن خط المجيز على أربعينه، في الخامس والعشرين من جمادى الأولى (سنة 822)(1).

3 ـ الأدعية الثلاثون

قال فيه: «وقبل الشروع في الغرض المعهود نذكر مقدمات نافعة في المقصود...»، ثم بعد ذكره للمقدمات ذكر الأدعية وهي ثلاثون دعاءً عن النبي(صلى الله عليه وآله) والأئمة(عليهم السلام)، مرتباً إلى آخرهم.

قال في الذريعة : «رأيت نسخة منه بخط جعفر بن محمد بن بكة الحسيني (سنة  940) في كتب السيد محمد علي السبزواري، بالكاظمية»(2).

4 ـ الأربعون حديثاً

قال صاحب الرياض: «رأيته فى أردبيل في مجموعة بخط تلميذ المصنف وعليه إجازته له صورتها: أنهى قراءة هذه الأحاديث الشيخ الصالح العالم الفاضل زين الدين على بن حسن بن علالة، وأجزت له روايتها عني عن مشايخي قدس ارواحهم ، وكتب المقداد بن عبد الله السيوري في الخامس والعشرين من جمادى الأولى (سنة 822)»(3).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق 1 : 251.

(2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 1 : 396.

(3) كذا في المصدر السابق 1 : 429 ، ولم أجده في الرياض لدى ترجمته لشيخنا المقداد، ولعله قد تعرض لهذا في مكان آخر.

-(22)-

وفيه أيضاً : «ألفها لولده عبد الله ، رأيتها ببلدة أردبيل وعليها خطه وإجازته ، وتاريخ تأليفه يوم الجمعة ، حادي عشر جمادى الأُولى سنة أربع وتسعين وسبعمائة»(1).

5 ـ إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين

شرح لنهج المسترشدين في أُصول الدين، تأليف العلامة الحلي، شرح بعنوان قال أقول.

أوله: «ان اولى ما يصرف فيه قوة فحول الافكار لاقحة لخرائد ابكار الاذكار ... حمد موجود تفرد بوجوب الوجود وصفات الكمال».

فرغ منه آخر نهار الخميس، الحادي والعشرين من شعبان (سنة  792)، وطبع ببمبي سنة 1303(2).

6 ـ الأسئلة المقدادية

وهى سبع وعشرون مسألة سألها من شيخه الشهيد محمد بن مكي العاملي الجزيني، الشهيد (سنة 786)، وكتب جواباتها.

موجودة ضمن مجموعة من رسائل الشيخ أحمد بن فهد الحلي في الخزانة الرضوية(3).

7 ـ الاعتماد في شرح واجب الاعتقاد

في الأُصول والفروع، وكتاب (واجب الاعتقاد) من تصانيف العلامة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رياض العلماء 5 : 217.

(2) أمل الآمل 2 : 325 / رياض العلماء 5 : 216 / الذريعة إلى تصانيف الشيعة 1 : 515.

(3) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 2 : 92.

-(23)-

الحلي(1).

8 ـ الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية

والفصول النصيرية كتاب في الكلام، فارسي، مختصر عرَّبه ركن الدين محمد بن علي الجرجاني، الاسترابادي، الحلي، الغروي، تلميذ العلامة الحلي وشارح مباديه في حياته (سنة 697).

وشرحه المقداد ـ المعرَّب ـ وسماه (الأنوار الجلالية) لأنه صنفه باسم الملك جلال الدين علي بن شرف الدين المرتضى العلوي الحسيني الآوي(2)، كما ذكره في خطبته، فرغ منه (8 رمضان سنة 808).

أوله : «سبحانك اللهم واجب الوجود ومبدؤه، وغاية وجود كل موجود...».

قال في الذريعة: «رأيت منه نسخاً، منها نسخه بخط أحمد العرفي تاريخ كتابتها (سنة 898) من موقوفة الحاج علي محمد في مكتبة الحسينية في النجف.

ومنها نسخه بخط علي بن هلال، والظاهر انه الكركي المجاز من المحقق الكركي، تاريخ كتابتها (سنة 980)، في مكتبة الشيخ ميرزا محمد الطهراني العسكري.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق 2 : 230.

(2) جاء في أعيان الشيعة (8 : 346) : «النقيب جلال الدين علي بن شرف الدين المرتضى العلوي الحسيني الآوي، ألَّف باسمه المقداد السيوري كتاب (الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية)، وهو شرح على (رسالة الفصول) في الكلام للخواجة نصير الدين الطوسي... رأينا منه نسخة في جبل عامل ذهب أسفل بعض صفحاتها، وتاريخ كتابتها (سنة 1146)».

-(24)-

ومنها نسخه بخط إسحاق بن أبي القاسم النسابة، تاريخ كتابتها (سنة  781)، من موقوفة الشيخ مهدي المعروف بحاج عماد الفهرسي الطهراني ، نزيل المشهد الرضوي ، للخزانة الرضوية»(1).

9 ـ تجويد البراعة في شرح تجريد البلاغة

وتجريد البلاغة في المعاني والبيان، للشيخ كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني المتوفى (سنة 679)(2)، و يقال له ـ أيضاً ـ (أُصول البلاغة)(3).

10 ـ تفسير مغمضات القرآن

وهو مختصر ، وقد كتبه على هوامش القرآن ثم دونه، قال في الذريعة : «ورأيته منضماً الى كتابه كنز العرفان في مكتبة كانت في مدرسة البادكوبي بكربلاء»(4).

11 ـ التنقيح الرائع من المختصر النافع

الذي هو اختصار الشرائع، والتنقيح شرح وبيان لوجه تردداته في المختصر، الذي هو كأصله للمحقق الحلي (المتوفى سنة 676).

وهو شرح تام من الطهارة الى الديات ، في مجلدين ، ابتدأ فيه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 2 : 297.

(2) قال عنه في أمل الآمل (2: 332) : «الشيخ كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحريني . كان من العلماء الفضلاء، المدققين، متكلماً ماهراً، له كتب منها : كتاب شرح نهج البلاغة كبير و متوسط و صغير... يروي عنه السيد عبد الكريم بن أحمد بن طاوس، وغيره».

(3) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 3 : 360.

(4) المصدر السابق 4: 315.

-(25)-

بمقدمات في تعريف الفقه وتحصيله والأدلة العقلية والعمل بخبر
الواحد وأقسامه ، وتفسير الأشهر والأظهر والأشبه وغير ذلك من مصطلحات المصنف.

أوله «الحمد لله العلي العظيم، العزيز الحكيم، الغفور الرحيم، ذي العرش الكريم».

فرغ منه في (9 ربيع الأول سنة 818)، ونسخة عصر المؤلف توجد في الخزانة الرضوية، كما في فهرسها كتبت في (سنة 821)(1).

12 ـ جامع الفوائد في تلخيص القواعد

اختصار لقواعد الشهيد، أوله : «ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان».

وآخره «وليكن هذا آخر ما رتبناه على حسب ما وجدناه».

نسخه منه في الخزانة رضوية في خمسين ورقة، وهي بخط الحسين بن محمود بن الحسين العسكري كما ذكر في فهرس الخزانة(2).

13 ـ شرح ألفية الشهيد

قال في الذريعة : «رأيت نسخة منه في مكتبة الميرزا محمد الطهراني في سامراء، وأظن انه من تأليف الشيخ الفاضل ابى عبد الله المقداد السيوري الحلي ، لأنه كان منضماً الى الأنوار الجلالية ، وهما بخط علي بن هلال، وتاريخ كتابة الأنوار (سنة 980 هـ). وكتابه شرح الألفية غير مورخ ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق 4 : 463.

(2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 5 : 68.

-(26)-

وأوله خطبة الألفية المختصرة ، وعناوينه : ص ... ش ... اى الأصل والشرح .

مثلاً : ص: فهذه رسالة وجيزة في فروض الصلاة ، ش: الإجازة دلالة اللفظ اليسير على المعنى الكثير ، وتقابلها الإطالة والإسهاب، وان كان اللفظ طبق المعنى كما هو متعارف فهو المتوسط...الخ. والموجود منه الى سادس المقدمات ، والباقي ساقط من هذه النسخة(1).

وحكي عن الرياض نسبته إليه عن بعض مشايخه(2).

14 ـ شرح الباب الحادى عشر

اسمه النافع يوم الحشر، أوله : «الحمد لله الذي دل على وجوب وجوده افتقار الممكنات ...»، طبع مكرراً .

وقال في الذريعة: «رأيت منه نسخة بخط محمد بن على بن على بن محمد بن ابي الطي مع إجازة والده له بخطه في (سنة 854) ـ والكاتب هو صاحب مسائل ابن طي ـ موجودة بمكتبة الخوانساري.

وترجم النافع بالفارسية علي بن الحسين الشهرستاني الكربلائي المتوفى (سنة 1344)، وسماه الجامع»(3).

15 ـ كنز العرفان في فقه القرآن

تفسير لآيات الاحكام، وهو الكتاب الذي نحن على أبوابه.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق 13 : 107.

(2) المصدر السابق .

(3) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 24

-(27)-

16 ـ اللوامع الإلهية في المسائل الكلامية

وهو من أحسن ما كتب في الكلام نظير تجريد المحقق الطوسي، في أربعة آلاف بيت، لكنه زاد في مباحثه.

أوله : «تسبيحات أو السبحات لجلال مبدع نطق بايات وجوب وجوده هويات الأشياء ... .

توجد نسخه منه عند السيد هبة الدين الشهرستاني ، وفي خزانة السيد الحسن صدر الدين نسخه جليلة مذهبة حسنة الخط.

وأيضاً في مكتبة راجه فيض آبادي ومدرسة الفاضلية.

فرغ منه في الأربعاء (19 جمادى الأولى 804)(1).

17 ـ مسألة في المتعة

أوله : «مسألة : ومما شنع به على الامامية وادعي تفردها به...».

والنسخة بخط المؤلف مع كتابه نضد القواعد في الخزانة الرضوية(2).

18 ـ رسالة في معنى الناصب

اولها : «الحمد لله رب العالمين ...». ضمن مجموعة كلها بخط الشيخ علي كاشف الغطاء في مكتبته(3) .

19 ـ نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق 18: 361.

(2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 20: 392.

(3) المصدر السابق 21 : 275.

-(28)-

وهو ترتيب وتهذيب لقواعد شيخه الشهيد، بلا زيادة الا في مسألة القسمة، كما صرح بذلك في آخره .

رتبه على مقدمه وقطبين ، المقدمة في تعريف الفقه . والقطب الأول في القواعد العامة في عدة مطالب . والقطب الثانى في قواعد متعددة ، عناوينه قاعدة قاعدة ، ألَّفه بعد اللوامع الإلهية ، كما صرح به في المقدمة، فرغ منه (6 محرم 808) .

اوله : «ربنا آتنا من لدنك رحمة ...»

توجد نسخه منه في المكتبة الرضوية يحتمل انها خط المؤلف(1).

20 ـ وجوب مراعاة العدالة فيمن يأخذ حجة نيابة

قال في الرياض «رأيتها في قاسان مختصرة»(2)

 

مدرسته العلمية

امتازت النجف الأشرف بكثرة المدارس العلمية ، حيث أنها تعد إحدى الحواضر العلمية العريقة ، فقد هاجر إليها الشيخ أبي جعفر الطوسي(رحمه الله) أوائل القرن الخامس الهجري ، وبدأ من ذلك الحين يسعى في تفعيل الحركة العلمية في النجف الأشرف.

وقد أحرز بذلك نجاحاً باهراً  ، فلم تمر إلا فترة وجيزة حتى أصبحت النجف الأشرف واحدة من أهم الحواضر العلمية في العالم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق 24 : 187.

(2) رياض العلماء 5 : 216.

-(29)-

الإسلامي ، فاستقطبت الكثير من العلماء وطلاب العلوم الدينية.

وألحت الحاجة على النجف الأشرف إلى تأسيس المدارس الدينية ، لتكون ـ إلى جانب كونها منتجعاً علمياً تتداول فيه الآراء ، وتتبادل فيه وجهات النظر في شتى المسائل العلمية ـ مأوى يلجأ إليه الجم الغفير من وافديها ، والنازحين إليها ، حيث كانت المدارس ـ ولا تزال ـ بمثابة الأقسام الداخلية للجامعات والمعاهد العلمية.

وقد كان من جملة أولئك الذين ساهموا في تأسيس هذه المدارس هو شيخنا المترجم له ، الفاضل المقداد(رحمه الله) ، فقد أسس مدرسة كانت تعرف آنذاك بمدرسة (المقداد السيوري)(1).

 

وفاته ومدفنه

توفي(رحمه الله) في النجف الأشرف ، ضحى نهار الأحد ، السادس والعشرين من جمادى الآخرة ، (سنة 826 هـ) ، ودفن فيها.

فقد أرخ وفاته بهذا التاريخ تلميذه الشيخ حسن بن راشد الحلي بخطه على نسخة من (القواعد والفوائد) للشهيد الأول ، وهذه النسخة كانت موجودة في النجف الأشرف ، في كتب المرحوم الشيخ محمد الجواد البلاغي(2).

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مقدمة التنقيح الرائع 1 : 32 ، نقلاً عن ماضي النجف وحاضرها 1 : 125.

(2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 2: 92.

-(30)-

منهجه في التفسير

لم يكن شيء يشغل بال علماء المسلمين ومفكريهم منذ الصدر الأول للإسلام وإلى يوم الناس هذا مثل تفسير القرآن الكريم، ومعرفة غوامضه ومكنونه، والوصول إلى ما يحمله هذا المعجز الخالد من العلوم والمعارف.

فقد نشأ علم التفسير بنشوء القرآن الكريم بين جوانح حامليه، ومنذ أن بدأت آيات القرآن الحكيم تتلى آناء الليل وأطراف النهار ، بيد أن المسلمين كانوا في غنىً عن تداول الرأي والنظر في كثير من مسائله، وذلك لوجودهم قرب النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) الذي كان يغذيهم بمعارف القرآن علماً وعملاً.

إلا ان الحاجة إلى التفسير وعلومه بدأت تظهر واضحة بفراق الرسول(صلى الله عليه وآله) وغيابه عن أظهرهم، وهكذا بدأ التأليف والتصنيف في علوم القرآن يتناسب مع بعد العهد عن عصر الرسالة وازدياد الحاجة إليه.

فقد ألف ابن عباس تفسيره المشهور، وأخذت تنمو الحلقات التفسيرية للقرَّاء ـ من الصحابة والتابعين ـ في المعاهد العلمية كالمسجدين الشريفين ، الحرام والنبوي ، ومسجد الكوفة وغيرها، يقرأون للناس القرآن ويفسرونه، وتناقل الرواة آراءهم ، وأقوالهم.

ولم يكن التفسير آنذاك سوى نقل الأحاديث المسندة إلى النبي(صلى الله عليه وآله)أو إلى الصحابة ، مما يتناسب مع الآية الكريمة التي يتناولها المفسر، من شرح المعنى أو سبب النزول أو الناسخ والمنسوخ ، وما إلى ذلك.

وعلى هذه الشاكلة كان المفسرون في العصور المتأخرة عن عصر الصحابة واالتابعين ، فكان من نتاج تلكم الحقبة التاريخية (تفسير الطبري)

-(31)-

، و(تفسير الكوفي) ، و(تفسير القمي) ، و(تفسير العياشي) ، وغيرها مما دوَّن في القرون الثاني والثالث وإلى أواخر الرابع، حيث أقحمت المباحث الأدبية والكلامية في تفسير القرآن الكريم ، فكان (حقائق التأويل) للشريف الرضي من آثار هذا التجديد في أسلوب التفسير.

وهكذا أخذ علم التفسير يأخذ طابعه الخاص ، ويتفرد بقوانينه وأُصوله عن بقية العلوم.

فظهرت مؤلفات جمَّة في تفسير القرآن الكريم لجميع مذاهب وفرق المسلمين، ويعتبر (التبيان) للطوسي المتوفى (460 هـ) من أقدم التفاسير لعلماء الإمامية ، ويمتاز باستيعابه لعلوم القرآن الكريم.

ونشأت المذاهب التفسيرية، قال في كشف الظنون :

«ومنهم من ملأ كتابه بما غلب على طبعه من الفن ، واقتصر على ما تمهر فيه ، كأن القرآن أُنزل لأجل هذا العلم لا غير ، مع أن فيه تبيان كل شيء ، فالنحوي تراه ليس له إلا الإعراب ، وتكثير الأوجه المحتملة فيه ، وإن كانت بعيدة ، وينقل قواعد النحو مسائله ، وفروعه وخلافياته ، كالزجاج والواحدي في البسيط ، وأبي حيان في البحر ، والنهر.

والاخباري ليس له شغل إلا القصص واستيفاؤها ، والإخبار عمن سلف ، سواء كانت صحيحة أو باطلة ، ومنهم الثعلبي.

والفقيه يكاد يسرد فيه الفقه جميعاً ، وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي لا تعلق لها بالآية أصلاً ، والجواب عن أدلة المخالفين كالقرطبي.

وصاحب العلوم العقلية ، وخصوصاً الإمام الرازي في تفسيره ، قد

-(32)-

ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة ، وخرج من شيء إلى شيء حتى يقضي الناظر عجباً...»(1).

وربما يكون الفقيه أمس الحاجة بالقرآن وتفسيره من غيره ، لأنه يجد في القرآن الكريم عنصراً أساسياً من عناصر التشريع الإسلامي يعتمده لدى استنباطه الحكم الشرعي لشتى المسائل الفقهية ، ومن هنا بدأت المصنفات تختص بتفسير الآيات الكريمة المتضمنة للأحكام الشرعية فحسب ، ليسهل عليهم تناولها كلما دعت الحاجة إليها.

فألف في هذا المضمار فقهاء المذاهب الإسلامية ، على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم.

فمن فقهاء الحنفية أبو بكر الرازي ، المعروف بالجصاص ، المتوفى سنة (370 هـ) ، له (أحكام القرآن).

ومن فقهاء الشافعية أبو الحسن الطبري ، المعروف بالكيا الهراسي ، المتوفى سنة (504 هـ) له (أحكام القرآن) أيضاً.

ومن فقهاء المالكية أبو بكر ابن العربي المتوفى سنة (543 هـ) ، له (أحكام القرآن) كذلك ، وأبو عبد الله القرطبي المتوفى سنة (671 هـ) ، له (الجامع لأحكام القرآن).

ومن فقهاء الإمامية قطب الدين الراوندي (من أعلام القرن الخامس)، له (فقه القرآن) .

وجاء شيخنا الفاضل المقداد السيوري فأضاف إلى مؤلفاته المتنوعة في مختلف العلوم الدينية كتابه (كنز العرفان في فقه القرآن) ، مساهمة منه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مقدمة مجمع البيان 1 : 24 ، نقلاً عن كشف الظنون.

-(33)-

أيضاً في إعداد تفسير يتناول كل ما له صلة بالفقه والأحكام الشرعية ، من آيات الذكر الحكيم.

وقد امتاز هذا الكتاب بمنهجية مميزة ، تفقدها كثير من الكتب السابقة عليه ، أعرضها بإيجاز في ضمن نقاط :

1 ـ استخدام المنهج الفقهي في استعراض آيات الأحكام المباركة ، فهو يبدأ بكتاب الطهارة ، ثم كتاب الصلاة وهكذا إلى نهاية مباحث العبادات ، ويتبعه بأحكام المعاملات ، مبتدءً بفقه المكاسب ومنتهياً بالقضاء والشهادات.

وهذا المنهج يعتبر من المميزات الواضحة للكتاب ، حيث أن المنهج المألوف لدى السابقين من الفقهاء هو اعتماد التسلسل القرآني للآيات الكريمة.

ولكل واحد من هذين المنهجين إيجابياته وسلبياته ، ولكن الذي يرجحه الباحث هو الأول منهما ، لأنه الأقرب للذهنية الفقهية ، وبالتالي يسهل على الفقيه تناوله والإفادة منه.

2 ـ استعراض جميع ما يتطلبه البحث في الآيات الكريمة ، من الجوانب الأُخرى غير الفقهية ، كالجانب الأدبي بفروعه من النحو واللغة وغيرها ، وأسباب النزول ، وغير ذلك من متطلبات البحث القرآني ، معتمداً في ذلك الإيجاز والاختصار ، خلافاً لما نجده في أمثال (التفسير الكبير) للرازي ، و(الجامع لأحكام القرآن) للقرطبي.

3 ـ إشباع البحث في الجانب الفقهي ، واستعراض الفروع الفقهية الأُخرى ، مما له صلة وثقى بالبحث.

-(34)-

4 ـ استعراض واف لآراء الفقهاء من المذاهب الإسلامية الأربعة ، مضافاً إلى رأي الفقهاء من الإمامية ، ويتم اختياره للرأي بعد مناقشة جميع الآراء ، معتمداً في ذلك الحجة والبرهان ، ومن هنا يعتبر الكتاب موسوعة فقهية مقارنة.

 

وقفة قصيرة مع الذهبي

ويأتي الدكتور محمد حسين الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون) ليستعرض مناهج تفسير الفقهاء ، وإنتاجهم في التفسير الفقهي ، وبعد أن يستطرد كل مذهب من المذاهب الإسلامية ، وما أنتجه علماؤهم في هذا المضمار ، يصل إلى فقه الإمامية و(كنز العرفان) فيقول :

«هذا ، وإن طريقته التي يسلكها في تدعيم مذهبه وترويجه ، وإبطال مذهب مخالفيه ، لا تخرج عن أمرين اثنين :

أولهما : الدليل العقلي.

ثانيهما : دعوى أن ما ذكره هو ماذهب إليه أهل البيت.

أماالدليل العقلي فيندر أن يسلم له كمستند يستند إليه في صحة
ما يشذ به. وأما دعوى أن ما ذكره هو ما ذهب إليه أهل البيت ، فتلك دعوى كثيراً ما تكون كاذبة ، يلجأ إليها الشيعة عندما يعوزهم الدليل ، وتخونهم الحجة...»
(1).

ثم يذكر مثالاً على ذلك من نفس الكتاب ، وهو ما يذكره المؤلف في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التفسير والمفسرون 2 : 465.

-(35)-

تحديد المقدار الواجب مسحه من الوجه في التيمم ، حيث يقول :

«والوجه المراد به بعضه ، وهو الجبهة عند أكثر أصحابنا ، إما لكون الباء للتبعيض ، أو للنصوص عن أهل البيت (عليهم السلام)...».

ولكني أقول للدكتور الفاضل أين الدليل العقلي الذي اعتمده المؤلف ، وقبيح باستاذ في علوم القرآن والحديث لا يميز بين الدليل الأدبي والدليل العقلي ، ومن الواضح أن المؤلف لم يعتمد في هذه
المسألة دليلاً سوى كون (الباء) للتبعيض ، فأين هذا من الدليل العقلي الذي زعمه الدكتور الحائز على الشهادة العالمية من درجة استاذ في علوم القرآن والحديث؟!

وأيضاً ليت الدكتور الفاضل دلنا على وجه الكذب في دعوى المؤلف (أن ما ذكره هو ما ذهب إليه أهل البيت) ، وكيف يتسنى له أن يطلق هذه الفرية جزافاً ومن دون برهان ، وهل نظر في أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)التي رواها الثقات الأجلاء عنهم ، فوجدها خالية عن دعاوى المؤلف وأسلافه من الشيعة الإمامية ؟! وكيف يجرأ على إطلاق هذه المقولة غير المسؤولة من لا يملك ولا كتاباً واحداً من المجاميع الحديثية لدى الشيعة ، فتراه يعتمد (ضحى الإسلام) في نقله عن كتاب (الكافي) ، الذي يعتبر من أهم الموسوعات الحديثية لديهم.

وحريٌّ بالعالم الذي يتحدث عن كتاب الله تعالى ، الذي هو موعظة للمتقين ، أن يتحلى بشيء من التقوى التي أمر الله تعالى بها ، وأطال القرآن الكريم الحديث عنها وعن مستلزماتها.

ولكن يبدو لي أن الهدف من الكتاب لم يكن هو التفسير

-(36)-

ولا مناهجه، بل هو تفريق المسلمين ، وتمزيق كلمتهم ، وشق وحدتهم ، لأنك تراه يتصيَّد المناسبة ، وينتهز الفرصة للشتم والقذف والبهتان
والتهم الجوفاء ، ففي مقولته السابقة الذكر لم يقتصر على مؤلف الكتاب لينال منه ، بل أضاف جميع الشيعة في ذلك ، وجعل الكذب فيهم عادة متبعة لهم ، متى ما خانتهم الحجة؟!.

ويأتى في ختام حديثه عن تفسير الفلاسفة ـ وكلهم من غير
الإمامية ـ فيقول :

«ولعل القارئ يلحظ معي أن الإمامية الاثني عشرية ، والباطنية الإسماعيلية ، ومتطرفي الصوفية ، ورجال الفلسفة الإسلامية كلهم يسيرون على نمط واحد هدّام لمقاصد القرآن ومراميه ... ويظهر لنا أنها عدوى سرت إلى المسلمين من قدماء الفلاسفة ، ثم تلقتها هذه الفرق بصدر رحب ، وتقبلتها بقبول حسن ، لأنهم رأوا فيها عوناً كبيراً على ترويج بدعهم ونشر ظلالاتهم بين المسلمين»(1)

ليت شعري هل السب والبهتان وقذف المؤمنين بالضلال من مقاصد القرآن الكريم ومراميه ، التي يحاول دكتورنا الفاضل الحفاظ عليها؟! (سبحانك هذا بهتان عظيم).

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التفسير والمفسرون 2 : 431.

-(37)-

عملي في التحقيق

اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على المنهج التقليدي المتداول لدى تحقيق الكتب العلمية ، ومن هنا فهو يتمثل بالخطوات التالية . .

1 ـ تقويم وتوثيق النص  ، من خلال مقابلته بالنسخ الخطية الموثقة.

ومن الجدير بالإشارة أن هذا الكتاب كان من الكتب المشهورة المعروفة لدى العلماء ، مما سبب كثرة تداولها ونسخها ، ولذا نجد العشرات من نسخه متكثرة ومتناثرة في المكتبات والمعاهد التي تعنى بالتراث والمخطوطات.

ومن هنا فإن استقصاء النسخ بأجمعها ومقابلتها مع بعضها ليس بالأمر المقدور ، بل وليس وراءه كثير فائدة للقارئ ولا للمحقق.

ومن هذا المنطلق كان اعتمادي على نسختين خطيتين ، كانت لهما ميزاتهما الخاصة ، كما ستعرف.

أ ـ نسخة نفيسة ، جيدة من ناحية الضبط والإتقان، قوبلت على نسخة المؤلف ، تاريخ كتابتها يرجح أن يكون سنة (880 هـ) ، حيث طمس بعض التاريخ فيها ، وهي بخط محمد بن إبراهيم الميسي ، وتقع في (210 ورقات) .

والنسخة من ممتلكات مكتبة السيد المرعشي النجفي(رحمه الله)، برقم (484). وقد أشرت لها برمز (أ).

ب ـ نسخة خزائنية نفيسة ، عليها شروح

-(38)-

وحواش هامة وليست بالكثيرة ، تاريخ كتابتها ليلة الأربعاء ، رابع عشر شهر رمضان ، سنة (979 هـ) ، بخط حيدر بن مسعود الحمسي الزوايري ، وتقع في (218 ورقة).

والنسخة من ممتلكات مكتبة السيد المرعشي النجفي(رحمه الله) أيضاً، برقم (85). وقد أشرت لها
برمز (ب).

وقد جعلت النسخة الأُولى هي الأصل للكتاب ، وذلك لما تحمله من خصائص مهمة ، ولم أثقل الكتاب بالإشارة إلى اختلاف النسختين ، إلا في موارد خاصة أشرت لها في الهامش.

2 ـ الإخراج الفني للنص، من خلال استعمال العلامات التوضيحية .

3 ـ إرجاع الآيات القرآنية الكريمة الواردة فيه  ، بذكر اسم السورة ورقم الآية منها.

4 ـ إرجاع أحاديث السنة الشريفة  ، إلى مصادرها الأصلية من المجاميع الحديثية المعروفة المتداولة  ، بذكر اسم المصدر ورقم الجزء والصفحة فيه  ، مع الإشارة إلى اختلاف النص مع المصدر ـ إن وجد  ـ .

5 ـ دعم وتوثيق ما ينقله المؤلف ـ جهد الإمكان ـ من أقوال الفقهاء والمتكلمين والنحاة واللغويين وغيرهم  ، وذلك بإرجاعها إلى مصادرها الأولية  ، أو المراجع الثانوية.

 

-(39)-

 

شكر وتقدير

لا يفوتني وأنا في هذه العجالة أن أتقدم بالشكر الجزيل
والامتنان ـ أولاً ـ إلى مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية ، وعلى رأسها سماحة آية الله الشيخ واعظ زادة الخراساني دامت بركاته، الأمين العام للمجمع ، والمشرف على إعداد وتحقيق الكتاب ، حيث أمدني بتوجيهاته السديدة وآرائه الصائبة.

كما وأشكر الأخ الجليل سماحة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد مهدي نجف (دام عزه) ، مدير مركز التحقيقات العلمية للمجمع .

وأيضاً أشكر الأخ الفاضل الشيخ محمد الساعدي (حفظه الله) ، حيث أعانني على تخريج قسط وافر من الأحاديث وأقوال الفقهاء.

متضرعاً إلى الله تعالى أن يمد الجميع بتوفيقاته ، ويأخذ
بأيدينا جميعاً لنصر دينه القويم ، وشرعه المبين ، وآخر دعوانا
أن الحمد لله رب العالمين.

والله من وراء القصد.

 

   قم المقدسة

في 11 / 11 / 1419هـ ق                            محمد القاضي