دراسات ومقالات
الاعلام الاسلامي ومستجدات
النظام الدولي(*1) .
أ.د. توفيق الشريف
مدير عام المجلس الاسلامي العالمي للدعوة والاغاثة
أهمية الخطاب الاسلامي
الامة الاسلامية أمة التبليغ والهداية - منوط بها منذ أن أخرجها الله الى الناس أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله.
والخطاب الاسلامي هو الوعاء الحامل للعقيدة والشريعة الاسلامية الى الناس كافة، بحكمة في الدعوة، وسمو في الخطاب، وصحة وصدق في المضمون، وسلامة في الاسلوب - يحمل الى الناس الايمان والهداية والخير.
ومتى قصر الخطاب الاسلامي في اداء هذا الواجب، وأقفرت منابره من الدعاة الى الله، وجفت وتوقفت اقلامه عن توصيل الهداية الى الناس اصاب البشرية كلها العنت والفتك - وتحمل المسلمون. مغبة التقصير والتفريط امام الله والناس.
أن الواقع المرير، الذي تعيشه البشرية، والازمات الطاحنة التي يواجهها العالم، وما يهدد الانسانية من خراب ودمار ماهو الا بسبب فراغ القلوب من الايمان، وتجرد النفوس من الاخلاق ، وسيطرة الهوى والطمع والجشع في التعامل بين الناس.
ان هذا التقدم الهائل، الذي حققه العقل - وهذه الوفرة الغزيرة في الانتاج التي حققها العلم لم تؤد الا الى الفقر مع الوفرة والضلال من العلم والجوع والمرض مع غزارة الانتاج وتراكم الاموال.
أن حاجة البشرية الى منهاج الخير والسلام. والحب والتراحم، والى دعوة الحق والايمان ، تتزايد يوما بعد يوم، قبل ان تواجه البشرية مصيرا بائساً، ويوما عقيما، تدفعه اليه حضارة هابطة مادية جعلت من المسيرة الانسانية على مر التاريخ سلسلة مريرة، من العدوان والصراع والحروب، أن أهمية الخطاب الاسلامي تكمن اساسا في حاجة الانسانية اليه، رغم انكار المنكرين وجحود المتكبرين.
مميزات الخطاب الاسلامي
ــ للخطاب الاسلامي سمات وصفات تميزه عن غيره - فهو من كلام البشر الا أن منطلقه من كلام خالق البشر، ومن هدى خير البشر. فهو رباني المصدر الهي المنطلق - انساني الهدف.
ــ وهو نقي من الهوى والتحيز، خال من التعصب والاستعلاء - فيه قوة الحق - وثبات اليقين، ووقار العلم واشراق الصدق ، ونضرة الاخلاص.
ــ دعوته دعوة الرحمة والتسامح والاخوة والعدل والمساواة والتآلف والحب.
ــ وهو خطاب عالمي التوجه - يعظم كرامة الانسان ، ويعلي من مكانته في تواضع العبودية لله وترابط الاخوة في الله، فلا تفاضل بين بني البشر بسبب اللون أو العرق أو الجنس أو اللغة - يعترف أن هذا التنوع والتعدد والاختلاف انما هو آية من آيات الله، جعلها لحكمة بالغة، ومشيئة غالية، وسببا للتعايش والتعارف والتعاون والتنافس والتدافع، من أجل النهوض بأمانة الاستخلاف، والوفاء باعمار الارض، يحرر الانسان من اوزار العبودية لغير الله، ومن عبودية الانسان للانسان، ويضع عن الانسان اغلال التحكم والجور، وقيود المادة والهوى ويوازن بين الوحي والعقل - والمادة والروح، والدنيا والاخرة.
ــ ويناقش الخطاب الاسلامي القضايا الدولية والمشكلات العالمية بعقل مفتوح؛ فلا يرفض من الجهود الانسانية والمنجزات الحضارية الا ما يفسد الفطرة، ويعكر الصفو، ويهدد المثل، ويهدر القيم، ويخرج على الاعراف، ويجرح الحياء، ويثير الغرائز - وبوجه عام يرحب الخطاب الاسلامي بكل ما هو مفيد للانسان، ويرفض كل ماهو ضار، فقد حرم الله على الانسان الخبائث، وأحل له الطيبات، وجعل الله ذلك للناس معياراً ثابتا وميزانا صادقا يتعاملون به، ويحتكمون اليه.
تطوير الخطاب الاسلامي وتحديد اساليبه
ــ يجب ان يكون تطوير الخطاب الاسلامي في سياق التطور العام الطبيعي المطلوب من المجتمعات الاسلامية - وليس رد فعل لأي مثيرات خارجية، كالرد على الهجوم الاعلامي، او لدرء الشبهات عن الاسلام.
ــ لامجال لاي موقف يشتم منه الاعتذار في الخطاب الاسلامي او التراجع عما نعتقد انه حق.
ــ في عقيدة المسلم احترام الاديان السماوية الاخرى - وتحاشي انتقادها، ومن اخلاقه عدم اثارة الموضوعات الجدلية والخلافية، او تحريك الفتنة بالقول او العمل.
ــ الدعوة لوحدة الامة الاسلامية واجب ديني ، غير انها يجب ألا تعبر عن وحدة انعزالية او عنصرية او استعلائية، ولكنها تهدف الى تجميع كلمة المسلمين وجهدهم، ليكونوا دعاة خير وهداية للبشرية ، وخلية نشطة في الجسم الانساني، تمده دائما بالعافية والقوة والازدهار.
ــ صراع الحضارات والمجابهات العسكرية والعدوان، أمور يرفضها الاسلام ويأباها المسلمون - فقد خلق الله الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا ويتعاونوا، فنظرية حتمية الصراع نظرية دخيلة على الحضارات، ولكن التدافع والتنافس كلها من سنن الله في الحياة، تكفل للانسانية مواصلة التقدم الشرعية لاي سبب من الاسباب.
ــ للاسلام مواقف انسانية مشرفة في تعامله مع الاقليات الدينية والعرقية التي استظلت بظل الاسلام وعاشت في رحابه، لابد من عرضها مع غيرها من قيم العدل والتسامح والمساواة ، وابرز مواضعيها في القرآن الكريم والسنة المطهرة، في اسلوب موضوعي بعيد عن المقارنة او التعالي او عقد مقارنات عن الاقليات المسلمة ومواقف الاخر منها
ــ تاريخ الامم والشعوب فيه التقدم والتخّلف ، وفيه الانتصار والانكسار، وكذلك تاريخ المسلمين - فهو ليس نسيج وحده - غير ان فترة الخلافة الراشدة جاءت لتؤكد امكانية انزال القيم الانسانية الاسلامية ومثله العليا في حياة الناس - لهذا يجب عرض التاريخ الاسلامي عرضا موضوعيا دون مداراة او انتقاء.
ــ لابد للخطاب الاسلامي أن يحذر - ويكرر التحذير - من الخلط بين الارهاب المرفوض اسلاميا ودوليا، وبين المقاومة الوطنية المشروعة المقررة والمقبولة اسلاميا ودوليا، فان هذا الخلط يفيد الارهاب أكثر مما يعيق المقاومة المشروعة.
ــ على الخطاب الاسلامي، بكل وسائله ومنابره واساليبه، ان يتفاعل مع النقلة النوعية التي هيئتها ثورة الاتصالات والمعلومات واستثمارها في تبليغ كلمة الله، وفي تدعيم التقدم في حياة المسلمين في مختلف مجالات النشاط الانساني، وفق الضوابط الشرعية ومعطيات الفكر الاسلامي المتطور والمتجدد. خلال مراحل التاريخ الاسلامي وحتى اليوم.
يعترف الاسلام بالتعددية الدينية والتعايش والتدافع الحضاري من اجل اعمار الكون ومصالح البشرية، ويؤمن المسلمون بان الاختلاف بين البشر هو من مقتضى حكمة الله ومشيئته. وتلك مبادئ يتعين على الخطاب الاسلامي طرحها والدعوة لها بالصدق والوضوح.
ــ الخطاب الاسلامي يتضمن "الخطاب الاسلامي التبليغي" المعني بتقديم الاسلام عقيدة وشريعة وقيما للعالم أجمع، كما يتضمن ايضا الخطاب "الاسلامي المجتمعي او العالمي" ، الذي يواكب التطورات الاجتماعية، والتغيرات الحضارية، والتحولات العالمية - وعليه في هذا الجانب تناول المشكلات والقضايا العالمية المختلفة من منظور اسلامي يصطحب الاصل ويمتد الى العصر. كالاقتصاد العالمي، وحقوق الانسان - وحقوق المراة، والاسرة، والتسليح ووسائل الدمار الشامل، والتلوث البيئي وحماية البيئة والفضاء - التكونلوجيا - والاستنساخ البشري، والهندسة الوراثية، والامراض، مستعينا في ذلك كله بالمصادر الفقهية المعتمدة، والمراكز البحثية العلمية المتخصصة، والتعرف على المنجزات الحضارية والتقنيات المبتكرة.
توفير المعلومات الصحيحة - الحديثة - السريعة
أدت ثورة الاتصالات والمعلومات الحالية الى زيادة التقريب والتقارب بين البشر والاذهان والثقافات، وأصبحت لغة العلم هي اللغة المشتركة بين الناس.
والافتقار للتنسيق في استخدام الشبكة العالمية للمعلومات والفضائيات ثغرة هامة يجب معالجتها، فمازالت هذه الافاق مقتصرة على الجهود الفردية - المبعثرة.
على الخطاب الاسلامي أن يستشعر شدة الصراع بين الحضارات والثقافات التي روجت لها جهات معينة من ورائها الصهيونية - ولا يكفي اننا نرفض الصراع انطلاقا من مبادئ ديننا وعقيدتنا، ولكنه الان مفروض علينا، وعلينا ان نواجهه، وأن نستعد ونعمل له.
القدوة هي اهم وسائل الخطاب الاسلامي، سواء القدوة الفردية او القدوة المجتمعية - وأن تطوير الخطاب الاسلامي ورفع مستواه، يتطلب اصلاحا شاملا للمجتمعات العربية والاسلامية - ولا يجوز للخطاب الاسلامي أن يقدم للعالم مبادئ ليس لها وجود في المجتمع الاسلامي نفسه، والخطاب الاسلامي - في النهاية - مرآة تعكس حال المجتمعات التي يصدر منها.
الاحسان من الامور المنصوص عليها في الاسلام، وعليه فان على الشعوب الاسلامية استخدام احسن الاساليب واحسن الوسائل واحسن المفاهيم ، لتطوير الخطاب الاسلامي والنهوض به.
أن الاهتمام بالخطاب الاسلامي والدعوة لتطويره، تنطلق اساس من التقدير لجهود العلماء المسلمين وما خلفوه من ثروة علمية غالية، كما تهدف الى تواصل العطاء العلمي بما يقدمه الخطاب الاسلامي من جهد في اعادة بناء الامة، وتواصل عطائها الحضاري.
وفي محاولة لاستطلاع آراء بعض قادة الفكر الاسلامي حول الوسائل اللازمة لتطوير الخطاب الاسلامي والنهوض به - قدم معالي الشيخ / يوسف جاسم الحجي بعض المقترحات منها:
ــ السعي نحو توحيد المواقف والمرجعيات لمواجهة الخلافات والفرقة بين أپناء الامة ما يستدعي تقارب الصفوف وتوحيد صيغة الخطاب.
ــ تقريب المفاهيم والافكار والتوجهات لمواجهة انحراف التصورات والاهداف بالركض حول الاستسلام والتطبيع مما مزق الامة الواحدة مابين مؤيد ومعارض.
ــ اعتماد لغة للخطاب الاسلامي بالاستناد الى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لتأصيل الخطاب الاسلامي ومفرداته ومنطلقاته.
ــ وضع الاولويات ضمن ضروريات الشرع ومقتضيات العصر.
ــ تشكيل رؤية اسلامية موحدة حيال القضايا المستجدة.
ــ العمل الجاد على ابراز القيم الاسلامية وعالمية الدين الاسلامي.
ــ بعث الامل في نفوس أپناء الامة لمواجهة سلسلة الاحباطات التي منيت بها الامة.
ــ رفع شعار التصالح المبني على الاخوة الاسلامية داخل القطر الواحد حكاما ومحكومين افرادا ومؤسسات رسمية وشعبية.
ــ محاربة التغريب عبر العمل على تعزيز دور الثقافة الاسلامية.
ــ تفعيل دور العلماء والمصلحين لمواجهة الاختلافات الفكرية والسلوكية.
ــ تعرية سياسة الكيل بمكيالين بابراز عدل الاسلام وسماحة الشريعة الاسلامية في التعايش.
ــ بيان رفض الاسلام للارهاب والغلو والتطرف.
ــ تعميق الانتماء للامة الاسلامية والحفاظ على الهوية الاسلامية.
ــ التأكيد على أن الشريعة الاسلامية منهج كامل لكافة مناحي الحياة وجميع البشر.
ــ اقرار مبدأ النقاش والحوار مع الرأي الآخر.
تنقية الخطاب الاسلامي من المصطلحات الدخيلة
أرتبط العالم العربي والاسلامي عمليا وثقافيا بأفكار القوى الاستعمارية. الى درجة كبيرة
ــ فترة الاحتلال الاستعماري التي امتدت الى عشرات العقود - حاول خلالها الاستعمار الغربي فرض لغته وثقافته على الشعوب المحتلة.
غير أن ذلك لم يكن سهلا في مواجهة شعوب ترتبط لغتها بالقرآن الكريم، وتجمعها جميعا عقيدة التوحيد، وتتصل بحضارة شامخة مثالية لم تعرف الانسانية لها مثيلا.
ومما حققته القوى الاستعمارية في هذا المجال هو نجاحها في تسريب بعض المفردات والمصطلحات الى اللغة الدارجة في بعض المجتمعات العربية.
الا أن استمرار تداول هذه المصطلحات على السنة العامة وفي بعض وسائل الاعلام، جعلها مألوفة ومقبولة في مجالات السياسة والاعلام - وحتى في بعض المجالات الادبية - حتى تعمقت في التعبير العام - رغم تناقض مضمون بعضها مع المفاهيم السياسية والحقوق الوطنية - وحتى أصبحت دلالاتها - دون تحقيق أو تمحيص - من الحقائق والمسلمات.
ورغم المواجهات الساخنة والمصادمات القوية في حروب التحرر سواء ضد الوجود الاستعماري الاستيطاني الصهيوني - فان التسلل الثقافي ظل متواصلا، مستغلا الثورة الحديثة في وسائل الاتصال والمعلومات، وما حققته من اقتراب وتقارب للافكار والاراء والثقافات واللغات، وغيرها من المكونات الحضارية ومنجزات العصر.
من ناحية أخرى نجحت اسرائيل في ظل هذا التطور في ترويج بعض افكارها، وتسويق سياستها، رغم ما تحمله هذه الافكار من روح عدائية وتطرف عنصري ديني سياسي - مستخدمة في ذلك اساليب التفافية - ملتوية - تزيف فيها الحقائق، وتجور فيها على ثوابت الجغرافيا والتاريخ والعلم والدين.
ولليهود قدم ثابتة في مجال تلويث الثقافات والحضارات، فان كثيراً من الامور الهامشية في الفكر الاسلامي - دخيلة عليه، بفعل التزييف اليهودي والتزوير الاسرائيلي ، وذلك فيما يعرف "بالاسرائيليات" ، كذلك فان من المغالطات الاسرائيلية المشهورة مقولة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".
دست اسرائيل - اذا - للقارئ والمشاهد والمستمع المسلم والعربي عددا من المصطلحات التي نحتتها نحتا من اجل اشاعة الشك، وكسر الارادة، وتراجع التصميم.
ومن المؤسف، أن كثيراً من اجهزة الاعلام العربية، تلقت هذه المصطلحات وتداولتها في اللغة الاعلامية دون مراجعة او تمحيص ومن أمثلتها:
1- ثقافة السلام
وما يتبع ذلك من شعارات تخدم هذا الغرض ومنها ان "حرب اكتوبر هي آخر الحروب" ومنها ايضا "السلام هو الخيار العربي الاستراتيجي" - وكلها شعارات بدأت في اعقاب حرب اكتوبر عام 1973.
وقد اشاع الخطاب العربي والاسلامي هذه المنظومة من الشعارات، باعتبارها دعوة للسلام، ولغة يقبلها ويحبها الرأي العام العالمي، وتقبلها الشعوب المحبة للسلام، ولكن "ويل للشجى من الخلى فالرأي العام العالمي والشعوب المحبة للسلام لم تفقد مقدساتها، ولم ينتهك أحد اعراضها، ولم يسلب المغتصب الاسرائيلي ارضها - ولقد وقفت الشعوب المحبة للسلام الى جوار الشعب الفلسطيني في محنته، كما وقفت ضد الحرب في العراق.
ولايزال الاسرائيليون يطرحون شعار القوة، ويشعلون نار الحرب، ويتخذون كل خطوات الإعداد والاستعداد لخوضها والاستمرار فيها حتى تنكسر ارادة العرب، ويستسلمون.
2- التطبيع
وهو مصطلح - يوحي بان اقامة علاقات مع اسرائيل هو الامر الطبيعي او العودة الى الطبيعي، وأن ماسوى ذلك هو الشاذ المرفوض لانه غير طبيعي.
واذا كان التطبيع أمراً وارداً بين دولتين طبيعيتين، فان المجتمع الصهيوني يفتقد - رغم كل مايحيطه من مظاهر القوة - الاساس القانوني - فاسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تتمتع بعضوية مشروطة في الامم المتحدة، وشرط حصولها على العضوية الطبيعية رهن تنفيذها القرار 194 الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم - لذلك فان اسرائيل تضغط هذه الايام للحصول على تنازل من السلطة الفلسطينية عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين مقابل السير في تنفيذ "خارطة الطريق".
3- الارض مقابل السلام او الارض مقابل الامن أو الجزء مقابل الكل
وهي مصطلحات تعني ان يترك الفلسطينيون اراضيهم وحقوقهم المشروعة لينعموا بعد ذللاك بالسلام - اليس هذا هو المعنى التطبيقي والعملي للاستسلام؟!
4- استخدام لفظ اسرائيل بدلا من فلسطين المحتلة
5- واورشليم بدلا من القدس
6- وايلات بدلا من العقبة
7- وحبرون بدلا من الخليل
8- ما يرضاه الفلسطينيون نراضاه.
اي ان ما يرضاه الاسير يرضاه الطليق - ما يرضاه الشعب الفلسطيني الذي يعيش المحنة بكل مآسيها وابعادها، يرضاه الامنون في اوطانهم!
وهناك مصطلحات تهمز في الاسلام ومنها:
1- الاصولية:
وهو مصطلح ديني يرمي لادخال جميع الحركات الاسلامية تحت عنوان واحد هو الاصولية الاسلامية، والايحاء في الوقت نفسه ان التطرف أصل من أصول الاسلام، ينطلق من جوهر تعاليمه ورسالته - وان الدعوة لتمسك المسلمين بدينهم والتزام احكامه، انما هي دعوة للعنف والتطرف، الذي يعني تكفير المخالف واستباحة دم الاخر وماله، استنادا الى أن هذا المصطلح يحمل ذكريات ودلالات في المفهوم الغربي. ترجع الى اواخر القرن التاسع عشر، وهي فترة الصراع بين الكنائس وتعاملها مع نصوص التوراة وتفسيراتها، وصراع آخر بين الكنيسة والمذاهب العلمانية والليبرالية، وعلى هذا فان الاصولية، تختلف مدلولا ومعنى في المجتمعات الغربية عنها في المجتمع الاسلامي.
ومن المعروف ان الاسلام لا يعرف التطرف، ولا يقر الاكراه في الدين "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" . والنصوص في هذا المعنى كثيرة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
2- الارهاب الاسلامي
وهذا مصطلح مبني على المصطلح السابق، وامتداد له، ولقد استغلت اسرائيل هذا المصطلح على نطاق واسع، مستفيدة من الحملة الامريكية ضد الارهاب بالمقاومة الفلسطينية المشروعة.
أن المطالبة بتحرير المصطلحات وتمحيصها ينطلق من الحرص على الهوية الاسلامية - والحقوق الوطنية، والتصدي لهذا الفيض المتلاحق من المصطلحات التي يدفعها الاعلام الغربي والصهيوني الى لغتنا السياسية والاجتماعية - ولمحاربة دعاة التهوين من خطورة هذه المصطلحات الوافدة، بدعوى انها أوعية لمضامين ومعاني، هي ملك كل المذاهب والحضارات - منبهرين بها، وغافلين عما تحمله من معانى ضاره، يهدف ناحتوها، تثبيتها في الوعي والضمير الاسلامي بكثرة تداولها وتردديها.
والخطاب الاسلامي مدعو اليوم الى هجر الكثير من هذه المصطلحات ومقاطعتها، واسقاطها من التداول، كما تسقط العملية الزائفة من التعامل في سوق النقد - مع اليقظة والانتباه لكل مصطلح جديد لان أنياب الافاعي مليئة بالسم، وهي قادرة على نفثه في كل لحظة ومناسبة.
قضايا مطروحة امام الخطاب الاسلامي
اعادة الثقة لأپناء الأمة
من أول واجبات الخطاب الاسلامي في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الامة - العمل على اعادة الثقة الى جماهيرها، الثقة في الله، والثقة في النصر، والثقة في النفس - والعمل على ايقاظ الوعي الحضاري لدى شبابها - وتحقيق الحصانة الفكرية واعادة بناء المرجعية الاسلامية في ضوء الوعي ومنهاج النبوة وفضائل السلف الصالح، وذلك في مواجهة الفيض الهائل من الافكار والمبادئ الدخيلة التي امتلأت بها الساحة العربية والاسلامية، مستغلة ما يتوهمونه من فراغ سياسي وفكري، جم عن الهزائم والانكسارات، التي منيت بها الامة في العقود الاخيرة.
وعلى الخطاب الاسلامي أن يبادر بتحرير الشعوب من التبعية الثقافية والاقتصادية للقوى الخارجية، ومعالجة كل أسباب التقليد الثقافي والسلوكي ، الذي أصاب الامة بالضعف والوهن والعجز، الذي أطمع فيها الاعداء، وشجع الافكار الوافدة على التوغل والامتداد.
دور العقيدة في بناء المجتمع
العقيدة الاسلامية في تحديدها لحقيقة الوجود الانساني والكون، هي التي صنعت الحضارة الاسلامية، اذ ان كل حضارة هي ثمرة فكرة تحدد هذه الحقيقة، وستبقى العقيدة الاسلامية على مر الدهر، محركة للامة الى هذه الحضارة، كما صنعتها منذ أن اخرجها الله للناس خير أمة.
كما ان القيم الاخلاقية - كجوهر اساسي للدين - يجب اعتبارها ركيزة العلاقات المشروعة بين الناس أو في المحيط العالمي، والخطاب الاسلامي مسؤول عن استنهاض القيم الى هذه الغايات.
الخطاب الاسلامي والتغيرات الدولية
ان التغير المتسارع والمستمر، يمثل أحد أحهم ظواهر الحياة الإنسانية المعاصرة، كما تمثل أزمة التكيف الوجه المقابل لهذه الظاهرة، وقد اصبح من وظائف الخطاب الإسلامي رصد التغير ، وتحليل أسبابه وآثاره، والتعامل معه، واقتراح آليات التكيف، والترويج لها، ومالم يسد الخطاب الإسلامي هذه الثغرات، فانه بهذا يترك منافذ خطيرة في النسيج المجتمعي الإسلامي، وفي الرأي العام، حيث تجد التيارات الفكرية والإعلامية الوافدة - من خلالها - سبيلا للتدخل والتوغل والامتداد.
وتفرض التغيرات الدولية والأحداث الهامة على الخطاب الإسلامي، أن يعطي عناية خاصة لهذه التحولات والمتغيرات والأحداث - سواء في إطارها العام، أو في القضايا والمشكلات الناجمة عنها، أو في تأثيراتها على العلاقات الدولية ومسار الصراعات الدائرة في المنطقة أو الإقليم ، مع العناية بالنظرة المستقبلية واستكشاف افاق الغد استكشافا رياديا علميا واعيا.
وتكمن أهمية هذا التوجه، في تهيئة المجتمع العربي والإسلامي، واعداده للتكيف الملائم مع هذه المتغيرات، وتوفير آلياتها، ودراسة أثارها، والاستعداد والإعداد لها وفق إمكاناتها، في ضوء ثوابت العقيدة والقواعد الشرعية، وفق اجتهادات الفكر الديني ومعطياته المتطورة والمتجددة.
كما تكمن خطورة التخلي عن هذا التوجه، أو إغفاله وعدم العناية به، في الافتقار إلى الرؤية العلمية الصحيحة للتحولات الدولية الواقعية والمستقبلية، وأثارها ، وخاصة في مجال العلاقات الدولية، مما يقود في النهاية إلى نتائج سلبية، بسبب عجز الخطاب الإسلامي وقصوره عن إشباع الحاجات المعرفية الأساسية، على المستويين الخارجي والداخلي على حد سواء.
كما أن التراخي في تحقيق هذا المطلب. وعدم المبادرة للوفاء به، يفقد الخطاب الإسلامي تأثيره ومصداقيته، فقد أصبحت العلاقة بين الزمن والتغير أساسا منطقيا لحركة التقدم، كما أن العلاقة بين الزمن والمواجهة مقياسا لدرجة اليقظة والوعي.
مناطق الصراع والتغير والتوتر
يعطي الخطاب الاسلامي عناية خاصة لمناطق التأثير والتأثر في العالم، لما لاحداث هذه المناطق من تداعيات واثار على مجتمعات المسلمين ومصالحهم.
والقول بأن أي حدث في العالم يؤثر ويتأثر بالفعل المباشر، او بردود الفعل في شتى انحاء العالم، خاصة في ظل العولمة والتقدم الهائل في وسائل الاتصال - قول صحيح، الا ان هناك مناطق يحتدم عندها الصراع وتستقطب الاهتمام الاعلامي في العالم، ينبغي ان تكون موضع اهتمام الخطاب الاسلامي.
فهناك صراع قائم، يشتد يوما بعد يوم - على "مركز النظام الدولي" أو ما اصطلحت أدبيات العلاقات الدولية على انه "القطب الدولي".
وهناك كذلك في المستوى المتوسط، تجد صراعات بين الأقاليم، على احتلال موقع "الإقليم القطب" أي الإقليم الأكثر أهمية - وهناك على المستوى الثالث، صراع دائر داخل كل إقليم، أو بين الدول المكونة للإقليم، لاحتلال موقع مايسمى "بالقطب الإقليمي".
إن ما يعنينا من هذا التقسيم البنيوي العام لمناطق الاستقطاب في العلاقات الدولية والصراعات الدولية الدائرة فيها، هو تحديد قاعدة أولوية أو مبدئية، يتعين على الخطاب الإسلامي الانتباه اليها والتركيز عليها.
فمن المسلم به - الآن - أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة (القطب) في العالم - وهي في الوقت نفسه صاحبة اكبر عدد من الأعداء والمنافسين - ومن المعروف أن العاصفة تشتد وتزاد عنفاً عند القمة - وذلك بسبب اشتداد المنافسة، وكذلك بسبب النزعة الإمبراطورية لدى الولايات المتحدة الأمريكية لقيادة العالم، كما أن هناك قلقاً دولياً من تطلع الولايات المتحدة لليهمنة على مصادر الطاقة في العالم، وقد يدفع هذا إلى ظهور تحالفات جديدة في أوروبا، بما يمهد لاحتمال ولادة - الولايات المتحدة الأوروبية . وفي آسيا يزداد التقارب بين اليابان والصين، بينما ترقب الولايات المتحدة الأمريكية هذه التحركات والمتغيرات، بكثير من الحذر واليقظة، وتضع السياسات لتعويقها أو ابطاء إيقاعها ، على ان الفكر الرأسمالي الليبرالي ، سيظل مسيطرا على العالم، دون ان يكون مضطرا لان يتقاسم ارضية السيادة مع فكر آخر، كما كان الوضع خلال مرحلة الثنائية الايديولوجية السابقة.
وفي المستوى الوسط، أو "الإقليم القطب"، فان هناك دلائل وشواهد عن تقدم القطب الأسيوي المتنامي - وخاصة في المجال الاقتصادي، الذي يعتبر أساسا في اعادة انتاج المجتمعات الحديثة، وفي تطور العلاقات الدولية في المرحلة الراهنة - ويتمركز الاستقطاب في المحور الصيني، والطموح الهندي، والنمو الإيراني.
لذلك فان اهتمام الخطاب الإسلامي مع القطب الاسيوي - ينبغي ان يقوم على الإفادة من القرب الجغرافي، واستثمار الإرث التاريخي، وقوة الترابط ونقاء العلاقات وتعميق الدور الذي يؤديه الطلاب الأسيويون الدارسون في الجامعات والمعاهد العربية والإسلامية - كل ذلك يعطي الخطاب الإسلامي قوة وتأثيراً وقبولاً.
العالم العربي والمتغيرات الدولية
أما العالم العربي أو "إقليم الشرق الأوسط"، بالمصطلح المشبوه الجديد - فانه يمثل أحد هموم سدنة النظام الدولي والدول الكبرى - ويتكرر القول يوميا، برغبة هذه القوى في إعادة ترسيم خريطة المنطقة - وتغيير نظم دولها، بدعوى إقرار الديمقراطية حينها، أو إعادة توازن القوي حينا آخر. أو التذرع بحماية المصالح الحيوية الدولية، ومقومات الحضارة الإنسانية في المنطقة العربية.
إن الأحداث التاريخية أثبتت أن الولايات المتحدة لها القدرة على استخدام أقصى وسائل الردع والحسم من اجل إبقاء نفوذها وسيطرتها على منطقة الشرق الأوسط، ذات الموقع الحيوي في العالم، وستظل هذه المنطقة اعظم منطقة استراتيجية بالنسبة للمصالح الامريكية.
وبما ان الولايات المتحدة الامريكية، تنفرد بقيادة العالم، وتتميز بامتلاك ادوات ووسائل القوة، فانها تستطيع تسخير المفاهيم العالمية ومنها ظاهرة العولمة لصالحها - حتى يمكن القول ان الالحاح في تزيين العولمة وترويجها، يرتبط بالمشروع السياسي الامريكي في الشرق الاوسط، كما ان السعي الحثيث لاقامة السوق الشرق اوسطية، انما هو الوجه الاقتصادي اللازم لتنفيذ المشروع السياسي الامريكي.
ولقد كانت اولى الخطوات التنفيذية لهذا المشروع، قد تمت خلال الحرب (الشبه عالمية) على ارض الدول الخليجية - عام 1991 والتي تحولت فيها اوروبا واليابان الى قوى تابعة للقوة الاعظم.
كما ان الولايات المتحدة الامريكية تبنت (اسرائيل) منذ نشأتها، وعملت على تغذيتها بالمساعدات ، وحمايتها بالقوات، لانها الحليف الراسخ المرتبط بالولايات المتحدة الامريكية ارتباطا معنويا ومصيريا.
فاذا اضفنا الى ذلك اهمية منطقة الشرق الاوسط بالنسبة لاوروبا، بأعتبارها احد دوائر المجال الحيوي للمجموعة الاوروبية ، ذات القدرة الاقتصادية المتنامية، يمكننا القول ان التنافس الدولي سوف يحتدم خلال المرحلة القصيرة القادمة بما يمهد لتغيرات سياسية واقتصادية عميقة - رغم ان التنافس بين امريكا واوروبا على المستوى الدولي العام وفي المنطقة العربية بوجه خاص، لازال غير متكافئ.
ومن خلال هذه الاوضاع والقضايا، يمكن تصور المناخ العام، الذي يلف المنطقة العربية في اطار العولمة والنظام الدولي الجديد، الذي يعتبر بمثابة احد تجلياتها في الجوانب السياسية.
القضية الفلسطينية
ان التسارع في حل القضية الفلسطينية والعمل على تسوية الصراع التاريخي بين العرب واسرائيل، يأتي في مقدمة الاهداف الامريكية في هذه المرحلة، تمشيا مع رغبة امريكا في ضمان استقرار المنطقة ضمانا لسلامة مصالحها.
وتأتي السرعة الامريكية والدولية لحل الصراع العربي الاسرائيلي في فترة انهيار عربي شديد، وتعجرف اسرائيل متعاظم، وتمكين امريكي غير مسبوق - وهذا واقع لابد من الاعتراف به، دون التسليم المطلق له.
الخطاب الاسلامي والعولمة
العولمة نتاج حضاري وظاهرة كونية، بل هي اهم معطيات الحضارة الغربية المعاصرة، وهي ثمرة للتقدم الهائل في وسائل الاتصال والمواصلات والمعلومات، حتى قيل ان العالم اصبح امامها قرية صغيرة، تعج بكل التيارات الفكرية والتزاحم الثقافي ، ويسودها الصدام والصراع بمختلف اشكاله وبكل دوافعه، ويملأ اجواءها موجات التصادم والجدل والشائعات والدعاية، وتغشى سماءها طبقات كثيفة من التفجيرات والتلوث - وتفتقد في هذا الجو الخانق كل مشاعر التكافل والتراحم . نعم ان العالم امام العولمة قرية صغيرة تضيق بسكانها، وتكاد تخنق انفاسهم.
الا انها مع هذا كله استطاعت ان تدفع بمزيد من التفاعل البشري، والانفتاح الثقافي، والتلاحم الحضاري.
كما ان العولمة ليست عدوا يمكن محاربته ولا مؤامرة يمكن احباطها، ولا عدواناٌ يتوجب التصدي له - ولكنها نتاج حضارة معروضة بكل وسائل التزيين والترويج والاعلام، فمن شاء قَبِلَ ومن شاء رفض - فهي لا تحمل اسلحة، غير ان سلاحها الامضى، هو الفراغ السياسي والفكري، وحيثما وجد الفراغ السياسي والفكري امكن للعولمة ان تدخل بسهولة ويسر، وان تنشر ما يحملها به الاخرون والمقتدرون من افكار ومبادئ.
فالفراغ السياسي والفكري اذا هو اهم اسلحة العولمة لنشر ما تحمله من افكار في المجتمعات القابلة لذلك - غير ان المجتمعات الاسلامية يمكنها ان تتحصن ضد الافكار الضارة التي تحملها العولمة بالتمسك بدينها وعقيدتها وقيمها - وتفعيل شرائع الاسلام وقوانينه في مجتمعاتها - بحيث تكون مجتمعات متكاملة النظم والقوانين والشرائع، لها القدرة على استيعاب المعطيات الحضارية والافادة منها دون الخروج عن القواعد والضوابط الاسلامية، ودون ذوبان هويتها في الوافد من النظريات والافكار.
ومع هذا كله، فان العولمة تملك قوة دفع هائلة، توظفها القوى الدولية وخاصة امريكا لخدمة استراتيجيتها في العالم العربي، وفي خدمة المشروع الصهيوني، فهي ترمي لتسيد القوة العسكرية والاقتصادية لكي تسهل عملية تشكيل المجتمعات العربية على هواها، ولتدعيم الانظمة التي تواكب مصالحها، وتدمر قدرة الدول والقوميات والشعوب على المقاومة السياسية، الامر الذي يقود الى تفكيك القوى السياسية واضعافها الى اقصى حد ممكن.
ولاشك ان مروجي الافكار والقيم والمصالح والحاجات التي تحملها العولمة، يحاولون بكل الوسائل دفع الناس لقبولها، وهم يلجأون لضغوط سياسية واقتصادية ودولية فضلا عن التزيين الاعلامي - ومن هنا تكون المؤثرات لقبول الافكار الغربية التي تحملها العولمة.
الخطاب الاسلامي والتسليح الدولي
يمثل انتشار اسلحة الدمار الشامل وتعاظم الترسانة النووية والكيماوية والاسلحة البيولوجية تحديا خطيرا للسياسة الدولية وتهديدا خطيرا للبشرية والحضارة.
ويشهد ميدان التكنولوجيا البشرية تطورا سريعا، فتح به خيارات واسعة للعدوان - والمغامرة باساءة استخدام الاسلحة البيولوجية الهجومية، وسيظل هذا يشكل خطراً طالما تتزايد تقنيات الوسائل البيولوجية على نطاق واسع.
ينبغي على الخطاب الاسلامي القيام بدعوة دولية ضد التسليح، وتقوية اتفاقيات منع الاسلحة البيولوجية ، واتفاقيات حظر انتشار الاسلحة النووية، وحظر التجارب النووية واتفاقية الاسلحة الكيمياوية، وجميعها تمثل منظومة واحدة لمنع انتشار اسلحة الدمار الشامل.
الخطاب الاسلامي وحقوق الانسان
الحديث عن حقوق الانسان في عالمنا العربي والاسلامي شائك، ومخيب للآمال، ودون الدخول في تفاصيل، لنا أن نسأل كيف يتعامل الخطاب الاسلامي مع هذه القضية الشائكة؟ ، وما هي العلاقة بين الخطاب الاسلامي والمجتمع في شأن حقوق الانسان؟
اتخذ المجلس الاسلامي العالمي للدعوة والاغاثة لنفسه خطة وفلسفة للعمل والتعامل مع حقوق الانسان، هي التحذير والنصح من مغبة الاسترسال في تجاهل حقوق الانسان، مع تجنب التشهير والاثارة التي انزلقت اليها كثير من المنظمات المناظرة، حتى ادخلها البعض في شبهة الترويج لاهداف سياسية او حتى العمالة السياسية للأجنبي.
ليكن الخطاب الاسلامي ابلاغا للرأي العام المحلي والدولي بالانتهاكات الحادثة للاقليات المسلمة - مع تجنب اظهار ان هذه الاقليات دائما ضحية الانتهاكات، أو أنها فريسة العنف، عاجزة عن الدفاع عن نفسها، فقد يكون هذا الاسلوب سببا في الاضرار بالوعي الاجتماعي والاتزان النفسي للاقليات المعزولة، الا أن مخاطبة المجتمع الدولي والمنظمات الدولية المعنية بصورة مباشرة وبأسلوب موضوعي، قد يكون أنسب في بعض الحالات - مع دعوة الاقليات وتمكنها للحفاظ على هويتها وامتلاك القدرة على الابداع في مختلف المجالات.
الخطاب الاسلامي والاقتصاد العالمي
المجال الاقتصادي مجال هام جدا ومتشعب، وتبدو أهمية البعد الاقتصادي في قدرته الفائقة على تغيير الانماط المجتمعية في العالم - وتأثيره المباشر على سيادة الدول، وقراراتها السياسية.
ويعتقد كثير من المفكرين المؤرخين ان البعد الاقتصادي هو اساس الحضارات - بل ذهب بعضهم الى تفسير التاريخ الانساني تفسيرا اقتصاديا ماديا.
والنظام الاقتصادي القائم اليوم هو الاساس الرئيسي للحضارة الغربية.
لذلك فانه يتعين على الخطاب الاسلامي والعربي تناول الاقتصاد العالمي من كل جوانبه وعرض النظريات الاقتصادية الاسلامية وتجارب البنوك الاسلامية الناجحة - ومقارنته بالنظام الاقتصادي العالمي، الذي يمثل صلب الحضارة الغربية المادية السائدة.
وامام الخطاب الاسلامي مسؤولية التحذير من قيام "السوق الشرق اوسطية" وكشف النوايا الصهيونية والامريكية من دور هذا المشروع الاحتوائي المشبوه، الذي يعد ستارا لاسرائيل الى المجالات الاقتصادية الاسلامية - كما ان الخطاب الاسلامي يعني بالدعوة للمقاطعة الشعبية المشروعة للمنتجات الصناعية للعدو الصهيوني والولايات المتحدة الامريكية.
عقبات موضوعية امام الخطاب الاسلامي
1- تقديس الجهود البشرية والتعصب لها
أن احترام الموروث الفكري، وتقدير جهود العلماء الاجلاء من السلف الصالح أمر ضروري لاصلاح الحاضر وترشيد المسار نحو المستقبل ، فلقد كان علماء الاسلام رجال ازماتهم، ومناورات العلم النافع فيها، ضربوا بثقة واقتدار ، وعلم وادراك، في كل الجوانب العلمية النظرية والتطبيقية والمعاملات، وتركوا لنا ميراثا علميا مشرقا، انطلاقا من شمول الرسالة الاسلامية، الداعية لخير الدنيا والاخرة، الجامعة لاصلاح الانسان والمجتمع.
غير ان احترام هذا الميراث الفكري العظيم، لايجب أن يرتقي الى درجة التقديس، الذي يقتصر على الفكر الديني الالهي في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، اما ما ينبثق عنهما من سائر العلوم الاخرى، كعلم الاصول وعلوم اللغة والعلوم الفلسفية كعلم الكلام وعلم المنطق، فانها تخضع جميعا للأخذ والرد، ومصالح الامة وفق الضوابط العلمية والمستجدات المجتمعية والحضارية.
ومع هذا فان الاحتياط لازم فيما ينبغي الاحتياط له، من أمر الدين في القرآن الكريم والسنة المطهرة - دون الاجتهادات الفكرية التي تتغير بالتطور البشري، وتجدد المجتمعات، وانتشار الاقليات المسلمة في العالم.
وعلى الخطاب الاسلامي المباردة لتجاوز هذه العقبة بالرجوع الى المراكز الفقهية المعتمدة في العالم الاسلامي.
2- انعدام الاستراتيجية
أن غياب إستراتيجية موحدة وواضحة في العمل الاعلامي بوجه عام وفي الخطاب الاسلامي بوجه خاص - بسبب غموض الاهداف وعدم تحديدها وفق اولوياتها واهميتها، يؤدى الى أضعاف تأثير الخطاب الاسلامي، وقصوره عن تحقيق أهدافه.
3- اضطراب الواقع العربي والاسلامي
اضطراب الواقع العربي والاسلامي، وعدم استقراره السياسي والفكري، وما يتبعه من مظاهر التخلف الاجتماعي والثقافي، اصاب النظم والدول والمجتمعات العربية والاسلامية بعدم الاستقرار، كل ذلك أدى الى تصادم المصالح الوطنية، مع المصالح القومية، واتاح للنفوذ الاجنبي التغلغل لاشعال الفتن، وتعميق الخلافات، بصورة انعدمت معها الثقة بين الدول والشعوب، وانخفضت درجة التعاون حتى وصلت الى ادنى درجاتها.
4- تركيز وسائل الاعلام في يد السلطة
الميل العام في العالم العربي الى تركيز وسائل الاعلام الرسمية من صحافة واذاعة وتلفزيون في يد السلطة، مما يؤدي الى فقدان هذه الوسائل لمصداقيتها، وانعدام الثقة في الرسالة الاعلامية والخطاب الذي تحمله للناس.
ومع استمرار هذه الاوضاع تفتر علاقة المتلقى بالرسالة الاعلامية وينخفض التفاعل بين الجماهير والخطاب الاسلامي الى درجات متدنية.
5- الافتقار الى التقاليد الديمقراطية
أن السلبية الشاملة التي تتمخض عن غياب الديمقراطية، حيث يسود الرأي الواحد، ويخفت صوت المعارضة، وتتلاشى أو تضعف التعددية - تؤدي في النهاية الى توتر العلاقات بين الدول العربية - ذلك أن الرأي المعارض، في بلد ما، قد يجد له متنفسا في بلد آخر، مما يثير المنازعات بين الحكومات، ويتيح للتيارات الاجنبية فرصة لتأجيجها والافادة منها.
6- الصراعات والمنازعات العرقية
اذا كان اضطراب العالم العربي وعدم استقراره يرجع جزئيا الى غياب الديمقارطية - فانه يرجع ايضا الى مشاعر الخوف والشك والترقب - وهي وان كانت محدودة الخطر بين الدول العربية، الا أنها ذات فائدة كبيرة لاعداء الامة - وقد شاهدنا كيف أدت هذه المشاعر الى تفاقم الاوضاع، والتشدد - غير المبرر - بما أدى في النهاية الى توجيه المدافع الى كل اتجاه، الا الاتجاه الصحيح.
هذه الظروف اوقعت الخطاب الاسلامي في حيرة وارتباك وفوضى عقلية ونفسية، شملت المصدر والمتلقى والرسالة بصورة يستحيل معها اصدار خطاب اسلامي قويم.
7- صعوبة الحصول على المعلومات:
يقوم الخطاب الاسلامي بمهمة التبليغ ونشر كلمة الله، وهو الجانب الثابت من الخطاب الاسلامي، الذي تتوفر له المعلومات بقدر مناسب - وقد ينقصه فقط الجديد المتطور في الجوانب الفقهية والقيمية.
الا أن الجانب الديناميكي الحركي او المجتمعي من الخطاب الاسلامي فهو بحاجة ماسة الى المعلومات الوفيرة والدقيقة والحديثة والسريعة، التي تمثل جوهر الخطاب الاسلامي وتكسبه قوة تأثير وأنتشاراً.
وهكذا يتركز نجاح الخطاب الاسلامي على وجود خدمات معلوماتية متطورة، تتميز بالحداثة والتجدد والتكامل والكفاءة، وتحقق الوصول السريع للمعلومات الى مصادر الخطاب الاسلامي والقائمين على صياغته.
ولما كان الخطاب الاسلامي الصادر عن المجتمعات الاسلامية، غالبا ما يكون اهليا غير حكومي - فقد أصبح من اوجب الواجبات، الاستجابة لدعوة المنظمات الاسلامية غير الحكومية، لانشاء مركز للمعلومات، يتميز بالكفاءة العالية والقدرة على الحصول على المعلومات من مصادرها الموثوقة، ويحسن ترتيبها واسترجاعها، وتوظيف المفيد منها للخطاب الاسلامي، واستخلاص المعلومة اللازمة من بين السيل العارم من الانتاج الفكري، الذي يغمر مراكز المعلومات في العالم.
8- تباين نظرة المتلقي أو المستقبل للخطاب الاسلامي
يراوح الخطاب الاسلامي المعاصر بين الاعتدال والتطرف، وهذا خطأ هيكلي، يرجع لصعوبة توحيد منطلقات الخطاب الاسلامي، او حتى تقاربها، وفي جميع الحالات فان اعداء الاسلام والمسلمين، الصهاينة والاستعماريين، يرجعون ذلك الى منطلقات فكرية واحدة، باعتبار ان الخلاف بين المعتدل والمتطرف، ليس خلافا نوعيا ولكنه خلاف كمي، خلاف في درجة التطرف فقط، حيث يعتمد كلاهما نفي "الآخر" وتكفيره، وان التواصل وتبادل المواقع قائم بيد التطرف والاعتدال بصورة تحتل فيها اي منهما مكان الآخر، حسب الظروف المحيطة - فالتكفير - في نظرهم - لهجة لا تفارق بنية الخطاب الاسلامي، سواء وصف بالاعتدال او بالتطرف، وهذه عقبة ترجع الى حرية المتلقي في انتقاء ما يرغب في سماعه والاطلاع عليه.
وقد يكون هناك بعض الاستثناءات ولكنهم يصورون الساحة الفكرية الاسلامية على أنها ساحة للتطرف بدرجاته المتعددة.
-------------------------
* ـ مقدم الى الدورة الثالثة عشرة للجنة تنيسق العمل الاسلامي المشترك ، مكة المكرمة ، ربيع اول 1424هـ - مايو 2003م.