رسالة التقريب / العدد 21

افتتاحية العدد   

 شهر القرآن

 

      المنهج الاسلامي يحمل كلَّ ما يحتاجه الانسان المسلم والمجتمع المسلم من دروس في التربية والتكامل. وأهمّ معالم هذا المنهج التركيز على الجانب الاجتماعي من هذه التربية، أي إن الاسلام يهتمّ بصياغة سلوك المسلم باعتباره جزء من هذه الامة. فالامة المتربية هي الهدف لا الفرد وحده.

      معظم الخطاب القرآني متوجّه الى الجماعة لا الى الفرد.. المطلوب من الجماعة أن تؤمن، وتعبد، وتتعارف، وتتقي، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتجاهد في سبيل اللّه، وتصوم رمضان، وتحجّ بيت اللّه الحرام. وتتفكر في خلق السماوات والارض.. وبهذا المنهج تحقّق وجودها كخير أمة أخرجت للناس ، وتكون الشاهدة وتكون الامة الوسط.

      هذا التوجّه الجماعي في التربية الاسلامية هو الذي يؤهّل الامة المسلمة لأن تبني حضارتها المتميّزة. والاسلام هو الدين السماويّ الوحيد المؤهّل لبناء "حضارة" بسبب هذا التركيز على الحركة الجماعية.

      لقد استطاع هذا الدين أن يقيم حضارة مزدهرة فريدة تجلّى فيها كمال الانسان بجانبيه المادي والمعنوي، وهو يحمل كل مقومات إقامة هذه الحضارة الانسانية، متى ما تسنّى له قيادة جماعة بشرية.

      إن الامة الاسلاميّة مرشّحة دائما لأن تبني حضارتها وتحتل مكانتها متى ما تحركت كأمة وفق منهج الدين المبين.

      لا يمكن للتوجه الفردي والقطري والاقليمي نحو الاسلام أن يبني حضارة، لأن عملية البناء الحضاري تتطلب حركة عامة متساندة متكاملة متعاونة متعاطفة، ينهض فيها الجسد الاسلامي نحو البناء والتنمية والازدهار، ومقاومة الاخطار.

      أكثر من ظاهرة تلوح في الافق الاسلامي اليوم تبشّر بامكان مثل هذه الحركة الجماعية نحو الهدف المنشود. مادبّ في منظمة المؤتمر الاسلامي من حركة في دورتها الحالية  واحدة من أمارات البشرى. ونشاط القوى المعادية لمواجهة هذا التحرك الاسلامي، ومحاولة إثارة النزاعات بين أبناء الامة، وإبراز ظواهر شاذّة باسم الاسلام الى السطح كظاهرة طالبان، وإعاقة عملية التنمية في البلدان الاسلامية عن طريق خلق الازمات الاقتصادية، كل ذلك يدلّ على أن العدوّ يرى  إمكان عودة المجموعة الاسلامية الى الساحة الدولية بعزّة وكفاءة واقتدار.

      وشهر رمضان فرصة عظيمة لقطع شوط هام على طريق المنهج الاسلامي في التربية والحركة الجماعية نحو التكامل واعتلاء المكانة المناسبة.

      فهو - اضافة الى كونه مظهراً من مظاهر وحدة المسلمين وتجسيدا لشخصيتهم كأمة واحدة - يمثّل دورة جماعية في الصبر والمواساة والعبادة والتقوى وضبط جماح الشهوات والاجتماع في رحاب المساجد وأماكن العبادة، ومن الجدير أن يستثمرها المسلمون لتعود عليهم بالنفع  كأمة لا كأفراد فحسب.

      جدير بالمسلمين أن يستشعروا وجودهم كأمة صائمة مستجيبة لأمر الله سائرة على طريق رسول اللّه ومتجهة نحو ما أراده لها الله من عزّة وسؤدد وشخصية رسالية.

      جدير بالمسلمين أن يمرّوا في هذا الشهر بدورة قرآنية تنمّي فيهم بذور القدرة على البناء الحضاري والتغلّب على المعوّقات.

      جدير بهم أن يقرأوا قوله سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا للّه وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)(1) بامعان، ويتدبروا المنهج القرآني في الإحياء، ويمعنوا النظر في واقعهم ومدى حاجة هذا الواقع - الذي لايحسدون عليه - الى إحياء يجعلهم كالجسد الواحد المتعاطف المتعاضد في نشاطاته الحيوية وفي عمليات البناء وعمليات مقاومة الآفات.

      كل مقومات الإحياء بين ظهرانينا، وشهر رمضان يقدّم لنا على مائدته السخيّة أهم هذه المقومات.

      أما آن لنا أن نستثمر عطاء هذا الشهر كأمة لا كأفراد؟ ذلك قرار يجب أن تتبناه كل المؤسسات المهتمة بالشأن الاسلامي وتخطط له أجهزة الدول الاسلامية كي تحوّل هذا الشهر الى عبادة جماعية تنهض بها الامة من طنجة الى جاكارتا. وهذا ممكن بعد أن أصبح عالمنا قرية صغيرة، وبعد أن استطاعت الفضائيات أن تربط أجزاء العالم، وليست فضائيات العالم الاسلامي بقليلة والحمد للّه، غير أن العملية تحتاج الى تخطيط وتنسيق وجهد واهتمام، واللّه وليّ التوفيق.

 

رئيس التحرير

 

---------------------------

1- الانفال / 24 .