ــ(3)ــ

 

 

ــ(4)ــ

ــ(5)ــ

 

 

 

كتاب المكاسب

التكسُّب ضرورىٌّ للإنسان، من حيث افتقاره في بقاء شخصه إلى الغذاء، والملبس، والمسكن، الَّتي لم تجر العادة بخلقها له ابتداءً، فيجب السعي في تحصيلها على القادر عليه، بطريق لا يؤدِّي إلى فسخ القواعد العقليّة، وهتك التقديرات الشرعيّة.

وأمّا من ليس بقادر، فقد اقتضت العناية الإلهيّة وجوب ذلك على غيره من القادرين، الأولى فالأولى، وسيأتي تفصيل ذلك.

ثمَّ إنَّ الطرق للقادر كثيرة، أفضلها ما كان بالاضطراب في البيع، والشراء، والصناعة.

فقد أوحى الله سبحانه وتعالى إلى داود: «إنَّك نعم العبد، لولا أنَّك تأكل من بيت المال».

فبكى داود(عليه السلام) فأوحى الله إليه: «إنّي قد ألنت لك الحديد فكان يعمل من ذلك دروعاً ويبيعها ويقتات من أثمانها ويتصدّق بالباقي»(1).

ثمَّ البحث هنا قسمان:

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكافي ـ الفروع ـ 5 : 74 / من لا يحضره الفقيه 3 : 98.

ــ(6)ــ

 

 

الأوّل

في البحث عن الاكتساب بقول مطلق

وفيه آيات:

الأُولى: (وَالأَرضَ مَدَدناها وَألقَينا فيها رَواسِىَ وَأنبَتنا فيها مِن كُلِّ شَىْء مَوْزُون * وَجَعَلْنا لَكُمْ فيها مَعايِشَ وَمَن لَستُم لَهُ بِرازِقِينَ * وَاِن مِن شَىْء اِلاّ عِندَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ اِلاّ بِقَدَر مَعلُوم)(1).

مضمون الآية الإخبار بكون الأرض محلّ المعاش والارتزاق والامتنان على عباده، بإباحة ذلك لهم.

وفيها فوائد:

1 ـ (الأرض) منصوبة بعامل محذوف يفسّره الظاهر، ومدُّها هو بسطها، وجعلها مسكناً ومستقرّاً ومنتعشاً للحيوان، وإن كانت كرة عند بعضهم، فذلك غير مناف لبسطها، لأنّها لعظم جرمها لا ينافي بسطها كريّتها.

2 ـ (وألقينا فيها رواسي)، أي: جبالاً راسية، أي: ثابتة، وعلّل أرباب الهيئة ذلك : بأنّها كرة حاصلة في الماء، وإنّما الطالع منها ربعها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الحجر: 21.

ــ(7)ــ

المسكون، فلو كانت حقيقيّة لم تثبت على وضع واحد، لأنّ بعض أوضاعها ليس أولى من بعض، فخلقت الجبال عليها لتخرجها عن كونها حقيقيّة، وتثبت ولا تضطرب، لأنّ الجبال إذا ثبتت ثبتت الأرض بثباتها، ولذلك سمّيت الجبال أوتاداً، على جهة الاستعارة، فإنّ الوتد يوجب ثبات ما يربط به.

واعلم أنّه لا ينافي ذلك قولنا: إنّها ساكنة بفعل الفاعل المختار، لأنّه تعالى قد يفعل بالسبب.

3 ـ المراد بالموزون المعتدل، أي: أنبتنا فيها أنواعاً من النبات كلُّ نوع منها معتدل باعتدال يختصُّ به، بحيث لو تغيّر لبطل.

والوزن عبارة عن اعتدال الأجزاء، لا بمعنى تساويها، فإنّه لم يوجد، بل بإضافته إلى ذلك النوع وما يليق به.

وأمّا اختلاف أنواع النبات فبحسب اختلاف أجزائها وكيفيّاتها.

وقال الحسن وابن زيد: المراد الأشياء التي توزن كالذَّهب
والفضّة والمعادن(1).

وليس بشيء.

4 ـ إنّه جعل فيها لنا معايش، أي: أسباب معايش، من أنواع الزرع والغرس، فيضطربون فيها بالمزارعة، والمساقاة، والإجارة على الاعمال في ذلك، والبيع للنبات وشرائه، والاكتساب به بسائر وجوهه السائغة.

وقياس (معايش) أن لا يهمز، لأنّ الياء فيها أصليّة، وإنّما تهمز الياء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجامع لأحكام القرآن 10 : 13.

ــ(8)ــ

إذا كانت زائدة بعد ألف التكسير، كصحائف ووسائل وعجائز، ومن همزها ـ على ضعف ـ شبّهها بغيرها.

5 ـ قوله: (ومن لستم له برازقين)، الواو بمعنى (مع)، نحو: مالك وزيداً، لامتناع العطف على المضمر المجرور في (لكم) إلاّ بعد إعادة الجارِّ، والمراد به الحيوانات الّتي ليس الإنسان سبباً لرزقها كالوحوش والطيور وحيوانات البرّ والبحر، لا أنَّ المراد العيال والمماليك والخدم، بمعنى أنّكم تحسبون أنّكم ترزقونهم، بل الله يرزقهم(1).

لأنَّ هؤلاء من جملة المخاطبين بقوله (جعلنا لكم)، وكون الرازق في الحقيقة هو الله، لا يمنع من إطلاقه على من هو سببه، فإنَّ أكثر أفعاله بالأسباب، ويجوز إسناد الفعل إلى السبب القريب والبعيد، ولذلك سمّى سبحانه نفسه بـ(خير الرازقين).

6 ـ أخبر سبحانه أنّه ما من شيء من الأشياء الممكنة من جميع الأنواع إلاّ وهو قادر على إيجاده، فخزائنه كناية عن مقدوراته، ومفتاح هذه الخزائن هي كلمة (كن)، وكلمة (كن) مرهونة بالوقت، فإذا جاء الوقت قال له (كن فيكون)(2).

وإنّما جمع (خزائن) مع أنّ إفرادها كان يفيد العموم، لأنَّ مقدوراته غير متناهية، فلو أفرد لأوهم تناهيها.

7 ـ إنّه وإن كان كلّ شيء عنده خزائنه، وهو كريم، ونحن محتاجون إليه، لكن أفعاله على حسب المصالح وعدم المفاسد، فلذلك اختلف

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكشاف 2 : 574.

(2) سورة يس : 82.

ــ(9)ــ

الناس في بسط الرزق وتقديره; لجواز كون الرزق وبسطه مصلحة لشخص دون آخر، كما ورد في الحديث القدسىّ: «إنَّ من عبادي من لا يصلحه إلاّ الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإنَّ من عبادي من لا يصلحه إلاّ الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك»(1).

* * * * *

الثانية: (وَلَقَد مَكَّناكُم فِي الاَْرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فيها مَعايِشَ قَليلاً مّا تَشكُرُونَ)(2).

(مكّنّاكم) أي: حكّمناكم.

و(قليلاً) منصوب على التمييز، وهي كالتي قبلها في الامتنان، وجعل أسباب المعيشة كلّها في الأرض، وهو ظاهر لمن تدبّره.

* * * * *

الثالثة: (يا أيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الاَْرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيطانِ اِنَّهُ لَكُم عَدُوٌّ مُبينٌ)(3).

مفعول (كلوا) محذوف، أي: كلوا شيئاً، و(من) في (ممّا)للتبعيض، و(حلالاً طيّباً) صفتان للمفعول المحذوف.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجواهر السنية : 154.

(2) سورة الأعراف: 9.

(3) سورة البقرة: 168.

ــ(10)ــ

وقيل: حالان منه(1).

وأُريد بالطيّب أي: بالنسبة إلى الطبع، وإلاّ لكان ترادفاً،
والأصل عدمه.

(ولا تتّبعوا خطوات الشّيطان)، أي: لا تقتدوا به في تناول المحرمات.

وفي الآية دلالة على إباحة ما علمت إباحته.

قيل: وفيه دلالة على إباحة أكل ما يمرُّ به الإنسان من الثمرة إذا لم يقصد، ولم يحمل معه شيئاً، ولم يعلم كراهة المالك(2).

وفيه نظر; لأنَّا بيَّنَّا أنَّها تدلُّ على إباحة ما علم إباحته، لا ما لم يعلم إباحته، فلو جعل دليلاً على إباحة ما ذكر لكان مصادرة على المطلوب.

فإن قيل: إنّه علم بالبيان من النبي(صلى الله عليه وآله)، والأئمَّة(عليهم السلام) إباحة ذلك.

قلنا: يكون ذلك هو الدليل لا الآية، مع أنّا نقول: الأولى عدم جواز كل ما ذكر من الثمرة، لأصالة عصمة مال المسلم إلاّ من طيب نفس منه، وما ورد من أخبار الآحاد الموهمة لا تعارض ذلك.

وسبب نزول الآية: أنّ قوماً حرَّموا على أنفسهم أشياء من المباحات اللّذيذة زهداً، فنزلت(3).

* * * * *

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجامع لأحكام القرآن 2 : 208.

(2) نقل عن بعضهم في فقه القرآن للراوندي 2 : 23.

(3) مجمع البيان 1 : 467.

ــ(11)ــ

الرابعة: (كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقناكُم وَلا تَطغَوا
فيهِ فَيَحِلَّ عَلَيكُم غَضَبي وَمَن يَحلِل عَلَيهِ غَضَبي
فَقَد هَوى
)(1).

(من) للبيان. والطيّب الحلال.

وفيه دلالة على إباحة التكسّب وطلب الرزق، وأن لا يشتمل على الطغيان، إمَّا بتجاوز الحدود الشرعيَّة في جهات التكسُّب، وإمَّا في حالات المكتسب بعد حصول المال له، من منع الفقراء حقوقهم، والتكبُّر عليهم، واستشعار الفخر والتجبر، كما قال تعالى: (إنّ الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى)(2).

وقرئ: (يحُلَّ) بضمِّ الحاء، أي: ينزل، وبكسرها من الحلال(3)أي: الحلال العقلي.

وقيل: بمعنى الوجوب، من قولهم: حلَّ الدَّين، أي: وجب أداؤه(4).

و (هوى) أي: سقط، والمراد لازم السقوط، وهو الهلاك.

* * * * *

الخامسة: (وَنزَّلنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأنبَتنا بِه جَنّات وَحَبَّ الحَصيدِ * وَالنَّخلَ باسِقات لَها طَلعٌ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة طه: 81.

(2) سورة العلق : 6.

(3) الجامع لأحكام القرآن 11 : 230 ـ 231.

(4) الكشاف 3 : 79.

ــ(12)ــ

نَضيدٌ * رِزقاً لِلعِبادِ وَأحيَينا بِهِ بَلدَةً مَيتاً كَذلِكَ الخُرُوجُ)(1).

(مباركاً) كثير المنافع.

(وحبَّ الحصيد) من باب إضافة الموصوف إلى صفته كـ(بقلة الحمقاء)، والمراد به الحنطة والشعير وما شابههما من المحصودات.

(باسقات) أي: طوالاً، وقيل: حوامل من قولهم: (بسقت الشاة) إذا حملت(2).

والنضيد بمعنى المنضود، أي: بعضه فوق بعض.

و(رزقاً) منصوب على المفعول له، وهو علّة لـ(أنبتنا)، أو مصدر.

والبلدة الميتة، أي: المجدبة.

وفي الآية دلالة على أنّه خلق هذه الأشياء لأجل انتفاع العباد به بسائر وجوه الانتفاعات، فتكون مباحة لهم إلاّ ما ورد النهي عن استعماله.

* * * * *

السادسة: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَْرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا في مَناكِبِها وَكُلُوا مِن رِزقِهِ وَاِلَيهِ النُّشُورُ)(3).

(ذلولاً)، أي: ليّنة يسهل لكم السلوك فيها.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة ق : 9 ـ 11.

(2) الجامع لأحكام القرآن 17 : 7.

(3) سورة الملك: 15.

ــ(13)ــ

و(مناكبها) جبالها، أو جوانبها، وهو مَثَلٌ لفرط التذلّل، فإنَّ منكب البعير ينبو عن أن يطأه الراكب، ولا يتذلّل له، فإذا جعل الأرض في الذلِّ بحيث يمشي في مناكبها لم يبق شيء لم يتذلّل.

وفي الآية دلالة على جواز طلب الرزق، خلافاً للصوفية حيث منعوا من ذلك; لاشتماله على مساعدة الظلمة بإعطاء التمغاء والباج.

وهو جهل منهم، فإنَّ ذلك الإعطاء غير مقصود بالذات، بل لو أمكن المنع لما أعطوا شيئاً.

وفي الحديث أنّه لمّا نزل: (ومن يتَّق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب)(1) انقطع رجال من الصحابة في بيوتهم، واشتغلوا بالعبادة وثوقاً بما ضمن الله لهم، فعلم النبيُّ(صلى الله عليه وآله) بذلك فعاب عليهم ذلك وقال: «إنّي لأبغض الرجل فاغراً فاه إلى ربّه يقول اللّهمّ ارزقني ويترك الطلب»(2).

ثمَّ الطلب للرزق ينقسم بانقسام الأحكام الخمسة..

واجب، وهو ما اضطرَّ الإنسان إليه ولا جهة له غيره.

وندب، وهو ما قصد زيادة المال للتوسعة على العيال، وإعطاء المحاويج، والإفضال على الغير.

ومباح، وهو ما قصد به جمع المال الخالي عن جهة منهىّ عنها.

ومكروه، وهو ما اشتمل على ما ينبغي التنزُّه عنه.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الطلاق: 2، 3.

(2) من لا يحضره الفقيه 3 : 193، بأدنى تفاوت.

ــ(14)ــ

وحرام، وهو ما اشتمل على جهة قبح.

وفي طلب الحلال للعود على العيال أجر عظيم، قال النبىُّ(صلى الله عليه وآله): «الكادُّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله»(1).

 

* * * * *

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكافي ـ الفروع ـ 6 : 88، عن ابي عبد الله الصادق(عليه السلام).

ــ(15)ــ

 

 

الثاني

في البحث عن أشياء يحرم التكسب بها

أُشير إليها في القرآن

وفيه آيات:

الأُولى: (قالَ اجعَلني عَلى خَزائِنِ الاَْرْضِ إِنِّي حَفيظٌ عَليمٌ)(1).

أي: خزائن أرض مصر، واللاّم للعهد، لأنّه لم يكن يملك سواها لمّا قال له الملك : (إنّك اليوم لدينا مكين أمين)، فوصفه بوصفين صالحين للولاية، وجد فرصة السؤال فسأل الولاية وقال: (إنّي حفيظ) أي: حافظ لما تستحفظنيه، عالم بوجوه التصرُّفات.

واستدلّ الفقهاء بهذه الآية على جواز الولاية من قبل الظالم، إذا عرف المتولّي من حال نفسه وحال المنوب أنّه يتمكّن من العدل، ولا يخالفه المنوب، كحال يوسف(عليه السلام) مع ملك مصر(2).

والَّذي يظهر لي أنّ نبىَّ الله أجلُّ قدراً من أن ينسب إليه طلب الولاية من الظالم، وإنّما قصد إيصال الحقِّ إلى مستحقّه لأنّه وظيفته(عليه السلام).

واعلم أنَّ الولاية تنقسم أقساماً:

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة يوسف: 55.

(2) بل حكى الإجماع في فقه القرآن للراوندي 2 : 24.

ــ(16)ــ

الأول: أن تكون من قبل الإمام العادل، إلزاماً، فيجب قبولها.

الثاني: أن يأمره لا إلزاماً، فيستحبُّ قبولها.

الثالث: أن لا يأمره بها، ويكون مستعدّاً لها، وليس هناك مستعدٌّ سواه، ولم يعلم به الإمام، فيستحبُّ طلبها.

الرابع: الفرض بحاله، ويكون هناك مستعدٌّ آخر، فيباح طلبها، ولا يستحبُّ; لجواز أن لا يكون صالحاً لها من جهة لا يعلمها.

الخامس: أن لا يكون مستعدّاً، ولم يأمره الإمام بها، فيكره له طلبها، بل قد يحرم; للزوم القبح لو ولاَّه، أو العبث إن لم يولِّه.

السادس: من قبل الجائر، ولم يتمكّن من العدل، ولم يلزمه بها،
فيحرم طلبها.

السابع: الفرض بحاله، ويتمكَّن من العدل فيباح طلبها ولا يستحبُّ.

الثامن: الفرض بحاله، وألزمه إلزاماً يخشى بمخالفته الضرر،
فيجب قبولها.

التاسع: الفرض بحاله، ولم يخش الضرر بالمخالفة، فيستحبُّ قبولها.

العاشر: الفرض بحاله، ولم يتمكَّن من العدل، وألزمه إلزاماً يخشى الضّرر الكبير بالمخالفة، فيباح إلاّ في قتل غير سائغ فيحرم، إذ لا تقيّة في الدماء(1)، ولو كان ضرراً يسيراً، ولم يستلزم الحكم قتلاً، كره قبولها.

* * * * *

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يشير بذلك إلى ما ورد في نصوص التقية، منها ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح عن
أبي جعفر
(عليه السلام) قال : «انما جعلت التقية في الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقية».

   (الكافي ـ الاصول ـ 2 : 220).

ــ(17)ــ

الثانية: (سَمّاعُونَ لِلكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحتِ)(1).

روي عن النبىّ(صلى الله عليه وآله) أنَّ السّحت هو الرشوة في الحكم(2).

وعن علىّ(عليه السلام): «هو الرشوة في الحكم، ومهر البغىَّ، وكسب الحجّام، وعسيب الفحل(3)، وثمن الكلب، وثمن الخمر، وثمن الميتة، وحلوان الكاهن(4)، والاستعمال في المعصية»(5).

وعن الصادق(عليه السلام): «السحت أنواع كثيرة، فأمّا الرشا في الحكم فهو الشرك بالله»(6).

وهنا فوائد:

1 ـ حاصل تفسير السحت: كلُّ ما لا يحلُّ كسبه، واشتقاقه من السّحت وهو الاستئصال يقال: سحته وأسحته، أي: استأصلته، وسمّي الحرام به لأنه يعقّب عذاب الاستئصال.

وقيل: لأنّه لا بركة فيه.

وقيل: لأنّه يسحت مروءة الإنسان(7).

2 ـ لمّا كان الرشا في الحكم يجمع عدّة قبائح، فإنّه يأخذه بقصد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة: 42.

(2) التبيان 3 : 528 / الجامع لأحكام القرآن 6 : 183.

(3) عسيب الفحل : ماؤه أو ضرابه (لسان العرب 1 : 598).

(4) حلوان الكاهن: أُجرته، يقال: حلوته كذا، إذا حبوته به فحلي به، إذا ظفر به (الفائق 1 : 304).

(5) التبيان 3 : 528.

(6) الكافي ـ الفروع ـ 5 : 127.

(7) الأول عن الجبائي والثاني عن الخليل في التبيان 3 : 529.

ــ(18)ــ

إبطال الحقِّ فيستلزم ذلك الكذب على الله وعلى رسوله، والعمل بشهادة الزّور، وأخذ المال من مستحقّه وإعطاؤه غير مستحقّه، وسماع شهادة الفسّاق، والخيانة لله ولرسوله وعدم المروَّة، ومخالفة حسن الظنِّ ممّن احتكم إليه، وغير ذلك فلذلك فسّر علي(عليه السلام) السّحت بالرّشوة.

3 ـ دافع الرشوة إن توصّل بها إلى باطل فهو كآخذها في فعل الحرام، وإن توصّل بها إلى حقّ لا يمكنه تحصيله إلاّ به فليس فاعلاً للحرام.

وأمّا آخذها فهو فاعل حرام سواء حكم بحقّ أو بباطل، للدافع
أو عليه.

4 ـ القاضي إذا لم يوجد غيره في البلد ممّن يقوم بوظيفته يتعيّن
عليه القضاء، ويكون بالقضاء مؤدّياً للواجب، فلا يجوز أخذ الأُجرة على ذلك.

وهل يجوز لهذا الرزق من بيت المال؟

فنقول: إن كان ذا كفاية فلا، وإلاّ جاز.

5 ـ إن لم يتعيَّن عليه القضاء فلا يجوز الأُجرة أيضاً، فإن كان ذا كفاية فالأفضل له ترك الرزق من بيت المال، وإن لم يكن جاز لأنه من المصالح.

* * * * *

الثالثة: (وَلا تُكرِهُوا فَتَياتِكُم عَلَى البِغاءِ إِن أرَدنَ تَحَصُّناً لِتَبتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنيا وَمَن يُكرِههُنَّ فَاِنَّ

ــ(19)ــ

اللهَ مِن بَعدِ اِكراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحيمٌ)(1).

يستدلُّ بهذه الآية على تحريم أجر الزانية، وكان ذلك سنّة في الجاهليّة، ولذلك كان سبب نزولها أنّ عبد الله بن أبي ـ رأس المنافقين ـ كان له جوار يكرههنُّ على الزنى، ويضرب عليهنَّ ضرائب، فاشتكت منهنَّ ثنتان إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)فنزلت الآية(2).

وهنا فوائد:

1 ـ أجر الزانية حرام، سواء كانت حرّة أو أمة، مكرهة أو غير مكرهة، للإجماع على ذلك.

2 ـ التحريم شامل للزانية وغيرها ممّن يعلم ذلك، وإلاّ فلا، نعم يكره معاملة من هذه سيرتها.

3 ـ تحريم الإكراه مع إرادة التحصّن خرج مخرج الغالب ولعدم تحقق الإكراه بدون الإرادة، وإلاّ فالإكراه مطلقاً حرام، سواء كان أردن التحصّن أو لم يردن، وسواء كان لطلب عرض الدُّنيا أو لا.

4 ـ قوله: (فإنَّ الله من بعد إكراههنَّ غفورٌ رحيم)، أي: لهنَّ لأنّهنَّ مكرهات، والإكراه رافع للاثم، كما قال(صلى الله عليه وآله): «رفع عن أُمّتي الخطاء والنسيان وما استكرهوا عليه»(3)، ولذلك قرأ ابن عباس (فإنّ الله لهنَّ غفور رحيم)(4).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النور: 33.

(2) أسباب النزول : 221.

(3) الكافي ـ الأُصول ـ 2 : 335 / الجامع الصغير 2 : 16 / كنز العمال 4 : 233، وفي سنن ابن ماجة
(1 : 659) «إن الله وضع عن أمتي...».

(4) الكشاف 3 : 240 / زاد المسير 5 : 359 / مجمع البيان 7 : 243 وفيها جميعاً (من بعدِ إكراههن لهن غفور رحيم).

ــ(20)ــ

وأمّا المكرِهون فهم ـ أيضاً ـ مغفورون عند الوعيديَّة مع التوبة، وعندنا يجوز لا معها، تفضُّلاً من الله لمن يشاء.

* * * * *

الرابعة والخامسة: (يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِنَّمَا الخَمرُ وَالمَيسِرُ وَالاَْنْصابُ وَالاَْزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطانِ فَاجتَنِبُوهُ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ * اِنَّما يُريدُ الشَّيطانُ أن يُوقِعَ بَينَكُمُ العَداوَةَ وَالبَغضاءَ فِي الخَمرِ وَالمَيسِرِ وَيَصُدَّكُم عَن ذِكرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَل أنتُم مُنتَهُونَ)(1).

هاتان آيتان اشتملتا على محرَّمات، وهي آخر آية نزلت في شأن الخمر، وقد أكّد التحريم في الآية بتسعة أُمور:

الأول: تصديرها بإنَّما المؤكّدة.

الثاني: ضمُّ الخمر إلى الأصنام في وجوب اجتنابها.

الثالث: تسميتها رجساً.

الرابع: جعلها من عمل الشيطان والشيطان لا يأتي منه إلاّ الشرّ.

الخامس: أنه أمر باجتنابها الشامل لجميع أوصافها.

السادس: أنه جعل الاجتناب موجباً للفلاح، وإذا كان الاجتناب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة: 91.

ــ(21)ــ

فلاحاً كان الركون خيبة.

السابع: أنه ذكر ما ينتج منها، وهو العداوة والبغضاء.

الثامن: أنها تصدُّ عن ذكر الله والصلاة.

التاسع: إنَّ فيه وعيداً بقوله (فهل أنتم منتهون)، وهو مبالغة في الوعيد والتهديد، وهو أبلغ من (انتهوا) عرفاً، وسيأتي في الخمر
مزيد كلام.

والضمير في (فاجتنبوه) يعود إلى (الرِّجس) أو إلى (عمل الشيطان)، وعمل الشيطان أعمُّ من الرجس، والرجس أعمُّ من الخمر والميسر، والنهي عن العامِّ يستلزم النهي عن الخاصِّ.

وإنّما خصَّ العداوة والبغضاء بالخمر والميسر، لأنَّ الخمر موجب لزوال العقل، والميسر موجب لزوال المال، وزوال العقل والمال موجبان للعداوة والبغضاء، بخلاف الأنصاب والأزلام فإنّهما يوجبان سخط الله والنار، لا العداوة بين العابدين.

إذا عرفت هذا فهنا أحكام:

1 ـ يحرم التكسّب بالخمر وسائر المسكرات، فإنّ الله إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه كما قال(صلى الله عليه وآله)(1).

وقال أيضاً: «لعن الله اليهود حرِّمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها»(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسند أحمد 1 : 247، 293.

(2) صحيح مسلم 3 : 1208.

ــ(22)ــ

وكذا الأُجرة على عمل يتعلّق بها، من حمل، أو عصر، أو سقي، أو غير ذلك.

روى جابر(1) أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) «لعن الخمر، وشاربها، وعاصرها، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها.

فقام إليه أعرابىٌّ فقال: يا رسول الله إني كنت رجلاً هذه تجارتي فحصل لي من بيع الخمر مالٌ فهل ينفعني المال إن عملت به طاعة؟

فقال(صلى الله عليه وآله): لو أنفقته في حجّ أو جهاد لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إنّ الله لا يقبل إلاّ الطيّب، فنزل (قل لا يستوي الخبيث والطيّب)»(2).

2 ـ (الميسر) هو القمار وسائر أنواعه، كالنرد والشطرنج، قاله جلّ المفسّرين(3)، وهو المروىُّ عن أهل البيت(عليهم السلام) قالوا: حتّى إنّ لعب الصبيان بالجوز من القمار(4)، فيحرم التكسّب به، وعمل آلاته وبيعها، والجلوس على مجلس يكون فيه.

قال(صلى الله عليه وآله): «اللاّعب بالنردشير كمن غمس يده في لحم الخنزير ودمه»(5).

وقال الصادق(عليه السلام): «اللّعب بالشطرنج شرك، والسلام على اللاّهي به

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اسباب النزول : 141.

(2) سورة المائدة: 100.

(3) جامع البيان 2 : 486 / الكشاف 1 : 262 / الجامع لأحكام القرآن 3 : 52 / مجمع
البيان 2 : 81 و3 : 410.

(4) انظر : الكافي ـ الفروع ـ 5 : 122 ـ 124.

(5) سنن أبي داود 4 : 285.

ــ(23)ــ

معصية»(1).

ولا خلاف في تحريم النرد، وكذا الشطرنج، إلاّ ما نقل عن بعض الشافعيّة من جوازه إلاّ حال إلهائه عن الصلاة(2).

3 ـ (الأنصاب) هي الأصنام التي كانوا يعبدونها، ويحرم ـ أيضاً ـ التكسّب بعملها، وبيع الخشب وشبهه ليعمل صنماً.

قال الشيخ: وكذا يحرم بيعه على من عهد منه عملها، وكذا بيع العنب على من يعمل الخمر(3). والمشهور كراهية ذلك إلاّ مع الشرط فيحرم(4).

4 ـ (الأزلام) جمع زلم، بفتح الزاء وضمّها، كجمل وصُرد، وهي قداح لا ريش لها ولا نصل كانوا يتفاءلون بها في أسفارهم وأعمالهم، مكتوب على بعضها «أمرني ربّي»، وعلى بعضها «نهاني ربّي»، وبعضها غفل لم يكتب عليها شيء، فإذا أرادوا أمراً أجالوا تلك القداح فإن خرج الذي عليه «أمرني ربّي» مضى الرجل بحاجته، وإن خرج الذي فيه النهي لم يمض، وإن خرج ما ليس عليه شيء أعادوها.

هذا قول جماعة من المفسّرين(5).

ونقل علىُّ بن إبراهيم عن الصادق(عليه السلام) أنّها عشرة، سبعة لها أنصباء، وثلاثة لا أنصباء لها، فالسبعة هي : الفذُّ، والتوأم، والرقيب، والحلس،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السرائر الحاوي 3 : 577.

(2) الام ـ للشافعي ـ 6 : 224 / مختصر المزني 310 ـ 311.

(3) المبسوط للطوسي 2 : 138.

(4) انظر : شرائع الإسلام 2 : 7 / تحرير الإحكام 1 : 160 / قواعد الأحكام 1 : 120.

(5) الكشاف 1 : 604 / مجمع البيان 2 : 269 و272.

ــ(24)ــ

والنافس، والمسبل، والمعلّى.

فالفذُّ له سهم، والتوأم له سهمان، والرقيب له ثلاثة، والحلس له أربعة، والنافس له خمسة، والمسبل له ستّة، والمعلّى له سبعة، والثلاثة الباقية هي السفيح، والمنيح، والوغد.

وكانوا يعمدون إلى الجزور فيجزِّؤنه أجزاء، ثمَّ يجتمعون عليه، فيخرجون السهام ويدفعونها إلى رجل، وثمن الجزور على من يخرج له شيء من الغفل، وهو القمار(1).

ونقل الزمخشرىُّ أنّهم كانوا يجعلون الأجزاء عشرة، وقيل: ثمانية وعشرون، ولا شيء للغفل، ومن خرج له سهم من ذوات الأنصباء أخذ ما سمّى له ذلك القدح، وكانوا يدفعون ذلك إلى الفقراء ولا يأكلون منه شيئاً، ويفتخرون بذلك، ويذمّون من لم يدخل معهم فيه، ويسمّونه البرم(2).

وقد جمع بعض الفضلاء أسماء القداح في أبيات وهي هذه:

   هي فذٌّ وتوأم ورقيب ثمَّ حلس ونافس ثمَّ مسبل

   والمعلّى والوغد ثمَّ سفيح ومنيح وهذه الثلاثة تهمل

   ولكلّ ممّا عداها نصيب مثله أن تعدَّ أوّل أوّل(3)

إذا عرفت هذا، فاعلم أنّه تعالى حرَّم العمل بهذه الأزلام، أمّا على الأوّل فلأنّه نوع من التكهّن من غير إذن من الله فيه.

وأما القرعة الشرعيّة كما نقل: «أنّه(صلى الله عليه وآله) كان إذا أراد سفراً يقرع بين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير القمي 1 : 161.

(2) الكشاف 1 : 261 ـ 262.

(3) نسبها في بلوغ الإرب 3 : 58 لابن الحاجب.

ــ(25)ــ

نسائه في استصحاب إحداهنّ»(1)، فليست من هذا القسم، لكون الرسول(صلى الله عليه وآله) أخذ ذلك بإذن من الله، فالقرعة كاشفة عن معلوم الله.

وكذا ما يتداولها الأصحاب من الاستخارة بالرقاع والحصى والسبحة، وما يستعمله الفقهاء في الأُمور المشكلة من القرعة، كما نقل عن أهل البيت(عليهم السلام): «كلُّ أمر مشكل فيه القرعة»(2)، وكلُّ ذلك أمر متلقّى من الشارع فلا يطعن فيه.

وأمّا على الثاني فلأنّه قمار منهىٌّ عنه.

5 ـ كما يحرم استعمال هذه الأُمور الأربعة كذا يحرم اقتناء آلاتها بل يجب إتلافها وإخراجها عن صورها، وكذا الخمر يجب إهراقه ويحرم اقتناؤه، اللّهمّ إلاّ لقصد التخليل، ولو بعلاج، فإنّ ذلك سائغ.

* * * * *

السادسة: (لَيسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الاَْعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى المَريض حَرَجٌ وَلا عَلى أنفُسِكُم أن تَأكُلُوا مِن بُيُوتِكُم أو بُيُوتِ آبائِكُم أو بُيُوتِ أُمِّهاتِكُم أو بُيُوتِ اِخوانِكُم أو بُيُوت أخَواتِكُم أو بُيُوتِ أعمامِكُم أو بُيُوتِ عَمّاتِكُم أو بُيُوتِ أخوالِكُم أو بُيُوت خالاتِكُم أو ما مَلَكتُم مَفاتِحَهُ أو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجامع الصغير 2 : 314.

(2) تهذيب الأحكام 6 : 240 ، وفيه : (مجهول) بدل (مشكل).

ــ(26)ــ

صَديقِكُم لَيسَ عَلَيكُم جُناحٌ أن تَأكُلُوا جَميعاً أو أشتاتاً فَإذا دَخَلتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أنفُسِكُم تَحِيَّةً مِن عِندِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)(1).

استدلَّ الفقهاء بهذه الآية على جواز التصرُّف بالأكل لا غير من بيوت الأقارب المذكورين، باعتبار رفع الجناح المستلزم للإباحة، لكن بشرط عدم كراهة المُلاّك، وعدم الاسراف في التصرُّف(2)، وسواء كان الملاّك حاضرين أو غائبين.

وبعضهم شرط في الإباحة كون الملاّك أمروهم بالحضور في بيوتهم(3).

وظاهر الآية عدم التقييد بأمرهم بالدُّخول، وبعضهم ـ وهو الجبائىُّ(4)  ـ جعلها منسوخة بقوله(صلى الله عليه وآله): «لا يحلُّ مال امرئ مسلم إلاّ عن طيب نفس منه»(5).

والمنقول عن أهل البيت(عليهم السلام) استثناء هذه من العموم بالشرط المذكور(6)، ويكون من باب تخصيص السنّة بالكتاب.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النور : 61.

(2) انظر : النهاية : 590 / المجموع شرح المهذّب 9 : 54 / احكام القرآن لابن العربي 3 : 422.

(3) السرائر الحاوي 3 : 124.

(4) مجمع البيان 7 : 273.

(5) مسند أحمد 5 : 72 / سنن الدارقطني 3 : 26 / السنن الكبرى 6 : 100.

(6) انظر : الكافي ـ الفروع ـ 6 : 277.

ــ(27)ــ

وهنا سؤال تقريره: إذا كان شرط الإباحة عدم كراهة المالك، فأىُّ فرق بين المذكورين وبيوت غيرهم؟

جوابه: الفرق هو أنَّ بيوت غيرهم يشترط العلم بعدم الكراهة، أي: العلم بالرِّضى، وأمّا بيوت الأقارب المذكورين فيكفي عدم العلم بالكراهة، وكفى بذلك فرقاً.

ولنتمّم الكلام في الآية بفوائد:

1 ـ ذكر ذوي الأعذار الثلاثة هنا، عن ابن المسيّب أنّ جماعة خرجوا إلى الغزاة فسلَّموا بيوتهم لهؤلاء فكانوا يتحرَّجون من الأكل من تلك البيوت فنزلت(1)، وهذا أجود ما قيل في سببها.

وقيل بل كان ذو القرابات يستصحبوهم إلى بيوت قراباتهم إذا لم يكن عندهم ما يطعمونهم، ثمَّ تحرَّجوا من ذلك فنزلت(2).

وقيل: كانوا يتوقّون مؤاكلتهم خوف انظلامهم، وكراهة ذلك طبعاً، فنزلت(3).

2 ـ أنّة لم يذكر الأولاد، قيل: لأنَّ ذلك معلوم بالمفهوم، لأن من مدلولها جواز الأكل في بيت الأبعد ففي بيت الأقرب أولى(4).

وقيل: إنهم المرادون من (بيوتكم) لأنّ بيوتهم بيوت آبائهم(5)، ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجمع البيان 7 : 272.

(2) جامع البيان 18 : 224.

(3) مجمع البيان 7 : 272، عن ابن عباس والضحاك.

(4) الكشاف 3 : 257.

(5) أحكام القرآن لابن العربي 3 : 421.

ــ(28)ــ

لأنَّ مال الولد مال الوالد; لقوله(صلى الله عليه وآله): «أنت ومالك لأبيك»(1)، ولقوله(صلى الله عليه وآله): «أطيب ما أكل المرء من كسبه وإنّ ولده من كسبه»(2)، ولذلك لم يثبت الربا بينهما لكون مالهما واحداً، وكذا البحث في الزَّوجة.

3 ـ قيل: المراد بـ (ما ملكتم مفاتحه) بيوت المماليك(3).

وليس بشيء; لأنَّ العبد لا يملك فماله لسيّده.

وقيل: المراد الوكيل في حفظ البيت أو البستان يجوز بأن يأكل منه، لأنّه كالأجير الخاصِّ الّذي نفقته على مستأجره(4).

والمفاتح قيل: هي الخزائن كقوله تعالى (وعنده مفاتح الغيب)(5).

وقيل: جمع مفتاح(6).

4 ـ (أو صديقكم) أي: بيوت صديقكم فحذف المضاف، عن الصادق(عليه السلام): «هو والله الرجل يدخل في بيت صديقه فيأكل طعامه بغير إذنه»(7).

وحكي عنه(عليه السلام): «أيدخل أحدكم يده إلى كمِّ صاحبه أو كيسه فيأخذ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن ابن ماجة 2 : 769.

(2) سنن الترمذي 3 : 639.

(3) أحكام القرآن لابن العربي3 : 422 ، وكذا القول التالي.

(4) الكشاف 3 : 257.

(5) سورة الأنعام: 59.

(6) مفردات غريب القرآن : 371 / الكشاف 3 : 257 / الجامع لأحكام القرآن 12 : 315.

(7) الكافي ـ الفروع ـ 6 : 277.

ــ(29)ــ

منه؟ فقالوا: لا، قال: فلستم بأصدقاء»(1).

والأصل أنه إذا تأكّدت الصداقة علم الرضا بالأكل فيقوم العلم مقام الإذن.

وعن ابن عبّاس أنَّ الصداقة أقوى من النسب، فإنَّ أهل النار لا يستغيثون بالآباء ولا الأُمّهات بل بالأصدقاء، فيقولون: (فما لنا من شافعين* ولا صديق حميم)(2).

5 ـ كانوا يتحرَّجون أن يأكلوا وُحداناً كما كان دأب العرب، وربما قعد الرجل ينتظر من يأكل معه من الصباح إلى الرواح، فإذا أيس أكل للضرَّورة، فنزل (ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً)(3).

وعن عكرمة: نزلت في قوم من الأنصار كانوا إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلاّ معه، فنزلت رخصة لهم أن يأكلوا كيف شاءوا(4).

6 ـ (فإذا دخلتم بيوتاً)، قيل: المتقدِّمة(5).

وقيل: المساجد(6).

والعموم أولى.

عن الصادق(عليه السلام): «هو تسليم الرجل على أهل البيت حين يدخل ثمَّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) روى بمعناها عن ابي جعفر الباقر(عليه السلام)، في الكافي ـ الأصول ـ 2 : 174 / كشف
الغمة 2 : 330 ، 333.

(2) سورة الشعراء: 100، 101 / الكشاف 3 : 257.

(3) ، (4) أسباب النزول : 224.

(5) الكشاف 3 : 258.

(6) أحكام القرآن لابن العربي 3 : 427 / الجامع لأحكام القرآن 12 : 318.

ــ(30)ــ

يردّون عليه فهو سلامكم على أنفسكم»(1).

وعن الحسن: ليسلّم بعضهم على بعض(2)، والمراد أنَّ الداخل إذا سلّم على صاحب المنزل فردّ عليه، فيكون سلامه سبباً للردِّ لأنَّ فاعل السّبب فاعل المسبّب.

قوله: (تحيّة من عند الله)، فإنّه الآمر بها، أو أنّها دعاء وإجابة الدعاء من عند الله، وهي مصدر من غير لفظ التسليم، ووصفها بالبركة لأنّها تغرس المحبّة في القلوب، وتوجب البسط، وحسن الخلق، وتؤذن بالأمن من شرِّ الملاقي.

وعن أنس عن النبىِّ(صلى الله عليه وآله): «متى لقيت من أُمّتي أحداً فسلّم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلّم عليهم يكثر خير بيتك»(3).

7 ـ أنّه تعالى بيّن في هذه الآية مكارم الأخلاق تنزيهاً لهم عن رذيلة الخلق وعدم الائتلاف فقال: (كذلك يبيّن الله لكم الآيات).

 

* * * * *

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) معاني الأخبار 162 ـ 163، عن الباقر(عليه السلام).

(2) مجمع البيان 7 : 274.

(3) شُعب الإيمان 6 : 427.

ــ(31)ــ

 

 

كتاب البيع

 

وفيه آيات:

الأُولى: (يا اَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ اِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراض مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا اَنْفُسَكُمْ اِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحيماً)(1).

الخطاب عامٌّ، والمراد لا تأكلوا أموال بعضكم، فحذف المضاف للعلم به.

ويحتمل عدم الحذف، وتكون الإضافة لا للتمليك، بل لمطلق الاختصاص، كقوله: (خلق لكم ما في الأرض)(2).

هذا، وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على ثلاثة أحكام:

1 ـ النهي عن أكل الأموال بالباطل، أي: بالسبب الباطل، فيعمُّ كلَّ ما لم يبحه الشرع من الغصب، والسرقة، والخيانة، والعقود الفاسدة، سواء اشتملت على الربا أو لا، بل يكون فسادها بسبب آخر كما هو مذكور في الكتب الفقهيّة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء: 29.

(2) سورة البقرة: 29.

ــ(32)ــ

ويدخل في الباطل ـ أيضاً ـ ما لم يكن بعقد، كالقمار، وأجر الزانية وغير ذلك. وبالجملة هذا من المجملات المفتقرة إلى بيان النبىِّ
وأهل بيته
(عليهم السلام).

وخصَّ الأكل; لأنه أعمّ المنافع، أو من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللاّزم، وهو التصرُّف، فيعمُّ في سائر التصرُّفات.

2 ـ إباحة ما كان بسبب التجارة، والاستثناء هنا منقطع، والمراد بالتجارة التملّك بعقد معاوضة ماليّة محضة، وخصَّ التجارة لأنّها الأغلب في طرق الكسب ولقوله(صلى الله عليه وآله): «الرزق عشرة أجزاء، تسعة منها في التجارة»(1).

وهنا فروع:

1 ـ شرط في التجارة كونها عن تراض، أي: صادرة عن تراض من المتعاقدين، فيخرج ما لم يكن كذلك عن الإباحة.

2 ـ قال مالك وأبو حنيفة: المراد تراضي المتعاقدين حال العقد فإذا حصل تمَّ البيع ولزم، فلا خيار قبل التفرُّق عندهما(2).

وقال الشافعىُّ: المراد التفرُّق عن تراض، فلهما الخيار
قبل التفرُّق(3)، وهو مذهب الأصحاب(4); لقوله
(صلى الله عليه وآله): «البيِّعان بالخيار ما ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكافي ـ الفروع ـ 5 : 319.

(2) أحكام القرآن لابن العربي 2 : 523 / المدونة الكبرى 4 : 188 / احكام القرآن
للجصاص 3 : 132 / بدائع الصنائع 5 : 228 .

(3) مختصر المزني : 75 / المجموع 9 : 184.

(4) المبسوط للطوسي 2 : 78 / السرائر الحاوي 2 : 243.

ــ(33)ــ

لم يفترقا»(1).

3 ـ عقد المكره باطل، نعم لو أجاز فيما بعد صحَّ; لحصول الرِّضا.

4 ـ الرضا يراد به المعتبر شرعاً، فلا اعتبار برضى الصبىِّ، والمجنون، والسكران، والسفيه، والمفلّس، فلا تصحُّ عقودهم، ولو أجازوا بعد زوال المانع.

والفرق بينهم وبين المكره اعتبار عقده لولا الإكراه، فإكراهه مانع الحكم لا مانع السّبب.

5 ـ الرِّضا شرط في سائر العقود، للإجماع على عدم الفرق، نعم خيار المجلس مختصٌّ بالبيع.

6 ـ لا يكفي في التملُّك حصول الرضا من غير عقد، سواء كان المبيع جليلاً أو حقيراً، لاشتراطه في الإباحة حصول التجارة الصادرة عن التراضي، والتجارة تستلزم العقد، فلا يكون الرضا بمجرَّده كافياً.

وقال أبو حنيفة: يكفي في المحقّرات الرضا وحده، والأصحُّ عند أصحابه الاكتفاء به مطلقاً(2).

7 ـ حصول الرضا بعقد الفضولىِّ بعده كاف عند جماعة منَّا، وهو المشهور عندهم، وعليه الفتوى(3).

وقال جماعة: لا يكفي بعده; لقبح التصرُّف في مال الغير عقلاً(4)، ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم 3 : 1163 / الكافي ـ الفروع ـ 5 : 170.

(2) بدائع الصنائع 5 : 134 / اللباب 1 : 228.

(3) المقنعة : 606 / النهاية : 385 / الوسيلة : 249.

(4) الخلاف 3 : 168 / السرائر الحاوي 2 : 274.

ــ(34)ــ

ولقوله(صلى الله عليه وآله): «لا تبع ما ليس عندك»(1)، وقوله: «لا بيع إلاّ فيما تملك»(2).

ويعضد الأوّل قضيّة عروة البارقىِّ(3)، والنبىُّ(صلى الله عليه وآله) لا يقرِّر على الباطل، والنهي في المعاملات لا يقتضي البطلان، ونفي الحقيقة يراد به نفي صفة من صفاتها، أي: لا بيع لازم، وإلاّ لما صحَّ بيع الولىِّ والوكيل لو حمل على ظاهره، فيكون المراد لا بيع إلاّ فيما هو ملك أو كالملك، بسبب الرضا أو الإذن، واشتراط التقدم ممنوع، يحتاج مثبته(4) إلى دليل.

8 ـ (ولا تقتلوا أنفسكم) فإنّه إذا قتل غيره قتل به قصاصاً فصار هو القاتل لنفسه، أو المضاف محذوف، أي: أنفس غيركم، فحذف لعدم الاشتباه.

وقيل: الكلام على ظاهره; لأنّ الله تعالى كلّف بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم; ليكون القتل توبة لهم عن ذنوبهم، فرفع ذلك عن أُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله)رحمة لهم، ولذلك قال (إنَّ الله كان بكم رحيماً)(5).

ويحتمل أن يكون المراد: لا تهلكوا أنفسكم بارتكاب الإثم في أكل المال بالباطل، وهو وجه حسن ليكون الكلام بعضه آخذاً بحجزة بعض.

* * * * *

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن ابن ماجة 2 : 737 / سنن ابي داود 2 : 144 / سنن الترمذي 2 : 351.

(2) سنن أبي داود 4 : 487.

(3) وكان قد أعطاه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ديناراً ليشتري به شاة أضحية، فاشترى بها شاتين، فباع
أحداهما بدينار، وأتى النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) بشاة ودينار، فدعا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) له بالبركة في بيعه.

   (السنن الكبرى 6 : 112).

(4) في نسخة (ألف) مطموسة كأنها (منفيه)، وما أثبتّه من نسخة (ب) وهو أنسب.

(5) تفسير الفخر الرازي 10 : 72.

ــ(35)ــ

الثانية: (اَلَّذِينَ يَأكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ اِلاّ كَما يَقُومَ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِاَنَّهُمْ قالُوا اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَاَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا
فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ
وَاَمْرُهُ اِلَى اللهِ وَمَنْ عادَ فَاُولئِكَ اَصْحابُ النّارِ
هُمْ فيها خالِدُونَ
)(1).

كان الرجل في الجاهليّة إذا حلَّ له مال على غيره وطالبه به، يقول له الغريم: (زد لي في الأجل حتّى أزيدك في المال)، فيفعلان ذلك ويقولان سواء علينا الزيادة في أوّل البيع بالربح أو عند المحلِّ لأجل التأخير، فردَّ الله عليهم بقوله (لا يقومون)، أي: من قبورهم إلاّ قياماً كقيام المصروع، زعمت العرب أنَّ المصروع يخبطه الشيطان فيصرعه.

و(الخبط) حركة على غير النحو الطبيعىِّ وعلى غير اتّساق كخبط العشواء.

(من المسِّ)، أي: من مسِّ الشيطان، والجارُّ يتعلّق بـ (لا يقومون)أي: لا يقومون من المسِّ الذي بهم إلاّ كما يقوم المصروع، بمعنى أنَّ نهوضهم وقيامهم كقيام المصروع، لأنّه تعالى أربا في بطونهم ما أكلوه، فأثقلهم، فهو سيماهم الذي يعرفون بها يوم البعث.

والموعظة دليل التحريم.

وقوله (وأمره إلى الله)، أي: يجازيه على أعماله بحسب ما علم منه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة: 275.

ــ(36)ــ

في صدق نيّته في الانتهاء.

إذا عرفت هذا، فهنا فوائد:

1 ـ الرِّبا ـ لغة ـ هو الزيادة، وشرعاً هو الزيادة على رأس المال من أحد المتساويين جنساً ممّا يكال أو يوزن.

فقيل: تحرم الزيادة لا غير.

وقيل: هي مع المزيد عليه(1)، وهو الصحيح، خصوصاً مع عدم التميز، ولا يحصل الملك لما اقتضاه العقد من العوضين; لما تقرّر أنَّ العقد الفاسد لا يترتّب عليه أثره.

2 ـ المراد بالجنس هنا هو الحقيقة النوعيّة، ويتحقّق ذلك بكون الأفراد يشملها اسم خاصٌّ لنوعه.

والزيادة قد تكون عينيّة، وهو ظاهر، وحكميّة كبيع أحد المتجانسين بمساويه قدراً نسيئة.

والمراد بالكيل والوزن ما كان حاصلاً في عهد النبىِّ(صلى الله عليه وآله)، وكلّما علم له حال بني عليه، وما لم يعلم يرجع فيه إلى العادة، فلو اختلفت؟

قيل: لكلّ بلد حكم نفسه(2).

وقيل: يغلب التحريم احتياطاً(3)، وهو أولى.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نسبه إلى جمهور المالكية في الجامع لأحكام القرآن (3 : 358)، كما نسب الأول إلى
أبي حنيفة.

(2) المبسوط للطوسي 2 : 90.

(3) النهاية : 378 / المراسم : 179.

ــ(37)ــ

3 ـ الربا يثبت في النسيئة إجماعاً، لقوله(صلى الله عليه وآله): «إنّما الربا في النسيئة»(1)، واقتصر عليه ابن عبّاس للحصر المذكور(2).

وقال الباقون بعمومه النقد أيضاً، وهو الحقُّ، والحصر للمبالغة.

واعلم أنَّ الإجماع حصل على وقوع الربا في ستّة نصَّ النبىُّ(صلى الله عليه وآله)عليها هي: الذهب، والفضّة، والحنطة، والشعير، والتمر، والملح(3).

واختلف العامّة بعد ذلك في العلّة فيما عداها، فقال أبو حنيفة الجنسيّة والتقدير(4).

وقال الشافعىُّ: مع ذلك المطعم أو الثمنيّة(5).

وقال مالك: القوت والادِّخار(6).

وعن أحمد روايتان، إحداهما كأبي حنيفة، والأُخرى الكيل والمأكوليَّة، ولا يكفي الوزن عنده(7).

وأمّا أصحابنا فقد عرفت رأيهم.

4 ـ هل المراد بقوله: (ذلك بأنّهم قالوا إنّما البيع مثل الربا) أنّهم قاسوا الربا على البيع أم لا؟

قيل: بالأوَّل; لأنّهم قالوا: يجوز أن يشتري الإنسان شيئاً يساوي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن ابن ماجة 2 : 759.

(2) المبسوط للسرخسي 12 : 112 / المجموع 10 : 37.

(3) المسند للشافعي : 180 / مسند أحمد 5 : 314 / سنن الدارمي 2 : 259 / صحيح
البخاري 3 : 30 / صحيح مسلم 5 : 43 / سنن ابن ماجة 2 : 757.

(4) المبسوط للسرخسي 12 : 113 / تحفة الفقهاء 2 : 26.

(5) المجموع 9 : 393، وما بعدها.

(6) أحكام القرآن لابن العربي 1 : 323 / الجامع لأحكام القرآن 3 : 353.

(7) المغني لابن قدامة 4 : 125.

ــ(38)ــ

درهماً لا غير بدرهمين، فيجوز أن يبيع درهماً بدرهمين، فردّ الله عليهم بالنصِّ على تحليل البيع وتحريم الربا، إبطالاً لقياسهم، فإنَّ القياس المخالف للنصِّ باطل اتّفاقاً.

قيل: فعلى هذا كان ينبغي أن يقال: «إنّما الربا مثل البيع»، لأنَّ الربا محلُّ الخلاف.

أُجيب: بأنّه جاء مبالغة في أنّه بلغ في اعتقادهم في حلِّ الربا أنّهم جعلوه أصلاً يقاس عليه(1).

وقيل بالثاني; لجواز أن يكون قوله (وأحلَّ الله البيع) من تتمّة كلامهم، على وجه الردّ، أي: إنَّ الله فرَّق بين المتساويين، وذلك غير جائز، وسبب غلطهم الجهل بحكم الربا(2).

ووجه الجواب المنع من المساواة، فإنَّ تحريم الربا معلّل بعلّة غير حاصلة في البيع.

تذنيب: في قوله تعالى: (وأحلَّ الله البيع) دلالة على إباحة سائر أقسامه، من النقد والنسيئة والسلف، وأنواعه من بيع المرابحة والمواضعة والتولية والمساومة، وأنواع المبيعات من الثمار والحيوان والصرف، وغير ذلك ممّا ورد به البيان النبوىٌّ.

5 ـ قيل: في قوله: (فله ما سلف) دلالة على أنّه لا يجب إعادة الربا مع الجهل بتحريمه، بل يكفي مع ورود العلم الانتهاء، وهو التوبة
لا غير(3).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكشاف 1 : 320 ـ 321.

(2) تفسير الفخر الرازي 7 : 98.

(3) مجمع البيان 2 : 207.

ــ(39)ــ

وفيه نظر; لجواز أن يكون المراد سقوط الإثم بالتوبة، لا سقوط حقِّ الغير; لأنّه لا يسقطه إلاّ أداؤه.

6 ـ الربا من الكبائر; للتوعّد عليه بالنار في آخر الآية،
ولقول الصادق
(عليه السلام): «درهم من ربا أعظم عند الله من سبعين زنية بذات محرم في بيت الله»(1).

وقال أيضاً(عليه السلام): «إنَّما شدَّد الله في تحريم الربا لئلاّ يمتنع الناس من اصطناع المعروف قرضاً ورفداً»(2).

وقال علىٌّ(عليه السلام): «لعن رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الربا خمسة: آكله، وموكله، وشاهديه، وكاتبه»(3).

7 ـ أنّه تعالى لم يكتف في النهي عن الربا والتنفير عنه بوعيد النار، حتّى أخبر أنّه لا خير ولا بركة، وأنه يذهب ويُذهب، لقوله فيما بعد (يمحق الله الربا ويُربي الصدقات)(4)، فإنَّ المحق هو نقصان الشيء حتّى يذهب.

ثمّ قال: (والله لا يحبُّ كلَّ كفَّار أثيم)، تغليظاً لشأن الربا فإنَّ آخذه بمنزلة الكافر.

والأثيم: كثير الإثم، وكذا في حكمه بخلود العائد في النار الذي هو أحكام الكفّار.

* * * * *

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكافي ـ الفروع ـ 5 : 144.

(2) الكافي ـ الفروع ـ 5 : 144 / والرفد: الإعانة (المصباح المنير 1 : 232).

(3) مجمع البيان 2 : 208.

(4) سورة البقرة: 276.

ــ(40)ــ

الثالثة: (يا اَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِىَ مِنَ الرِّبا اِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ * فَاِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)(1).

عن الباقر(عليه السلام) أنَّ الوليد بن المغيرة كان يربي في الجاهليّة، وبقي له بقايا على ثقيف، فأراد خالد بن الوليد المطالبة بها بعد أن أسلم فنزلت(2).

وقيل: كان العبّاس وخالد شريكين في الجاهليّة، يستلفان في الربا، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة، فأنزل الله الآية(3)، فقال النبىُّ(صلى الله عليه وآله) «ألا إنَّ كلَّ الربا في الجاهليّة موضوع، وأوَّل ربا أضعه ربا العبّاس بن عبد المطّلب، وكلُّ دم في الجاهليّة موضوع، وأوَّل دم أضعه دم ربيعة(4) بن ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة: 278 ، 279.

(2) مجمع البيان 2 : 210.

(3) جامع البيان 3 : 146، ولم يسم الطبري (خالد بن الوليد) بل قال :(رجل من بني المغيرة)، ومآرب الطبري لا تخفى!.

(4) ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد المناف بن قصي. وآدم بن ربيعة ـ وهو المسترضع له في هذيل ـ قتله بنو ليث بن بكر في حرب كانت بينهم، وكان الصبي يحبو أمام البيوت فرموه بحجر فأصابه فرضخ رأسه.

   قال هشام بن محمد بن السائب... ونرى أن من قال (آدم بن ربيعة) رأى في الكتاب (دم بن ربيعة) فزاد فيها ألفا فقال: (آدم بن ربيعة)، وقد قال بعض من يروى عنه الحديث: كان اسمه تمام بن ربيعة، وقال آخر: إياس بن ربيعة والله اعلم.    قالوا وكان ربيعة بن الحارث أسن من عمه العباس بن عبد المطلب بسنتين، ولما خرج المشركون من مكة إلى بدر كان ربيعة بن الحارث غائبا بالشام، فلم يشهد بدرا مع
المشركين، ثم قدم بعد ذلك، فلما خرج العباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث إلى
رسول الله
(صلى الله عليه وآله)مهاجرا أيام الخندق شيعهما ربيعة بن الحارث في مخرجهما إلى الأبواء، ثم أراد الرجوع إلى مكة فقال له العباس ونوفل أين ترجع إلى دار الشرك يقاتلون رسول الله ويكذبونه، وقد عز رسول الله وكثف أصحابه، ارجع، فرجع ربيعة وسار معهما حتى قدموا جميعا على رسول الله(صلى الله عليه وآله) المدينة مهاجرين، وأطعم رسول الله(صلى الله عليه وآله) ربيعة بن الحارث بخيبر مائة وسق كل سنة، وشهد ربيعة بن الحارث مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) فتح مكة والطائف وحنين، وثبت مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم حنين فيمن ثبت معه من أهل بيته وأصحابه... وتوفي ربيعة بن الحارث في خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة بعد أخويه نوفل وأبي سفيان بن الحارث.    انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد 4 : 47 / أسد الغابة 2 : 166.