-(40)-

-(41)-

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمدُ لله الّذي أنزلَ على عبدِهِ الكتاب لكلِّ شيء تبياناً،
وجعلَه لتصديقِ نبوَّته وتأييد رسالته معجزاً وبرهاناً، فنزَّله نوراً
وهدىً وعبرة للعالَمين، وضمَّنه جوامع الكَلِم فكان تبصرةً
وذكرى للعالمين، وأخرس بفصاحته ألسنة العرب العرباء،
وأبكم ببلاغته مصاقع البلغاء والخطباء، وأتقن تهذيبه وأحكم
ترتيبه غاية الإحكام، وصيَّره دليلا وحجَّةً للحكّام في اقتناص
الأحكام، وعصم مَن تمسَّك به وبالعترة من الزَّيع والطُّغيان،
ووعد على التمسُّك الفوز برضاه والخلود في الجنان.

والصَّلاة على المكنَّى عنه بالعبوديَّة والنبوَّة والإرسال،
المنعوت بالرَّأفة، الموصوف بالرَّحمة، المؤيّد بالعصمة في
الأقوال والأفعال،
محمَّد البشير النَّذير، والدَّاعي إلى الحقِّ
والسِّراج المنير، وعلى آله المعصومين، وعترته الأطهرين، كنوز
العلم ورعاته، ودعاة الحقّ وولاته، ما استدارت الخضراء على

-(42)-

الغبراء، واستنارت الغبراء من الخضراء.

أمَّا بعد :

فإنَّ القرآنَ بحرٌ لا تَفنى عجائبُه، ولُجٌّ لا تَنقضي غرائبُه، مَن طلبَ الهدى وجدَه في ظواهرِه وخَوافيه، ومَن رامَ العصمةَ من العمَى
وجدَها في منشورِه ومطاويهِ ، علومُه لا تعدُّ ولا تُحصى، وفُنونُه لا تُحصر ولا تُستقصَى.

وكان علمُ الأحكام الشرعيَّة والمسائل الفقهيَّة ـ الَّذي هو فنٌّ من فنونه، وقطفٌ من غصونه ـ أعمَّ نفعاً للعوامِّ والخواصِّ، وأجدى عائدة وأولى بالاختصاص، إذ به تنتظم قواعد المعاش في العاجلة، وتتمّ سعادة المعاد في الآجلة.

وكانت الآيات الكريمة ـ الَّتي هي مرجع جملة من مسائله أجلَّ حجج فتواه وأكبر دلائله ـ قد اعتنى العلماء بالبحث عنها ، واستخراج السرّ الدّفين منها، لكنّي لم أظفر بكتاب في تنقيح تلك الآيات يبرد الغليل، ويشفي العليل، ويحتوي على جملة ما يبغيه الراغب، ويستطرفه الطَّالب، بل إمَّا مسهب بذكر الأقاويل والأخبار، أو مقصِّر قد ملَّل
بالإيجاز والاختصار.

فحداني ذلك على وضع كتاب يشتمل على فوائد خلا عنها أكثر التَّفاسير ، وفرائد لم يعثر عليها إلاّ كلّ نحرير، وضممت إلى ذلك فروعاً فقهيَّة تقتضيها نصوص تلك الآيات أو ظواهرها، ونكات معان وعجيب غرائب يلمع لدى الفضلاء زواهرها، يظهر بذلك من الآيات سرُّها

-(43)-

المكنون، وجوهرها الثمين المصون، بحيث يعجب بذلك النَّاظرون، وما يعقلها إلاّ العالمون.

وسمَّيته : كنز العرفان في فقه القرآن، والمسؤول من ذي الجود والإفضال، أن يجعله نوراً في صحائف الأعمال، إنه بطوله وكرمه يسمع ويجيب، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكَّلت وإليه اُنيب.

وهو مرتَّب على مقدِّمة ، وكتب ، وخاتمة.

أما المقدِّمة فتشتمل على فوائد :

الأُولى : اللَّفظ المفيد وضعاً إن لم يحتمل غير ما فهم منه بالنّظر إليه، فهو (النص).

وان احتمل، فإن ترجَّح أحد الاحتمالين بالنظر إليه أيضاً، فهو (الظّاهر)، والمرجوح (المؤوَّل).

وإن تساوى الاحتمالان فهو (المجمل).

والقدر المشترك بين النصِّ والظَّاهر هو (المُحكم).

والمشترك بين المجمل والمؤوَّل هو (المتشابَه).

وقد يتركب بعض هذه مع بعض.

مثال النصِّ: قوله تعالى: (قُل هُوَ اللهُ أحَدٌ)(1)، إذ لا يحتمل
غير الوحدانيَّة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الاخلاص : 1.

-(44)-

مثال الظَّاهر: (وامسَحُوا بِرُؤوسِكُم وأرجُلَكُم)(1).

مثال المؤوَّل: (يدُ اللهِ فَوقَ أيدِيهِم)(2)، في إرادة القدرة.

مثال المجمل: (واللَّيلِ إذا عَسعَس)(3) في احتمال أقبل وأدبر.

الثانية : اللفظ الدَّال على الماهيَّة إمَّا أن يدلَّ عليها من حيث هي هي لا بقيد وحدة أو كثرة ، أو لا، فالأوَّل المطلق.

والثَّاني إن دلَّ بقيد وحدة فإمَّا معيَّنة وهو العَلَم، والمضمر . أو غير معيَّنة وهو النكرة، ويقال له : ـ أيضاً ـ الشَّخص المنتشر.

وإن دلَّ بقيد كثرة فإمَّا محصورة بالنَّظر إليه وهو اسم العدد.
أو غير محصورة، فإمَّا أن تكون شاملة لكلِّ الأفراد وهو العامُّ. أو غير شاملة وهو الجمع المنكَّر.

فالفرق ـ حينئذ ـ بين العام والمطلق : انَّ المطلق يدلُّ على
الماهيَّة من حيث هي هي لا بقيد وحدة أو كثرة، والعامَّ يدلُّ عليها مع قيد الكثرة الشاملة.

وألفاظ العموم: كلّ، وجميع، ومتى، ومَن، وما، وحيثما،
وأنَّى، والجمع المعرَّف باللاَّم، والجمع المضاف، واُلحق غيرها، وتحقيقه في الاُصول.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة : 6 .

(2) سورة الفتح : 10 .

(3) سورة التّكوير : 17 .

-(45)-

ثمَّ العامّ إن ورد إخراج بعض ما يصحُّ أن يتناوله لفظه سمّي ذلك المخرج مُخصِّصاً، والعام مخصوصاً.

وكذا المطلق إن ورد ما يدلُّ على الماهيَّة بصفة زائدة سمّي ذلك مقيِّداً، والمطلق مقيَّداً.

وكذلك المجمل إن ورد لفظ أو فعل معيِّن لأحد محتملاته سمّي ذلك مبيِّناً، والمجمل مبيَّناً، وتحقيق ذلك كلّه في أُصول الفقه.

الثالثة: اشتهر بين القوم أنّ الآيات المبحوث عنها نحو من خمسمائة آية، وذلك إنَّما هو بالمتكرِّر والمتداخل، وإلاّ فهي لا تبلغ ذلك، فلا يظنُّ من يقف على كتابنا هذا ـ ويضبط عدد ما فيه ـ أنّا تركنا شيئاً من الآيات، فيسيئ الظنَّ به، ولم يعلم أنّ المعيار عند ذوي البصائر والأبصار، إنَّما هو التَّحقيق والاعتبار، لا الكثرة والاشتهار.

وعلى التقديرين يرد هنا سؤال تقريره أنَّه ورد في الحديث عنهم(عليهم السلام): «القرآن أربعة أرباع، ربع فينا، وربع في عدوّنا، وربع فرائض وأحكام، وربع قصص وأمثال»(1). والقرآن ستّة آلاف آية وستمائة وستّة وستّون آية(2)، فكيف يكون خمسمائة وأقلّ ربعه؟

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أُصول الكافي 2 : 628، بأدنى تفاوت .

(2) اختلف العلماء في عدد آيات القرآن ، فقال : الزركشي في البرهان (1 : 249) ، والسيوطي في الإتقان (1 : 232) : «قد أُجمع ـ كما قالوه ـ على ان عدد آيات القرآن (6000 آية) ،
ثم اختلفوا فيما زاد على ذلك على أقوال : فمنهم من لم يزد شيئاً ، ومنهم من قال :
(104 آيات) ، وقيل : (114 آية) ، وقيل : (219 آية) ، وقيل : (225 آية) أو (225 آية) ، وقيل : (236 آية). حكى ذلك أبو عمرو الداني في كتاب البيان».

   وأضاف الزركشي قائلاً : «وعدد الآيات في قول علي (6218 آية) ، وعطاء (6177 آية) ، وحميد (6212 آية) ، وراشد (6204 آية) ».    وهكذا بقي الخلاف قائماً بينهم ولم يستقر لهم رأي في المسألة ، حتى قال الطباطبائي
في الميزان (31 : 228) : «لم يرد في عدد الآي نص متواتر يعرف الآي ويميز كل آية من
غيرها ، ولا شيء من الآحاد يعتمد عليه ، ومن أوضح الدليل على ذلك اختلاف أهل العدد فيما بينهم ، وهم : المكيُّون ، والمدنيُّون ، والشاميُّون ، والبصريُّون ، والكوفيُّون ...».

-(46)-

والجواب من وجهين:

الأول: ليس المراد الرُّبع حقيقة، وهو جزء من أربعة أجزاء متساوية في المقدار، بل الرُّبع باعتبار المعنى، فلا يلزم أن يكون الأرباع متساوية من حيث المقدار.

الثّاني: أنّ الفرائض والأحكام قد تكون فقهيّة، وقد تكون اُصوليَّة، والآيات المذكورة فقهيَّة لا غير، فجاز كون تمام الرّبع في فرائض وأحكام غير فقهيَّة.

إذا تقرَّر هذا فلنشرع في الكتب.

 

 

-(47)-

 

 

كِتَابُ الطَّهَارَة

وفيه مقدِّمة وآيات..

أما المقدِّمة . .

فالطَّهارة ـ لغة ـ النزاهة، قال الله تعالى: (يا مريمُ إنَّ اللهَ اصطفاكِ وطهَّركِ)(1)، أي: نزَّهك.

وشرعاً تطلق حقيقة ـ عند بعضهم ـ على رافع الحدث، أو المبيح للصلاة، فتعريفها حينئذ هو: (ما يبيح الدخول في الصَّلاة)، وإن اُطلقت على غير المبيح فمجاز، كغسل الجمعة، والوضوء المجدَّد.

وعند الأكثر تطلق عليهما حقيقة، فأجود تعريفاتها حينئذ: (استعمال طهور مشروط بالنية).

وقد تطلق مجازاً ـ بالاتفاق ـ على إزالة الخبث، إما عن الثوب، أو عن البدن، لأن إزالة الخبث ـ في التحقيق ـ أمر عدمي، فلاحظَّ له في المعاني الوجودية حقيقة.

وهل إطلاقها في المعنى الحقيقي متواطئ أو مشكك(2)؟
فيه خلاف.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران : 37.

(2) المعنى إذا كان كلياً ، فإن كان معناه في أفراده متساوياً فهو متواطئ، مثل مفهوم الإنسان ، وإن كان متفاوتاً فهو المشكك ، مثل مفهوم البياض حيث تختلف أفراده شدة وضعفاً. انظر : معارج الأُصول : 49 / معالم الدين : 34 ، بتصرف وتوضيح.

-(48)-

ومقصود الكتاب هنا ذكر الطهارة بسائر اعتباراتها المذكورة، حقيقةً أو مجازاً.

وأما الآيات..

فالاُولى : (يَا أيُّها الَّذينَ ءامَنوا إذا قُمتُم إلى الصَّلاةِ فاغسِلُوا وجوهَكُم وأيدِيَكُم إلى المَرافِقِ وامسَحُوا برؤوسِكُم وأرجُلَكُم إلى الكَعبَينِ وإن كُنتُم جُنُباً فاطَّهَّروا وإن كُنتُم مَرضَى أو على سَفَر أو جَاءَ أحَدٌ منكُم مِنَ الغَائطِ أو لامَستُم النِّساء فلَم تَجِدوا ماءً فتيمَّموا صعيداً طيِّباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريدُ الله ليَجعلَ عَليكم من حَرج ولكن يريد ليطهِّركم وليتمَّ نعمَتَه عَليكم لعلَّكم تَشكرونَ)(1).

هنا مسائل..

1 ـ قوله: (يا أيُّها الذين ءامنوا)، يرد سؤال تقريره : انه يلزم اختصاص الوجوب بالمؤمنين، مع ان عندكم الكافر مكلف بالفروع؟.

جوابه: اللزوم من حيث مفهوم المخالفة، وليس بحجة عندنا، ووجه التخصيص بالذين آمنوا أنهم المتهيؤن للامتثال،
المنتفعون بالأعمال.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة : 6.

-(49)-

2 ـ قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصَّلاة)، قيام الصَّلاة قسمان :

قيام للدخول فيها.

وقيام للتهيؤ لها.

والمراد هنا الثاني، وإلاَّ لزم تأخر الوضوء عن الصَّلاة، وهو
باطل إجماعاً.

فلذلك قيل : المراد إذا أردتم القيام، كقوله تعالى : (إذا قرأت القرآن فاستعذ بالله)(1)، عبَّر عن إرادة الفعل بالفعل المسبب عنها، فهو من إطلاق المسبَّب على السبب، كقولهم: «كما تدين تدان».

وفيه نظر; لأن معنى الإرادة مفهوم من العقل لا من اللغة، بل
ما من فعل إلا وهو مسبب عن الإرادة، فتخصيص القيام يفتقر إلى مخصص، وليس.

وقيل: المراد إذا قصدتم الصَّلاة، لأن القيام إلى الشيء والتوجه إليه يستلزم القصد إليه، فيكون من إطلاق الملزوم على اللازم.

والأولى ان ذلك كله يخرج (إلى) عن موضوعها الحقيقي، وهو كونها للغاية الزمانية، أو المكانية. والحقيقة أولى، وذلك مستلزم لتقدير زمان هي موضوعة لغايته، فيكون التقدير: إذا قمتم زماناً ينتهي إلى الصَّلاة، فيكون القيام على حقيقته، فالمقدَّر هو الزَّمان الذي يقتضيه لفظ إلى والفعل معاً.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النحل : 97.

-(50)-

ثم اعلم: ان ظاهر الخطاب يعمُّ كل قائم محدِثاً كان أو غيره، وهو باطل، لأنه خلاف الإجماع، ولأنه(صلى الله عليه وآله) صلى الخمس بوضوء واحد، فقال عمر : صنعت ما لم تصنعه ؟ فقال(صلى الله عليه وآله) : «عمداً فعلته»(1).

وقيل: كان كذلك ونسخ.

وهو ضعيف أيضاً، لقوله(صلى الله عليه وآله): «المائدة آخر القرآن نزولاً، فأحلِّوا حلالها، وحرِّموا حرامها»(2).

والحق: ان المراد إذا قمتم إلى الصَّلاة محدثين، فهو مطلق
اُريد به التقييد.

3 ـ (فاغسلوا وجوهكم)، الأمر حقيقة للوجوب، على قول الأكثر، وتحقيقه في الاُصول، أي: أمرِّوا الماء على وجوهكم، وفيه دلالة على عدم جواز التولية، بل المباشرة.

ولا حاجة إلى الدلك، خلافاً لمالك(3).

والوجه اسم لما يقع به المواجهة، فلا يجب تخليل الشعور الكثيفة عليه، بخلاف الخفيفة، فإن المواجهة تقع بما تحتها.

4 ـ (وأيدِيَكُم إلى المَرافِقِ )، قيل: (إلى) بمعنى مع، كما في (مَن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن النسائي 1 : 86 / سنن الترمذي 1 : 42 / السنن الكبرى 1 : 118.

(2) لم أجده فيما لديَّ من المصادر، ورواه عن عائشة في مسند أحمد 6 : 188 و المستدرك على الصحيحين 2 : 311 ، بأدنى تفاوت.

(3) المدونة الكبرى 1 : 27 / بداية المجتهد 1 : 44.

-(51)-

أنصاري إلى الله)(1)، فيدخل المرفق ضرورة.

وقيل: (إلى) على حقيقتها، وهو انتهاء الغاية، فقيل: بدخول المرفق أيضاً، لأنه لما لم تتميز الغاية عن ذي الغاية بمحسوس
وجب دخولها.

والحق: انها للغاية، ولا تقتضي دخول ما بعدها فيما قبلها،
ولا خروجه، لوروده معهما.

أما الدخول، فكقولك: حفظت القرآن من أوله إلى آخره،
ومنه:
(سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى)(2).

وأما الخروج، فكـ (أتمِّوا الصِّيامَ إلى اللَّيل)(3)، و(فنظرةٌ
إلى مَيسَرَة)(4).

وحينئذ لا دلالة على دخول المرفق، ولذلك حكم داود، وزفر بعدم وجوب غسلهما(5).

وكذا لا دلالة على الابتداء بالمرفق، ولا الأصابع، لأن الغاية قد تكون

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران : 52.

(2) سورة الاسراء : 1.

(3) سورة البقرة : 83.

(4) سورة البقرة : 280.

(5) تفسير القرطبي 6 : 86 / بداية المجتهد 1 : 11 / المبسوط للسرخسي 1 : 6 / بدائع
الصنائع 1 : 4.

-(52)-

للغسل، وقد تكون للمغسول، وهو المراد هنا، بل كل من الابتداء والدخول مستفاد من بيان النبي(صلى الله عليه وآله)، فإنه توضأ، وابتدأ بأعلى الوجه وبالمرفقين، وأدخلهما، وإلا لكان خلاف ذلك هو المتعين، لأنه قال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصَّلاة إلا به»(1)، أي بمثله.

فلا يكون الابتداء بالأعلى وبالمرفقين وعدم دخولهما مجزياً، بل يكون بدعة، لكن الإجماع على خلافه.

5 ـ (وامسحوا برؤوسكم)، قيل: الباء للتبعيض، لأنه الفارق بين (مسحت بالمنديل) وبين (مسحت المنديل).

وقيل: زائدة، لأن المسح متعدّ بنفسه، ولذلك أنكر أهل العربية
إفادة التبعيض.

والتحقيق: انها تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق، فكأنه قال: (الصقوا المسح برؤوسكم)، وذلك لا يقتضي الاستيعاب ولا عدمه، بخلاف (امسحوا رؤوسكم)، فإنه كقوله: (فاغسلوا وجوهكم).

ثم اختلف في القدر الواجب مسحه، فقال أصحابنا: أقلُّ ما يقع عليه الاسم، أخذاً بالمتيقَّن، ولنصِّ أئمَّتهم(عليهم السلام)، وبه قال الشَّافعي(2).

وقال أبو حنيفة: ربع الرأس(3)، لأنه(عليه السلام) مسح على ناصيته(4)، وهو ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه 1 : 38.

(2) الاُم للشافعي 1 : 41.

(3) المبسوط للسرخسي 1 : 63 / بدائع الصنائع 1 : 4.

(4) سنن أبي داود 1 : 37 / السنن الكبرى 1 : 61.

-(53)-

قريب من الربع. وهو غلط.

ومالك مسح الجميع(1).

فـروع . .

أ ـ المسح عندنا يختصٌّ بالمقدَّم، لوقوع ذلك في البيان، فيكون متعيِّناً. ولأنَّه يجزئ بالإجماع، لأنَّ جميع الفقهاء قالوا بالتخيير أيَّ
موضع شاء.

ب ـ الحقُّ أنَّه لا يجب الابتداء بالأعلى لإطلاق المسح، ولقول أحدهما(عليهما السلام): «لا بأس بالمسح مقبلا و مدبراً»(2).

ج ـ أنَّه لا يتقدَّر بثلاث أصابع، لما بيَّناه من الإطلاق، ولقول الباقر(عليه السلام): «إذا مسحت بشيء من رأسك، أو بشيء من قدميك، ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك»(3).

نعم، بثلاث أفضل.

6 ـ (وأرجلَكم إلى الكعبين)، قرأ نافع، وابن عامر، والكسائىُّ، وحفص بالنَّصب(4)، عطفاً على محلِّ (برؤوسكم)، إذ الجارُّ والمجرور محلُّه النَّصب على المفعوليَّة، كقولهم: مررت بزيد وعمرواً. وقرئ: (تنبت بالدُّهن وصبغاً للآكلين)، وكقول الشاعر:

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المدونة الكبرى 1 : 16 / بداية المجتهد 1 : 12.

(2) تهذيب الأحكام 1 : 58 بأدنى تفاوت.

(3) تهذيب الأحكام 1 : 90 / الاستبصار 1 : 61.

(4) التبيان 3 : 448 / تفسير القرطبي 6 : 91 / تفسير الفخر الرازي 11 : 161.

-(54)-

   معاوي إنَّنا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا(1)

وقرأ الباقون بالجرِّ عطفاً على (رؤوسكم)(2)، وهو ظاهر.

فإذاً القراءتان دالَّتان على معنى واحد، وهو وجوب المسح، كما هو مذهب أصحابنا الإماميَّة.

ويؤيده: ما رووه عن النبي(صلى الله عليه وآله): «أنَّه توضَّأ ومسح على قدميه ونعليه»(3). ومثله عن عليٍّ(عليه السلام)، وابن عبَّاس(4).

وأيضاً عن ابن عبَّاس: أنَّه وصف وضوء رسول الله(صلى الله عليه وآله) فمسح على رجليه(5).

وإجماع أئمَّة أهل البيت(عليهم السلام) على ذلك، قال الصادق(عليه السلام): «يأتي على الرجل الستُّون أو السَّبعون ما قبل الله منه صلاة!

قيل: وكيف ذلك؟

قال: لأنَّه يغسل ما أمر الله بمسحه»(6). وغير ذلك من الرِّوايات.

وقال ابن عباس: ـ وقد سئل عن الوضوء: ـ فقال «غسلتان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البيت لعقيبة الأسدي، من أبيات له يتظلم فيها، قدم بها على معاوية، ودفعها إليه في رقعة، وتجد تمام القصة في الأغاني 20 : 363 / العقد الفريد 1 : 59.

(2) التبيان 3 : 448 / تفسير القرطبي 6 : 91 / تفسير الفخر الرازي 11 : 161.

(3) سنن أبي داود 1 : 43 / السنن الكبرى 1 : 286.

(4) سنن ابن ماجة 1 : 156 / كنز العمال 9 : 435 / المغني 1 : 120 / المحلى 2 : 56.

(5) سنن أبي داود 1 : 37.

(6) الكافي 3 : 31 / تهذيب الأحكام 1 : 58 / الاستبصار 1 : 64.

-(55)-

ومسحتان»(1).

وقال الفقهاء الأربعة بوجوب الغسل(2)، محتجِّين بقراءة النصب، عطفاً على (وجوهكم)، أو أنَّه منصوب بفعل مقدَّر ـ أي: (واغسلوا أرجلَكم)، كقولهم:

* علَّفتها تبناً وماءً بارداً *(3)

أراد: وأسقيتها.

وقوله:

* متقلِّداً سيفاً ورمحاً *(4)

أي: ومعتقلا رمحاً.

ويؤيِّده: قراءة (وأرجُلُكم) بالرَّفع(5)، أي وأرجلكم مغسولة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كنز العمال 9 : 433.

(2) الاُم للشافعي 1 : 42 / فتح العزيز 1 : 357 / المجموع 1 : 417 /بداية
المجتهد 1 : 15 / المبسوط للسرخسي 1 : 8 / بدائع الصنائع 1 : 5 / المغني 1 : 120 / الشرح الكبير 1 : 116.

(3) بيت مشهور، لم يعرف قائله، أورده في الصحاح 1 :319/ وتتمته :

* حتى شتت همالة عيناها *

(4) صدره : في الصحاح 2 : 527

* ياليت زوجك قد غدا * وفي التبيان 4 : 215 * ورأيت زوجك قد غدا *

(5) وهي قراءة الحسن، والأعمش، والمروية عن نافع أيضاً. انظر الكشاف 1 : 611/ الجامع لأحكام القرآن 6 : 91.

-(56)-

وأمَّا قراءة الجرِّ فبالمجاورة، كقوله تعالى: (عذاب يوم أليم)(1). بجرِّ أليم، وقراءة حمزة (وحور عين)(2)، فإنَّه ليس معطوفاً على قوله: (ولحم طير)(3) وما قبله، وإلاَّ لكان تقديره: (يطوف عليهم ولدان مخلَّدون بحور عين)، لكنَّه غير مراد، بل هم الطَّائفون لا المطوف بهم، فيكون جرُّه على مجاورة (ولحم طير).

ولأنَّ القول بالغسل قول أكثر الاُمَّة.

والجواب عن الأوَّل: بأنَّ العطف على وجوهكم حينئذ مستهجن إذ لا يقال: (ضربت زيداً وعمرواً وأكرمت خالداً وبكراً)، ويجعل (بكراً) عطفاً على (زيد وعمرو) المضروبين.

هذا، مع أنَّ الكلام إذا وجد فيه عاملان عطف على الأقرب منهما، كما هو مذهب البصريِّين، وشواهده مشهورة، خصوصاً مع عدم المانع كما في المسألة، فإنَّ العطف على (الرُّؤوس) لا مانع منه لغةً ولا شرعاً.

وأمَّا النَّصب بفعل مقدَّر، فإنَّه إنَّما يجوز ويُضطرُّ إلى التَّقدير إذا لم يمكن حمله على اللَّفظ المذكور، كما مثَّلتم، وأمَّا هنا فلا، لما قلنا من العطف على المحلِّ.

وأمَّا قراءة الرفع، فيَحتِمل ـ أيضاً ـ مذهبنا، أي: وأرجلكم ممسوحة،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة هود : 26.

(2) سورة الواقعة : 22.

(3) سورة الواقعة : 21.

-(57)-

بل هو أولى لقرب القرينة.

وعن الثاني: بأنَّ إعراب المجاورة ضعيف جداً، لا يليق بكتاب الله تعالى، خصوصاً وقد أنكره أكثر أهل العربيَّة(1).

هذا، مع أنَّه إنَّما يجوَّز بشرطين:

الأول: عدم الالتباس، كقولهم: «جحر ضبٍّ خرب»، فإنَّه لا التباس أنَّ الخرب صفة للجحر، بخلافه هنا، فإنَّ الأرجل يمكن أن تكون ممسوحة ومغسولة.

إن قلت: الالتباس زائل بالتحديد بالغاية، فإنَّ التحديد إنَّما هو للمغسول كالأيدي إلى المرافق.

قلت: جاز في شرعنا اختلاف المتِّفقات في الحكم، وبالعكس، فلا يزول الالتباس.

الثَّاني: أن لا يكون معه حرف عطف، كالمثال، وهنا
حرف عطف.

إن قلت: قد جاء مع العطف كقوله:

   فهل أنت إن ماتت أتانك راحل إلى آل بسطام بن قيس فخاطبِ(2)

جرّ (خاطب) مع حرف العطف، وهو الفاء.

قلت: إنَّ المراد رفع (خاطب) عطفاً على (راحل)، وإنَّما جرَّه وهماً،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر : مغني اللبيب 2: 894 ، الباب الثامن، القاعدة الثانية.

(2) لم يعرف قائله، واستشهد به في التبيان 3 : 453.

-(58)-

أو إقواءً(1)، أو أنَّ المراد (فخاطب) فعل أمر، لا أنَّه اسم فاعل، وكسره للقافية.

وأمَّا قراءة (أليم)، فلعدم الالتباس بـ(يوم).

و (حور عين) مجرور عطفاً على (جنَّات)، أي: المقرَّبون في جنات ومصاحبة حور عين، وذلك لأنَّ جرّ الجوار مع الواو ممنوع.

وعن الثالث: بالمنع من كونه حجَّة مع مخالفة علماء أهل البيت(عليهم السلام)، خصوصاً وقد بيَّنَّا وروده من طرقكم، ولهذا كان الجبائىُّ يغسل ويمسح، ويفتي بالجمع بينهما(2).

ثمَّ الكلام في (إلى) كالذي تقدَّم، في احتمال المعيَّة، والغاية.

والأقوى عندي الثاني، والغاية للممسوح، فلا دلالة على الابتداء، وفروع المسح المتقدِّمة آتية هنا، فيجوز ولو بإصبع، ومنكوساً،
وغير مستقيم.

نعم، محلُّه ظاهر القدم للبيان.

وأمَّا الكعبان: فملتقى الساق والقدم، والناتئان لا شاهد لهما لغة وعرفاً، وشرعاً.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أقوى الشعر خالف قوافيه برفع بيت وجرِّ آخر، وقَلَّت قصيدة لهم بلا إقواء، واما الإقواء بالنصب فقليل. انظر : القاموس المحيط 4 : 522.

(2) المنسوب إلى الجبائي القول بالتخيير، كما في منتهى المطلب 2 : 60 /
المغني 1 : 151 / تفسير الفخر الرازي 11 : 161 / بدائع الصنائع 1 : 5.

-(59)-

وقيل: لو اُريد ملتقى الساق والقدم لقال: إلى الكعاب، إذ كلُّ رجل لها كعبان.

اُجيب: بأنَّ المراد الكعبان من كلِّ رجل، وبأنَّ أبا عبيدة قال: «الكعب هو الَّذي في أصل القدم، ينتهي إليه الساق، بمنزلة كعاب القنا»(1).

فائدة :

إن قلنا أنَّ واو العطف تفيد الترتيب، كما هو رأي الفرَّاء، وبعض النُّحاة، والفقهاء(2)، فدلالة الآية على التَّرتيب ظاهر. وإن قلنا بعدمه، كما هو المشهور، وهو الحقُّ، فنقول:

يجب الابتداء بغسل الوجه، لإتيانه بفاء التعقيب، وكلُّ من قال بذلك قال بوجوب التَّرتيب.

ولأنَّه محتمل للوجهين، والوضوء البيانىُّ وقع فيه الترتيب، وإلاَّ كان خلافه متعيِّناً، وهو باطل.

اُخرى: إن كان الأمر للفور فالموالاة واجبة قطعاً، وإلاَّ فمستفادة من خارج، كقوله تعالى: (وسَارعوا إلى مَغفِرة من رَبِّكُم)(3)، ونحوه.

7 ـ (وإن كُنتُم جُنُباً فاطَّهَّروا)، والجنب: جنس يصدق على الواحد والجمع، مذكَّراً أو مؤنَّثاً، كـ(عدل) و(رضى)، وهو اسم جرى مجرى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المغني لابن قدامة 1 : 125 / منتهى المطلب 2 : 74.

(2)منهم : قطرب، والربعي، وثعلب، وأبو عمر الزاهد، وهشام، والشافعي. انظر : مغني
اللبيب 1 : 463، حرف الواو.

(3) سورة آل عمران : 133.

-(60)-

المصدر، أعني: الاجناب، وهو لغةً بمعنى الإبعاد.

وشرعاً من بَعُد عن أحكام الطَّاهرين، إمَّا لجماع، أو خروج منىّ، يقظة أو نوماً.

قيل: الجملة معطوفة على (فاغسِلوا وجُوهَكُم)، أي: إذا قمتم إلى الصَّلاة فإن كنتم محدثين فتوضَّؤوا، وإن كنتم جنباً فاغتسلوا.

فعلى هذا، الغسل واجب لغيره، ولا يفتقر إلى ضمِّ الوضوء، لأنَّه جعله قسيماً له.

والأولى أنَّها جملة شرطية معطوفة على مثلها، أي: يا أيها الذين آمنوا إن كنتم جنباً فاطَّهَّروا، أي: اغتسلوا. وحينئذ يكون الغسل واجباً لنفسه لا للصَّلاة، لعدم تقييد (اطَّهَّروا)بالقيام إلى الصَّلاة، ويجب حصول المسبَّب، وهو الطَّهارة، عند حصول السَّبب، وهو الجنابة.

ويؤيِّد هذا قول علي(عليه السلام) في قضيَّة الأنصار: «أتوجبون عليه الجلد والمهر ولا توجبون عليه صاعاً من الماء؟!»(1).

وقول الصَّادق(عليه السلام): «إذا أدخله فقد وجب الغسل»(2)، وغير ذلك.

وقلنا المراد اغتسلوا، لأنَّه أمر بالتطهير على الإطلاق، بحيث لم يكن مخصوصاً بعضو معيَّن، فكان أمراً بتطهير كلِّ البدن.

ولأنَّ الوضوء لمَّا كان مخصوصاً ببعض الأعضاء ذكرها على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه 1 : 84 / تهذيب الأحكام 1 : 119 ، وفي المصادر : «الحد والرجم».

(2) الكافي 3 : 46 / تهذيب الأحكام 1 : 118 / الاستبصار 1 : 108.

-(61)-

التَّعيين، وهنا لمَّا لم يذكر عضواً معيَّناً علم إرادة الإطلاق.

ولأنَّ المراد ليس هو الوضوء بالإجماع، ولا هو مع الغسل، وإلاَّ لزم استعمال المشترك في معنييه. وهو باطل لما تقرَّر في الاُصول.

فلم يبق إلاَّ الغسل، وكذا في قوله فيما بعد: (ليطهِّركم).

8 ـ (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النِّساء) ذكر أُموراً يباح عندها التيمُّم:

أحدها: المريض المتضرِّر باستعمال الماء، أو العاجز عن
السَّعي إليه.

وثانيها: المسافر الَّذي لا يجد الماء في سفره، و(على) هنا تفيد الحال، أي: حال سفركم، كقولهم: «زرت فلاناً على شربه».

وتخصيص السَّفر للأغلبيَّة، لا لاختصاصه بالإباحة، بل مباح سفراً وحضراً مع عدم الماء، وبه قال مالك(1).

وقال الشَّافعىُّ: الحاضر يتيمَّم، ويعيد الصَّلاة مع الوجدان(2).

وقال زفر بمنع التيمُّم، بل يصبر حتَّى يجد الماء(3).

وعن أبي حنيفة القولان(4).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المدونة الكبرى 1 : 44 / بداية المجتهد 1 : 66.

(2) المجموع 2 : 304.

(3) المبسوط للسرخسي 1 : 123 / بدائع الصنائع 1 : 50.

(4) المبسوط للسرخسي 1 : 123 / المحلى 2 : 139.

-(62)-

والحقُّ ما قلناه من العموم، إذ المفهوم المخالف ليس بحجَّة،
والنصوص عامَّة.

وثالثها: المجيئ من الغائط، أي الموضع المطمئن من الأرض، كني بذلك عن الحدث، أي: الخارج من دبر الإنسان من العذرة، وسمِّي شرعاً (غائطاً) تسمية للحالِّ باسم محلِّه.

و(من) للتبيين، أي: جاء موضعاً من الغائط، وعند الأخفش هي زائدة، لتجويزه الزِّيادة في الإثبات، فلا حاجة عنده إلى
تقدير المفعول(1).

والمعنى: إن كنتم محدثين بأحد الأحداث، أي: البول، والغائط، والرِّيح.

و (أو)، هنا بمعنى الواو.

وأمَّا الحدث بغير الثلاثة فيستفاد من غير الآية.

ورابعها: (أو لامستم النِّساء)، قرأ الكسائىُّ: (لمستم)(2)، كقوله: (لم يمسسني بشر)(3).

والباقون: (لامستم) بالألف(4)، لأنَّ فاعل قد جاء بمعنى فَعَلَ، كعاقب بمعنى عقب.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مغني اللبيب 1 : 428، باب (من).

(2) التبيان 3 : 205.

(3) سورة آل عمران : 47.

(4) التبيان 3 : 205.

-(63)-

واللَّمس والملامسة كنايتان عن الجماع، قاله ابن عبَّاس، والحسن، ومجاهد، وقتادة(1)، وإنَّما كنَّى به عنه لأنَّه به يتوصَّل إليه، واختاره أصحابنا الإماميَّة.

وقال الشَّافعي: تلاقي بشَرَتَي ذكر وأُنثى مطلقاً، في غير المحارم، موجب للوضوء(2).

وقال مالك: إن كان ذلك بشهوة انتقض الوضوء، وإلاَّ فلا(3).

وقال أبو حنيفة: إن انتشر عضوه انتقض، وإلاَّ فلا(4).

والحقُّ الأوَّل; لإجماع أصحابنا(5)، ولقول الباقر(عليه السلام): ـ وقد سئل عن معنى الآية ـ قال: «ما يعني إلاَّ المواقعة دون (6)الفرج»(7).

ووجه التَّقسيم المذكور: أنَّ المرخَّص له في التيمُّم إمَّا محدث
أو جنب، والحال المقتضية له في الغالب: إمَّا مرض أو سفر. فكان المعنى : إن كنتم جنباً، أو محدثين، وكنتم مرضى، أو على سفر فلم تجدوا ماءً.

9 ـ (فلم تجدوا ماءً فتيمَّموا صعيداً طيِّباً فامسحوا بوجوهكم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التبيان 3 : 205.

(2) الاُم للشافعي 1 : 15 / المجموع 2 : 26.

(3) الجامع لأحكام القرآن 5 : 224.

(4) المبسوط للسرخسي 1 : 68 / بدائع الصنائع 1 : 29.

(5) تذكرة الفقهاء 1 : 105.

(6) كذا في الاصل ومثله بعض نسخ التهذيب، وفى المصادر الآتية (في الفرج).

(7) تهذيب الأحكام 1 : 22 / الاستبصار 1 : 88 .

-(64)-

وأيديكم منه)، الفاء ـ هنا ـ ليست جواباً للشَّرط، بل عاطفة على (كنتم)، لأنَّ (لم) تقلب المضارع ماضياً وتنفيه، بل الجواب : فتيمَّموا.

والمعنى : فلم تتمكَّنوا من استعمال الماء ـ لأنَّ الممنوع من الشيء كالفاقد له ـ فتيمَّموا، أي: فتعمَّدوا واقصدوا صعيداً، أي: شيئاً من وجه الأرض، كقوله: (صَعِيداً زَلَقاً)(1).

طيِّباً، أي: طاهراً.

ولذلك قال أصحابنا: لو ضرب المتيمِّم يده على حجر صلب، ومسح أجزأه(2)، وبه قالت الحنفيَّة(3).

وقالت الشَّافعية: لابدَّ أن يعلق باليد شيءٌ، لقوله: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه)(4).

وفيه نظر، لجواز كون (من) هنا ابتدائيَّة.

و(الوجه) المراد به بعضه، وهو الجبهة عند أكثر أصحابنا(5)، إمَّا لكون الباء للتَّبعيض، أو للنُّصوص عن أهل البيت(عليهم السلام)(6)، فيمسح الجبهة إلى طرف أنفه الأعلى.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الكهف : 40.

(2) المقنعة : 8 / المبسوط للطوسي 1 : 32 .

(3) المبسوط للسرخسي 1 : 109.

(4) الاُم للشافعي 1 : 66 .

(5) انظر : منتهى المطلب 3 : 83 .

(6) من لا يحضره الفقيه 1 : 57 .

-(65)-

وكذا المراد باليدين ظهر الكفِّ من الزَّند إلى أطراف الأصابع.

10 ـ (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهِّركم وليتمَّ نعمته عليكم لعلَّكم تشكرون).

ختم الآية بثلاثة أحكام تشتمل على ذكر ألطاف عظيمة:

الأول: ما يريد بالأمر بالوضوء والغسل ثمَّ التيمُّم بدلهما إلاَّ التَّوسعة عليكم، والتَّخفيف، لا الحرج وهو التَّضييق، و(من) هنا مبيِّنة، وكذا اللاَّم في (ليطهِّركم) لبيان المراد.

الثاني: (ولكن يريد ليطهِّركم)، واختلف في هذا..

فقالت الحنفيَّة: إنَّ المحدث نجس نجاسة حكميَّة، فالتَّطهير إزالة تلك النَّجاسة(1).

ومنع الشَّافعية من ذلك، وقالوا: لو كان نجساً حكماً، لكان مع كون أعضائه رطبة ينجس الملاقي بإصابتها، ولكان إذا حمله إنسان وصلَّى أبطل صلاته، بل المراد طهارة القلب عن صفة التمرُّد عن طاعة الله، لأنَّ الأمر بتطهير الطَّاهر يجعل العبد في مظنَّة التمرُّد، لأنَّه غير معقول المعنى، فإذا انقاد وتعبَّد به زال عن قلبه آثار التمرُّد(2).

وفيه نظر، لأنَّه جهل بحقيقة النَّجاسة الحكميَّة، فإنَّ الَّذي ذكروه حكم العينيَّة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بدائع الصنائع : 1 : 114 .

(2) حلية العلماء 1 : 178 .

-(66)-

وأيضاً الطَّهارة الشَّرعيَّة حقيقة في إزالة النَّجاسة الحكميَّة، لا غير ذلك، فإذاً الأولى ما قالت الحنفيَّة، ويمكن أيضاً أن يكون الثَّاني مراداً .

الثالث: (وليتمَّ نعمته عليكم) بشرعه لكم كيفيَّة أحكامه بتطهير أبدانكم ، وقلوبكم ، وما هو تكفير لذنوبكم .

(لعلَّكم تشكرون)، لعلَّة(1) أنَّكم تقومون بالشُّكر على تلك النِّعمة، وفي ذلك إيماءٌ إلى أن العبادات تقع شكراً، وهو قول البلخي، وتحقيقه في الكلام .

* * * * *

الثانية : (يا أيَّها الَّذينَ ءامَنُوا لا تَقرَبُوا الصَّلاةَ
وَأنتُم سُكارى حَتَّى تَعلَمُوا ما تَقُولوُنَ وَلا جُنُباً
الاَّ عابِري سَبيل حَتَّى تَغتَسِلُوا وَإن كُنتُم مَرضى
أو عَلى سَفَر أو جَاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أو لامَستُم النِّساءَ فَلَم تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طَيِّباً فَامسَحُوا بِوُجُوهِكُم وَأيدِيكُم إنَّ اللهَ كانَ عَفُوّاً غَفُوراً
)(2).

الواو في (وأنتم) للحال، ولذلك نصب (جنباً) بالعطف عليه.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في «ب» : لعلمه.

(2) سورة النساء : 42.

-(67)-

وقرئ: (سكرى) جمعاً(1)، كهلكى، والسُّكر من السَّكْر بمعنى السدِّ، قيل المراد: لا تقربوها وأنتم سكارى من خمر أو غيره حتَّى تعلموا ما تقولون.

والنَّهي متوجِّه إلى الثَّمِل، أي الذي لم يزل عقله بعد.

وقيل: المراد النَّاعس.

وقيل: المراد النهي عن السكر نفسه، أي: لا تسكروا وأنتم مخاطبون بالصَّلاة.

وهما ضعيفان . .

أمَّا الأوَّل: فلأنَّه خروج عن الحقيقة.

وأمَّا الثاني: فلأنَّ أكثر المفسِّرين قالوا: نزلت قبل تحريم
الخمر عندهم .

وأيضاً النَّهي هنا صريح عن قرب الصَّلاة لا السُّكر .

وقيل: المراد لا تقربوا مواضع الصَّلاة، وهي المساجد، وهو المروىُّ عن الصادق(عليه السلام)(2)، وهو الحقُّ .

ويؤيِّده قوله تعالى: (إلاَّ عابري سبيل)، إذ العبور حقيقة في الجواز المكانىِّ.

فعلى الأول يكون قوله (ولا جنباً إلاَّ عابري سبيل) أي مسافرين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التبيان 7 : 288.

(2) تفسير القمي 1 : 139 .

-(68)-

سفراً يقع فيه التيمُّم فتصلُّون كذلك .

وعلى الثَّاني: إلاَّ مجتازين في المساجد من غير استقرار، وهو مذهبنا ، ومذهب الشَّافعيَّة(1).

خلافاً لأبي حنيفة، فإنَّه منع الجواز، إلاَّ إذا كان فيه الماء
أو الطَّريق(2).

وفيه دلالة على عدم جواز الاستقرار في المساجد، وهو استثناء من قوله: (لا تقربوا الصَّلاة)، أي: لا تقربوا المساجد للصَّلاة وغيرها، إلاَّ عابري سبيل، لكون الطَّريق في المسجد.

وهذا العام ـ عندنا ـ مخصوص بما عدا المسجدين، وأمَّا هما فلا يجوز عبورهما .

وقد تقدَّم في الآية الاُولى تفسير باقي الأحكام .

واعلم: أنَّ عندنا أنَّه إذا فقد الماء وجب طلبه في الحزنة غلوة سهم، وفي السَّهلة غلوة سهمين، من أربع جوانبه، ليتحقَّق
عدم الوجدان .

ويجب ضربة واحدة للوضوء، واثنتان للغسل .

وقال أبو حنيفة والشَّافعىُّ: ضربتان فيهما، للوجه ضربة، ولليدين اُخرى(3) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاُم للشافعي 1 : 54 / المجموع 2 : 160 .

(2) المبسوط للسرخسي 1 : 118 .

(3) الاُم للشافعي 1 : 49 / المجموع 2 : 210/المبسوط للسرخسي 1 : 106 / بدائع الصنائع 1 : 45.

-(69)-

وكذا قال الشَّافعىُّ: إنَّ المراد بالوجه كلِّه، وباليدين من رؤوس الأصابع إلى المرفقين، قياساً على الوضوء(1). ولما روي: أنَّه(عليه السلام) تيمَّم ومسح يديه إلى مرفقيه(2).

وروايات أهل البيت(عليهم السلام) تدفع ذلك(3).

قوله تعالى: (إنَّ اللهَ كانَ عَفوّاً غَفوراً)، أي: لم يؤاخذكم بذنوبكم; فيشدِّد عليكم التَّكاليف كما شدَّدها على اليهود، بل يسَّرها عليكم ورخَّصها لكم .

وفي الآية أحكام كثيرة . .

1 ـ تحريم السُّكر، لكونه منافياً للواجب .

2 ـ نقضه للوضوء .

3 ـ إبطاله للصَّلاة .

4 ـ وجوب قضاء صلاة وقعت حال السُّكر .

5 ـ كون عدم التعقُّل مبطلا للطهارة، فيدخل النَّوم، والإغماء، والجنون .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المجموع 2 : 210 .

(2) المستدرك على الصحيحين 1 : 180 / السنن الكبرى 1 : 207 / كنز العمال 9 : 216.

(3) تهذيب الأحكام 1 : 207 / الاستبصار 1 : 170 .

   أضف إلى ذلك ما رواه البخاري ومسلم في الصحيح عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه تيمم فمسح وجهه وكفَّيه. انظر : صحيح البخاري 1 : 88 / صحيح مسلم 1 : 193 .

-(70)-

6 ـ كون ذلك مبطلا للصَّلاة .

7 ـ كون الجنابة ناقضة للوضوء .

8 ـ كونها مبطلة للصَّلاة .

9 ـ كونها موجبة للغسل .

10 ـ كون التيمُّم لا يرفع حدث الجنابة، بل يبيح معها الصَّلاة .

11 ـ احترام المساجد .

12 ـ منع السَّكران وشبهه من دخولها.

13 ـ منع الجنب من الاستقرار فيها .

14 ـ تسويغ الجواز فيها .

15 ـ كون الغسل رافعاً لحكم الجنابة .

16 ـ عدم افتقار الغسل إلى الوضوء، لقوله تعالى: (حتَّى تغتسلوا)، وإلاَّ لكان بعض الغاية غاية، وهو باطل .

17 ـ تسويغ التيمُّم .

18 ـ كونه يقع بدلاً من كلِّ واحد من الوضوء، والغسل .

19 ـ إباحته حال المرض المتضرر باستعمال الماء .

20 ـ كونه مباحاً، إمَّا للعجز عن الماء بالضَّرر باستعماله،
أو لعدمه .

21 ـ كون وجود الماء ناقضاً للتيمُّم .

-(71)-

22 ـ كون الغائط ناقضاً للوضوء، موجباً له .

23 ـ كون الجنابة تقع بمجرَّد الوطء من غير إنزال .

24 ـ وجوب كون التيمُّم بالتُّراب .

25 ـ جوازه بالحجر الصَّلد، لصدق اسم الصعيد عليه.

26 ـ وجوب كون الصَّعيد طاهراً.

27 ـ وجوب كونه مباحاً.

28 ـ وجوب مسح الوجه واليدين.

29 ـ كون الوجه يراد به بعضه، لمكان الباء عند القائل بذلك، وكذا اليد، لعطفها على الوجه.

30 ـ وجوب الابتداء بمسح الوجه، لفاء التعقيب.

31 ـ وجوب الموالاة، إن قلنا الأمر للفور.

* * * * *

الثالثة : (وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعبُدُوا اللهَ مُخلِصينَ لَهُ الدِّينَ)(1).

دلَّت على وجوب النيَّة في كلِّ عبادة، فتدخل الطَّهارات الثلاث المتقدِّمة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البيّنة : 5.

-(72)-

ومعنى الإخلاص هو المراد بالقربة الَّتي يذكرها أصحابنا في نيَّاتهم، وهو إيقاع الطاعة خالصة لله تعالى وحده. ويؤيِّده قول النبىِّ(صلى الله عليه وآله) في الحديث القدسىّ:

«مَن عمل لي عملا أشرك فيه غيري تركته لشريكه»(1).

فقيل: معنى كونه له تعالى: أن يفعله خوفاً من عقابه ورجاءً لثوابه. وقيل: يفعله حياءً منه أو حبّاً له.

وقيل: تعظيماً له ومهابة وانقياداً ولا يخطر بباله غرض آخر سواه، ويقرب من هذا قول علىّ(عليه السلام): «ما عبدتك خوفاً من نارك ، ولا شوقاً إلى جنَّتك، بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك»(2).

وهو الأقوى ; لأنّ ما عدى ذلك شرك مناف للإخلاص.

فعلى هذا لا يجوز في النيَّة ضمُّ الرياء، بل ولا ضمُّ التبرُّد، أو التسخّن بالماء، أو إزالة الكسل أو الوسخ ; لأنّ منطوق الآية يدلّ على أنّ
الأمر منحصر في العبادة المخلصة، والأمر بالشيء نهي أو مستلزم للنّهي عن الضدّ، فيكون كلّ ما ليس بمخلص منهيّاً عنه، فيكون فاسداً، لما تقرَّر في الاُصول .

واعلم: أنّ الشافعي وأحمد ومالكاً وافقونا في اشتراط النيّة في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لم أجده بهذا اللفظ فيما لديَّ من المصادر ، وروي مضمونه في مصادر متعددة وبألفاظ مختلفة . انظر : الكافي 2 : 295 / 10 : 221 / الدر النثور 4 : 256 .

(2) الألفين : 138 .

-(73)-

الطَّهارات، وإن خالفوا في الكيفيَّة(1).

وأبو حنيفة خصّ الشرط بالترابيّة لا غير، لقوله تعالى: (فتيمّموا صعيداً)، أي: اقصدوا(2).

والحقُّ الأوَّل، لقوله(عليه السلام): «إنَّما الأعمال بالنيَّات»(3)، والجمع المعرَّف للعموم، ولقوله(عليه السلام): «وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى»(4).

ومن طريق الأصحاب ما ورد من قول الرّضا(عليه السلام): «لا قول إلاّ بعمل، ولا عمل إلاّ بنيّة، ولا قول ولا عمل إلاّ بإصابة السنّة»(5).

ثمّ اعلم: أن شرعيّة النيّة لغرض تميّز الفعل عن غيره، فيجب أن يتصوّر فيها تصوُّراً قلبيّاً حقيقة الفعل المنوىّ ـ من كونه وضوءً، أو صلاةً، أو صوماً، أو غير ذلك ـ ونوعه، ليمتاز عن نوع آخر ـ كالإباحة للوضوء، والظهر للصلاة، ورمضان للصوم، والماليّة أو الفطرة للزّكاة، والتمتّع أو غيره للحج ـ ووصفه الفارق بين أفراد نوعه ـ كالوجوب للواجب، والنّدب للمندوب ـ ووقته المحدود له بالشّخص إن كان موقّتاً ـ فينوي الأداء إن فعله فيه، والقضاء إن فعله خارجاً عنه ـ ثمَّ الرّكن الأعظم الذي هو الإخلاص، وقد مرّ معناه.

* * * * *

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أحكام القرآن للجصاص 3 : 336 / أحكام القرآن لابن العربي 2 : 57 .

(2) أحكام القرآن للجصاص 3 : 336 / المبسوط للسرخسي 1 : 72 .

(3) ، (4) صحيح البخاري 1 : 2 / تهذيب الأحكام 4 : 186 .

(5) تهذيب الأحكام 4 : 186 .

-(74)-

الرابعة : (إِنَّهُ لَقُرآنٌ كَرِيمٌ * فِى كِتَاب مَكنون *
لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ
)(1).

(كريم) أي حسن مرضيٌّ في جنسه.

وقيل: كثير النفع، لاشتماله على اُصول العلوم المهمّة في المعاش والمعاد.

(في كتاب مكنون) أي : مصون مستور عن الخلق في لوحه المحفوظ .

وقيل: المصحف الذي بيد الناس، والضمير في (لا يمسُّه)يعود إلى الكتاب، لأنَّه أقرب.

فعلى القول الأوَّل: لا يمسُّه إلاّ الملائكة المقربون المطهَّرون
من الذُّنوب.

وعلى الثَّاني: لا يمسُّه إلاّ المطهَّرون من الأحداث والخباثات، وهو مروىٌّ عن الصادق(عليه السلام)(2) ، وجماعة من المفسِّرين(3)، ومذهب مالك، والشافعىّ، وأبي حنيفة، وزاد الشافعيُّ حتّى الحاشية(4).

ويكون المراد النّهي عن مسّه لا نفي المسّ الذي هو خبر وإلاّ لزم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الواقعة : 79.

(2) كذا في الأصل ، وروي هذا المعنى في مجمع البيان (9 : 377) عن الإمام الباقر (عليه السلام) ، فلاحظ.

(3) انظر : التبيان 9 : 510 / الكشاف 4 : 469 .

(4) بداية المجتهد 1 : 41 ـ 43 / المجموع 2 : 67 / بدائع الصنائع 1 : 33 .

-(75)-

الكذب، لأنّا نعلم ضرورة أنّه يمسّه مَن ليس بمتطهّر.

ويؤيّده الرواية عن الصادق(عليه السلام)وقد قال لولده إسماعيل: «اقرأ المصحف قال: لست على وضوء، فقال: لا تمسَّ الكتابة، ومسّ الورق»(1)، وإذا لم يجز لغير المتوضّئ مسُّه فالجنب أولى.

وهل يمنع الجنب والحائض من قراءته؟

فقال أصحابنا بمنع العزائم الأربع لا غير، وجواز السَّبع بغير كراهية، وما فوقها على كراهية تشتدُّ بزيادة القراءة، وتضعف بقلَّتها; لعموم قوله تعالى: (فاقرؤا ما تيسَّر من القرآن)(2)، خرج العزائم فبقي ما عداها على الجواز(3).

وقال الشافعيُّ: لا يجوز مطلقاً، وكذا أحمد(4).

وجوَّز أبو حنيفة دون الآية(5).

ومالك للجنب الآية والآيتين على سبيل التعوّذ، وللحائض أن تقرأ ما شاءت . وكذا قال داود للجنب(6).

ويحتجُّ عليهم في الجواز بكتاب النبىِّ(صلى الله عليه وآله) إلى هرقل عظيم الرُّوم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 1 : 126 .

(2) سورة المزَّمِّل : 20 .

(3) تذكرة الفقهاء 1 : 235 .

(4) المجموع 2 : 156 / المغني لابن قدامة 1 : 134 .

(5) المحلى 1 : 78 / شرح الأزهار 1 : 107 .

(6) بداية المجتهد 1 : 49 .

-(76)-

المتضمِّن لقوله تعالى: (يا أهلَ الكتابِ تَعالَوا إلى كلمة سواء بينَنَا وبينَكم ألاَّ نَعبدَ إلاّ اللهَ ولا نُشرِكَ بهِ شيئاً)(1) الآية، وهو كافر مجنب، فيقرأ الكتاب ضرورة وإلاّ لانتفت فائدة بعثه.

* * * * *

الخامسة : (فيه رِجالٌ يُحِبُّون أَن يتطهَّروا وَالله
يُحبُّ المُطَّهِّرين
)(2).

قال الحسن البصري: المراد الطَّهارة من الذُّنوب(3).

والأكثر: إنّها للطَّهارة من النَّجاسات، نزلت في أهل قباء، روي عن الباقر والصَّادق(عليهما السلام)(4).

(يحبُّون أن يتطهَّروا) بالماء عن الغائط.

روي عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنَّه قال لهم: «ماذا تفعلون في طهركم فإنَّ الله قد أحسن عليكم الثَّناء؟ فقالوا: نغسل أثر الغائط بالماء»(5).

واعلم: أنّ الغائط إن تعدَّى المخرج تحتَّم الماء لإزالته، وإن
لم يتعدَّ فللمكلَّف الخيار بين استعمال ثلاثة أحجار وشبهها طاهرة مزيلة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران : 57.

(2) سورة التوبة : 108.

(3) أحكام القرآن للجصاص 4 : 368 / التبيان 5 : 301 .

(4) التبيان 5 : 301 .

(5) روي هذا المضمون بألفاظ متعددة متقاربة في جملة من المجاميع الحديثية ، انظر : المستدرك على الصحيحين 1 : 155 ، 178 / أحكام القرآن لابن العربي 2 : 485 .

-(77)-

للعين، وبين الماء، والجمع بينهما أفضل، لاجتماع إزالة العين والأثر.

وفي قولهم: نغسل أثر الغائط، إشارة إلى هذا لدلالته على زوال العين قبل تغيُّر الماء، وإزالة الأثر بالماء.

وكذا ورد في رواية اُخرى أنّهم قالوا: «نتبع الغائط الأحجار ، ثمَّ نتبع الأحجار بالماء».

وأمَّا البول فلا يجزي فيه إلاَّ الماء خاصَّة، تعدَّى أو لم يتعدَّ.

وقال الشافعىّ: الاستنجاء منهما واجب بالماء أو الأحجار، وأوجب إعادة الصَّلاة على مَن لم يستنج . وبه قال مالك(1) .

وقال أبو حنيفة: هو مستحبٌّ غير واجب(2).

قوله: (يحبُّون أن يتطهَّروا)، المحبَّة تأكيد للإرادة، ولذلك لم يقل يريدون لشدَّة إرادتهم، وقابل سبحانه محبَّتهم بمحبَّته بالمعنى المذكور فقال: (والله يحبُّ المطهِّرين).

ثمّ اعلم: انّه يمكن عندي أن يستدلَّ بهذه الآية على استحباب الكون على طهارة، لأنَّ الطهارة شرعاً حقيقة في رافع الحدث، والثَّناء والمحبَّة، وتأكيد الإرادة، والإتيان بلفظ المبالغة مشعر بالتكرُّر، ودوام حصول المعنى، وكلُّ ذلك دليل على ما قلناه . والله أعلم.

* * * * *

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الام للشافعي 1 : 22 / التفسير الكبير 11 : 168 / الخلاف للطوسي 1 : 103 .

(2) أحكام القرآن للجصاص 3 : 366 / بدائع الصنائع 1 : 18 .

-(78)-

السادسة : (وَأنزلنا مِنَ السَّماءِ ماءً طهُورا)(1).

هنا فوائد :

1 ـ لا ريب أنّ الطهور لغة ورد لاُمور:

أحدها: مبالغة في الطَّاهر، لتكون صفة للماء، وسبب الوصف لمن يعلم أنّ الطهارة صفة ذاتيَّة له.

وثانيها: اسم لما يتطهَّر به، كالسَّحور لما يتسحر به، والوَقود لما يوقد به.

وثالثها: بمعنى الطَّهارة، كقوله(عليه السلام): «لا صلاة إلاَّ بطهور»(2) .

إذا تقرَّر هذا، فقال بعض الحنفيَّة(3): إنه في الآية والاستعمال بالمعنى الأوَّل لا غير; لأنَّ فعولاً تفيد المبالغة في فائدة فاعل، كما يقال: ضروب وأكول لزيادة الأكل والضرب ولا يفيد شيئاً مغايراً له، فعلى هذا لا يكون بمعنى المطهِّر عنده، لأنَّ كونه مطهِّراً مغاير لمعنى الطَّاهر، فلا تتناوله المبالغة، ولأنَّه قد يستعمل فيما لا يفيد التَّطهير، كقوله تعالى: (وسقاهم ربُّهم شراباً طهوراً)(4)، وقول الشَّاعر:

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الفرقان : 50.

(2) تهذيب الأحكام 1 : 50 .

(3) أحكام القرآن للجصاص 5 : 201 / أحكام القرآن لابن العربي 3 : 435 / تفسير
القرطبي 13 : 39.

(4) سورة الدّهر : 21 .

-(79)-

* عذاب الثَّنايا ريقهنَّ طهور *(1)

وقالت الشافعيّة وأصحابنا: إنَّه بمعنى المطهِّر، فيكون مأخوذاً من الوضع الثاني، واستدلوا بالنقل والاستعمال(2) .

أمّا الأوَّل: فما ذكره اليزيديُّ، قال: الطَّهور ـ بالفتح ـ من الأسماء المتعدِّية، وهو المطهر غيره(3) .

وأمَّا الثاني: فلأنَّه مراد فيه، فيكون حقيقة .

أمَّا إرادته فلقوله(صلى الله عليه وآله): «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»(4)، ولو أراد الطَّاهر لم يكن له مزيَّة. وقوله(صلى الله عليه وآله) ـ أيضاً ـ وقد سئل عن الوضوء بماء البحر، فقال: «هو الطَّهور ماؤه ، الحلُّ ميتته»(5)، ولو لم يرد كونه مطهِّراً لم يصلح جواباً.

ولأنَّ فعولاً للمبالغة ولا تتحقَّق إلاَّ مع إفادة التطهير.

ولأنَّهم يقولون: ماء طهور، ولا يقولون: ثوب طهور، فلابدَّ من فائدة تختصُّ بالماء، ولا تظهر إلاّ مع إفادة التطهير لغيره.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) استشهد به ابن العربي في أحكام القرآن 3 : 435، والقرطبي في الجامع لأحكام
القرآن 13 : 40، وصدره :

*إلى رجح الأكفال هيف خصورها*

(2) المجموع 1 : 84 / الخلاف للطوسي 1 : 49 .

(3)

(4) سنن النسائي 1 : 210 / صحيح البخاري 1 : 86 / من لا يحضره الفقيه 1 : 241 .

(5) سنن النسائي 1 : 50 / سنن ابن ماجة 1 : 136 .

-(80)-

والحقُّ أنه بالنظر إلى القياس اللَّفظي كما قال الحنفي ـ لأنَّ التعدِّي في الحقيقة لمطهِّر، وألحقوا طهوراً به توقيفاً لا قياساً.

وليس طهور من مطهِّر بمنزلة ضروب من ضارب، لأنَّك تقول: هذا ضارب زيداً، كما تقول: ضروب زيداً، وتقول: الماء مطهِّر من الحدث، ولا تقول: طهور من الحدث .

وأمَّا بالنظر إلى الاستعمال فكما قال أصحابنا والشافعيَّة، فإن منع ذلك الحنفىّ فهو مكابر .

2 ـ ما يزيل عنه الطَّهارة والطهوريَّة، فعند أبي حنيفة مخالطة النجاسة يقيناً أو ظنَّاً، وإن لم يتغيَّر ، وجوَّز استعمال ما لا يتحرَّك بحركة الآخر المتنجِّس، وقدَّروه بعشرة أذرع في مثلها(1) .

وعند مالك: التغيير في أحد أوصافه، قليلا أو كثيراً(2) .

وعند الشَّافعي: في الكثير التغيِّر، وفي القليل الملاقاة(3) .

وعند أصحابنا كذلك، إلاّ أنّ الكثير عنده قلّتان: نحو خمسمائة رطل(4). وعندنا: كرٌّ، ألف ومائتا رطل بالعراقي، الّذي هو أحد
وتسعون مثقالاً(5).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أحكام القرآن للجصاص 5 : 204 .

(2) الجامع لأحكام القرآن 13 : 42 / بداية المجتهد 1 : 23 .

(3) ، (4) المجموع 1 : 119 / المحلى 1 : 153 .

(5) انظر : تذكرة الفقهاء 1 : 19 .