قالوا في التقريب
الرجوع إلى هدي القرآن والسنّة(1)
الامام محمد البشير الابراهيمي
أيها المستمعون الكرام في مشارق الأرض ومغاربها:
اجتمع المسلمون في أول أمرهم على هداية إلهية عامة، وهي هداية الدين التي جاء بها القرآن، وشرحها محمد بن عبد الله (ص)، ودعا إليها المستعدين وحضّ عليها المستجيبين، ونفّذها في أمة الإجابة.
وكانت تلك الدعوة جامعة بطبيعتها لموافقتها للفطرة، وجمعها بين مطالب الجسم والروح، وانطوائها على حفظ المصالح، وضبطها لنزوات النفوس.
تجتمع تلك الهداية على عقائد صحيحة، وتحفظ علائق العبد بربّه وتحددها، وأخلاق متينة تحفظ العلائق بين العباد وتجددها، وتزن المصالح بميزان القسط، وتقرر للفضيلة وزنها وقيمتها، وللرذيلة وزنها وقيمتها، وتجعل بينهما حدّا كأنه منطقة حياد، فيه للمؤمن خيار وله فيه روية وأحكام عادلة، تحفظ حقوق العباد وتفصل في مواطن مظانّ الشقاق. وتجمع أطراف الأمة من غني وفقير على العدل والإحسان.
وكان مرجعهم للقرآن وهو محفوظ مفهوم يتلونه آناء الليل وأطراف النهار.
ثم فرطوا في سنن الله في دينه، فغفلوا بسبب ذلك عن سنّته في كونه وفي خلقه، فانحدروا من تلك الدرجة التي رفعهم إليها الإسلام، إلى هذه الدركة التي هم فيها الآن، وتماروا بالنذر فلسلّط الله عليهم من لا يخافه ولا يرحمهم.
إننا نعد من معجزات محمد(ص) الخالدة، تلك النذر التي كان ينذر بها أصحابه، ليبلغها الشاهد منهم إلى الغائب، وقد بلغتنا وفيها أوصافنا التي نحن عليها الآن في القرن الرابع عشر للهجرة، وكأن الواصف لها يصف ما رأت عيناه لا ما تخيلته خواطره.
وأبلغ ما في تلك النذر المحمدية قوله(ص)، لمن سأله: أو من قلة فيها يا رسول الله؟... لا بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل لا منفعة فيه ولا غناء. نحن خمسمائة ميليون فيما يعدّ العادّون، ولكننا مع هذه الوفرة الهائلة في العدد مستعبدون، قد نزع منّا البأس على أعدائنا ونزعت الرهبة منّا.
أيها المستعمون الكرام:
قد وصلنا من الانحطاط إلى قرارته، ولم تبق في التدلي دركة أخرى نخشى أن ننحدر إليها، فلم يبق إلا أن نقيم على هذه الحالة إلى ما شئنا وشاءته لنا المهانة والرضى بالدون. أو نرتفع إل المنزلة التي أهلنا الله لها بالإسلام.
إن البشائر تدل على أننا اخترنا الثانية، وان المخايل تنبئ بأن شواعر الخير تنبّهت فينا، وان الوظيفة القرآنية التي خالطت أردام سلفنا فرفعتهم من الحضيض إلى الأوج توشك أن تخالط منا نفوساً خدرتها الأحداث ولم تصل بها إلى الموت، وان تلك النفحات التي هبّت على القلوب الغلف فحركتها، وعلى العيون العمي ففتحتها قد داعبت نفوسنا، فبدأنا نشعر ونحسّ، وأصبحنا نعي ونفكر، وان التفكير هو أول مراتب العمل، وما هذه الأصداء المترددة في الأقطار الإسلامية، وهذه الأصوات المتجاوبة من علماء الإسلام بلزوم التعارف فالاتحاد والتعاون، إلا بشائر خير وتباشير صبح بعدها السّني والنور.
أخوة الإسلام(2).
بسم الله والحمد لله، والصلاة على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.
أيها المستمعون الكرام:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
إن المسلمين اخوة بحكم الله، ولكنهم اتّبعوا خطوات الشيطان، فكان جزاؤهم أنه كلّما تقاربت بهم الديار باعد بينها الاستعمار، وأن يناموا في زمان اليقظان فلا ينتبهوا إلا على طروق الغارات، والتداعي لأخذ الثارات، وها هم أولاء قد تأخروا عن قوافل الحياة، فهم من حياتهم في مفازة طامسة الأعلام، يعملون للغاية وهم مستدبرون لها، ويلتمسون الهداية مع مطالع الضلال، ويطلبون الشفاء بأسباب المرض، ويبحثون على الدليل الهادي وهو معهم، ولكنه على ألسنتهم لا في قلوبهم، فما أحوجهم - وهم في هذه الحالة - إلى سفراء يسفرون بينهم بتحية الإسلام والتحية بريد الأمان والاطمئنان، ثم بالتعارف، والتعارف وسيلة التعاون، ثم بالتوحيد والاتحاد رائد القوة، ثم بالتوجيه السديد إلى الغاية المنشودة وهي العزة والسعادة.
إن المسلمين كثير، ولكن التفرّق صيّرهم قليلا مستضعفين في الأرض، يشقون لإسعاد غيرهم، ويموتون في سبيل إحياء عدوّهم، وانها لحظة من الهوان يأباها أكثر الحيوانات العجماء، فكيف الخلائق العقلاء.
لو صدقت نسبة المسلمين إلى الإسلام، وأشربوا في قلوبهم معانيه السامية ومثله العليا، واتّخذوا من كتابه ميزاناً، ومن لسانه العربي ترجماناً، واتّجهوا إلى هذا الكتاب الخالد بأذهان نقية من أوضار المصطلحات، وعقول صافية لم تعلق بها أكدار الفلسفات، لسعدوا به كما أراد الله، ولأسعدوا به البشر كما أمر الله، ولأصبح كل مسلم بالخير والصلاح سفيراً، ولكان المسلمون في أرض الله أعزّ نفراً وأكثر نفيراً، ولكان التقاء المسلم بالمسلم كالتقاء السالب بالموجب في صناعة الكهرباء ينتج النور والحرارة والقوة.
أيها المستمعون الكرام:
أنا في رحلة استطلاعية إلى الأقطار الإسلامية، وقد مررت بمصر وأنا على نية العودة إليها إن شاء الله.
والغرض الأول الأهم من هذه الرحلة هو دراسة أحوال المسلمين في مواطنهم، والتعرّف إلى قادة الرأي فيهم بالعلم والحكم، والامتزاج بمجتمعاتهم، حتى أتبيّن الحقائق مشاهدة وعياناً، لأن الأخبار التي تصلنا عن إخواننا النائين عنا تصلنا غامضة مختصرة، أو مطوّلة مستفيضة، وكلا الطريقين مشوه للحقيقة، مصور لها بغير صورتها، خصوصا في هذا الزمان الذي أصبحت الأخبار فيه سلعا تباع وتشتري على أيدي سماسرة يعوجون المستقيم، ويروّجون للسقيم، تبعاً لأغراض ليس شيء منها في مصلحتنا.
والغرض الثاني من هذه الرحلة هو التعاون بجهد المقل مع أولئك القادة في تشخيص أمراض المسلمين المشتركة، والبحث عن وسائل علاجها، ورد الآراء المتفرقة فيها إلى رأي جميع وكلمة سواء، حتى يكون العلاج أسهل وأقرب نفعاً، ثم تمكين أسباب التعارف بين قادة المسلمين، وإن أشبه هؤلاء القادة لي، وأقربهم مسافة فكر مني هم علماء الدين الإسلامي، فهم محل الرجاء في إصلاح أحوال المسلمين إذا صلحوا، وهم أنفذ أثراً في هدايتهم وإرجاعهم إلى هدي محمد(ص) وأصحابه والى التخلّق بأخلاقهم المتينة التي سعد المسلمون بالتخلّق بها قديما، وشقوا بالتخلّي عنها حديثا، حتى وصلوا إلى هذه الدركة التي لا يحمدون عليها ولا يحسدون، وما دخل عليهم الشر إلا من هذه الثغرة بأخلاقية التي فتحها التحلل من القيود، ووسعها الاسترسال في شهوات العقول والجوارح.
إن هذه الطائفة الحاملة للقب "رجال الدين الإسلامي" هي من الأمة الإسلامية كالقلب من الجسد، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، كما ورد في التمثيل النبوي البليغ.
وإن عليهم قسطاً عظيماً من تبعة هذا الانحطاط الشامل للشعوب الإسلامية، لأنهم فرّطوا - من قرون - في القيام بواجبات العالم الديني في الإسلام، وأول تلك الواجبات وأولاها حراسة هذا الدين أن تزيغ عقائده عن مستقرّها من القلوب فتخلفها الوثنية، وأن تختل هدايته السماوية، فتسف بها المادة إلى الحيوانية، وأن تخضع أخلاقه للشهوات فتضيع معانيها وآثارها.
إن العالم الديني في الإسلام حارس، والحارس إذا نام دخل اللص، والعالم الديني راع، والراعي إذا غفل هجم الذئب، والعالم الديني ربّان، والربّان إذا لم يأخذ الحيطة غرقت السفينة، والعالم الديني قائد كتائب فإذا عداه الضبط اختلّت الصفوف وحلّت الهزيمة.
أكبر مناي في هذه الرحلة ان ألقى من يتيسّر لي لقاؤه من إخواني وزملائي، وأن نتبادل الرأي بأمانة الإسلام وإخلاص المسلم، في علاج هذه العلل التي خصّت المسلمين وأصبحوا فيها مضرب المثل في هذا العصر الذي أصبحت العزة فيه ديناً يعتنق، وتنافس فيه الوثني والكتابي على سيادة الأرض، والمسلم القرآني راضٍ بالذلة والقلة والعبودية لهما أو لأحدهما، موزّع القوى، مختلف المشارب، مختلف حتى في الحق الذي لا يختلف فيه الناس، جامد العقل راكد القوى، غافل عن العواقب، مضيع لوقته بين سفاسف الأقوال وتوافه الأهمال، كأنه هيولى لم تتكيّف أو حقيقة ذهنية تجول في الذهن، لا شجرة مباركة تنبت بالدهن، حتى أصبح الجسم الإسلامي العام معرّضاً للفناء والانهيار، مستعدا للانحلال والذوبان، والإلحاد متربّص بالباب، والأهواء غالبة، والشهوات متبرجة، والحصانة التي جاء بها الإسلام مفقودة.
تعارف المسلمين مدعاة لقوّتهم وعزّتهم(3).
بسم الله الرحمن الرحيم
أپعث إليكم على أمواج الأثير بواسطة راديو بغداد تحيات الإسلام الطيبات الزكيات، وأعرفكم في جمل قصيرة بمغزى رحلتي، وبشيء من أعمال الجمعية التي أوفدتني، وسأحدثكم بعد الليلة بشيء من أحوال الشمال الأفريقي الذي هو قطع عزيزة من أوطان الإسلام.
الغرض الأساسي من رحلتي هو التعرّف إلى إخواني المسلمين بالوصف الجامع بيننا وهو أخوة الإسلام. ودراسة أحوالهم في مواطنهم، والاتصال بعلمائهم وزعمائهم وقادة الفكر والرأي فيهم، لننظر ونتبادل الرأي في إصلاح الفاسد من أحوالهم، وإكمال الناقص من أعمالهم، والتعاون على تبديل حالتهم بما هو أحسن منها، وإزالة هذا التناكر الذي يسود مجتمعاتهم، وتهيئة الوسائل الممكنة لتعارف الأخ بأخيه.
بدأت بباكستان، وأطلت فيها لأن لها من مركزها ونشأتها وأحوالها الداخلية ما يقتضي هذا التطويل، وسأنشر آرائي فيها بواسطة الصحافة إن شاء الله، ليعرف إخواننا البعيدون عنها أشياء من حقائقها.
وأنا الآن في العراق، وسأواصل رحلتي لبقية الأقطار الإسلامية لهذا الغرض الشريف، وهو الدراسة والتعرّف، فإن من النقائص التي لازمت المسلمين قروناً وفوّتت عليهم خيرا كثيراً وكانت سبباً في إطالة آلامهم وأمراضهم؛ هذا التناكر الذي يسود مجتمعاتهم، وقد آن الأوان لأن نتعارف هذه الوجوه المتناكرة، وتتقارب هذه النفوس المتنافرة، ووجب على كل مسلم مخلص لدينه، مالك لوسيلة من وسائل التأليف بين مسلم ومسلم أن يسعى في ذلك بإخلاص، وأن يوجه كل مسلم إلى أخيه، وأن يؤذن فيهم بالتعارف الذي هو بريد التعاون، الذي هو بريد القوة والعزة، وأن ينذرهم بأن هذا التقاطع بينهم ليس من روح دينهم، وإنما هو من آثار البعد عن دينهم، وأنهم أضاعوا حقيقتهم يوم أضاعوا هذه المعاني التي كانت تربط أجزاءهم، وتحفظ عزتهم، وتمكّن لسيادتهم في الأرض، حتى أصبحوا كلهم - بتفرقهم - في حكم العبيد، ولم تُغنِ عنهم كثرتهم العددية شيئاً حينما أضاعوا تلك الكثرة المعنوية.
آن الأوان لأن نتعارف، وآن الأوان لأن تجتمع هذه الأجزاء المتنافرة من الجسم الإسلامي الكبير، ووجب على كل مخلص لدينه أن يسعى في جمع هؤلاء الإخوة المتقاطعين في مصلحة غيرهم.
أيها المستمعون الكرام:
في العالم الإسلامي مؤسسات كثيرة وجمعيات وأحزاب وجرائد ومجلات، وهذه المؤسسات هي التي يجب عليها أن تتعارف بتبادل الزيارات والجرائد والكتب والنشريات، وأن تقف جهودها كلها من نقطة ارتكاز وهي : تعريف المسلم بأخيه المسلم، وتقريب وسائل استفادة المسلم من أخيه المسلم، حتى يكون التعارف مثمراً ثمرات كاملة.
إن في الجزائر ذلك القطر الذي هو قطعة من وطن العروبة الأكبر، وفلذة من كبد الإسلام، معاني من الدين وكنوزا من الأخلاق الإسلامية الشرقية لاذت بنفوس عربية، وتوارثتها الأجيال عن الأجيال، ومرّت بها فترات من الجهل والضلال، ونزعات من الظلم الأجنبي والاعتلال، فلم تفسدها ولم تفض إلى مكامنها حتى ظهرت في هذاالعصر وتجلّت، أظهرتها الحركة الإصلاحية القائمة على يد جمعية العلماء الجزائريين.
إن في المغارب الثلاثة تونس والجزائر ومراكش قريباً من ثلاثين مليوناً من المسلمين العرب الأشداء في إسلامهم وعروبتهم، وطالما انتابتهم الأحداث التي تنسي الإنسان جميع مقوّماته، ولكنهم لم ينسوا عروبتهم ولم يضيعوا إسلامهم، وآخر الأحداث التي حلّت بهم هذا الاستعمار الفرنسي الجاثم على شمال أفريقيا(4).
في الموصل(5).
ها أنا ذا رجعت من جولة قصيرة في هذه القطعة العزيزة من وطني الإسلامي الأكبر، والفلذة الحية من كبد العراق، وهي الموصل وما جاورها عن الشمال والشرق، وأنا آسف أن لم يتّسع وقتي لزيارة ما جاورها عن الغرب، مع أنّ لي في تلعفر وسنجار جولات ذهنية تاريخية لا تقلّ عمّا لي من تلك الجولات الذهنية التاريخية في الموصل وإربيل، كعادتي في هذه الرحلة.
زرتُ هذه القطعة دارساً في الدرجة الأولى لنفوس أپنائها، وممحصاً لأخلاقهم، ومستجلياً لما أپقت تصرفات الزمن وتقلبات الأحداث فيها من معاني الإسلام التي غرسها القرآن، وسقاها علماء القرآن الذين أنبتتهم هذه البقعة الخصيبة، فأفاءوا عليها الكثير الطيب زكاء وريعاً ونماء وبركة، وقد كانت هذه القطعة من شمال العراق منبت عظماء ومعدن علماء ومطلع فنّانين، ناهيكم بالموصل التي نبّهت في أهلها الحنين إلى الرحم المجفوة بينهم وبين شمال افريقيا.. تلك الرحم التي بدأت في باب البطولة بعبد الله بن الحبحاب، وختمت في باب الفن بزرياب.
وعبد الله بن الحبحاب الموصلي هو الذي اختط جامع الزيتونة بتونس سنة 114 قبل أن يختط جوهر الصقلّي الجامع الأزهر في القاهرة المعزية بأكثر من قرنين، والزيتونة والأزهر هما منذ قرون منارتا العلوم الإسلامية في الشرق والغرب.
وزرياب نفحة فنية من نفحات الموصليين تصدقت به بغداد مكرهة على الأندلس، فبقي عطره وشذاه ساريين في الفنّ الموسيقي بالشمال الأفريقي إلى الآن.
فإذا جاوزنا هذين، فما أحلى وما أغلى ما أهداه شمال العراق إلى شمال إفريقيا من فلسفة أپي عثمان ابن جني في لسان العرب التي هي روحانية العربية تجلّت لطائفها على لسان ابن جنى، ومن الآداب الرقيقة التي سالت بها قرائح السري الرفّاء والخالديين والتلعفري، وكأنّ الله تعالت كلمته ادّخر لأخيكم هذا منقبة أداء الواجب عن الأموات في الأندلس وعن الأحياء في المغارب الثلاثة، وما هذا الواجب إلا ثناء كعرف المسك يهدى لأهل الموصل، وان ديون الأدب لا يسقطها مرُّ القرون.
وزرتها دارساً في الدرجة الثانية بما يسعه وقتي لآثار الأقدمين الذين عمروا العراق، منتفعاً بالعبر، واصلاً للمبتدأ من شأنهم بالخبر، مهتدياً بهدي القرآن الذي يأمرنا بالسير في الأرض والنظر في عواقب ومصائر من قبلنا، وان العراق من أغنى الأقطار بهذه الآثار، فهو يكاد يكون متحفاً لآثار الحضارات والشرائع، وما كان مدفن الحضارات والشرائع القديمة، وما كان متحف الحضارات والشرائع الا لأنّه كان مدفن الحضارات والشرائع، وما كان مدفن الحضارات والشرائع إلا لأنّه كان منبتاً للحضارات والشرائع، وكان لذلك مساحب للفاتحين، ومجالاً للطامحين، ففي سهول اربيل التقى الشرق والغرب ممثلين في الاسكندر وداريوس متصاولين متطاولين إلى جعل الممالك مملكة واحدة، وعلى تلك السهول مرت موجات الهجرة الآرية من الشرق إلى أوروبا في أحقاب التاريخ البعيد.
ومالي لا أصدقكم - أيها الإخوان - جلية نفسي، وهي أن دراسة الآثار كانت من نوافل أعمالي ومن التوابع الثانوية للباعث الأصلي، وهو الالتقاء بإخواني الذين هم أبعد أجزاء العراق عنّا، ووزن حالتهم بحالة جنوب العراق ووسط العراق، ثم وزن الجميع ببقية أجزاء العالم الإسلامي، ووزن الجميع بقومي الأدنين وعشيرتي الأقربين من تفاوت واتفاق، في الأخلاق.
ومالي لا أصدقكم ثانية، بأنني وجدتُ العلة واحدة والأحوال متشابهة، حتّى كأننا سلالة أبوة قريبة العهد، ففي بعضنا من بعض مشابه - على بُعد الدار - : جمود وخمود وركود، جمود في فهم الحياة، وخمود في القوى السائقة إلى الحياة، وركود في الأعمال التي يتفاضل بها الأحياء، والغايات التي يتسابق إليها الأحياء.
وإن تشابهنا جميعاً في هذه الأحوال العامّة، وتقاربنا جميعا في الأحوال الخاصة، وقعودنا جميعاً عن مراتب الرجولة، وتجردنا جميعا من فضائل الشجاعة والغيرة على الحمى، والحفاظ والغضب للعرض وحماية الحقيقة، ورضانا جميعاً بالذل والضيم والمهانة والتعبد للأجنبي، والخضوع له في كل شيء، والسعي في مرضاته حتّى فيما يهدم ديننا ويضيع قوميّتنا، واحتقار بعضنا لبعضنا، كل هذا التشابه الذي يجده الباحث المستقرئ في أحوال المسلمين بارزاً في جميع المسلمين من أقصى السوس في المغرب الأقصى إلى أقصى الشرق في اندونيسيا - هو الذي جرّأ أعداء الإسلام على أن يجعلوا سببه الأصلي هو الإسلام، وبنوا على هذه المقدمة الخاطئة أن الإسلام دين خمود وركود وجمود وخضوع وخنوع، ثم أوهموا الجاهلين منا بحقائق الإسلام وتاريخ الإسلام وأمجاد الإسلام أن هذا هو الحقّ المبين، وأن هذه هي النتيجة المنطقية، فأضلّوهم وأصبحوا يردّدون معهم هذه الكلمات، كما تردّد الببغاء ما تسمع من غير فهم ومن غير عقل، وان مصيبتنا بالجاهلين منّا أعظم من مصيبتنا بالأجنبي، فالأجنبي يحتل ويستغّل وهو يعلم أن الدار ليست داره وأنه خارج منها لا محالة، ولكنه لكيده للإسلام وعداوته للمسلمين لا يخرج حتّى يفسد على أصحاب الدار شأنهم بما ينفثه في عقولهم من المعاني الخبيثة المفرقة، وحتى يترك فريقا من أهل الدار يسبّحون بحمده، وفريقاً يحنون إلى عهده، وقد أصبحنا من هذه الحالة على قاعدة، وهي أن كل أجنبي لا يخرج من أرض شرقية إلا وهو على نيّة الرجوع.
إن أمضى سلاح قاتلنا به فقتلنا هو التضريب بين صفوفنا حتّى أصبح بعضنا لبعض عدوا، والتخريب لضمائرنا حتى أصبحت خيانة الدين والوطن بيننا محمدةً نتمادح بها، والتمزيق لجامعتناحتى أصبحنا أمما متنابذة نتعادى لإرضائه، ونتمادى في العداوة بإغوائه، والتوهين لقوانا المعنوية حتّى أصبحنا كالتماثيل الخشبية لا ترهب ولا تخيف، والاستئثار بقوّاتنا المادية حتّى أصبحنا عالة عليه، والتعقيم لعقولنا وأفكارنا حتّى أصبحنا نتنازل عن عقلنا لعقله وإن كان مأفونا، وعن فكرنا لفكره وإن كان مجنوناً، وتلقيح فضائلنا برذائله حتّى انحطّت فينا القيم المعنوية، وبخست موازين الفضيلة عندنا، وأخيراً ترويضنا على المهانة حتّى أصبحنا نهزأ بماضينا افتتاناً بحاضره، ونسخر من رجالنا الذين سادوا العالم وساسوه بالعدل إعجاباً برجاله، وننسى تاريخنا لنحفظ تاريخه، ونحتقر لساننا احتراماً للسانه، وواذلاّه! أيرفع الشرق كبراءه ليكونوا أدوات لانحطاطه، ويعزّهم ليكونوا آلات لإذلاله!
هذا الاستعمار لعقولنا وأفكارنا هو أخطر أنواع الاستعمار علينا، وإن مصائبه منزلة علينا من أجلالنا للفكر الذي يأتي من أوروبا والكتاب الذي يأتي من أوروبا، وتقديسنا للأستاذ الذي يأتي من أوروبا والفنون المسمومة التي تأتينا من أوروبا.
هذا النوع الخطر من الاستعمار العقلي هو الذي مهد للطامة الكبرى التي هي مأرب الاستعمار منّا، وهي هذه الوطنيات الضيّقة المحدودة التي زيّنها لنا كما يزيّن الشيطان للإنسان سوء عمله، وحبّبها إلينا كما يحبّب الطبيب الغاشّ للمريض تجرّع السمّ باسم الدواء، ولو كانت خيراً لسبقنا اليها في أممه وأوطانه، ولكنه يتزيد بالعناصر الأجنبية ليقوى في نفسه، ويفرّقنا لنضعف، فيكون ضعفنا قوّة فيه.
أليست هذه الوطنيات الضيّقة هي التي أضعفت الحمية الإسلامية حتى قتلتها أليست هذه الوطنيات الضيّقة بمثابة تقسيم الخبزة إلى لقم يسهل مضغها وازدرادها وهضمها والذي روحي بيده لو كان العرب أمّة واحدة لما ضاعت فلسطين.
والذي روحي بيده لا تقوم لنا قائمة حتى نرجع إلى الوطنية الكبيرة الجامعة الشاملة اللامعة النافعة وهي وطنية الإسلام.
أيها الإخوان
إن السبب الأكبر لرحلتي هذه بعد الدراسة والتعارف هو السعي في إحياء الحج الإسلامي التي هي خير ما يجتمع عليه الشرق وأممه وملله.
وقد كان الاتصال بيننا قريباً من المحال، لأننا تناكرنا وماتت ملكة التعاطف والتعاطف في نفوسنا من قرون، فلما فتحنا آذاننا على رجة الأحداث، وفتحنا أبصارنا على أشلائها الممزقة، وفتحنا بصائرنا على بعدنا من الدين وهدايته، وتخبّطنا في ظلام مما كسبت أيدينا وحاولنا صلة رحم الإسلام ووصل أجزاء الشرق والغربي منا رغماً، وضرب بيننا بسور ليس له باب.
وقد كانت الخواطر تمثل لي هذا الاتصال فتبعث في جوانب نفسي بهجةً وسروراً فكيف لا أبتهج وقد أصبح حقيقة واقعة، وإنّني أعتبر رحلتي هذه فتحاً لباب، وعنواناً لكتاب، ومقدّمة لنتائج، وإذا رجعنا إلى الفال نستفتح به أقفال الغيب، ونسم به إغفال المستقبل رأينا أن صبيب المزن مبدؤه قطرة، وأن عصف الريح مبدؤه نسمة، وأن صادق الوحي أوّله رؤيا منام، ثم بعد تلك البدايات ينهمر الغيث وتعصف الأعاصير ويتواتر الوحي .
أيها الإخوان:
هذه الحركات المرجوّة تحتاج إلى قائد من طراز علوي سماوي الروح، وهذه الحركات المرجوّة مفتقرة إلى حكومة تحتضن وتحمي الحرية، وإلى وطن - ولو ضيّق الأرجاء - يؤوي وينفق.
لانصدق بعد اليوم الأمثال فينا، ولا نثق بزخرفة القادة الملحدين، فمحال أن يقودنا إلى الجنّة من هو من أهل النار، وهيهات أن يقودنا إلى الحرية من هو عبد شهواته، ومحال على كرامتنا أن نبقى بعد اليوم كموناً يسقيه وعد، وإبلاً يوردها سعد .
------------------------
1 - مستل من آثار الامام محمد البشير الابراهيمي.
2 - كلمة ألقيت بـإذاعة باكستان، افريل 1952 .
3 - من حديث في اذاعة بغداد يونيو 1952 .
4 - لم نعثر على بقية الحديث، ولعله أكمله ارتجالاً.
5 - كلمة ألقيت بالموصل الحدباء، يوليو 1952، ونشرت "البصائر" ملخصا لها ووصفاً لاستقبال الموصل في عدد 200، 8 سبتمبر 1952.