حديث التقريب
قضايا المسلمين بين الحوار البناء والحبل العقيم
قلم: التحرير
حرص الأسلام الحنيف على بناء أمة رشيدة في وعيها، وفهمها، بصيرة بمواقع اقدامها، عادلة لا تجور في تصور أو موقف ، أو تقويم ، تتمسك بالحكمة والأنصاف، وتنفتح على المعروف، والخير، وتثير الأحسان، وتزرع المحبة، فبهذا جاء الرسول الخاتم محمد بن عبد الله(ص).. لقد جاءت تعاليم الاسلام الحنيف طافحة بالروح الأيجابية ونَفَس الانفتاح على الغير، حريصة على درء المفاسد، وسد الثغرات ، ودفع المنكر.
"ان الرفق لم يوضع على شيء الاّ زانه، ولا نزع من شيء الاّ شانه" ، "ما اتاني جبريل قط الاّ ووعظني، فآخر قوله لي: اياك ومشارة - مخاصمة - الناس، فانها تكشف العورة ، وتذهب بالعز".
"اياكم، والمراء، والخصومة، فانهما يمرضان القلوب على الاخوان، وينبت عليهما النفاق".
"ان اعظم الناس منزلة عند الله يوم القيامة أمشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه".
"سيد الأعمال ثلاثة: انصاف الناس من نفسك حتى لا ترضى بشيء الاّ رضيت لهم مثله ...".
وبهذا النفس الأيجابي الحضاري الخلاّق كذلك يفرّق الاسلام الحنيف بين الحوار العلمي البناء، الباحث عن الحق، والجدل المتعصب الباحث عن العثرات، المنغلق عن الحقائق، والمعروف.. ان من بين المفاهيم الحضارية التي بذل الأسلام وسعه لزرعها في حياة الناس دعوته الصريحة إلى الحوار الهادئ الرزين، ورفضه للجدل المتعصب العقيم.
فالأول يتحرى الحقيقة ، ويدل عليها، والثاني ينغلق على الذات ويدبر عن الهدى والخير..
ولذا فان النصوص الاسلامية حين تتحدث عن الحوار الباحث عن الحق تصفه بأحسن الصفات ، وأجملها : "ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجاد لهم بالتي هي أحسن"(1)
فالحسنى، والحكمة، والكلمة الطيبة ، تؤطر الحوار بين الباحثين عن الحق واساليبهم، سواء أجَرى الحوار بالكلام المباشر أو بالتأليف والقلم أو ما إلى ذلك، وكأن الطرفين المتحاورين يبحثان عن الحق معاً يقول تعالى مبيناً طبيعة الحوار السليم الذي يتحرى البحث عن الحق: "قل من يرزقـكم من السماء والأرض قل الله، وإنـّا أو ايّاكم لعلى هدى، أو في ضلال مبين"(2)
فرغم ان الحق ملازم لرسول الله(ص)، في حواره، وما يطرح، الاً انه يتعامل مع الخصم كما لو كانا معاً يبحثان عن الحقيقة، فقد تكون عند هذا الطرف، وقد تكون عند ذاك، دون فرض، ولا اكراه.. (وانا أو أياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين) انه درس بليغ لكل البشر وهو منهج لا نظير له في التعامل بين المختلفين في الفكر، والعقيدة ، والأتجاه. اما الجدال العقيم والمراء الخالص فانه لا يرمي إلى خير ، ولا يخدم حقيقة ابداً، ولذا فانه لا ينتج الاّ الخصومة، والنفاق ويملأ القلوب بالشحناء، حتى وان كانت متقاربة قبل الجدال! ومن اجل ذلك نجد مبادئ الاسلام ونصوصه الرسمية الصريحة تحذر من المراء، وتناشد المؤمنين ان يجتنبوه لأنه يمرض القلوب ولا ينتهي الاّ بالخصومة والعداء، وتخريب العلاقات الاجتماعية بين الناس.. ولذا فالأسلام يحرص على الحوار البناء المنضبط بحدود الحكمة، والمؤطر بقيم الشريعة من الصدق ، والشفافية ، وعدم التقول والعدوان، وما إلى ذلك ، خلافاً للجدل الهدام الذي لا يعرف هذه القيم ، وانما يحرص على هدم المقابل ، والأنتصار عليه!
ومتى يسود الحوار البناء بين المسلمين نجد التقدم، والتطور، وتبادل الأفكار، وتلاقح العقول في جو من الصفاء، والمحبة، والأحترام واذا أعدنا إلى الأذهان صورا من الحوارات الهادفة والتي كانت تجري بين ائمة المسلمين، وعلمائهم أيام العصر العباسي ، والحوارات التي تجري بين ائمة المسلمين، وعلماء أهل الكتاب واديان البلدان المفتوحة نجد صفحات مشرقة من الحوار الفكري، والحضاري بين الأديان والمذاهب ولا تزال ماتسمى بكتب "الأحتجاج" تحمل صورا رائعة من ذلك الحوار الهادف، الملتزم، الذي يحترم المقابل مهما زاغ في فكره، وعقيدته ، ووعيه.. ففي حوارات الامام ابي عبد الله جعفر بن محمد الصادق، وحفيده الأمام ابي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام التي حفظتها كتب المسلمين نماذج رائعة للأتجاه الحضاري الذي يسود تلك الحوارات شكلاً، ومضموناً حيث المحبة ، والأحترام والتواضع، واكرام اصحاب الآراء، بغض النظر عما تنطوي عليه آراؤهم من خطأ أو تجاوز للحق ، مما يشكل عبراً وعظات عملية لأجيال المسلمين عبر التاريخ.
ان المسلمين رغم تأسيسهم للحوار السليم، وتشييدهم لقواعده فان أمماً كثيرة تسبقهم في هذا المجال في عصرنا الحاضر، فبينما يسود في عالم اليوم احترام الرأي ، والرأي الآخر، والتعددية الفكرية، والسياسية نجد قطاعات من المسلمين لاتزال في طريقة حوارها تشبه "حوارات" أيام فتنة خلق القرآن !! التي أثيرت في العصر العباسي الأول، وتسببت في ازهاق نفوس مسلمة بريئة، وأدت إلى تدمير معالم حضارية، واساءت لكثير من العلماء، بعد أن دخلت مصالح بعض الحكام في حوارات المسلمين الفكرية ، وعملت على تسييسها بعيدا عن الأجواء العلمية الخالصة. وبين فترة وأخرى، خصوصاً في الازمات المصيرية التي تواجهها الأمة الاسلامية تفتعل حملات من الجدل بين قطاعات من المسلمين هنا وهناك، لاضعاف وحدة الامة واستعداء الجماهير بعضها على بعض من خلال كتب تؤلف لهذا الغرض ، أو ندوات طائفية تعقد من خلال وسائل الاعلام، أو اثارة قضايا هنا وهناك أو نبش موروث لاعلاقة له بمسيرة الأحداث في هذا العصر، أو غير ذلك.
ان هذا النمط من "الجدل" ، رغم كونه محظوراً من الناحية الشرعية والحضارية، فهو نمط من الجدال الذي يخدم الأعداء المتربصين اذا لم يكونوا هم وراءه أساساً!!
لقد أجاد علماء الاسلام من سنة وشيعة ، وهم يردون على امثال هذه الظواهر البائسة، التي شوهدت خصوصا في شهر رمضان المبارك في بعض القنوات التلفزيونية حيث اكدوا ان هذا النوع من الجدل، والنقاش، لا يهدف الاّ إلى تمزيق وحدة المسلمين واشغالهم عن قضاياهم المصيرية.. ان هناك اغراضا سياسية خبيثة تقبع وراء أي عملٍ تخريبي لوحدة المسلمين واشغالهم بالقضايا الجانبية.
اننا لا نريد ان نمنع من ظاهرة الحوار في مسيرة الامة أو نقلل من قيمته وانما ندعو إلى الحوار العلمي البناء بين علماء المسلمين، ومثقفي الامة على ضوء الاسس العلمية - الاخلاقية السليمة بعيدا عن الاساءات الاخلاقية والافتراء على هذه الجهة أو تلك بل علينا ان نعمل مافي وسعنا في مثل هذه الأجواء على تحري الصدق، والشفافية والصراحة في نقل الحقيقة لكي نرضي الله عزوجل ونخدم العلم، والحقيقة ونحفظ كرامة المسلمين. ونحقق جو الاحترام الذي توحي به الاية الكريمة (قل لا تسألون عما اجرمنا ولا نسأل عما تعملون) (3) وبالله التوفيق.
----------------------
1 - النحل/ 125.
2 - سبأ / 24 .
3 - سبأ: 25.