الحوار
وظائف وفعاليات
مجمع الفقه الاسلامي
أ. العلامة الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة
الامين العام لمجمع الفقه الاسلامي الدولي
أجرى الحوار: رئيس التحرير
( كيف تتصورون العلاقة بين المجمعين، مجمع الفقه الاسلامي والمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية؟
( بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
لقد سعدت في العام الماضي بحضور مؤتمر مجمع التقريب بين المذاهب، وكنت من زمن طويل آمل أن تتحقق هذه الرغبة، التي يشعر فيها كل مؤمن ان الوقت ليس وقت خلاف وافتراق، ولكن وقت جمع وتراص في البناء. حتى نواجه كل التيارات الهدامة، التي لا تريد لهذا الاسلام أن يبقى. ومجمع الفقه الاسلامي له دور ومجمع التقريب بين المذاهب له دوره المميز، وذكرت في المحاضرة التي ألقيتها في العام الماضي بأن مجمع الفقه الإسلامي في ذاته يتكون من اعضاء وباحثين وفقهاء ينتسبون الى جميع المذاهب. عندنا كل المذاهب ماعدا مذهب واحد؛ وهو المذهب الظاهري الذي لم يبق من يمثله، باقي المذاهب حاضرة في الساحة الفقهية، وتعرض أدلتها على علماء المذاهب الاخرى الفقهية أو الشرعية المتصلة بالقضايا المطروحة، وهناك حوار ونقاش بحيث نخرج في الغالب باقتراح بل بقرار يحدده الفقه أو النظر الشرعي في القضايا الجديدة المستجدة، بينما مجمع التقريب هو مجمع من نوع آخر، هو متداخل في جوهره مع مجمع الفقه الإسلامي، ولكنه يحرص على دفع المواقف الشاذة التي تقفها بعض الشخصيات من نفس القضية، من نفس التقارب لأنهم يعتقدون أنه لا فائدة من التقارب. وأملنا كبير في تحقيق ذلك الهدف المقدس لذا فقد تتبعت ماكتب في الماضي من يوم ولادة الفكرة في مصر، ثم رأيت وقرأت لبعض المؤرخين الفرنسيين، ونسيت الآن اسمه حيث كتب كثيراً عن تاريخ ايران وعن تاريخ فارس، وهو يجري مع التيار السياسي الموجود في ذلك الوقت، ولكن ما نعرفه نحن عن المذاهب وعن تاريخ الفكر الإسلامي هو بعيد عن تصور كثير من الناس، لماذا؟ لأن المورد الحقيقي هو الكتاب والسنة، وهما حق مشترك ومرجع اساسي لكل المذاهب، وبجانب ذلك هذا التراث الخصب.
في العام الماضي وجدت كتباً عجيبة فرحت بها، وما كنت أظن أن احداً في هذا العصر من يعنى بها هذه العناية، وذلك مثل موسوعة الإقتصاد الإسلامي، ومثل كتب اختلاف المذاهب وتحقيقها، ومنها الدراسات الفكرية الجديدة، التي تناولت قضايا اجتماعية واقتصادية، حول المجتمعات الإسلامية المتحدة المتعاونة.
( سماحة الدكتور ممكن أن نعرف أهم الإنجازات لمجمع الفقه الإسلامي، التي تحققت منذ بداية التأسيس ولو بشكل مختصر؟
( إنجازات المجمع تتحدث عنها الآثار التي صدرت عن المجمع. اولاً: قبل الآثار أريد أن أشير إلى أن كثيراً من المشاكل التي تتعلق بالمستجدات، وبمعالجة القضايا الفقهية وطريق التوصل إلى معرفة الرأي فيها يحتاج منا دائماً إلى أن يكون من بين الأعضاء في المجمع رجال ذوو اختصاص غير فقهي، ذوو اختصاص علمي، سواء كان في الطب أو في الهندسة أو في المجالات الحياتية الاخرى؛ لأن هؤلاء أعرف بقضايا المجتمعات الإنسانية منّا، لأنهم يمارسونها، ولأنها في صميم تصوراتهم ودراساتهم، ومن أجل ذلك عندما يعرض علينا أمر من هذه الأمور، من قبيل قضايا أطفال الأنابيب، لا يستطيع الفقيه وحده أن يفكر في ذلك، ينبغي أن نعرف من الطبيب، من الاستاذ في علم الطب، ماهو معنى اطفال الأنابيب؟ وماهي الطرق إلى التوصل إلى تحقيق هذه الغاية؟ وهل هذا مشروع او غير مشروع؟ هنا يأتي دور الفقيه وتكون القضية مبحوثة من طرفه ، لكن بالإستعانة بالخبراء، حتى ينيروا لنا سبيل التوصل الى القاعدة أو الحكم الشرعي. المجمع متكون من ثلاث شعب شعبة الفتوى وشعبة الدراسات والبحوث وشعبة التخطيط. شعبة التخطيط تختار الموضوعات وتنظر في الأولويات، وتبحث عن اصحاب الأختصاص.
الشعبة الثانية وهي شعبة الفتوى ، تقوم بالرد على استفتاءات الناس التي ترد على المجمع ففي خلال السنة يأتي الناس يستفتون في كثير من القضايا ، ونجد أن هذه القضايا مطروحة بالفعل وتحتاج إلى جمع لجنة الفتوى. نعم ليس كل اعضاء لجنة الفتوى قادرين على الحضور، لاننا لم نلزم أحداً بلجنة معينة. لماذا ؟ لأن الفقيه يريد أن يشارك في البحوث، ولأن رجال التخطيط يعرفون ماهو الأولى، والأوكد، فيريدون أن يكونوا مع الفقهاء ومع الدارسين والباحثين للتوجيه الى تلك المهام، ولذلك فهي وإن كانت منفصلة عن بعضها البعض لكنها تحتاج الى الجمع والإتصال، وهذا يكون بعد إعداد مايرونه وعرضه على المجمع في دورته.
اللجنة الثالثة هي لجنة البحوث والدراسات. بجانب هذا نحن نعني بالنشر، نشرنا من المجلة اربعة عشر مجلداً، وكل عدد اما اربعة اجزاء أو ثلاثة ، بحيث بلغ مجموع الاجزاء اثنين واربعين جزءاً.
وهذه الاجزاء تحوي جلسات المجمع، والبحوث، والمناقشات التي دارت حولها، كما تجد عمل لجان التقرير ، ولجنة الصياغة. بالنسبة للمقررين تجتمع آخر كل دورة لإستعراض ماقيل في الجلسات كلها، وضبط الأحكام وضبط الصيغ. الحكمية أو الشرعية، وهذا يجري فيه النقاش ايضاً بحيث هي غنية بما اشتملت عليه، ولا أقول كافية؛ لأن هذه الامور تحتاج إلى مدد عظيم ونحن لسوء الحظ، امكانياتنا قصيرة والعين بصيرة، كما يقولون، ونحتاج من جهة أخرى الى التنقل، والى الإتصالات ، ولذلك مع مافيها من المشاق والمتاعب أريد دائماً، وهذا واجب علي، التواصل مع العلماء، أينما وجدوا، حتى تتراص الصفوف، ونحقق معنى التقارب، الذي يقوم عليه مجمع التقريب بين المذاهب ومع هذا العدد الذي اشرت عليه بالنسبة لكل دورة، هناك بعض الكتب نشرناها لأصحابها، باسم صُيّاغ المجمع، كل واحد يختص في كتاب؛ يعني واحد يختص في أصول المقاصد الشرعية، والآخر في تحقيق بعض الكتب والرسائل الفقهية الغير مطبوعة والغير موجودة، وبذلك تنتعش حركة التعاون بين العاملين في المجمع.
( سماحة الدكتور كيف الوصول الى تفعيل إنجازات مجمع الفقه الإسلامي في الحياة الإجتماعية للمسلمين؟
( شكراً لك على هذا السؤال، وهو السؤال الذي يتهرب منه كل إنسان، هذا السؤال بالمعنى العملي يعني لملمة الجهود ولا ينبغي أن تضيع، وأنها تنتقل من النظر والدرس الى مجال التطبيق، ومجال التطبيق إذا كان العمل فيه راجعاً إلى قضية من قضايا الفقه المعروفة المبسوطة في الكتب، فإنه يمكن أن يشار إلى المذاهب المختلفة مع أدلتها، بهذا الاسلوب نحفظ حق المسلمين، فيما يتخذونه من قرارات. أما إذا كانت القضايا مستجدة فانها تحتاج إلى درس وتحتاج إلى فكر، والذين يسارعون إلى دراساتهم من اهل الاختصاص، هؤلاء الذين ينيرون سبيل الناس، ويصدرون تلك الدراسات لكل الفقهاء وغير الفقهاء وللمستفتين وللباحثين عن أسرار الشريعة، ولكنهم لا يلزمونهم . نحن ليس عندنا صفة إلزامية بدليل أن الفقه كله من هذا النوع، هذا الجانب الإرشادي لكن الغير وضعي. الجانب الأرشادي العلمي الذي لا يبحث الإنسان بعده عن رأي الآخر، لأنه لابد أن يكون مقتنعاً لأن الإقتناع يأتي من إجماع لا من آراء فردية، ولذلك فالصفة الأساسية للمجمعين هو أن يكون عملهم جماعياً، وبهذا يتم الإستغناء عن الفتوى الفردية، والفتاوى الفردية ذهبت مع الزمن. نعم إن الفتوى الفردية لازلنا نرجع إليها لأهميتها، ولأن كل مذهب اعطى ماعنده من آراء، ومن تصورات لا يستطيع احد من الناس أن يقول: إنها باطلة، ولكنه عندما تأتي القضية وتأتي اللجنة فتنظر في الموضوع الذي لم يبحث، ولم يقدم فيه حكم، عندها يجتمعون ويتناقشون، ويبحثون القضية للتوصل الى الحكم الشرعي.
والمسلمون نرجو لهم خيراً ماداموا على إيمانهم وإسلامهم، وماداموا متمسكين بهذين المصدرين الكتاب والسنة، وماداموا يعلمون أنهم مسؤولون عن الالتزام بشريعة ربهم والإلتزام لايكون الاّ بالأخذ بالآراء التي ضبطها العلماء قديماً، أو بالاراء التي تتصل بالممستجدات، ويقوم بها العلماء في مجاميعهم، أو في لقاءاتهم العلمية الشرعية.
( لكي لا أثقل عليكم اكثر من هذا أحب في نهاية هذا اللقاء أن أسأل سؤالاً، بإعتبار سماحتكم شخصية لها باع طويل في العمل الإسلامي والفقهي ، أحببت أن أعرف ماهو تصوركم عن مدى النجاح الذي تحقق في مجال التقريب في هذه الظروف، العصيبة التي تعيشها كافة البلدان الاسلامية؟
( إذا أردنا أن نقول صدقاً، أولاً أنني لست شخصية لامعة، كما ذكرتم، وهذا تفضل منكم، إنما احاول قدر الطاقة ككل باحث، والباحث لا يمكن أن يكون له رأي ثابت؛ لأنه قد يتغير بحسب الظروف والأَحوال، وبحسب إملاءات المجتمع الذي يعيش فيه، فهذه القضية أساساً تجعل قضية التقارب أو موضوع التقارب مسألة في غاية الصعوبة، والدور الذي يقوم به مجمع التقريب بين المذاهب دور طلائعي، ويشكر عليه من أذن بتأسيسه، كما يشكر عليه العلماء الذين بذلوا في سبيله الجهود الكبيرة، ويشكر عليه العلماء المجتمعون اليوم، والذين يلتقون في كل دورة في الحديث عن القضايا الجارية أو المصيرية بالنسبة للمجتمع الإسلامي . فأنا أرى أن هؤلاء العلماء الذين عرفتهم على الأقل هنا في ايران، في درجة من الرشد والجد والاستقامة ، وان مايكتبونه أو ينشرونه، ينشدون من ورائه الحقيقة لا تقريب هذا الرأي أو البعد عن ذلك الرأي. لم يبق من مستع للخصومات، فهذا يجعلني أستبشر، وأؤمن بأن لهذا الأمر غداً، وهذا الغد سيكون قريباً إن شاء الله. إذا ما تراصت الصفوف وأخذ كل واحد من العلماء بشيء من الحكمة مناقشة الموضوع الذي يطرح عليه، لكي لا تتفرق السبل، على أن تفرق السبل ليس معيباً في ذاته، لأن العالم الذي لا يقبل من غيره، فهذا الرجل ليس قادراً في أن يمضي في هذا السبيل. فالمضي في هذا السبيل هو بحث القضايا مهما اختلفت والانتقال من ذلك البحث الى اختيار الراي الصالح. لماذا أقول هذا؟ لأن الناس في المستجدات يختلفون، واحد يقول برأي أپي حنيفة والأخر يأخذ برأي الظاهرية، والآخر يقول أنا أتمسك بالسنة الى ما قاله الإمام أحمد، هذه الآراء لا نستطيع دفعها. هؤلاء العلماء من اكبر العلماء، أئمة في الإجتهاد وفي ايران عدد، كبير من العلماء، يكفي الرصيد الذي تركوه في الماضي ثم ما أضيف اليه في الحاضر من جهود عملية وعلمية، عندما ننظر في هذه القضايا نجد أن الإختلاف لا يفسد في الود قضية - كما قالوا - وإذا كان لا يفسد في الود قضية فهو مطلوب. لماذا؟ للتحققق من الحكم الشرعي، للتحقق من الرأي الفقهي، الذي ينبغي للمسلمين عامة أن يأخذوا به، وهذا هو معنى التقريب. عندما أقول مثلاً الحكم الشرعي في قضية القنوت، أجد جماعة يقنتون في الفجر، والآخرون يقنتون في الوتر، والذي اختار الوتر لحديث ولنص، والذي إختار الفجر لحديث أو النص، والذين لم يختاروا لا الفجر ولا الوتر، ربما أخذوا بأشياء كثيرة. أعني نحن رأينا كم مرة الناس يقنتون مثلاً في العصر أو في المغرب أو في العشاء، فهذه هي داخلة في إطار الفكر الاجتماعي السياسي، هو الذي أملاه، ونحن لا نستطيع أن نرد الناس عن تصوراتهم، حين يكونون عمليين وملتزمين بدينهم، وأظن يوجد في البحوث التي نشرت في مجلة رسالة التقريب بين المذاهب، والتي سبقتها مجلة الإسلام كثير من الأعمال العلمية. يكفي أن نرجع الى فتاوى الإمام الخميني نجد فيه الضالة المنشودة، وهو عندما يوجه في احكامه الشرعية فهو يستند إلى الأصول التي نؤمن بها جميعاً، وهو يعرف الظرف والأطار الذي نحن فيه فيتجه الى الحكم بما يناسب ذلك الظرف.
( شكراً لكم سماحة الشيخ
( لا يسعني في نهاية هذا الحديث الاّ أن أشكر المشرفين على المجلة وما يقومون به من جهود تنير لقرائها السبيل في كثير من القضايا وعلى الأقل إذا كانوا مخالفين فهي تثير فيهم حب البحث والنظر في باقي القضايا، والمثال الذي اعرفه والذي استطيع أن استشهد به هو سماحة أية الله الشيخ محمد علي التسخيري، لأني عاشرته ووجدت فيه مناقب كثيرة، فهو إذا تكلم سكت الناس، لأنهم يعرفون بأن الرجل لا أقول لا يماري نحن لسنا في مقام المماراة، لكنه لا ينطق إلا عن تصور صادق واعتقاد صحيح، في كل ما يسير عليه، ولهذا اشكركم جميعاً واشكر لجنة المجلة وهيئة التحرير وأرجو أن لا نُحرم من كل مايصدر منها.
رسالة التقريب/ العدد 38/ صيف 1424/55