قالوا في التقريب
فضيلة شيخ الأزهر
محمد سيد طنطاوي
بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين.. والصلاة والسلام على سيدنا وشفيعنا رسول الله(ص) ومن والاه.. وبعد:
إن الإنسان منا يشعر بالسعادة الغامرة ويشعر بالإرتياح النفسي العميق ويشعر بالإنشراح القلبي، عندما يجد نفسه بين إخوانه وبين زملائه، وهذا الوجود، ليس من أجل متعة فانية، من أجل خدمة ديننا ومن أجل خدمة أمتنا الإسلامية، نلتقي جميعا لكي نتناصح ولكي نتعاون ولكي نزداد تعارفا وتآلفا، فإن القرآن الكريم بيّن لنا أنه من المقاصد التي اوجدنا الله تعالى من اجلها، أن نتعارف: "يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم".
والقرآن الكريم يصف الأمة الإسلامية، بأنها أمة واحدة: "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون"، وفي آية ثانية نجد قول الله سبحانه وتعالى : "إنما المؤمنون أخوة"، فهذا التلاقي لولم يكن له من فائدة سوى أنه يزيد المحبة والمودة والتآلف والتعارف والتآخي، لكفاه شرفا ولكفاه فخرا.
إن التقارب بين المذاهب الإسلامية من الأمور الواقعة، لأن الخلاف ليس في ركن من اركان الدين ولا في أصل من أصوله وإنما قد توجد خلافات بين اصحاب المذهب الواحد ولكنها خلافات في أمور فرعية إجتهادية، ولكل إنسان رأيه، وهذا أمر ثابت ونراه في جميع المذاهب الاسلامية، ولكننا جميعا كمسلمين - والحمد لله - نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله - ونؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ونؤمن بالقدر - خيره وشره.
إذا، فهذه الندوة ليس معناها إنّ بيننا إختلافا في الأصول، إنما معناها أنه قد يوجد عند إنسان إجتهاد يختلف عن الإجتهاد الذي يوجد عند شخص أخر، وهذا الإجتهاد، نراه بين الرسل عليهم الصلاة والسلام وبين الحكماء وبين الأئمة وبين أولي العلم بصفة خاصة.
نقرأ القران الكريم فنجد قول الله تعالى: "وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما" .
وعندما نعود إلى كتب التفسير، نجد كلاما نفيسا عند تفسير هاتين الآيتين ملخصه: ان رجلا كان عنده زرع ورجلا اخر كان عنده غنم، فحدث أن غنم هذا الرجل رعت في زرع الرجل الآخر ليلا، فأفسدت الزرع وذهب إلى سيدنا داوود وقص عليه ماحدث، فما كان من سيدنا داود، إلا أن حكم بالغنم لصاحب الزرع نظير ما افسدته من زرعه، والرجلان يخرجان، فيلقاهما سيدنا سليمان ويسائلهما، فيقصان عليه هذه القصة فيقول: "لوكان الأمر بيدي لحكمت بغير هذا"، ثم يأخذ الرجلين إلى أپيه ويقول له "يا نبي الله هل حكمت بهذا الحكم؟" فيقول "نعم"! فيقول له "لو كان الأمر بيدي لحكمت بغير ذلك"! فيقول له سيدنا داود: "فما رأيك أنت يا سليمان؟" فيقول: "رأيي أن أعطي الغنم لصاحب الزرع لكي ينتفع بها أو أكلف صاحب الغنم بأن يزرع الزرع مرة أخرى، فإذا ما عاد الزرع كما كان مرة أخرى قبل أن ترعاه الغنم، سلمنا الزرع لصاحبه والغنم لصاحبه".
وهنا يقول سيدنا داود "الحكم ما حكمت يا سليمان".
إذن، فإن الخلاف فيما يتعلق بالأمور الإجتهادية.. يعد من الأمور التي قصّها علينا القرآن الكريم على ألسنة بعض الأنبياء وعلى ألسنة بعض الحمكاء وعلى ألسنة بعض الصالحين، وهكذا فنحن نحمد الله سبحانه وتعالى، أنه لا يوجد خلاف حول الأصول وإذا وجد، فهو في الفروع. أما إذا وجد خلاف في غير الفروع، فعلينا ان نوضح وأن نبيّن وأن نتحاور وأن نتناقش وأن نتناصح، ومادامت النوايا طيبة ومادامت المقاصد سليمة، فلابد أن نصل لمحل للإتفاق بيننا جميعا، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيـّن لنا ان من سنته التي لا تتغير، أنه لا يضيع اجر من احسن عملا.