| عليك أيُّها النبىُّ ورحمة الله وبركاته» إلى التشهُّد الأخير، بما تقريره: السلام على النبىّ(صلى الله عليه وآله) واجب، ولا شيء منه في غير التشهُّد الأخير بواجب، ينتج أنه فيه واجب. وبيان المقدّمتين تقدّم. فقيل عليه: إنَّه خرق للإجماع، لنقل العلاَّمة الاجماع على استحبابه(1). ولأنَّ النبي(صلى الله عليه وآله)لم يعلِّمه الأعرابىَّ في كيفيَّة التشهُّد(2)، ولا هو في حديث حمّاد في صفة الصَّلاة عن الصادق(عليه السلام)(3)، فلو وجب لتأخَّر البيان عن وقت الحاجة. وهو باطل اتَّفاقاً. ولضبط الأصحاب الواجبات في الصَّلاة. ولم يعدُّوه منها. ولعدم دلالة الآية عليه صريحاً، ولو دلَّت لم تدل على الفوريَّة، ولا على التكرار، ولا على كونه في الصَّلاة، ولا على كونه آخرها، ولا على كونه بصيغة مخصوصة. ويمكن الجواب عن الأول: بمنع الإجماع على عدم وجوبه، والإجماع المنقول على مشروعيّته وراجحيّته، وهو أعمُّ من وعن الثاني والثالث: بأنَّ عدم النقل لا يدلُّ على العدم، مع أنّ حديث ــــــــــــــــــــــــــــ(1) تذكرة الفقهاء 3 : 246 . (2) (3) حمَّاد ليس فيه إشعار بالعبارة المتنازع فيها بالوجوب وجوداً وعَدماً، مع إمكان الدخول في التشهُّد، لأنَّه قال فيه: «فلمَّا فرغ من التشهُّد سلَّم». وعن الرابع: بأنَّه معارض بوجوب التسليم المخرج من الصَّلاة، فإنَّ كثيراً من الأصحاب لم يعدُّوه في الواجبات مع الفتوى بوجوبه. وعن الخامس: قد بيَّنَّا فيما تقدَّم أنَّ سياق الكلام، وقضيَّة العطف تدلُّ على أنَّ المراد السلام على النبىِّ. وعن السادس: بأنَّ الفوريَّة والتكرار استفيدا من خارج الآية، وهو أنّه لمّا ثبت كونه جزءً من الصَّلاة، فكما دلَّ على فوريَّتها وتكرارها، يدلَّ على فوريّته وتكراره تضمّناً. وعن السابع والثامن والتاسع: بما تقرَّر في بيان الكبرى، إذ لا قائل بالوجوب في غير الصَّلاة، ولا في غير التشهُّد الأخير، ولا بغير الصيغة. وبالجملة: الّذي يغلب على ظنّي الوجوب. ويؤيّده ما رواه أبو بصير عن الصادق(عليه السلام) قال: «إذا كنت إماماً فإنَّما التسليم أن تسلِّم على النبىِّ(صلى الله عليه وآله)، وتقول: السلام علينا وعلى عباد وأيضاً رواية الشيخ في التهذيب عن أبي كهمس عن الصادق(عليه السلام)قال: «سألته إذا جلست للتشهّد، فقلت: ـ وأنا جالس ـ السلام عليك أيُّها النبىُّ ورحمة الله وبركاته، انصراف هو؟ قال: لا، ولكن إذا قلت: السلام ــــــــــــــــــــــــــــ(1) علينا وعلى عباد الله الصالحين فهو انصراف»(1). وهي ظاهرة في أنّه من التشهد. والإجماع حاصل منَّا على وجوبه. وعن الحلبىِّ عن الصادق(عليه السلام) قال: «كلَّما ذكرت الله والنبىَّ فهو دلّ ظاهر هذه الروايات على كون السلام على النبىِّ(صلى الله عليه وآله)من الصَّلاة، ودلّت الآية على الوجوب، فيكون واجباً فيها، وهو المطلوب. ــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب الأحكام (2)
النوع السادس في المندوبات وفيه آيات: الأُولى : (وَقُومُوا للهِ قانِتِين)(1). قال المعاصر ما هذا لفظه: يمكن الاستدلال بهذه الآية على ندبيَّة القنوت في الصَّلاة، إذ لا قائل بوجوبه، والأصل براءة الذمَّة، ولأنَّ صيغة الأمر استعملت في الندب مثل قوله تعالى: (وأشهدوا إذا تبايعتم)(2). أقول في هذا الكلام غلط من وجوه.. أ : ان قوله: «لا قائل بوجوب القنوت»، يدلُّ على عدم الاطِّلاع على النقل، فإنَّ ابن بابويه وابن أبي عقيل قائلان بالوجوب(3)، وهما في الفقه بمكان عال. ب : ان أصل البراءة إنّما يكون حجّة مع عدم الدليل، لا مطلقاً. جـ : ان قوله: «صيغة الأمر استعملت في الندب»، إن عنى بصيغة الأمر هنا لفظة «قوموا»، فتلك للوجوب، كما استدلَّ هو وغيره بها على وجوب ــــــــــــــــــــــــــــ(1) سورة البقرة : 238. (2) سورة البقرة : 282. (3) من لا يحضره الفقيه 1 : 316 / مختلف الشيعة 2 : 173. القيام في الصَّلاة، وإذا كانت للوجوب فلا تدلُّ على الندب، إذ لا يجوز استعمال المشترك في معنييه، كما تقرَّر في الأُصول. وإن عنى لفظ «قانتين» فليس بأمر، وهو ظاهر. د : ان تمثيله للندب بقوله: (وأشهدوا) سهو، فإنَّ الأمر فيها للإرشاد إلى مصلحة دنيويَّة، لا اُخرويَّة، بخلاف الندب، فإنَّه إشارة إلى مصلحة راجحة اُخرويَّة، وهي نيل الثواب. إذا تقرّر هذا.. فاعلم: انه قد تقدَّم الكلام في هذه الآية بما فيه كفاية، فلا وجه لإعادته، ولكن نقول: أكثر أصحابنا قالوا باستحباب القنوت. وقال بعضهم بوجوبه، كما تقدَّم. ومحلّه في جميع الصلوات الواجبة والمندوبة بعد قراءة الثانية، قبل ركوعها، وفي الجمعة قنوتان في الاُولى قبل الركوع، وفي الثانية بعده. وقال الشافعىُّ باستحبابه في الصبح خاصّة، بعد ركوع ثانيتها، وما عداها يستحبُّ إن نزلت نازلة، وإلاّ فقولان(1). وقال مالك باستحبابه في الوتر في النصف الأخير من رمضان (1) الأُم للشافعي 1 : 130 / المجموع 3 : 493 / الخلاف 1 : 379. (2) الذي نص عليه مالك في المدونة ، وابن رشد في البداية هو استحباب القنوت في صلاة الصبح ، وأما قنوت الوتر فمنعه مالك ، على ما حكاه عنه ابن رشد في البداية. انظر : المدونة الكبرى 1 : 102 / بداية المجتهد 1 : 134 ، 208 / المجموع 3 : 504. وقال أبو حنيفة: هو مكروه، إلاّ في الوتر خاصّة فإنّه مسنون(1). وقال أحمد: إن قنت في الصبح فلا بأس. وقال: يقنت أُمراء الجيوش(2). ويُحتجُّ على المانع بأنه دعاء، فيكون مأموراً به لقوله تعالى: (ادعوني أستجب لكم)(3). وبما رواه البراء بن عازب قال: «كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) لا يصلِّي صلاةً مكتوبة إلاّ قنت فيها»(4). ورووا أيضاً أنَّ علياً(عليه السلام) قنت في المغرب، ودعا على اُناس وأشياعهم(5)، وقنت النبىُّ(صلى الله عليه وآله) في الصبح ودعا على جماعة، وسمَّاهم(6). ومن طرق الأصحاب روايات كثيرة(7). وهنا فروع . . 1 ـ يجوز الدعاء فيه لاُمور الدنيا إجماعاً منَّا. ــــــــــــــــــــــــــــ(1) المبسوط للسرخسي 1 : 165 / المجموع 3 : 405. (2) المجموع 3 : 504. (3) سورة المؤمن : 60. (4) السنن الكبرى 2 : 198. (5) السنن الكبرى 2 : 245. (6) صحيح البخاري 2 : 15 / السنن الكبرى 2 : 198. (7) انظر : وسائل الشيعة 6 : 261 ومابعدها. وأنكره أبو حنيفة وأحمد; لأنه يشبه كلام الآدميِّين(1). ويحتجّ عليهم بما رووه أنَّ النبىّ(صلى الله عليه وآله) قال: «إذا صلَّى أحدكم فليبدأ بالحمد لله والثناء عليه، ثمَّ يصلِّي علىَّ، ثمَّ يدعو بعده بما شاء»(2)، قوله: «بما شاء» يعمّ اُمور الدين والدنيا. ومن طرق الأصحاب عن عبد الرحمن بن سيابة قال: «قلت وعن إسماعيل بن أبي الفضل عن الصادق(عليه السلام) أيضاً قال: «سألته 2 ـ يجوز القنوت بالفارسيّة، لقول الصادق(عليه السلام): «كلُّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي»(5)، ولم يرد هنا نهي. ولقول الباقر(عليه السلام): «لا بأس أن يتكلّم الرجل في الصَّلاة بكلِّ ما يناجي به ربّه»(6). وعن الصادق(عليه السلام): «كلَّما ناجيت به ربَّك في الصَّلاة فليس ــــــــــــــــــــــــــــ(1) (2) (3) ، (2) الكافي ـ الفروع ـ 3 : 323 ، 340. (5) من لا يحضره الفقيه 1 : 208. (6) تهذيب الأحكام 2 : 326. بكلام»(1)، يريد ليس بكلام مبطل. 3 ـ قال الصدوق: القنوت كلُّه جهار(2). وقال المرتضى، وابن إدريس، والعلاَّمة: هو تابع للصلاة في وقال الشافعىُّ: يخافت به، لأنَّه مسنون، فأشبه التشهّد الأوَّل(4). وقياسه ممنوع أصلا وفرعاً. ويُحتجّ للصدوق بما رواه عن زرارة عن الباقر(عليه السلام): «قال: إنّ القنوت كلّه جهار»(5). 4 ـ إذا نسي القنوت قضاه بعد الركوع، لرواية محمد بن مسلم ولو ذكر بعد ركوع الثالثة، قال الشيخان: قضاه بعد فراغه من الصَّلاة(7); لرواية أبي بصير عن الصادق(عليه السلام)(8). وفي الرواية الاُولى: «فإن لم يذكر حتَّى ينصرف فلا شيء عليه»(9). * * * * * ــــــــــــــــــــــــــــ(1) ، (6) من لا يحضره الفقيه 1 : 317 ، 318. (3) السرائر الحاوي 1 : 229 / تذكرة الفقهاء 3 : 260 / قواعد الأحكام 1 : 280. (4) المجموع 3 : 501. (5) من لا يحضره الفقيه 1 : 318. (6) تهذيب الأحكام 2 : 160 (7) وهما الشيخ المفيد في المقنعة : 139 ، والشيخ الطوسي في النهاية : 90. (8) تهذيب الأحكام 2 : 160. (9) يعني بها رواية محمد بن مسلم التي تقدمت الإشارة إليها. الثانية : (فَصلِّ لِربِّك وَانحَر)(1). أكثر المفسِّرين أنّ المراد صلاة العيد. والنحر: الهدي أو التضحية. قال أنس: كان النبىُّ(صلى الله عليه وآله) ينحر قبل أن يصلّي الغداة، فأمره أن يصلِّي قبل أن ينحر(2). وقيل: معناه صلِّ الصَّلاة المكتوبة، واستقبل القبلة بنحرك، لقول العرب: منازلنا تتناحر، أي هذا ينحر هذا، أي يستقبله، وأنشد: أبا حكم ها أنت عمُّ مجالد وسيّد أهل الأبطح المتناحر أي ينحر بعضه بعضاً. قاله الفرَّاء(3). وروى الجمهور: «عن علىّ(عليه السلام) أنَّ معناه ضع يدك اليمنى على اليسرى حذاء النحر في الصَّلاة»(4). وهذا نقل باطل عنه، بل كذب وزور عليه، لأنَّ عترته الطاهرة مجمعون على خلافه. والذي ورد عنهم روايات: 1 : روى عمر بن يزيد: «قال: سمعت الصادق(عليه السلام) يقول في قوله تعالى: (فصلّ لربّك وانحر) هو رفع يديك حذاء وجهك»(5). ــــــــــــــــــــــــــــ(1) سورة الكوثر : 2. (2) الجامع لأحكام القرآن 20 : 219. (3) التبيان 10 : 418/ الجامع لأحكام القرآن 20 : 219. (4) المستدرك على الصحيحين 2 : 537 / السنن الكبرى 2 : 29. (5) مجمع البيان 10 : 460. 2 : عبدالله بن سنان عنه مثله(1). 3 : عن جميل بن درّاج: قال: «قلت للصّادق(عليه السلام): (فصلّ لربّك وانحر)؟ فقال بيديه هكذا، يعني استقبل بيديه حذو وجهه في 4 : حمَّاد بن عثمان قال: «سألت الصادق(عليه السلام) ما النحر؟ فرفع يده إلى صدره، فقال: هكذا، ثمّ رفعهما فوق ذلك، فقال هكذا، يعني استقبل يديه القبلة في استفتاح الصَّلاة»(3). 5 : روى مقاتل بن حيَّان عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين(عليه السلام)أنّه قال: «لمَّا نزلت هذه السورة قال(صلى الله عليه وآله) لجبرئيل(عليه السلام): ما هذه النحيرة وقال النبىُّ(صلى الله عليه وآله) رفع الأيدي من الاستكانة. قلت: ما الاستكانة؟ قال: ألا تقرأ هذه الآية: (فما استكانوا لربّهم وما يتضرّعون)». ــــــــــــــــــــــــــــ(1) تهذيب الأحكام 2 : 66 . (2) مجمع البيان 10 : 460. (3) مجمع البيان 10 : 460. أورده الثعلبي والواحدي في تفسيريهما(1). إذا تقرَّر هذا فنقول: دلّت هذه الروايات على مندوبات.. 1 ـ التكبير للركوع والسجود وضعاً ورفعاً. 2 ـ استحباب رفع اليدين مع كلّ تكبيرة. 3 ـ الاستقبال باليدين القبلة. 4 ـ كون الرفع إلى حذاء الوجه. * * * * * الثالثة : (قَد أفلَحَ المُؤمِنُون * الّذين هم فى صَلاتِهِم خاشِعُون)(2). تقدَّم الكلام في هذه الآية. قيل: المراد بالخشوع غضُّ الطرف، والتذلُّل وخفض الجناح(3). وقيل: المراد صرف النظر في كلِّ حال إلى موضع معيّن، كصرف النظر حال القيام إلى موضع سجوده، وحال الركوع إلى ما بين رجليه، وحال السجود إلى طرف أنفه، وحال التشهّد إلى حجره، وحال القنوت إلى باطن كفّيه(4). ــــــــــــــــــــــــــــ(1) المستدرك على الصحيحين 2 : 537 / الجامع لأحكام القرآن 20 : 219. (2) سورة المؤمنون : 1 و2. (3) الكشاف 3 : 175. (4) فقه القرآن للراوندي 1 : 110 / بدائع الصنائع 1 : 215 ، ونقله عن الطحاوي. وقيل: في قوله تعالى: (وعنت الوجوه للحىّ القيوم)(1)، هو وضع الجبهة والأنف على الأرض(2). والظاهر أنّ المراد: ذلَّت، وخضعت له خضوع العناة، وهم الاُسارى، في يد الملك القهَّار(3). ولفظ الوجوه يعطي العموم، ويحتمل إرادة الخصوص وهي ويؤيِّد هذا الاحتمال قوله بعد ذلك: (وقد خاب من حمل ظلماً)(6). * * * * * الرابعة : (فَاِذا قرأت القرآن فاستَعِذ بِاللهِ مِنَ الشّيطان ــــــــــــــــــــــــــــ(1) سورة طه : 111. (2) التبيان 7 : 211 . (3) انظر : الكشاف 3 : 89. (4) سورة طه : 102 ـ 104. (5) سورة النازعات : 40. (6) سورة طه : 111. الرّجيم)(1). أي: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، أطلق الملزوم على لازمه، فإنَّ كلَّ فعل اختيارىّ يلزمه الإرادة. قال الزمخشري: هي مثل قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصَّلاة فاغسلوا)(2) أي إذا أردتم القيام(3). وفيه نظر; لأنَّ بين ابتداء القيام إلى الصَّلاة وبين ابتداء الصَّلاة والاستعاذة: طلب العياذ، وهو الملجأ، والمراد الاستجارة، أي: استجير بالله دون غيره. والشيطان: كلُّ متمرِّد عن الطاعة، إنساناً كان أو جنّاً، ووزنه فيعال من: (شَطَنت الدار) إذا بعدت. وقيل: فعلان من شاط يشيط، إذا بطل. فالنّون على الأوَّل أصل، وعلى الثاني زائدة. والرجيم: فعيل بمعنى مفعول، أي: مرجوم، من الرجم بمعنى الرمي، فمعناه: البعيد من الخير، المرمىُّ باللّعنة. ــــــــــــــــــــــــــــ(1) سورة النحل : 98. (2) سورة المائدة : 6. (3) الكشاف 2 : 633. إذا تقرّر هذا، فهنا فوائد: 1 ـ انّ الخطاب حقيقة للنبىّ(صلى الله عليه وآله)، ودخل غيره فيه لدليل التأسي به. 2 ـ روى عبدالله بن مسعود قال: «قرأت على رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال لي: يابن أُمّ عبد قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنيه جبرئيل(عليه السلام)، عن القلم، عن اللَّوح المحفوظ»(1). وهذا موافق للفظ القرآن. وبالأوَّل قرأ بعض القرّاء (2)، وفيه ما فيه. 3 ـ أكثر العلماء على أنّ الأمر هنا للاستحباب. ونقل عن بعض علمائنا الوجوب. والأوَّل أقوى; لأصالة البراءة، ولأنّه قول الأكثر. 4 ـ انه يستحبُّ الإسرار به ولو في الجهرية، إجماعاً. قيل: لأنّه ذكر بين التكبير والقراءة، فليس فيه إلاّ الإسرار، كالاستفتاح. وفيه ما فيه. 5 ـ أنّه عندنا في أوّل ركعة لا غير. وقال غيرنا: إنّه في كلِّ ركعة، لأنّ الحكم المرتّب على شرط يتكرَّر بتكرُّره قياساً(3). قلنا: لفظ القرآن للجنس، فهو كالفعل الواحد، فيكفي استعاذة ــــــــــــــــــــــــــــ(1) الكشاف 2 : 634. (2) انظر : مجمع البيان 1 : 49. (3) المجموع 3 : 324 ، ونسبه إلى الشافعية. واحدة، ولأنَّه(صلى الله عليه وآله) كذا فعل. هذا، ولو تركه عمداً أو سهواً، لم يتداركه في الثانية، لفوات محلّه. 6 ـ قال بعض الحنفية: إنّها من سنن الصَّلاة لا القراءة، فعنده يستحبُّ للمأموم وإن لم يقرأ، وكذا للمسبوق. وهو ممنوع، لأنّ لفظ القرآن يدلُّ على خلافه، بل هي من سنن القراءة. * * * * * الخامسة : آيات متعددة : (يا أيُّها المُزمِّل * قُم اللَّيلَ إلاَّ قَليلا * نِصفَهُ أو انقُص مِنهُ قَليلا * أو زِد عَليهِ وَرَتِّلِ القُرآنَ تَرتيلا * إنَّا سَنُلقي عَلَيكَ قَولاً ثَقيلا * إنَّ ناشِئَةَ اللَّيل هِيَ أشدُّ وطأً وأقوَمُ قيلا * إنَّ لك فِي النَّهارِ سَبحاً طَويلا * وَاذكُرِ اسمَ ربِّكَ وتبتَّل إليـهِ تَبتيلا)(1). أصل المزمِّل: متزمِّل، اُدغم التاء في الزاي، من تزمَّل، أي: تلفّف بثيابه. سمّي به النبىَّ(صلى الله عليه وآله) تهجيناً لما كان عليه، لأنَّه كان نائماً، أو مرتعداً مما ــــــــــــــــــــــــــــ(1) سورة المزمل : 1 ـ 8. دهشه ابتداء الوحي، فتزمَّل بقطيفة(1). أو تحسيناً له، إذ روي أنَّه كان يصلِّي متلفِّفا بمرط مفروش على عائشة، فنزلت(2). أو تشبيهاً له في تثاقله بالمتزمِّل، لأنَّه لم يكن تمرَّن بعد في قيام اللّيل. أو من تزمَّل الزمل، إذا تحمّل الحمل، أي: الذي تحمَّل أعباء النبوَّة، أعني أثقالها(3). (قم الليل)، أي: إلى الصَّلاة. والاستثناء من الليل ونصفه بدل من (قليلا). أو بدل من (الليل)، والاستثناء يكون من النصف. والضمير في منه وعليه للأقلّ من النصف، كالثلث، فيكون التخيير بينه وبين الأقلّ منه كالرّبع، والأكثر منه كالنصف. أو يكون الضمير للنصف، ويكون التخيير بين أن يقوم أقلَّ منه على البتِّ، وأن يختار أحد الأمرين من الأقلِّ والأكثر. وقيل: إن الاستثناء من اللَّيالي، وهي ليالي العذر، كالمرض ونحوه(4). ــــــــــــــــــــــــــــ(1) الكشاف 4 : 634. (2) (3) التبيان 10 : 161 ، ونسبه إلى عكرمة. (4) مجمع البيان 10 : 161. والترتيل: القراءة على تُؤَدَة، بحيث تتبيَّن الحروف بعضها من بعض، كقولهم: ثغر رَتل ورِتل، أي: مفلَّج. والقول الثقيل: القرآن، لما فيه من التكاليف الشاقّة. و(ناشئة الليل)، قيل: النفس الناهضة من مضجعها إلى العبادة، من نشأ من مكانه، إذا نهض. وقيل: قيام اللّيل. وقيل: المراد العبادة الّتي تنشأ باللّيل، أي: تحدث . وهو أقوى عندي، إذ الإسناد إليها في قوله: (أشدّ وطأً) حقيقة. وقيل: المراد ساعات اللّيل الحادثة واحدة بعد اُخرى، أو الساعات السابقة من نشأت إذا ابتدأت(1). وقرأ أبو عمرو وابن عامر (أشدّ وطاءً)، أي: مواطأة وموافقة. والباقون: (وطأً)، أي: كلفة، أو ثبات قدم(2). فعلى الأوَّل قيل: المراد موافقة القلب اللسان ، أو موافقة لما يراد من الخشوع والإخلاص بموافقة السرِّ العلانية(3)، وهو أولى; لما روي عن الصادق(عليه السلام): «هي قيام الرجل عن فراشه لا يريد به إلاّ الله تعالى»(4). ــــــــــــــــــــــــــــ(1) لاحظ هذه الأقوال فى الكشاف 4 : 638. (2) التبيان 10 : 160. (3) الكشاف 4 : 638. (4) تهذيب الأحكام 2 : 122 . وهو يؤيِّد ما قلناه في الناشئة. (وأقوم قيلا)، أي: أسدُّ مقالاً، أو أثبت قراءة، لحضور القلب وهدوء الأصوات. (وسبحاً طويلا)، أي: تصرُّفاً في المعاش والمهامِّ، وحيث الحال كذلك فعليك بالتهجُّد ليلا، فإنَّ مناجاة الحقِّ تستدعي فراغاً عن الخلق. والتبتل: الانقطاع، أي انقطع إليه بالعبادة وجرِّد نفسك عمّا سواه. وقال سبحانه: (تبتيلا)، والقياس تبتّلا، لمراعاة الفواصل. إذا تقرَّر هذا، فهنا فوائد: 1 ـ قيل: كان قيام اللَّيل واجباً على النبىّ(صلى الله عليه وآله) وأصحابه في مكَّة قبل فرض الصلوات الخمس، ثمّ نُسخ بالخمس، عن ابن كيسان ومقاتل(1). وعن عائشة: انّ الله افترض قيام اللّيل في أوّل هذه السورة، وعن ابن عبَّاس: لمَّا نزلت أوَّل المزَّمِّل، كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان، وكان بين أوَّلها وآخرها سنة(3). ــــــــــــــــــــــــــــ(1) مجمع البيان 10 : 161. (2) سنن النسائي 3 : 198 / أحكام القرآن للجصاص 5 : 366. (3) تفسير الفخر الرازي 30 : 172 / مجمع البيان 10 : 161. وعن سعيد بن جبير: كان بين أوَّلها وآخرها عشر سنين(1). هذه أقوال المفسّرين. 2 ـ قيل: في آخر السورة ـ وهو قوله تعالى:(إنّ ربّك يعلم أنّك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدِّر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسَّر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسَّر منه)(2) ـ أنّ معنى (فتاب عليكم) نسخ الحكم الأوَّل، بأن جعل قيام الليل تطوّعاً، بعد أن كان فرضاً(3). وقيل: معناه لم يلزمكم إثماً ولا تبعة(4). وقيل: خفّف عليكم، لأنّهم كانوا يقومون الليل كلّه حتى انتفخت أقدامهم، فنسخ ذلك عنهم(5). وعلِّل هذا الترخُّص بأُمور: الأوَّل : أنّه يعسر عليكم ضبط أوقات الليل وحصر ساعاته، بل الله سبحانه هو المقدِّر لذلك، أي العالم بمقداره. ــــــــــــــــــــــــــــ(1) مجمع البيان 10 : 161. (2) سورة المزمل : 20. (3) نقله عن ابن عباس في تفسير الفخر الرازي 30 : 187. (4) الكشاف 4 : 643. (5) أحكام القرآن للجصاص 5 : 367 / أحكام القرآن لابن العربي 4 : 333. الثاني : أنّه ربما يكون فيكم مَن هو مريض فيشقّ عليه قيام اللَّيل. الثالث: أنهم قد يكونون في سفر تجارة أو غزو. قال المعاصر: فظاهر الآيات تدلُّ على الندبيَّة، لأنَّ (أو) معناها التخيير، والواجب لا تخيير في مقداره. قلت: في كلامه نظر من وجوه: أ : ان الندبيَّة إن استفيدت من دليل خارج، فلا يكون ذلك وإن استفيدت من التخيير، فباطل، لما يجيء. ب : انّ استدلاله على الندبيّة بكون (أو) للتخيير، وأنّ الواجب لا تخيير في مقداره، فيه غلط ظاهر.. أما أوّلاً : فلأنّ انحصار معنى (أو) في التخيير باطل باتّفاق أهل العربيّة، فإنَّهم مجمعون على أنَّها قد تكون، للشكّ، والإبهام، والتقسيم، والتخيير، والإباحة، فانحصار معناها في التخيير باطل. وأما ثانياً : فلأنّ قوله: (الواجب لا تخيير فيه) باطل أيضاً، فإنّ التخيير قد وقع في الواجب بين الكلِّ والجزء، كتخيير المصلّي عندنا في الأماكن الأربعة(1) بين الركعتين والأربع، وكذا تخيير المصلّي في الأخيرتين بين التسبيح ثلاثاً أو مرّة، والتخيير بين الحمد والتسبيح مرّة ــــــــــــــــــــــــــــ(1) وهي : المسجد الحرام أو مكة كلها ، ومسجد النبي(صلى الله عليه وآله) أو المدينة كلها ، ومسجد الكوفة أو الكوفة كلها ، والحائر الحسيني ، على اختلاف بين الفقهاء في بعض التفاصيل والخصوصيات. واحدة، وهي تقصر عن مقدار الحمد، والتخيير في الكسوف بين إتمام السورة بعد الحمد أو قراءة بعضها. جـ : أنّه ذكر فيما بعد: ـ أنّ المختار من الأقوال ـ أنّ صلاة الليل كانت فرضاً على النبىّ(صلى الله عليه وآله)، ونافلة لأصحابه، وحينئذ كيف يكون ظاهرها الندبيّة مطلقاً؟! 3 ـ الترتيل في القراءة سنَّة مؤكَّدة، واختلف في تفسيره. فقيل: هو تبيين الحروف وإخراجها من مخارجها، وتوفية حقّها من الحركات والإشباع(1). وعن ابن عباس: هو القراءة على هينتك(2)، وعنه قال: «لأن أقرأ البقرة وأُرتّلها أحبّ إلىّ من أن أقرأ القرآن كلّه ليس كذلك»(3). وعن علىّ(عليه السلام) ـ في معناه ـ أنَّه: «قال : بيَّنه بياناً، ولا تهذُّه هذَّ الشعر، ولا تنثره نثر الرمل، ولكن اقرع به القلوب القاسية، ولا يكوننَّ همُّ وعن الصادق(عليه السلام): «قال إذا مررت بآية فيها ذكر الجنَّة فاسأل الله الجنَّة، وإذا مررت بآية فيها ذكر النار فتعوَّذ بالله من النار»(5). ــــــــــــــــــــــــــــ(1) نقله في مجمع البيان (10 : 162) عن الزجاج. (2) مجمع البيان 10 : 163 . (3) الدر المنثور 1 : 21 ، بأدنى تفاوت. (4) الكافي ـ الاصول ـ 2 : 449 / الدر المنثور 6 : 277 / كنز العمال 2 : 318 ، بأدنى تفاوت فيهما. (5) ، (3) ، (4) مجمع البيان 10 : 163 . وقيل: المراد التحزين به، أي قراءته بصوت حزين. ويؤيده والتحقيق: أنّ الغرض من الترتيل تدبُّر القرآن، والتفكُّر في معانيه، والائتمار عند أوامره، والانزجار عند زواجره. 4 ـ استدلَّ بقوله تعالى: (واذكر اسم ربك) على وجوب البسملة في أوَّل الحمد والسورة(2). وقيل: المراد بها الدعاء بذكر اسمائه الحسنى وصفاته العليا، ومنه قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)(3). ويستدلُّ بذلك على جواز الدعاء في جميع الحالات، وفي الصَّلاة، للدِّين والدنيا، له ولإخوانه المؤمنين، ولشخص بعينه. وليس ذلك بعيداً من الصواب، لعموم قوله تعالى: (وقال ربّكم ادعوني استجب لكم إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون 5 ـ روى محمد بن مسلم، وحمران بن أعين، عن الباقر والصادق(عليهما السلام): أنّ التبتل ـ هنا ـ رفع اليدين في الصَّلاة(5). وفي رواية أبي بصير قال: «هو رفع يديك إلى الله تعالى (3) سورة الأعراف : 179. (4) سورة المؤمن : 60. (5) ، (2) مجمع البيان 10 : 164 . وتضرّعك إليه»(1). ويمكن أن يكون ذلك علامة على الانقطاع إلى الله، الذي هو 6 ـ قيل: المراد بقوله تعالى: (وبالأسحار هم يستغفرون)(2) هو صلاة الليل(3). وقيل: الاستغفار آخر الوتر(4)، وفي معنى ذلك قوله تعالى: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون)(5). والأولى حمله على الحقيقة، وهو طلب المغفرة. وخصَّ الاستغفار بالسَّحر الذي هو آخر اللَّيل، لأنّ العبادة فيه أشقّ، والنفس أصفى، لعدم اشتغالها بتدبير المأكول، ولخلوِّ المعدة عنه، فتتوجَّه النفس بكلّيّتها إلى حضرة الحقّ تعالى. و(ما) في قوله: (ما يهجعون) قيل: زائدة، أي يهجعون في طائفة من اللّيل، أو يهجعون هجوعاً قليلا. وقيل: مصدريّة، أو موصولة، أي في قليل من الليل هجوعهم، أو ما يهجعون فيه. ــــــــــــــــــــــــــــ(2) سورة الذاريات : 17. (3) مجمع البيان 10 : 295. (4) روي عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) في تهذيب الأحكام 2 : 130. (5) سورة الذاريات : 18. ولا يجوز أن تكون نافية، لأنَّ ما بعدها لا يعمل فيما قبلها(1). وفي الآية مبالغة في تقليل نومهم واستراحتهم في اللّيل الذي هو وقت السبات، وذكر الهجوع الذي هو الغرار(2) من النوم. وفي الحديث عن النبي(صلى الله عليه وآله): «مَن ختم له بقيام اللَّيل ثم مات وجاء رجل إلى علىّ(عليه السلام) فقال: إنّي قد حرمت صلاة الليل:
النوع السابع في أحكام متعددة تتعلق بالصلاة وفيه آيات: ــــــــــــــــــــــــــــ(1) لاحظ الأقوال في الكشاف 4 : 398. (2) الغِرار ـ بالكسر ـ القليل من النوم وغيره. القاموس المحيط 2 : 144. (3) من لا يحضره الفقيه 1 : 300. (4) الكافي ـ الفروع ـ 3 : 450. الأُولى : (وَإذا حُيّيتُم بِتحيّة فَحيُّوا بِأَحسنَ مِنها أو رُدُّوها إنّ الله كانَ عَلى كلّ شىء حَسيباً)(1). أصل تحيّة: تحْيِيَة، نقلت كسرة الياء إلى ما قبلها، واُدغم الياء في الياء، وتتعدَّى بتضعيف العين. وإنَّما قال تعالى: (بتحيَّة) بالباء، لأنَّه لم يرد به المصدر، بل أراد بنوع من التحايا، والتنوين فيها للنوعيَّة، واشتقاقها من الحياة، لأنَّ المسلِّم إذا قال: (سلام عليكم)، فقد دعا للمخاطب بالسَّلامة من كلِّ مكروه، والموت من أشدِّ المكاره، فدخل تحت الدعاء. واعلم: أنّه لم يرد بـ (حيّيتم) سلام عليكم، بل كلّ تحيّة وبِرٍّ وإحسان، ويؤيِّده ما ذكره علىّ بن إبراهيم في تفسيره عن الصادقين(عليهما السلام): «أنّ المراد بالتحيَّة في الآية السلام وغيره من البرّ»(2). والحسيب: إمّا بمعنى الحفيظ لكلِّ شيء، أو بمعنى المحاسب، أي: يحاسبكم على التحيّة وغيرها. إذا تقرَّر هذا فهنا مسائل: 1 ـ السلام من السنن الوكيدة، والردّ فرض لصيغة الأمر الدالّة على الوجوب، لكن على الكفاية، لأصالة البراءة، ولأنّ المقصود المكافاة على التحيّة وقد حصل، وللحديث. ــــــــــــــــــــــــــــ(1) سورة النساء : 86. (2) تفسير القمي 1 : 145. هذا، إذا كان السلام على جماعة، أمّا إذا سلّم على واحد، فهو فرض عين عليه. 2 ـ اتّفق الجمهور من الفقهاء والمفسّرين على أنّه إذا قال المسلّم: (سلام عليكم)، فاُجيب بقوله: (سلام عليكم ورحمة الله)، فهو أحسن منها، ولو لم يقل: (ورحمة الله)، فهو ردّ لها بمثلها. وإذا قال: (سلام عليكم ورحمة الله)، فاُجيب بقوله: (سلام عليكم ورحمة الله)، فهو ردّ بالمثل، ولو زيد (وبركاته)، فهو أحسن. وإذا قال: (سلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، فليس فوقها ما يزيد عليها. 3 ـ قال ابن عبّاس: إنّ المراد بقوله: (بأحسن منها)، أي: للمسلمين، (أو ردّوها) لأهل الكتاب، لا يزاد على قوله. وقال غيره: إن (ردّوها) للمسلمين أيضاً، أمَّا الكتابىّ فيقال: عليكم، أو وعليكم، لأنَّهم ربَّما قالوا: السام عليكم، أي الموت(1). 4 ـ إذا سُلّم على المصلّي، وجب عليه الردُّ، لإطلاق الأمر بالردّ المتناول لحال الصَّلاة وغيرها، وليس هو من كلام الآدميّين، فيدخل تحت النهي، لأنّ هذه الصيغة وردت في القرآن. إن قلت: إذا قصد الردّ خرج عن كونه قرآناً. قلت: ذلك ممنوع، لأنّه قرآن باعتبار لفظه ونظمه، وقصد الردّ لا يخرجه، كما لا يخرج بقصد الدعاء لو قال: (ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ــــــــــــــــــــــــــــ(1) التبيان 3 : 278. سبقونا بالإيمان)(1). وقال الشافعىُّ: لا يردّ، بل بالإشارة برأسه، أو بيده، وبه قال ومنع أبو حنيفة الردَّ مطلقاً، لفظاً وإشارة(3). دليلنا ما تقدّم، وروايات الأصحاب عن أئمّتهم(عليهم السلام)(4). 5 ـ ذكر بعض الشافعيّة والحنفيّة أنّه يسقط وجوب الردِّ إذا كان في حال الخطبة، وقراءة القرآن، وقضاء الحاجة، وفي الحمّام(5). وذلك ممنوع، لأنّ الواجب لا يسقطه الاشتغال بمندوب. نعم، الأقوى عندي كراهة السلام على المصلّي، لأنّه ربّما شغله عن القيام بالواجب إذا ردّ، أو ترك الواجب إذا لم يردّ. 6 ـ لا يسلّم على اللاّعب بالنرد والشطرنج، والمغنّي، ومطير الحمام لهواً، وكذا كلّ مشتغل بمعصية. وكذا لا يسلّم على الأجنبيّة، ولو سلّم عليها وجب عليها الردّ، ولا يجب عليها قصد الإنشاء. ــــــــــــــــــــــــــــ(1) سورة الحشر : 10. (2) المجموع 4 : 104 / المدونة الكبرى 1 : 99 / المغني 1 : 711. (3) بدائع الصنائع 1 : 237. (4) انظر : وسائل الشيعة (5) الأُم للشافعي 1 : 68 / فتح العزيز 4 : 590 / المجموع 4 : 553 / المبسوط 7 ـ لا ينبغي في مرتبة التسليم أن يسلّم القائم على القاعد، 8 ـ حيث قلنا يجب الردُّ على المصلِّي لو سلَّم عليه، فلو أخلَّ هل تبطل صلاته؟ قال بعض شيوخنا المعاصرين: لا(2). وقال غيره: تبطل، وهو قوىّ عندي. وربّما فصّل بعضهم بأنّه إن شغل لسانه بشيء من القراءة أو الذكر زمان الردِّ بطلت، وإلاّ فلا. وليس ذلك بعيداً عن الصواب. هذا، إن سكت سكوتاً غير طويل، أمّا إذا طال وخرج عن العادة بطلت قطعاً. 9 ـ هل يجوز الردُّ بغير (سلام عليكم)، بل بقول: (عليكم السلام) قيل: نعم، لأنّه دعاء ويجوز الدعاء بما شاء من الألفاظ. وقيل: لا، لأنّه ليس من لفظ القرآن فيكون من كلام الآدميّين فلا يجوز في الصَّلاة، ويمنع كونه دعاءً، بل ردّاً للسلام. وهذا أولى. ــــــــــــــــــــــــــــ(1) (2) وهو الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي في كتابه البيان : 99. * * * * * الثانية : (قُل إنّ صلاتي وَنُسُكي وَمَحيايَ وَمَماتي للهِ رَبِّ العالَمينَ * لا شَريكَ لَهُ وَبِذلكَ أُمِرتُ وَأَنَا أَوّلُ المُسلِمينَ)(1). (نسكي) أي: عبادتي كلّها. وقيل: أعمال الحجّ. (ومحياي): أي جميع ما أنا عليه في حال حياتي من الإيمان والطاعات كلّها. وقيل: المراد بمحياي: الخيرات الّتي تفعل في الحياة منجّزة. والممات: الأفعال الَّتي تُعلَّق على الموت، كالوصيّة والتدبير. وقيل: المراد الحياة والممات أنفسهما(2). (لله): أي مخلصة لله. (وبذلك أُمرت) أي: بالإخلاص، أو بالقول المذكور. إذا تقرّر هذا فاعلم: أنّه يستدلُّ بهذه الآية على أُمور: 1 ـ وجوب الإخلاص بالعبادة لله تعالى، وأنّه لا يجوز الإشراك معه فيها مطلقاً، سواء كان شركاً ظاهراً، كالعبادة للأصنام، أو الكواكب أو غيرها، ــــــــــــــــــــــــــــ(1) سورة الأنعام : 162 ، 163. (2) الكشاف 2 : 84. أو خفيَّاً كالرياء، بل أبلغ من ذلك، وهو قصد الثواب بالعبادة، لأنَّ ذلك أيضاً مناف للإخلاص، كما تقدَّم من كلام علىّ(عليه السلام). 2 ـ أنّ الإخلاص المذكور من أحكام الإسلام الّتي تلزم كلَّ مسلم، وأنَّ كلَّ مسلم مأمور بذلك، لقوله تعالى: (وأنا أوَّل المسلمين). 3 ـ أنّ صحّة الصَّلاة ـ بل وصحّة سائر العبادات ـ متوقّفة على معرفة الله سبحانه ووحدانيّته، وكونه ربّاً للعالمين، أي مربّياً ومنشئاً لهم، فيستلزم ذلك وجوب العلم بكونه قادراً، وعالماً، وحكيماً، إذ الإخلاص يستلزم ذلك. ويتفرّع على ذلك عدم صحّة عبادة الكافر الجاحد لشيء من هذه الاُصول، بل وعدم صحّة عبادة مَن لم يكن عارفاً لله تعالى هذه المعرفة بدليل، وإن كان في الظاهر مسلماً. 4 ـ أنّ في الآية إيماء إلى كون العبادة شكراً لنعمة التربية والإيجاد، لذكر هذه الصّفة عقيب ذكر العبادة إشعاراً بالعليّة. 5 ـ أنّه لا يجوز أن ينسب شيئاً من هذه النعم إلى غيره، مستقلاًّ أو مشاركاً، كالكواكب والأفلاك والعقول الفعّالة وغيرها، لقوله تعالى: 6 ـ التنبيه على عظمة الله تعالى، مستحقاً للعبادة وأهلا لها. * * * * * الثالثة : (اِنّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالّذينَ ءامَنُوا الّذينَ يُقيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزّكاة وَهُم راكِعُون)(1). ذكر متكلّمو الأصحاب في كتب الكلام مباحث شريفة، وأنّها دالّة على إمامة امير المؤمنين علىّ بن أبي طالب(عليه السلام)(2)، مَن أرادها وقف عليها. وذكرنا في كتابنا المسمّى بـ(اللّوامع الإلهيّة في المباحث الكلاميّة) في هذه الآية ما فيه كفاية للطالب، وشفاء للراغب. وأمّا هنا فنستدلّ بها على اُمور: 1 ـ أنَّ الفعل القليل لا يبطل الصَّلاة، لأنَّ قوله تعالى: 2 ـ أنَّ النيّة فعل قلبىٌّ لا لسانىٌّ، لأنَّ فعله ذلك في الصَّلاة يستلزم النيّة، لأنّه عمل، وكلُّ عمل لابدّ له من النيَّة، واللَّفظ في الصَّلاة بغير القرآن والدعاء مبطل، فلم يقع منه حينئذ، وإلاّ لبطلت صلاته، والملزوم كاللازم في البطلان. ويتفرّع على ذلك: صحّة نيَّة الزكاة احتساباً على الفقير غير (1) سورة المائدة : 54. (2) حيث أنها نزلت في علي(عليه السلام) عند تصدقه بالخاتم ، والقصة مشهورة معروفة ، انظر : أسباب النزول للواحدي : 133 / شواهد التنزيل 1 : 209 / الكشاف 1 : 649 / الجامع لأحكام حال الصَّلاة. وأمَّا نيَّة الإحرام فيشترط اقترانها بالتلبية، فهل يجوز التلبية يحتمل المنع، إذ ليست من المعهود في الصَّلاة. والأولى الجواز، لأنّها ذكر وثناء على الله تعالى، فيجوز حينئذ نيّة الإحرام. أمَّا لو قارن بالنيّة التسليم، فوقعت التلبية خارجاً، جاز قطعاً. 3 ـ أنَّ استحضار النيّة فعلا واستمرارها عيناً، غير شرط في العبادة، لأنَّه(عليه السلام) حال نيَّة الزكاة لم يكن مستحضراً لنيّة الصَّلاة، فلو كان شرطاً لأثَّر البطلان المستلزم للذمِّ المنافي لهذا المدح العظيم. ويتفرَّع على ذلك الاكتفاء باستمرار النيّة حكماً. 4 ـ تسمية الصدقة المندوبة زكاة، إذ لا يجوز كون ذلك الخاتم من الزكاة الواجبة، لأنَّ إخراجها واجب مضيَّق، لا يجوز الاشتغال عنه بالواجب الموسَّع، أو مندوب، وحينئذ يكون ذلك من الصدقات المندوبة، وهو المطلوب. * * * * * الرابعة : (إنّني أنَا اللهُ لا إِله اِلاّ أَنَا فَاعبُدنى وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكري * إنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ اُخفيها لِتُجزى كُلُّ نَفس بِما تَسعى)(1). ذكر الذات الشريفة ولفظ الوحدانيّة فيه إشعار بكونها سبباً للعبادة والصَّلاة، فإنَّ ترتّب الحكم بالفاء مشعر بالعلّية، كقولك: (فلان جواد فاسترفده). قوله تعالى: (أكاد اُخفيها)، قال الجوهرىُّ: الهمزة في اُخفيها للإزالة، نحو شكى زيد فأشكيته، أي: أزلت شكايته(2). والمعنى: أكاد اُزيل خفاءها، أي: اُقارب إظهارها، وذلك أنّه أخبر بإتيانها جملة، فالمقاربة من حيث إظهارها إجمالاً، وعدم وقوع المستفاد من (أكاد) من حيث التفصيل. (لتجزى) اللاّم تتعلَّق (بآتية) أو (أكاد) على وجه التنازع، أي: إنّ الساعة آتية، أو أكاد اُخفيها لتجزى كلّ نفس على سعيها، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ. إذا تقرَّر هذا، فهنا فوائد: 1 ـ ذكر الزمخشرىُّ، وبعض الفقهاء، واختاره المعاصر، أنّ المراد بقوله تعالى: (لذكري) أي لذكر الصَّلاة بعد نسيانها، كقوله(صلى الله عليه وآله): «مَن نام عن صلاة أو نسيها، فليصلِّها إذا ذكرها»(3)، ويكون ذلك دليلا على وجوب قضاء الصَّلاة الفائتة. ــــــــــــــــــــــــــــ(1) سورة طه : 14 ـ 15. (2) الصحاح 6 : 2330. (3) صحيح مسلم 2 : 138 ، 140 ، بأدنى تفاوت. وإنَّما قال: (لذكري) ولم يقل لذكرها، إمّا لأنّه إذا ذكر الصَّلاة وفيه نظر، إذ هو خلاف الظاهر. والأصل عدم التقدير، وكونه إذا ذكر الصَّلاة فقد ذكر الله مسلَّم، والأولى أنّ اللاّم تتعلّق بأحد الفعلين على طريق التنازع، وهما (فاعبدني وأقم الصَّلاة)، وتكون اللاّم لام التعليل، أي تجب العبادة والصَّلاة لوجوب ذكري، فإنّهما تستلزمانه. وقال مجاهد: معنى (لذكري) أي: لذكري إيَّاها في الكتب السالفة(2). وليس بشيء. ويحتمل أيضاً وجوه أُخر: أ ـ لذكري في الصَّلاة على طريق التعظيم. ب ـ لذكري خاصّة لا تشوبه بذكر غيري، أي للإخلاص لي، جـ ـ لتكون ذاكراً لي غير ناس. ــــــــــــــــــــــــــــ(1) الكشاف 3 : 55 / أحكام القرآن للجصاص 5 : 49 / أحكام القرآن لابن العربي 3 : 255. (2) د ـ لأوقات ذكري، وهي مواقيت الصَّلاة، وتكون اللاّم للتاريخ، نحو : جئتك لستّ ليال خلون. 2 ـ في قوله: (إنَّ الساعة آتية) إشارة إلى وجوب سرعة المبادرة إلى الصَّلاة والعبادة، لكون الساعة متوقَّعة في كلِّ آن. 3 ـ قوله تعالى: (لتجزى كلُّ نفس بما تسعى)، وقوله: (وأن ليس للانسان إلاّ ما سعى)(1)، يدلاَّن على أنَّه لا يجوز للإنسان تولية غيره شيئاً من عباداته الواجبة البدنيّة حال حياته، مما يتمكّن من مباشرته من طهارة أو صلاة أو صوم أو غيرها، لأنَّ ما باشره غيره ليس من سعيه، فلا يستحقُّ جزاء، ولا يكون له أيضاً. أمّا حال العجز فقد جوَّز الفقهاء أن يولّي طهارته غيره، ويتولّى وأمّا الصَّلاة فيأتي بها على القدر الممكن قائماً مستنداً، أو قاعداً، أو مضطجعاً، أو مستلقياً. وممّا يشعر بجواز الصَّلاة حال العجز كذلك قوله تعالى: (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم)(2). أمّا الصوم فيسقط أداؤه حال العجز عنه، ويجب القضاء حال التمكّن بنفسه، ولا يجوز الإنابة. ــــــــــــــــــــــــــــ(1) سورة النجم : 39. (2) سورة آل عمران : 191. وأمَّا الحجُّ الواجب فيسقط حالتئذ. وهل تجوز النيابة؟ فيه خلاف. الأصحّ جوازه مع سبق الوجوب على العجز. وأمَّا الجهاد فمع التعيُّن لا يجوز النيابة، ومع عدمه يجوز الإنابة. وهل يجب؟ فيه خلاف، أظهره الوجوب مع القدرة، والاستحباب مع العجز واليسار. وأمَّا العبادات الماليَّة: فيجوز التوكيل في إخراجها حال الحياة، كالزكاة والخمس والمنذورات وشبهها، وقضاء الديون والكفّارات وغيرها، وكذا يجوز في ذبح الهدي الواجب. وأمَّا المندوب من العبادات: فالماليّة يجوز التوكيل فيها قطعاً. وأمَّا البدنيَّة: كالحجّ يجوز النيابة فيه بلا خلاف، فقد ورد أنّ علىّ وكذا يجوز النيابة في زيارات الأئمة(عليهم السلام). وأمَّا الصَّلاة والصيام فلم نظفر بدليل يدلُّ على جواز النيابة فيهما، فالأولى المنع لعموم الآيتين. وأمَّا بعد الموت، فيجوز النيابة في الحجّ الواجب بلا خلاف. وكذا الصدقة الوجبة بأنواعها. ــــــــــــــــــــــــــــ(1) رجال الكشي وأمَّا الصوم والصَّلاة الواجبان: فجوّزهما الأصحاب مجمعين وهو أقوى حجَّة على الجواز، إذ أكثر المسائل قد ورد فيها حديث يخالف مقتضاها إلاّ هذه المسألة. فممّا ورد ما رواه ابن بابويه عن الصادق(عليه السلام): «مَن عمل من المؤمنين عن ميِّت عملا صالحاً، أضعف له أجره، ونفع الله عزوجل وروي أيضاً عنه(عليه السلام)، وقد سئل أيصلَّى عن الميِّت؟ فقال: «نعم، حتّى أنّه ليكون في ضيق فيوسّع عليه ذلك الضيق، ثمّ يؤتى فيقال له: خفّف عنك هذا الضيق بصلاة فلان أخيك عنك»(2)، إلى غير ذلك تمام أربعين حديثاً خالية عن معارض(3). وأكثر الجمهور يمنعونهما محتجّين بقوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى)، وبقول النبىّ(صلى الله عليه وآله): «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»(4). وعلى هذين اعتمد الثوري(5). ــــــــــــــــــــــــــــ(1) ، (2) من لا يحضره الفقيه 1 : 117. (3) انظر : وسائل الشيعة 2 : 443. (4) سنن النسائي 6 : 251. (5) والجواب عن الآية والحديث: أنّهما عامّان مخصوصان بما اتّفق على جوازه، كالحجّ والصدقة، فما اُجيب به فهو جوابنا. على أنّا نقول: الأعمال الواقعة عنه بعد الموت نتيجة سعيه في تحصيل الإيمان المسوّغ للنيابة عنه. وأيضاً الخبر الدالُّ على انقطاع عمله، ومحلّ النزاع يصل إليه من عمل غيره. هذا، مع أنّ صاحب الحاوي حكى عن عطاء ابن أبي رباح واسحاق ابن راهويه أنّهما قالا: يجوز الصَّلاة عن الميّت(1). وإن ابن أبي عصرون اختار ذلك في كتابه الانتصاف(2). وفي البخاري في باب مَن مات وعليه نذر: «أنَّ ابن عمر أمر مَن ماتت اُمّها وعليها صلاة، أن تصلّي عنها»(3). إذا عرفت هذا فاعلم: أنّه وقع الاتّفاق على أنّه يصل إلى الميّت ثواب الصدقة، والحجّ، والدعاء، والاستغفار، وكذا غيرها عندنا، لقول الصادق(عليه السلام): «تدخل على الميّت في قبره الصَّلاة، والصوم، والحجّ، والصدقة، والبرّ، والدعاء، ويكتب أجره للّذي فعله وللميّت»(4). وعنه(عليه السلام) أيضاً: «أنَّ الميِّت ليفرح بالترحّم عليه والاستغفار له، كما ــــــــــــــــــــــــــــ(1) الحاوي (2) (3) صحيح البخاري 6 : 233. (4) ، (5) من لا يحضره الفقيه 1 : 117. يفرح الحىّ بالهديّة التي تهدى إليه»(1)، وغير ذلك من الأحاديث. وقد حكى شارح مسلم من الشافعيّة أنّه يصل إلى الميّت ثواب جميع العبادات(2). * * * * * الخامسة : (وَهُوَ الَّذي جَعَلَ اللَّيلَ وَالنَّهارَ خِلفَةً لِمَن أَرادَ أَن يذكَّر أو أرادَ شُكُوراً)(3). (خلفة) أي: يخلف كلّ واحد منهما الآخر، إذ لو دام أحدهما لاختلَّ نظام الوجود، ولم يكونا رحمة. (لمن أراد ان يذكّر) أي: يتذكّر بمقتضى العقل. (أو أراد شكوراً) أي: شكر مَن أنعم بهذه النعم، وهو سبب غائىّ للجعل المذكور، أي جعلت ذلك ليذكّروا نعمتي ويشكروني عليها. وكلمة (أو) هنا ليست لمنع الجمع، بل لمنع الخلوّ، الذي سمّاه النحاة بالإباحة، ومثَّلوه بقولهم: (جالس الحسن أو ابن سيرين)، أي: لا تخل من مجالستهما، ويجوز لك الجمع بينهما. إذا عرفت هذا، فنقول: استدلَّ الفقهاء بها على مشروعيَّة قضاء فائتة الليل نهاراً، وفائتة النهار ليلا، أي اللّيل خليفة للنهار في وقوع ما فات (2) شرح صحيح مسلم للنووي (3) سورة الفرقان : 62. والقضاء هو الإتيان بمثل الفائت في غير وقته، فيقضي التمام تماماً، والقصر قصراً، والفائت الأوّل يأتي به أوَّلاً; لقوله(صلى الله عليه وآله): «مَن فاتَتَه فريضة فليقضها كما فاتته»(1)، ولا تحصل المماثلة إلاّ بجميع وجوهها من الكيفيّة والكميّة والترتيب.
مسألتان : 1 ـ لم يشترط الشافعىُّ الترتيب في الفائت، فيجوز عنده العصر قبل الظهر، والعشاء قبل المغرب، قياساً على قضاء صوم رمضان، ولأنَّ وجوب الترتيب على خلاف الأصل، فيكون منفيّاً(2). وقال أبو حنيفة: تترتَّب ما لم يدخل في التكرار(3). وقال أصحابنا: تترتَّب وإن كثرت(4). لنا: ما تقدّم من الحديث المذكور آنفاً، وما رواه زرارة وقياس الشافعىّ باطل; لعدم الجامع، ولوجود الفرق، فإنَّ ترتّب الصلوات لمعنى فيها، وترتّب أيّام رمضان لتحصيل أيّام الشهر، لا لمعنى ــــــــــــــــــــــــــــ(1) السنن الكبرى 2 : 219. (2) المجموع 3 : 70. (3) المبسوط للسرخسي 1 : 154. (4) انظر : تذكرة الفقهاء 2 : 352. (5) الكافي ـ الفروع ـ 3 : 291 . |