-(81)-

قال النبىّ(صلى الله عليه وآله) وقد سئل عن بئر بضاعة(1) فقال: «الماء طهور، لا ينجِّسه إلاّ ما غيَّر لونه، أو طعمه، أو ريحه»(2) .

وروى الشيخ مرسلا عنه(صلى الله عليه وآله): «إذا بلغ الماء كرّاً لم يحمل خبثاً»(3) .

وعن الصَّادق(عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كرٍّ لم ينجِّسه شيء»(4) .

قالوا: الحديث الأوَّل مكِّيٌّ، فيكون منسوخاً، فيقيَّد بالكثير .

هذا كلُّه في الماء الرَّاكد، أمَّا الجاري فلا ينجس إلاَّ بالتغيُّر، والأولى اشتراط بلوغه كراً، إلاَّ أن يكون جارياً عن مادَّة فلا يشترط .

وقال الشافعي: الماء الّذي قَبل النجاسة طاهر، وما بعدها إن لم تصل النجاسة إليه طاهر، وما يجاوره ويخالطه النجاسة إن كان أكثر من قلَّتين فطاهر، وإن كان أقلّ فنجس(5) .

3 ـ إذا زالت عنه الطهوريَّة، فعندنا يطهر بإلقاء كرٍّ عليه دفعة يزيل تغيّره إن كان متغيِّراً، فإن لم يزل فكرٌّ آخر، وهكذا حتَّى يزول التغيُّر.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بئر بُضاعة ـ بالضم وقد تكسر ـ بالمدينة ، قطر رأسها ستة أذرع . (القاموس المحيط 3 : 10).

(2) كذا في الكشاف 3 : 284، ولم أجده بهذا اللفظ فيما لديَّ من المجاميع الحديثية، والوارد فيها عن بئر بضاعة بهذا اللفظ : «إن الماء طهور لا ينجسه شيء»، كما في مسند أحمد 3 : 86، و سنن أبي داود 1 : 24 / وسنن الترمذي 1 : 45 و غيرها.

   وأخرج ابن ماجة في سننه عن أبي أمامة الباهلي قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «إن الماء لا ينجسه شيء ، إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» ، السنن 1 : 174 .

(3) وهذا الآخر أيضاً مما لم أعثر عليه ، وأخرجه في عوالي اللئالي 2 : 16 ، عن هذا الكتاب .

(4) تهذيب الأحكام 1 : 40 .

(5) الام للشافعي 1 : 4 / المحلى 1 : 151 .

-(82)-

وغير المتغيِّر يكفي إلقاء الكرِّ المذكور، أو اتصاله بالكرِّ، أو وقوع الغيث السَّاكب عليه.

قال الشافعي: تزول النجاسة باُمور:

الأول: ورود ماء طاهر يزيل التغيّر، ولم يقدّره.

الثاني: زوال التغيّر من نفسه.

الثالث: أن ينبع من تحته ما يزيل تغيّره.

الرابع: أن يستقى منه ما يزيل تغيّره.

الخامس: ذكر بعض أصحابه، من وقوع تراب يزيل تغيُّره(1).

وكلُّ هذه تحكّمات لا دليل عليها، فيجب الإعراض عنها.

* * * * *

السابعة : (وَيُنزِّل علَيكُم مِنَ السَّماءِ ماءً ليُطهِّركم بهِ ويُذهِبَ عَنكُم رِجزَ الشَّيطان ولِيَربِط على قُلوبِكُم ويُثبِّت بهِ الأقدام)(2).

هنا مسألتان:

1 ـ ان غير الماء لا يطهِّر، لا من الحدث ولا من الخبث.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المجموع 1 : 132 / مغني المحتاج 1 : 22 .

(2) سورة الأنفال : 11.

-(83)-

أمَّا الحدث فإجماع إلاّ من أبي حنيفة في الوضوء بالنَّبيذ مطبوخاً، مع عدم الماء في السَّفر(1).

وأما الخبث: فأكثر أصحابنا على ذلك(2)، وبه قال الشافعي(3).

وقال أبو حنيفة: كلُّ مائع يزيل العين يجوز إزالة النجاسة به(4).

حجَّتنا : أنَّ صريح الآية يدلُّ على الامتنان بكون الماء مطهِّراً، فلا يكون غيره كذلك، وإلاّ لما تمَّ الامتنان، بل كان ذكر الأعمِّ ـ وهو
المائع ـ أولى .

2 ـ (ويذهب عنكم رجز الشَّيطان)، قيل: هو الجنابة، والرِّجز النَّجاسة.

وقيل: العذاب.

وقيل: وسوسته، فإنّه لمّا نزل المسلمون على كثيب تسوخ فيه أقدامهم على غير ماء، فاحتلم أكثرهم، والمشركون سبقوهم إلى الماء، فتمثّل لهم إبليس، وقال: تصلّون على غير وضوء وعلى جنابة وقد عطشتم، ولو كنتم على الحقّ لما غلبكم هؤلآء على الماء. فحزنوا حزنا شديداً، فمطروا ليلا حتّى جرى الوادي، وتلبّد الرمل حتّى ثبتت عليه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المبسوط للسرخسي 1 : 88 / بدائع الصنائع 1 : 17 .

(2) أجاز السيد المرتضى في الناصريات (مسألة 40) إزالة الخبث بالماء المضاف .

(3) المجموع 1 : 92 .

(4) المبسوط للسرخسي 1 : 96 .

-(84)-

الأقدام وطابت النفوس(1).

فعلى القول الأوَّل فيه دلالة على نجاسة المنىّ، ولذلك قرئ (رجس)(2)، وهو مرادف للنجاسة.

* * * * *

الثامنة : (وَيَسئَلُونكَ عَنِ المَحيضِ قُل هُوَ اَذىً فَاعتَزِلُوا النِّساء فِى المَحيضِ وَلا تَقرَبُوهُنَّ حَتّى يَطهُرنَ فَاِذا تَطَهَّرنَ فَأتُوهُنَّ مِن حَيثُ أَمَرَكُم اللهُ انّ الله يُحبُّ التّوابينَ وَيُحِبُّ المُتطهِّرين)(3).

المحيض يجيء مصدراً كالمجيء والمبيت، واسم زمان،
واسم مكان.

فالمحيض الأوَّل مصدر لا غير، يعود الضَّمير إليه، بقوله :
(هو أذى)، أي مستقذر.

وأمَّا الثاني فيحتمل المصدر، فيكون فيه تقدير مضاف، أي:
في زمان المحيض، ويحتمل اسم الزمان أو المكان فلا يحتاج إلى تقدير مضاف.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر : أحكام القرآن للجصاص 4 : 225 / التبيان 5 : 86 / الكشاف 2 : 203 / الجامع
لأحكام القرآن 7 : 372 .

(2) الكشاف 2 : 203 .

(3) سورة البقرة : 222.

-(85)-

(ولا تقربوهنّ) ، أي لا تجامعوهنَّ، عرفاً لا لغة.

(حتَّى يطهرن) ، بالتشديد على قراءة حمزة والكسائي(1)، أي يغتسلن، وقرأ الباقون بالتخفيف، أي ينقين من الدَّم.

و (حيث) ظرف مكان.

إذا عرفت هذا ، ففي الآية أحكام:

1 ـ إنَّ الحيض نجس، لقوله (أذىً) وهو المستقذر، وهو إجماع أهل العلم.

2 ـ إنّ نجاسته مغلَّظة، لقوله: (هو أذىً) مبالغة فيه بالقذارة ، وبالإتيان باسمه الظَّاهر أولاً، ثمَّ بالضَّمير الذي كنى به عنه، ثمَّ بتنكير خبره ووصفه بالأذى، وكلُّ ذلك أمارة غلظة نجاسته.

فيجب إزالة قليله وكثيره عندنا، وإلاَّ لما كان لغلظه فائدة زائدة.

وكذا النّفاس لأنّه حيض كان محتبساً.

3 ـ إنَّ دم الحيض من الأحداث الموجبة للغسل، لإطلاق الطَّهارة المتعلِّقة به. وقد تقدَّم أنَّ ذلك يراد به الغسل.

وأقلُّ مدَّته الَّتي يصير بها موجباً للغسل عندنا ثلاثة أيام، وأكثره عشرة، وبه قالت الحنفيَّة(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التبيان 2 : 219 / الكشاف 1 : 265 .

(2) بدائع الصنائع 1 : 40 .

-(86)-

وقال الشافعىُّ: أقلُّه يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً(1).

4 ـ وجوب اعتزال النساء في مكان الحيض، وهو القبل، أي ترك مجامعتهنّ، إذ الأمر حقيقة في الوجوب، والإجماع يؤيِّده. وفي وصفه بالأذى وترتيب الحكم عليه بالفاء إشعار بأنَّه العلَّة.

وفي كيفية الاعتزال عندهم خلاف، فقال محمد بن الحسن ـ كما قلناه ـ: إنّه القبل(2) .

وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، والشافعي: هو ما اشتمل عليه الإزار(3) .

روي أنّ أهل الجاهليّة كانوا لا يؤاكلونها، ولا يشاربونها
ولا يساكنونها في بيت، كفعل اليهود والمجوس، فلما نزلت أخذ المسلمون بظاهرها ففعلوا كذلك، فقال ناس من الأعراب: يا رسول الله، البرد شديد والثياب قليلة، فإن آثرناهنّ بالثّياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرناها هلكت الحيّض، فقال
(صلى الله عليه وآله): «إنّما أمرتكم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن، ولم آمركم بإخراجهنّ كفعل الأعاجم»(4).

وقيل: إنَّ النّصارى كانوا يجامعهوهنّ ولا يبالون بالحيض، واليهود

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الام للشافعي 1 : 67 / المجموع 2 : 375 .

(2) بدائع الصنائع 5 : 119 / المجموع 2 : 363 .

(3) المبسوط للسرخسي 10 : 159 / بدائع الصنائع 5 : 119 / المجموع 2 : 365 / فتح
العزيز 2 : 428.

(4) ، (2) الدر المنثور 1 : 108 / تفسير الفخر الرازي 6 : 66 .

-(87)-

كانوا يعتزلوهنَّ في كلِّ شيء، فأمر بالاقتصاد بين الأمرين(1).

5 ـ اختلف في مدة زمان الاعتزال وغايتها.

فقال الشافعيُّ: حتّى تغتسل، ويحتجُّ بأنّه جمع بين القرائتين، ولقوله: (فإذا تطهَّرن فأتوهنَّ)، فعنده لا يجوز وطؤها حتّى تطهر وتتطهَّر(2).

وقال أبو حنيفة بالجمع بين القرائتين، بأنَّ له أن يطأها في أكثر الحيض بعد الانقطاع وإن لم تغتسل، وفي أقلِّه لا يقربها بعد الانقطاع إلاّ مع الاغتسال(3).

وأمّا أصحابنا: فجمعوا بينهما بأنّه قبل الغسل جائز على كراهية، وبعده لا كراهية(4).

وقال بعض أصحابنا بقول الشافعيِّ وليس بشيء(5).

لأنَّ (تَفَعَّل) قد جاء بمعنى (فَعَلَ)، كالمتكبِّر في أسمائه تعالى، وكقولك: تطعَّمت الطعام، بمعنى طعمته.

6 ـ (فأتوهنَّ من حيث أمركم الله) الأمر هنا ليس للوجوب مطلقاً . بل قد يكون له كما لو كان قد اعتزلها أربعة أشهر، آخرها أوّل زمان الانقطاع والغسل، وكذا لو وافق انقضاء مدَّة التربُّص في الإيلاء والظهار.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(2) الام للشافعي 1 : 59 / المجموع 2 : 370 .

(3) أحكام القرآن للجصاص 2 : 35 .

(4) تذكرة الفقهاء 1 : 265 .

(5) منهم الشيخ الصدوق في كتابه (المقنع : 107) .

-(88)-

وقد يكون للندب كما في اقتضاء الحال ذلك.

فهو إذاً لمطلق الرّجحان.

واختلف في معنى: (من حيث).

قيل: عن ابن عبَّاس أنَّه من حيث أمركم الله بتجنُّبه، وهو محلُّ الحيض ، أعني القبل(1) .

وقيل: من حيث الطهر دون الحيض(2) .

وقال محمّد بن الحنفيّة: من قبل النكاح دون الفجور(3).

(إنَّ الله يحبُّ التوابين) عن النجاسات الباطنة، وهي الذنوب، (ويحبُّ المتطهِّرين)من النجاسات الظاهرة.

* * * * *

التاسعة : (إِنَّما المُشركون نجسٌ فلا يَقرَبُوا المسجِدَ الحَرامَ بعَدَ عامِهِم هذا)(4).

إنَّما: للحصر، معناه لا نجس من الإنسان غير المشركين.

والنجس: مصدر في الأصل، تقول: نجِس بكسر العين، ينجَس بفتحها، نَجَساً بفتحتين، فهو نَجَِس بفتح العين وكسرها، وإذا استعمل مع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أحكام القرآن للجصاص 2 : 39 / التبيان 2 : 222 .

(2) التبيان 2 : 222 / الجامع لأحكام القرآن 3 : 91 .

(3) أحكام القرآن للجصاص 2 : 39 / الجامع لأحكام القرآن 3 :91 .

(4) سورة التوبة : 28 .

-(89)-

الرِّجس كسر أوَّله، ويقال: رجس نِجْسٌ، بكسر أوَّلهما وسكون الجيم، قاله الفرَّاء وقرئ به شاذاً.

ولكون النَّجس مصدراً في الأصل، لا يثنَّى ولا يُجمع ولا يؤنَّث، قال: (إنَّما المشركون نجس)، ولم يقل نجسون.

والمراد بالمسجد الحرام، قيل: هو جملة الحرم، سمّي به تسميةً الشيء بأشرف أجزائه.

(فلا يقربوا) قيل المراد أمر المؤمنين أن لا يمكِّنوهم منه، ولذلك صدَّر الآية بـ (يا أيُّها الَّذين ءامنوا)، والنهي عن الاقتراب للمبالغة، أو للمنع من دخُول الحرم، وذلك العام قيل : سنة حِجَّة الوداع. والأصحّ أنَّه سنة تسع لمَّا بعث أبا بكر ببراءة ثمَّ أمره الله بردِّه، وأن لا يقرأها إلاّ هو أو أحد من أهله، فبعث عليَّاً(عليه السلام)(1)، ويدلُّ عليه قول علىّ(عليه السلام): «لا يحجَّنَّ بعد هذا العام مشرك».

وبه قال أبو حنيفة(2).

وفي الآية أحكام:

1 ـ إنّ المشركين أنجاس نجاسة عينيّة لا حكميّة، وهو مذهب أصحابنا ، وبه قال ابن عبّاس، قال: «إنّ أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير»(3).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر تفاصيل قصة براءة في التبيان 5 : 169 / الجامع لأحكام القرآن 8 : 64 .

(2) أحكام القرآن للجصاص 4 : 279 .

(3) الكشاف 2 : 261 .

-(90)-

وقال الحسن: «مَن صافح مشركاً توضّأ»(1). والوضوء قد يطلق على غسل اليد.

وخالف باقي الفقهاء في ذلك، وقالوا معنى كونهم نجساً: أنّهم لا يغتسلون من الجنابة، ولا يتجنّبون النجاسات، أو كناية عن خبث اعتقادهم(2).

واعلم: أنّ تعليق الحكم على المشتقِّ يدلُّ على أنَّ المشتقَّ منه علَّة في الحكم، كقولك: «أكرم العلماء» أي لعلمهم، و«أهن الجهّال» أي لجهلهم، فلو غسلوا أبدانهم سبعين غسلة لم يزيدوا إلاّ نجاسة.

وروايات أهل البيت(عليهم السلام) وإجماعهم على نجاستهم مشهور(3).

2 ـ إنّهم إذا كانوا أنجاساً فأسآرهم وكلّما باشروه برطوبة نجس أيضاً، وهو ظاهر.

أمَّا قوله تعالى: (وطعام الذين أُوتوا الكتاب حلٌّ لكم)(4)، فالمراد الحنطة والشعير والحبوب، وهو مروىٌّ عن الصادق(عليه السلام)(5)، وسيأتي تمام البحث في الأطعمة إن شاء الله تعالى.

3 ـ إنّه لا يجوز دخولهم المسجد الحرام وكذا باقي المساجد عندنا،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التبيان 5 : 201 / الكشاف 2 : 261 .

(2) المبسوط للسرخسي 1 : 47 .

(3) انظر : وسائل الشيعة 3 : 419 .

(4) سورة المائدة : 5.

(5) الكافي ـ الفروع ـ 6 : 241 .

-(91)-

لنصوص أهل البيت(عليهم السلام)(1). وبه قال مالك(2).

واقتصر الشافعىُّ على المسجد الحرام(3). وهو عجيب! فهلاّ قاس ما عداه عليه ؟! لأنَّه قائل بالقياس، فالعلَّة وهي النَّجاسة حاصلة.

وأبو حنيفة لا يمنعهم دخوله ولا دخول غيره، ويقول: إنَّ النهي عن حجِّهم لقوله(عليه السلام): «لا يحجَّنَّ بعد العام مشرك»، وذلك لا يستلزم النَّهي عن الدخول(4). وهو فاسد، فإنَّ دخولهم يستلزم القرب المنهي عنه.

4 ـ إنَّه لا فرق بينهم وبين باقي الكفَّار عندنا في جميع ما تقدَّم، للإجماع المركَّب، فإنَّ كلَّ مَن قال بنجاستهم عيناً قال بنجاسة كلِّ كافر. ولأنَّ أهل الذمَّة مشركون، لقوله تعالى: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النَّصارى المسيح ابن الله) إلى قوله: (سبحانه وتعالى عمّا يشركون)(5)، وكلُّ مشرك نجس بالآية.

* * * * *

العاشرة : (يا أيُّها الَّذين ءامَنُوا اِنَّما الخَمرُ وَالمَيسِرُ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منها : ما رواه في دعائم الإسلام (1 : 149) باسناده عن علي(عليه السلام) انه قال : «لتمنعن مساجدكم يهودكم ، ونصاراكم ، وصبيانكم ، ومجانينكم ، أو ليمسخنَّكم الله قردة وخنازير ركعاً وسجداً ، وقد قال الله عزوجل (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام)» .

(2) الجامع لأحكام القرآن 8 : 104 / أحكام القرآن لابن العربي 2 : 469 .

(3) المجموع 2 : 174 .

(4) أحكام القرآن للجصاص 4 : 279 .

(5) سورة التوبة : 30 و31.

-(92)-

وَالأنصابُ والأزلامُ رِجسٌ مِن عملِ الشَّيطان فَاجتَنِبُوهُ لَعلَّكم تُفلِحُون)(1).

استدلَّ أصحابنا القائلون بنجاسة الخمر بهذه الآية، ووجه الاستدلال بها من وجهين:

1 ـ إنَّه وصفه بالرِّجس، وهو وصف بالنجاسة لترادفهما، ولذلك يؤكَّد الرجس بالنَّجس، يقال: رجس نجس.

2 ـ إنَّه أمر باجتنابه، وهو موجب للتَّباعد المستلزم للمنع من الاقتراب بسائر أنواعه، لأنَّ معنى الاجتناب كون كلٍّ منهما في جانب، وهو مستلزم للهجران(2).

ويؤيِّد ذلك ـ أيضاً ـ روايات عن أهل البيت(عليهم السلام)(3) في طرقها ضعف ينجبر بموافقة القرآن.

فـروع . .

1 ـ كلُّ مسكر حكمه حكم الخمر في النجاسة، لأنَّه خمر، وكلُّ خمر نجس.

أمَّا الكبرى: فقد تقدَّمت.

وأمَّا الصغرى: فلأنَّ الخمر إنَّما سمِّي خمراً لأنَّه يخمر العقل، أي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة : 93.

(2) تهذيب الأحكام 1 : 278 / مختلف الشيعة 1 : 472 .

(3) انظر : الكافي ـ الفروع ـ 3 : 405 / تهذيب الأحكام 9 : 111 / وسائل الشيعة 3 : 468 .

-(93)-

يستره، فكلُّ ما يساويه في هذا المعنى فهو مساو له في الاسم.

ولقول أبي جعفر(عليه السلام): «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): كلُّ مسكر حرام، وكلُّ مسكر خمر»(1).

ومثله رواية ابن عمر عنه(صلى الله عليه وآله)(2).

2 ـ العصير من العنب قبل غليانه طاهرٌ حلال، وبعد غليانه واشتداده نجس حرام، وذلك إجماع من فقهائنا.

أمَّا بعد غليانه قبل اشتداده فحرام إجماعاً منَّا.

وأمَّا النجاسة: فعند بعضنا أنَّه نجس أيضاً. وعند آخرين أنَّه طاهر(3). والأوَّل أحوط.

والمراد بالاشتداد صيرورة أعلاه أسفله، وأن يصير له قوام، هذا إذا لم يذهب ثلثاه بالغليان، وإلاّ فهو طاهرٌ حلال.

3 ـ الفقَّاع عندنا حكمه كالخمر في النجاسة والتحريم، لما ورد من طريقهم عن ضمرة، قال: «الغبيراء الّتي نهى النبىُّ(صلى الله عليه وآله) عنها هي الفقَّاع»(4).

ومن طريقنا عن سليم بن جعفر: «قلت للرضا(عليه السلام): ما تقول في شرب الفقَّاع ؟ فقال: هو خمر مجهول»(5).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكافي 3 : 405 / تهذيب الأحكام 1 : 278 .

(2) سنن النسائي 8 : 296 / صحيح مسلم 6 : 100 .

(3) انظر تفصيل الأقوال في مختلف الشيعة 1 : 469 / تذكرة الفقهاء 1 : 65 .

(4) مسألة تحريم الفقاع للشيخ الطوسي (ضمن الرسائل العشر) : 259 .

(5) ، (3) ، (4) الكافي ـ الفروع ـ 6 : 423 .

-(94)-

وعن الوشَّاء: «كتبت إليه ـ يعني الرِّضا(عليه السلام) ـ أسأله عن الفقَّاع، فقال: هو حرام، وهو خمر»(1).

وعنه(عليه السلام): «هي خمرة استصغرها النَّاس»(2).

قال ابن الجنيد من أصحابنا: تحريمه من جهة نشيشه ، ومن ضراوة إنائه إذا كرّر فيه العمل(3).

وفي الآية المذكورة فوائد اُخر تأتي في باب الأطعمة.

* * * * *

الحادية عشر : (وَثِيابَكَ فَطَهِّر * وَالرِّجزَ فَاهجُر)(4).

الأكثر على أنَّ المراد الطَّهارة من النَّجاسة.

وقيل: ثيابك فقصِّر، لأنَّه أبعد عن القذر والتَّلف وترك لعادات العرب في طول ثيابهم المستهجن.

وقيل: نفسك فطهِّر من الرَّذائل، يقال: فلان طاهر الثوب نقيَّ الجيب، ومنه قول عنترة:

وشككت بالرُّمح الأصمِّ ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرّم(5)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(3) مسألة تحريم الفقاع للشيخ الطوسي (ضمن الرسائل العشر) : 265 .

(4) سورة المدَّثِّر : 4 ـ 5.

(5) انظر : الكشاف 4 : 645 / تفسير الفخر الرازي 30 : 191 ، والبيت من معلقة عنترة المشهورة ، انظر : شرح المعلقات العشر للزوزني .

-(95)-

كنّى بما يشتمل على البدن عنه وهو أمر باستكمال قوَّته العملية.

وفي الآية أحكام:

1 ـ إنَّ الأمر بالتَّطهير واجب، لأنَّه حقيقة في الوجوب.

2 ـ إنَّه واجب لأجل الصَّلاة، لا لذاته.

أمَّا أوَّلاً: فللإجماع.

وأمَّا ثانياً: فلقرينة (وربِّك فكبِّر)(1)، فإنَّ المراد تكبيرة الافتتاح كما سيجيء.

3 ـ إنَّ هذا العموم مخصوص، لما ورد في النقل بالعفو عن الدَّم غير المغلَّظ الذي يقصر عن الدِّرهم، أو الجروح أو القروح الَّتي لا ترقأ، أو حال الضَّرورة ولا يمكن النَّزع، أو كون الملوبس لا تتمُّ الصَّلاة فيه وحده، أو غير ذلك من الرُّخص.

4 ـ إنَّ التَّطهير لغير الصَّلاة ليس بواجب، بل يستحبُّ للتهيّؤ لها وللتمرُّن عليه، فيسهل عند إرادتها.

5 ـ الرِّجز، إمَّا العذاب . كقول الأكثر(2)، فيكون أمره بهجرانه أمراً بهجران أسبابه الموجبة له، وهو أمارة وجوب تطهير الثِّياب، أو النَّجاسة فهو حينئذ صريح في وجوب توقِّي النَّجاسة حال الصَّلاة.

* * * * *

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المدَّثِّر : 3 .

(2) تفسير الفخر الرازي 30 : 193 .

-(96)-

الثانية عشر : (وَإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكَلمات فَأَتمَّهنَّ)(1).

قيل: هي خمس في الرَّأس، وخمس في البدن.

أمَّا الرَّأس: فالمضمضة، والاستنشاق، والفرق، وقصِّ الشَّارب، والسُّواك.

وأمَّا البدن: فالختان، وحلق العانة، وتقليم الأظفار، ونتف الإبطين، والاستنجاء بالماء(2).

وإذا كانت هذه من شريعة إبراهيم(عليه السلام) كانت أيضاً من شريعة نبيِّنا(صلى الله عليه وآله)، لقوله تعالى: (واتَّبع ملَّة إبراهيم)(3)، وقوله تعالى: (ملَّة أبيكم إبراهيم)(4)، أي اتَّبعوها .

فهنا أحكام:

1 ـ المضمضة والاستنشاق مستحبَّان في الطَّهارتين الصُّغرى والكبرى.

ويبدأ بالمضمضة ثلاثاً بثلاث أكفٍّ من الماء، ومع الإعواز بكفٍّ واحد، ويدير الماء في فيه ثمَّ يمجُّه، وليبالغ فيها بإيصال الماء إلى أقصى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة : 124.

(2) نقله عن ابن عباس في المستدرك على الصحيحين 2 : 266 / تفسير الفخر الرازي 4 : 41 .

(3) سورة النساء : 124.

(4) سورة الحج : 78.

-(97)-

الحنك ، ووجهي الأسنان ، واللَّثات، ويمرّ أصبعه عليها.

وكذا الاستنشاق ثلاثاً، لكنَّ الصّائم لا يبالغ فيهما.

2 ـ الفرق يكون لمَن اتَّخذ شعراً مستحبّاً.

والرواية بأنَّه: «إذا لم يفرِّقه فرِّق بمنشار من نار»(1) ، محمول على شدَّة الاستحباب، أو على ترك اعتقاد المشروعيَّة، أو أنَّه يمنع المسح في الوضوء على البشرة.

3 ـ السّواك مستحبٌّ لمَن عدا النبىّ(صلى الله عليه وآله) ، وأمَّا هو(صلى الله عليه وآله) فيجب عليه، لقوله(صلى الله عليه وآله): «ما زال جبرئيل يوصيني بالسّواك حتّى خشيت أن أحفى
ـ أو أدرد ـ »(2) وهما رقّة الأسنان وتساقطها.

وقال(صلى الله عليه وآله): «لولا أن أشقَّ على اُمّتي لأمرتهم بالسّواك عند وضوء
كلِّ صلاة»(3).

وفيه إشعار بأنّ الأمر للوجوب مع أنَّ الندبيَّة مجمع عليها.

واستحبابه عامٌّ للصائم والمحرم وغيرهما، وينبغي أن يكون عرضاً، ويكون بقضبان الأشجار عدا الرُّمان والرَّيحان.

ويجوز بالأصبع والخرقة لحصول المعنى.

ويكره في الخلاء.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه 1 : 76 .

(2) الكافي 3 : 23 .

(3) من لا يحضره الفقيه 1 : 34 .

-(98)-

ويستحبُّ عند قراءة القرآن، والقيام إلى الصَّلاة، وعند تغير النَّكهة بالصوم، أو طول سكوت، أو ترك أكل، أو أكل كريه الرَّائحة، أو وسخ الأسنان، أو أبخرة المعدة.

4 ـ الختان حال الصّغر مستحبٌّ للذّكر، وللاُنثى الخفض، ومع البلوغ يجب على الذَّكر فعله، فيعاقب لو تركه متمكِّناً.

ولا يصحُّ طوافه.

وأمَّا صلاته: فإن تمكَّن من كشف الغلفة للتطهير من البول وجب، ومع تركه تبطل الصَّلاة، وإن لم يتمكَّن فلا، ويحتمل ضعيفاً بطلانها مطلقاً لنجاسة الغلفة، إذ هي في حكم المنفصلة.

وفي القدوة بالأغلف تفصيل حرَّرناه في بعض رسائلنا.

5 ـ حلق العانة مستحبٌّ، بل تنوير البدن كلِّه في كلِّ خمسة عشر يوماً مرَّة، وأكثره أربعون يوماً.

6 ـ حلق الإبطين أفضل من النَّتف، والإطلاء بالنُّورة أفضل
من الحلق.

7 ـ الاستنجاء لغة استفعال من النجوة، وهو ما ارتفع من الأرض، وأصله للسباع، لأنَّها تقصد النَّجوات عند الحاجة.

وقيل: من نجوت الشَّجرة، أي قطعتها ، كأنَّه يقطع الأذى عنه.

ويسمَّى أيضاً استطابة.

وشرعاً هو واجب في محلِّ البول بالماء لا غير عندنا.

-(99)-

وعند الجمهور يجوز فيه الاستجمار ما لم يتعدَّ المخرج(1).

وأمَّا الغائط فمع التعدِّي يتعيَّن الماء فيه إجماعاً، ومع عدم التعدِّي يتخيَّر المكلَّف بين الحجارة والماء، ولا يجزي أقلّ من ثلاثة.

وقال أبو حنيفة: لا يجب إذا لم يتعدّ(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأُم للشافعي 1 : 36 / المدونة الكبرى 1 : 7 / المغني لابن قدامة 1 : 141 .

(2) بدائع الصنائع 1 : 18 .

-(100)-

 

 

-(101)-

 

 

كِتَابُ الصَّلاة

 

وهو لغة الدُّعاء، قال الله تعالى: (وصلِّ عليهم)(1) ، أي ادع لهم.

وقال الأعشى:

      عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوماً فإنَّ لجنب المرء مضطجعاً(2)

وقيل: أصلها من رفع (الصّلا) في الرّكوع، وهو عظم في العجز.

وشرعاً ، قيل: هي أذكار معهودة مقترنة بحركات وسكنات يتقرَّب بها إلى الله تعالى .

قيل: هو منقوض طرداً بأذكار الطواف، وعكساً بصلاة الأخرس .

والأولى أنّها : (أفعال معهودة ، يجب فيها القيام اختياراً، افتتاحها التكبير، واختتامها التسليم، يتقرّب بها إلى الله تعالى). فصلاة الجنازة صلاة بحسب المجاز.

واعلم: أنَّ أكثر المحقّقين على ثبوت الحقيقة الشرعيّة، لوجود خواصّها. وقد قرِّر ذلك في الاُصول.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة : 103 .

(2)

-(102)-

فعلى هذا ، هل إطلاق لفظ الصَّلاة على المعنى المذكور من باب النقل، أو من باب المجاز؟

قيل بالأوَّل(1) .

وقيل بالثَّاني، وهو الأصحُّ، لأنَّ المعنى اللُّغويَّ موجود في الحقيقة الشرعيَّة قطعاً على القولين.

ثمَّ البحث هنا يتنوَّع أنواعاً.

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) معارج الاصول : 107 .

-(103)-

 

 

الأوَّل

في البحث عن الصَّلاة بقول مطلق

وفيه آيات:

الأُولى : (اِنَّ الصَّلاة كانَت عَلَى المُؤمِنين كِتاباً مَوقوتاً)(1).

كتاباً ، أي : مكتوباً، فإنَّ الكتاب مصدر كالقتال والضراب، والمصدر قد يراد به المفعول أي المكتوب، وهو يرادف الفرض، ومنه (كُتب عليكم إذا حضَر أحدكُم الموت)(2) أي فرض، والموقوت أي المحدود بأوقات لا تزيد ولا تنقص، ولا يجوز التقديم عليها ولا التأخير.

وفي الآية أحكام:

1 ـ انَّها واجبة وفرض على كلِّ مؤمن .

2 ـ انَّها تدلُّ بظاهرها أنَّ الوجوب مختصٌّ بمَن له صفة التعقُّل، إذ الإيمان التَّصديق، فالمؤمنون هم المصدِّقون، والتَّصديق لا يصدر إلاّ عن تصوُّر وجزم وإذعان، وذلك غير متصوَّر إلاّ فيمَن لَه تعقّل، فلا يجب على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء : 102.

(2) سورة البقرة : 180.

-(104)-

الصبىّ، ولا المجنون، ولا المغمى عليه .

3 ـ إنَّ الصَّلاة ليست من العبادات المطلقة غير المحدودة
بحدٍّ ووقت، بل هي محدودة بحدود وشرائط وأوقات، لا يجوز تغييرها وتبديلها.

4 ـ ربَّما تذهب بعض الأفهام إلى اختصاص الوجوب بالمؤمنين، فلا يجب على الكافر، كما هو مذهب أبي حنيفة(1).

وهو خلاف مذهبنا ومذهب الشافعىّ(2).

والجواب: أنَّ التخصيص بالذِّكر لا يدلُّ على نفي ما عداه إلاّ بدلالة مفهوم المخالفة، وليس بحجَّة عندنا.

هذا ، مع أنَّ غير هذه من الآيات تنادي بالوجوب عليهم ، وأنّهم معاقبون على تركها، كقوله: (ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلّين) إلى قوله: (وكنَّا نكذِّب بيوم الدِّين)(3)، وهو صريح في إرادة الكفَّار بالخطاب.

* * * * *

الثانية : (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ
الوُسطى وَقُومُوا للهِ قانِتينَ * فَإن خِفتُم فَرِجالاً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أُصول السرخسي 1 : 74 .

(2) تذكرة الفقهاء 4 : 85 / فتح العزيز 3 : 95 / وهو مذهب المالكية ـ أيضاً ـ انظر : أحكام القرآن لابن العربي 1 : 248 .

(3) سورة المدَّثِّر :42 ـ 46 .

-(105)-

أَو رُكباناً فَإِذا أمِنتُم فَاذكُرُوا اللهَ كَما
عَلَّمَكُم ما لَم تَكُونُوا تَعلَمُون
)(1).

المحافظة عليها هي شدَّة الاعتناء بإيقاعها وعدم تضييعها
في أوقاتها.

والوسطى إمَّا بمعنى التوسُّط ، أي بين الصلوات، أو الفضلى ، أي الكثيرة الفضل.

والقنوت قيل: المداومة على الشيء، أي قوموا لله مداومين
على القيام(2).

وقيل: الدُّعاء قائماً(3).

وقيل: الخشوع، أي قوموا لله خاشعين(4).

والشائع عند الفقهاء هو الدُّعاء في الصَّلاة مع رفع اليدين،
فالأولى الحمل على ذلك، ولذلك قال ابن المسيَّب المراد به القنوت في الصُّبح.

والرِّجال جمع راجل، كالقيام جمع قائم، وكذا الرُّكبان جمع راكب.

(فاذ أمنتم فاذكروا الله) أي فصلُّوا صلاة أمن، أو اشكروا الله كما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة : 238 ـ 239.

(2) التبيان 1 : 429 .

(3) العين 5 : 129 .

(4) التبيان 1 : 429 .

-(106)-

علَّمكم.

ثمّ إن قلنا إنَّ الذِّكر هو الصَّلاة، يكون معناه صلُّوا كما علَّمكم من الصَّلاة وكيفيَّتها.

وإن قلنا إنَّه الشكر، يكون معناه اشكروه شكراً مماثلا، لإنعامه عليكم بتعليمكم ما لا تهتدي إليه عقولكم من كيفيَّة الصَّلاة حال الأمن، وحال الخوف.

وفيها أحكام:

1 ـ وجوب المحافظة على الصَّلوات الموجب ذلك للثَّناء الجميل والأجر الجزيل، كما قال في موضع آخر: (والَّذين هم على صلاتهم يحافظون)(1). وفي موضع آخر: (الَّذين هم على صلاتهم دائمون)(2).

فقيل: المحافظة متعلَّقها الأفعال، والحدود، والشرائط . والمدوامة متعلَّقها التكرُّر بحسب الأوقات(3) .

وقيل: المحافظة على الفرائض والمداومة على النَّوافل، وهو مروىٌّ عن الباقر والصَّادق(عليهما السلام)(4)، كلُّ ذلك فراراً من التَّرادف والتَّأكيد ـ غير المفيد فائدة زائدة ـ إلى التَّأسيس المفيد.

2 ـ يمكن أن يستدلّ بهذه الآية وما قبلها على وجوب الصَّلوات

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المؤمنون : 9 .

(2) سورة المعارج : 23.

(3) مجمع البيان 2 : 126 .

(4) روي هذا المعنى عن الإمام الباقر(عليه السلام) بطرق مختلفة ، ولم أجده مروياً عن الإمام الصادق(عليه السلام) ، انظر : الكافي ـ الفروع ـ 3 : 269 .

-(107)-

التِّسع المشهورة، وبيان ذلك : أنَّهما دلَّتا على وجوب الإتيان بكلِّ ما يصدق عليه اسم الصَّلاة شرعاً ، خرج من ذلك ما لم يُدَّع وجوبه، وما اُجمع على ندبه، فيبقى الباقي داخلا، وهو المطلوب.

3 ـ تخصيص الصَّلاة الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها مع أنَّها داخلة في الصَّلوات، إذ اللاَّم فيها للاستغراق، لاختصاصها بمزيد فضل يقتضي رفع شأنها، وإفرادها بالذِّكر، كإفراد النَّخل والرُّمان عن الفاكهة(1)، وجبرئيل وميكائيل عن الملائكة(2).

واختلف فيها على أقوال . .

فقيل: الصُّبح لتوسُّطها بين صلاتي نهار وصلاتي ليل، وبين الظَّلام والضِّياء، ولأنَّها منفردة لا تجمع مع غيرها، فهي منفردة
بين مجتمعتين، ولأنَّها يشهدها ملائكة الليل والنهار، فتكتب
في العملين معاً(3).

قال الشَّافعىُّ: ولذلك عقَّبها بذكر القنوت . إذ القنوت عنده مشروع في الصُّبح(4).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في قوله تعالى : (فيها فاكهة ونخل ورمان) ، سورة الرحمن : 68 .

(2) في قوله تعالى : (من كان عدواً لله ورسوله وملائكته وجبريل وميكال) ، سورة
البقرة : 98.

(3) وهو المنسوب إلى ابن عباس انه قنت في صلاة الصبح وقال : «هذه هي الصَّلاة الوسطى»، وهو قول مالك . انظر : الموطأ 1 : 139 / أحكام القرآن لابن العربي 1 : 299 .

(4) الأُم للشافعي 1 : 94 / المجموع 3 : 60 .

-(108)-

وقيل: الظُّهر، وبه قال جماعة(1)، وروي ذلك عن الباقر والصَّادق(عليهما السلام)(2)، لأنَّها وسط النَّهار، وقت الحرّ، فكانت
أشقَّ عليهم، فكانت أفضل لقوله(عليه السلام): «أفضل العبادة أحمزها»(3)،
ولأنَّها أوَّل صلاة فرضت، ولأنَّها في السَّاعة الَّتي تفتح فيها أبواب
السَّماء فلا تغلق حتَّى يصلِّى الظهر، ويستجاب فيها الدعاء.

وقيل: العصر(4) ، لأنَّها بين صلاتي ليل ونهار، ولأنَّها تقع
حال اشتغال النَّاس بمعاشهم، فيكون الاشتغال بها أشقَّ عليهم.

ولقوله(صلى الله عليه وآله): «مَن فاتته صلاة العصر فكأنَّما وتر أهله وماله»(5)، وفي رواية: «حبط عمله»(6).

ولما روي أنّه(صلى الله عليه وآله) قال يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصَّلاة الوسطى، صلاة العصر»(7)، فإن صحَّ ذلك فهو صريح فيها.

وقيل: المغرب لتوسُّطها عدداً بين ثنائيّ ورباعيّ(8).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منهم زيد بن ثابت ، انظر : أحكام القرآن للجصاص 2 : 155 / أحكام القرآن
لابن العربي 1 : 299 .

(2) معاني الأخبار : 331 / الكافي ـ الفروع ـ 3 : 271 .

(3) النهاية لابن الأثير 1 : 440 ، وفيه : سئل رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن أفضل الأعمال ، فقال : «أحمزها».

(4) منهم السيد المرتضى من علماء الإمامية ، ونسب إلى أحمد ، وأبي حنيفة وأصحابه .
انظر : رسائل الشريف المرتضى 1 : 275 / المغني 1 : 387 / المجموع 3 : 61 .

(5) صحيح البخاري 1 : 138 / من لا يحضره الفقيه 1 : 141 ، بأدنى تفاوت .

(6) صحيح البخاري 1 : 138 .

(7) سنن أبي داود 1 : 112 / سنن ابن ماجة 1 : 224 / سنن الدارمي 1 : 280 / بأدنى
تفاوت فيها.

(8) وهو قول قبيصة بن ذؤيب . انظر : تذكرة الفقهاء 2 : 388 / المجموع 3 : 61 .

-(109)-

وقيل: العشاء لتوسُّطها بين ليليَّة ونهاريَّة(1).

وقيل: إنَّ الله أخفاها ليحافظ على جميعها، كإخفاء ليلة القدر، وإخفاء الاسم الأعظم، والولىِّ، وساعة الإجابة(2).

وعن بعض أئمة الزيديَّة أنَّها صلاة الجمعة يوم الجمعة، والظّهر سائر الأيام(3).

4 ـ وجوب القيام في الصَّلاة لصيغة الأمر.

5 ـ شرعيَّة القنوت في الصَّلوات كلَّها، لذكره عقيب الأمر بالمحافظة على جملتها، وعطف القيام حال القنوت على ذلك.

6 ـ جواز الصَّلاة حال الخوف، مشياً وركوباً.

7 ـ جوازها حال المسايفة كيف كان، وبه قال الشافعىّ(4).

خلافاً لأبي حنيفة فإنَّه قال: لا يصلَّى حالة المشي والمسايفة ما لم يتمكَّن من الوقوف(5).

* * * * *

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نسبه في المغني والمجموع وغيرهما إلى القول ولم ينسبوه إلى قائل . انظر :
المغني 1 : 387 / المجموع 3 : 61 / المحلى 4 : 250 .

(2) أحكام القرآن لابن العربي 1 : 300 .

(3) الأحكام في الحلال والحرام 1 : 124 .

(4) الأُم للشافعي 1 : 17 .

(5) المبسوط للسرخسي 1 : 123 .

-(110)-

الثالثة : (وأمُر أهلك بالصَّلاةِ واصطبر عليها لا نَسألُك رِزقاً نَحنُ نَرزُقُكَ والعَاقِبَةُ للتَّقوَى)(1).

في هذه الآية الكريمة فوائد:

1 ـ أمره(صلى الله عليه وآله) أن يأمر أهله بالصَّلاة، أي صلِّ وأمرهم بها، فيجب علينا أيضاً أمر أهالينا لدلالة التأسِّي به(صلى الله عليه وآله).

ويؤيِّده قوله تعالى: (قوا أنفسكم وأهليكم ناراً)(2).

قال الصادق(عليه السلام): «أمره الله أن يخصَّ أهله دون النَّاس ليعلم النَّاس
أنَّ لإهله عند الله منزلة ليست للنَّاس فأمرهم مع النَّاس عامَّة، ثمَّ
أمرهم خاصَّة»(3).

2 ـ اصطبر عليها، أي احمل نفسك على الصَّلاة ومشاقِّها، وإن نازعتك الطَّبيعة إلى تركها طلباً للرَّاحة فاقهرها، واقصد الصَّلاة مبالغاً في الصَّبر ليصير ذلك ملكة لك.

ولذلك عدل عن الصَّبر إلى الاصطبار، لأنَّ الافتعال فيه زيادة معنى ليس في الثُّلاثيّ، وهو القصد والتِّصرُّف، ولذلك قال: (لها ما كسبت)، بأىّ نوع كان من الفعل (وعليها ما اكتسبت) بالقصد والتَّصرُّف والمبالغة، رحمة منه تعالى بعباده.

وإذا وجب عليه(صلى الله عليه وآله) الاصطبار وجب أيضاً علينا، لما قلناه.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة طه : 132.

(2) سورة التّحريم : 6.

(3) بحار الأنوار : 207 .

-(111)-

والقائم بذلك يحصل على أعلى المراتب إذا لم يكن
متحرِّجاً منها ومستعظماً لها، كما قال تعالى:
(وإنَّها لكبيرة
إلاّ على الخاشعين
)(1).

3 ـ لمَّا كان قبل هذه الآية النهي عن النظر إلى زخارف الدُّنيا، كان المقصود بالذَّات من الأمر بالصَّلاة الاشتغال بها عن النظر إلى تلك الزَّخارف، فلا ينبغي أن يكون بشيء من ذلك مشتغلا عن الصَّلاة، بل إذا عرض في النَّفس شيء من الميل إليها ينبغي الإقبال على الصَّلاة والاصطبار عليها، ليكون ذلك صادّاً للطبيعة عن الميل إلى خلافه.

ولذلك كان عروة بن الزُّبير إذا رأى الزَّخارف عند الملوك قرأ هذه الآية، ثمَّ نادى: «الصَّلاة الصَّلاة رحمكم الله»(2).

4 ـ لمَّا كان النَّهي عن النظر إلى الزخارف، والأمر بالصَّلاة، يمكن أن يقال معه: إنَّ من جملة ذلك الرِّزق الَّذي لابدَّ منه، أردف ذلك بقوله:
(لا نسألك رزقاً)، أي: طلب رزق، بل اكتفِ برزق يأتيك، ولا تكلِّف نفسك الطَّلب فإنَّه يشغلك عن الآخرة، واطلبها بالعبادة والهداية.

(نحن نرزقك)، أي: إذا قنعت بما يأتيك كفيناك مؤنة الطّلب.

إن قلت: إذا مُنع(صلى الله عليه وآله) من طلب الرّزق فنحن أيضاً كذلك، لدلالة التأسِّي، إلا إنَّه ليس كذلك بالإجماع.

قلت: الطَّلب على قدر المطلوب، ولمَّا كان مطلوبه(صلى الله عليه وآله) أعلى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة : 45.

(2) الجامع لأحكام القرآن 11 : 263 .

-(112)-

المطالب جاز تكليفه بما لم يكلَّف به غيره، فيكون ذلك من خواصَّه(صلى الله عليه وآله)الّتي لا يجب التأسِّي به فيها.

5 ـ إنَّه لمَّا كانت الزَّخارف المنهيُّ عن النظر إليها قد تستعقب فائدة وعاقبة، أردف ذلك. بأنّ تلك ليست في الحقيقة فائدة ولا عاقبة، بل هي عدم بالنَّظر إلى عواقب العبادات اللَّذيذة الدَّائمة، وإنَّما العاقبة بالحقيقة، أو العاقبة المحمودة لذوي التَّقوى.

* * * * *

الرَّابعة : (قَد أَفلَحَ المُؤمِنُون * الَّذين هُم في صَلاتِهِم خاشِعُون)(1).

في الآية دلالة على وجوب الصَّلاة، وبشرى فاعلها بالفلاح، الَّذي هو الفوز بأمانيِّهم، والظَّفر بمطلوبهم من الخلاص من عذاب الله، والبقاء على دوام رحمته لهم.

و(قد) مثبتة للمتوقّع، كما أنّ (لمَّا) تنفيه. ولمَّا كان المؤمنون متوقِّعين ذلك، صُدِّرت بها بشارتهم.

وأصل الفلاح لغة: الشقُّ، ومنه (الفلاحة) لشقِّ الأرض بالزراعة.

قوله : (في صلاتهم) ، أضافها إليهم، لأنّهم المنتفعون بها. وأمّا المصلى له فغنيٌّ عنها.

والخشوع: خشية القلب، وعلامتها إلزام كلِّ جارحة بما أُمر به في الصَّلاة من النَّظر.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المؤمنون : 1 ـ 2.

-(113)-

قيل: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يصلِّي رافعاً بصره إلى السَّماء، فلمَّا نزلت التزم بنظره إلى موضع سجوده(1).

ونظر إلى رجل يصلِّي ويعبث بلحيته، فقال: «لو خشع قلبه لخشعت جوارحه»(2).

 

 

 

 

 

 

 

 

النَّوع الثَّاني

في دلائل الصَّلوات الخمس وأوقاتها

وفيه آيات:

الأُولى : (أَقِمِ الصَّلاة لِدلوك الشَّمس إلى غَسَقِ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أحكام القرآن للجصاص 5 : 91 / الجامع لأحكام القرآن 12 : 103 .

(2) دعائم الإسلام 1 : 174 .

-(114)-

اللَّيل وَقُرآنَ الفَجرِ اِنَّ قُرآنَ الفَجرِ كَانَ مَشهوداً * وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّد بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَن يَبعَثَكَ رَبُّكَ
مَقاماً مَحمُوداً
)(1).

إقامُ الصَّلاة: هو تعديل أركانها، وحفظها من أن يقع زيغ في أفعالها، من (أقام العود) إذا قوَّمه.

وقيل: المواظبة عليها، مأخوذة من قامت السوق إذا نفقت، وأقمتها إذا جعلتها نافقة، قال:

      أقامت غزالة سوق الضِّراب لأهل العراقين حولاً قميطاً(2)

فإنَّه إذا حوفظ عليها كانت كالنَّافق الَّذي يرغب فيه، وإذا ضيّعت كانت كالكاسد المرغوب عنه.

وقيل: التشمّر لأدائها من غير فتور ولا توان، من قولهم قام بالأمر وأقامه إذا جدَّ فيه وتجلَّد، وضدُّه قعد وتقاعد.

وقيل: أداؤها، عبَّر عنه بالإقامة، لاشتمالها على القيام، كما عبَّر عنها بالرّكوع والسّجود والقنوت(3).

والكلُّ هنا محتمل . وأمَّا في قوله: (يقيمون الصَّلاة) في معرض المدح، فالأولى أن يراد به الأوَّل، لأنَّه أقرب إلى الحقيقة، وأفيد لتضمُّنه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الاسراء : 78 ـ 79.

(2) استشهد به في الكشاف، وهو لأيمن بن خريم، وغزالة هي امرأة شبيب الخارجي، وقد حاربت الحجاج بن يوسف الثقفي سنة كاملة. انظر : الكشاف 1 : 40.

(3) انظر : تفسير الفخر الرازي 2 : 29 .

-(115)-

التَّنبيه على أنَّ المستحقّ للمدح هو مَن حاله كذا.

والدّلوك: الزَّوال، نصَّ عليه الجوهرىُّ(1) ، من الدَّلك، لأنَّ النَّاظر إليها يدلك عينيه ليدفع شعاعها.

وقيل الغروب، وتمسّك بقول الشاعر:

هذا مقام قدمي رباح دبت حتَّى دلكت براح(2)

وبراح: علم للشَّمس، كقطام وحذام لمرأتين(3).

والحقُّ أنّه لا دلالة فيه على المدَّعى، لاحتمال إرادة زوالها، وكذا على الرَّواية الاُخرى:

* غدوة حتَّى دلكت براح *

وعلى تقدير الدَّلالة لا ينافي كونه بمعنى الزوال، لاحتمال الاشتراك.

والغسق أوَّل ظلمة اللَّيل، وذلك حين يغيب الشَّفق. ولذلك قال الجوهرىُّ: «الغاسق : الليل إذا غاب الشَّفق»(4).

وقيل: غسق اللَّيل شدَّة ظلمته(5)، وذلك إنَّما يكون في
نصف الليل.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الصحاح 4 : 1584 .

(2) أنشده قطرب ـ كما في المصدر السابق ـ واستشهد به الكثير من المفسرين واللغويين بأدنى تفاوت ، انظر : التبيان 6 : 509 / الجامع لأحكام القرآن 10 : 303 .

(3) الصحاح 4 : 1584 .

(4) الصحاح 4 : 1584 .

(5) مفردات غريب القرآن : 360 .

-(116)-

والتهجُّد: تكلُّف السَّهر للصَّلاة. والتهجُّد والهجود من أسماء الأضداد، يأتيان بمعنى النَّوم والسَّهر.

وفي الآية أحكام:

1 ـ إذا حمل الدُّلوك على الغروب خرج الظُّهران.

والأولى حمله على الزَّوال، إذ أصل التركيب للانتقال، ومنه
الدَّلك، لأنَّ الدَّالك لا تستقرُّ يده، وكذا كلُّ ما يتركَّب من الدَّال واللاَّم، كدلج ودلع.

وبه قال ابن عبّاس(1). وروي ذلك عن الباقر والصّادق(عليهما السلام)(2).

ويؤيِّده قول النَّبىّ(صلى الله عليه وآله): «أتاني جبرئيل لدلوك الشّمس حين الزَّوال، فصلَّى بي الظهر»(3).

فعلى هذا يكون الأربع صلوات: الظّهر والعصر والمغرب والعشاء، داخلة في الآية، واللاّم في (لدلوك) للتَّوقيت، مثلها في (لثلاث خلون).

2 ـ في الآية دلالة على امتداد أوقات الأربع من الزَّوال إلى الغسق، فتكون أوقاتها موسَّعة، لأنَّ اللاّم ـ قد قلنا ـ إنَّه للوقت، وإلى لانتهاء الغاية، فيكون الوقت ممتدّاً من الزَّوال إلى نصف اللَّيل، أو ذهاب الشَّفق على الخلاف.

ومن المعلوم أنّ الصلوات الأربع يسعها بعض ذلك للأداء، فلم يبق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أحكام القرآن للجصاص 5 : 31 / أحكام القرآن لابن العربي 3 : 209 .

(2) الكافي 3 : 271 / تهذيب الأحكام 2 : 241 / السرائر الحاوي 3 : 554 .

(3) السنن الكبرى للبيهقي 1 : 362 .

-(117)-

إلاّ أن يكون المراد اتَّساع وقتها، بمعنى أنَّ كلَّ جزء منه صالح للأداء على سبيل الوجوب.

وخالف أبو حنيفة في ذلك، حيث قال: الوجوب مختصٌّ بآخر الوقت، لأنَّ المكلَّف مخيَّر قبل ذلك، والتَّخيير ينافي الوجوب(1).

وجوابه: لا نسلِّم أنَّ التَّخيير ينافي الوجوب، وإنَّما ينافيه الوجوب المضيَّق، أمَّا الموسَّع فلا، ويكون معنى التَّخيير : إمَّا العزم على الإتيان به ـ كما قاله السيّد(رحمه الله)(2)، أو كون جزئيَّات الوقت يتعلَّق الوجوب فيها بالإيقاع على سبيل التَّخيير، كما في الواجبات المخيَّرة.

3 ـ في الآية دلالة على أنَّ الظّهر هي الصَّلاة الأُولى لأنَّ الانتهاء يستدعي ابتداءً، هو الدّلوك.

4 ـ أنّ آخر وقت العشاء نصف اللّيل على أحد التفسيرين للغسق، وهو الأولى. وهو مروىٌّ عن الباقر والصّادق(عليهما السلام)(3).

5 ـ (قرآن الفجر) إشارة إلى صلاة الصبح، تسمية الكلِّ
باسم جزئه.

قال بعض الحنفيَّة: فيه دلالة على ركنيَّة القراءة، كما دلَّ تسميتها ركوعاً وسجوداً على كونهما ركنين(4).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بدائع الصنائع 1 : 95 / المجموع 3 : 47 .

(2) الذريعة 1 : 146 وما بعدها.

(3) الكافي 3 : 271 / من لا يحضره الفقيه 1 : 195 / تهذيب الأحكام 2 : 25 .

(4) الكشاف 2 : 686 .

-(118)-

وليس بشيء، لأنَّ التسمية لغويَّة، وكونها ركناً أو غيره شرعيَّة، فإنَّ القراءة جزء، سواء كانت ركناً أو غيره، فالركنيَّة مستفادة
من دليل خارج.

وكان قرآنها مشهوداً، لأنَّ الملائكة الليليَّة والنهاريَّة يجتمعون فيه، فتكتب في الدِّيوانين معاً.

6 ـ كون نافلة اللَّيل من خواصِّه(صلى الله عليه وآله)، أي وجوبها زائداً على فرائضك مختصٌّ بك، من النفل وهو الزِّيادة، ومنه الأنفال.

بمعنى أنّها تجب له(صلى الله عليه وآله)، وإلاّ فالنَّدبيَّة ثابتة في حقِّ كلِّ الأُمَّة، وإنَّما عبَّر عنها بالنَّافلة لكونها تسمَّى كذلك بالنِّسبة إلى كلِّ الاُمَّة.

7 ـ إنّه ضمَّن (يبعثك) معنى يقيمك، (مقاماً محموداً) وهو مقام الشَّفاعة لاُمَّته، وكان محموداً لأنَّه يحمده كلُّ من عرفه.

* * * * *

الثَّانية : (وأَقِمِ الصَّلاة طَرَفَي النَّهار وَزُلفاً مِن
اللَّيل اِنَّ الحَسَناتِ يُذهِبنَ السَّيِّئات ذلِكَ
ذِكرى للِذَّاكرين
)(1).

قال ابن عبَّاس والحسن والجبائىُّ: إنَّ (طرفي النَّهار) وقت صلاة الفجر والمغرب. وقال مجاهد: وقت صلاة الغداة والظُّهر والعصر(2)، بناءً ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة هود : 115.

(2) التبيان 6 : 79 .

-(119)-

على أنَّ ما بعد الزَّوال يعدُّ من العشاء. (وزلفاً من اللَّيل) العشاءان.

ويحتمل قولاً ثالثاً، بناء على أنَّ النهار اسم لما بين الصُّبح الثَّاني وذهاب الشفق الغربي، وأنَّ المراد بـ (طرفي النهار)نصف النَّهار، فصلاة الفجر في النِّصف الأوَّل، وباقي الصَّلوات الفرائض في النِّصف الثاني.

(وزلفا من اللَّيل) قُرَباً منه، أي طاعات يتقرَّب بها في بعض اللَّيل، فيكون المراد نوافل اللَّيل. فيكون (زلفاً) عطفاً على (الصَّلاة)، لا على (طرفي النّهار). وعلى الأوّلين يكون عطفاً على (طرفي النهار).

والزُّلَف جمع زلفة، كظُلَم جمع ظلمة، والزُّلفى بمعنى الزلفة من أزلفه إذا قرَّبه.

فيكون المعنى: ساعات متقاربة من الليل، وتكون (من) هنا للتبيين، فيكون المراد ساعات المغرب والعشاء القريبة من النَّهار.

واعلم: أنّ دلالة الآية على اتَّساع الوقت ظاهرة.

قوله: (إنَّ الحسنات) الأكثر على أن المراد بالحسنات هي الصَّلوات. وفي معنى إذهابها للسيّئات قولان(1):

الأوَّل: أنّها لطف في ترك السيِّئات، كما قال سبحانه: (إنّ الصَّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)(2).

الثَّاني: أنّها تكفِّر الخطيئات الحاصلة من العبد، بمعنى عدم مؤاخذته

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر : الكشاف 2 : 435.

(2) العنكبوت : 45.

-(120)-

بها، وعدم العقاب عليها، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة..

أحسنها ما رواه أبو حمزة الثمالىّ عن أحدهما(عليهما السلام) في حديث طويل عن علىّ(عليه السلام):

«قال: سمعت حبيبي رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: أرجى آية في كتاب الله (وأقم الصَّلاة طرفي النهار) إلى آخرها، والَّذي بعثني بالحقِّ
بشيراً ونذيراً إنَّ أحدكم ليقوم في وضوئه فتتساقط عن جوارحه الذُّنوب، فإذا استقبل الله بوجهه وقلبه لم ينفتل وعليه من الذنوب شيء، كما
ولدته اُمُّه، فإن أصاب شيئاً بين الصَّلاتين كان له مثل ذلك، حتَّى عدَّ الصَّلوات الخمس.

ثمّ قال: يا علىُّ إنَّما منزلة الصَّلوات الخمس لاُمَّتي كنهر جار على باب أحدكم، فما يظنُّ أحدكم لو كان في جسده درن ثمَّ اغتسل في ذلك النهر خمس مرَّات، أكان يبقى في جسده درن؟! فكذلك والله الصَّلوات الخمس لاُمّتي»(1).

قوله (ذلك) إشارة إلى ما ذكره من إقامة الصَّلاة، فإنَّ ذلك سبب لذكر الله، وذكر الله سبب لدوام فيض الرَّحمة على العباد المستعدِّين لها، كما قال : (فاذكروني أذكركم)(2).

(ذلك ذكرى للذّاكرين)، أي: عظة للمتَّعظين، حيث علموا أنَّ ذكرهم لله سبب لذكر الله إيَّاهم.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير العياشي 2 : 161 .

(2) سورة البقرة : 152.