رثــاء
ملعون من أيقظها
الدكتور محمد سليم العوّا
ما إن وقعت جريمة اغتيال الشهيد محمد باقر الحكيم، ومن استشهد معه، وأصيب، من المؤمنين المصلين في مسجد الإمام علي (رضي الله عنه)، حتى ارتفعت أصوات مجهولة تنسب الحدث الشنيع إلى أشخاص ينتمون إلى تنظيم القاعدة، وإلى ما أسمته بالمذهب الوهابي، وجمعت في التهمة بين سعوديين وعراقيين وأردنيين وفلسطينيين، وأشخاص وصفتهم بأنهم من جنسيات عربية أخرى!
وادعت وكالات الأنباء والصحف التي نشرت هذه المزاعم أنها تصريحات مصادر أمنية عراقية لم تشأ الكشف عن هويتها! ولم تشأ أيضاً أن تكشف عن أسماء المعتقلين الذين قالت إنهم اعترفوا تفصيلاً بارتكاب الجريمة، ولم توزع صوراً لهم لتثبت ما تدعيه، ولو بأوهن دليل!
ونشر بيان قيل إنه صدر عن "المراجع الشيعية" في النجف الأشرف يعلن أنه إذا ثبت أن مرتكب الجريمة الشنعاء منتم لمذهب مخالف للمذهب الشيعي، وأن سبب الجريمة هو العصبية المذهبية فسيكون لذلك عواقب وخيمة يصلى بها أولئك المتعصبون الذين لا يطيقون أن يكون هناك مخالف لهم في الفهم والرأي ولو كان مسلماً صحيح الإسلام.
وهكذا تجمعت بذور الفتنة، في جوّ مشحون بالتوتر من كل نوع، ولم يكن ينقصه، لتحقيق مآرب الاحتلال، إلا التوتر الطائفي، فليس في تاريخ العراق الحديث، كله، واقعة واحدة لفتنة أو صراع بين سنة العراق وشيعته، وقد قتل علماء الفريقين، وسجن مجاهدوهم، وهجّر إلى خارج العراق زعماؤهم على يد الحكم البعثي في خلال العقود الأربعة الأخيرة.
والنظر الصحيح إلى جريمة اغتيال الحكيم ورفاقه، يجب أن يأخذ في اعتباره موقع آية الله محمد باقر الحكيم في المعادلة السياسية العربية - لا العراقية وحدها - ومشروعه السياسي، وتوجهه المعلن، من قبل عودته إلى العراق، نحو تأكيد مكانته المرجعية وترك العمل التنظيمي السياسي، للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، لكوادر شابة مدربة ومتخصصة فيه.
السيد محمد باقر الحكيم، رحمه الله، كان أحد أكثر الأصوات قبولا في الشارع العربي والإسلامي، ودعوته الإسلامية الأولى كانت دعوة التقريب بين الفرقتين الإسلاميتين العظيمتين: السنة والشيعة، وكان يرى أن أحياء الخلافات، وبعث العصبية العرقية أو المذهبية، كلاهما خطيئة يجب أن يتصدى لها العلماء والحكام والمفكرون المخلصون لإنقاذ الأمة العربية والإسلامية مما تعانيه على أيدي أعدائها وعلى أيدي جهلة أپنائها أيضاً. وكان العدو الذي يوجّهُ نحوه سلاحه الفكري والدعوي والسياسي هو الطغيان المحلي، الذي صنعته الولايات المتحدة ولم تزل تؤيده وتقويه وتدفع الدم في عروقه، ليقضي على النهضة الإسلامية المتقدة في العراق ثم في المنطقة الخليجية كلها، لاسيما بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران. فلما أخفق في هزيمة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولم يستطع أن يقوّض سلطان المرجعية الدينية أو ينال من مكانتها في العراق، وتعجل - بإذن أمريكي أو بغير إذن - تنفيذ الخطة الأمريكية للسيطرة على منابع النفط في المنطقة الخليجية كلها، رأت اليد الأمريكية التي صنعت ذلك الطغيان المحلي أنه قد آن الأوان للقضاء عليه. وهكذا كانت الحربان الأمريكيتان ضد العراق، وكانت نتائجهما المعروفة للكافة.
ولم يفت السيد محمد باقر الحكيم في أية مرحلة من مراحل جهاده أن ينبه إلى العلاقة بين الطغيان المحلي وبين الاستكبار العالمي الأمريكي، الذي صنعه وغذاه وقواه، وإلى أن تلك القوى العالمية هي العدو الحقيقي الذي سيتعين على المسلمين مواجهته اليوم أو غداً.
وهكذا اكتسب آية الله محمد باقر الحكيم موقع الزعامة الصادقة لدى الشارع العربي كله سنته وشيعته، وموقع الزعامة الحكيمة التي لا تغالي ولا تفرّط ، وإنما تزن الأمور بموازين المصلحة الإسلامية والمصلحة الوطنية، وتتشاور في إخلاص مع ذوي الرأي، ثم تعلن الموقف الذي تجده الغالبية من الناس معبراً عن أمانيها ومترجماً لتوجهاتها.
لما اقترب موعد سقوط نظام صدام حسين بدأ السيد محمد باقر الحكيم يعلن نيته في التفرغ، بعد العودة إلى العراق، للعمل الديني في ساحات المرجعية الشيعية، بما تتولاه من أعباء تعليمية وثقافية واجتماعية واقتصادية تمثل مواقف بالغة التأثير في الحياة الإسلامية بعامة والشيعية بخاصة، وذلك هو الذي بدأ في ممارسته فور عودته إلى العراق، وأحس الناس فوراً بأثره ونتائجه.
قبل مشروع السيد محمد باقر الحكيم، رحمه الله، عرف العالم العربي ثلاثة مشاريع إسلامية تلتف حولها الأمة، وتناصرها، وتدعو لها، وتعتبر كل نصر تحققه نصراً للكافة، وكل خسارة تمنى بها خسارة للأمة كلها. تلك هي: حزب الله في لبنان، وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وتنظيم الجهاد الإسلامي في فلسطين. فأما حزب الله فقد حقق أعظم نصر عربي على العدو الصهيوني فأخرجه متخفياً بليل، مهزوماً بالرعب، من الأرض اللبنانية المحتلة. وسيخرجه - إن شاء الله - من مزارع شبعا الباقية تحت الاحتلال إلى الآن.
وأما حماس والجهاد الإسلامي فهما تجاهدان في الله حق جهاده ضد العدو الصهيوني، وتكبدانه من الخسائر مالم تكبده إياها، أو دونها، الجيوش العربية مجتمعة. لا أعني بالخسائر هنا الخسائر المادية عدّة وعتاداً وأفراداً، ولكنني أعني بها الخسارة المعنوية المتمثلة في الشعور المطلق بالعجز، عن هزيمة المقاومة والقضاء على روحها، وهو الشعور الذي أدى - لأول مرة منذ الاحتلال الصهيوني - إلى هجرة مضادة من فلسطين إلى خارجها. وحماس والجهاد - لذلك - يمثلان تحدياً حقيقياً للأنظمة العربية والقيادات السياسية، وتقدمان نموذجا للعمل الشعبي ضد العدو: العمل القابل للتكرار بلا نهاية، القادر على الانتصار مهما طال المدى. وهما - لذلك - تحاربهما، علانية أو سراً، كل الحكومات العربية أو جلها تحقيقاً للمطلب الأمريكي - الصهيوني بالقضاء على كل مقاومة عربية قائمة أو يمكن أن تقوم!
الإضافة النوعية التي قدمها مشروع السيد محمد باقر الحكيم كانت إمساك القيادة الدينية السياسية بزمام المبادرة، وتقريرها أن تحدد هي وقت المواجهة مع الاحتلال الأمريكي للعراق، وتقديمها ضرورة لم الشمل العراقي، وتضميد الجراح التي خلفها الظلم البعثي قبل دعوة الناس إلى المقاومة المسلحة للعدو.
وقد فعل محمد باقر ذلك دون أن يكف عن انتقاد قوات الاحتلال وتحميلها مسؤولية الفوضى التي أصابت الحياةفي العراق منذ إسقاط صدام وحكومته، ولم ير خطراً ولا بأساً في المشاركة في مجلس الحكم الانتقالي والحكومة التي عينها (وُلِّيَت بعد استشهاده)، وهما يصنعان على أعين الأمريكيين وبأيديهم، لأن التزام الكوادر السياسية الشيعية بقرار المرجعية، أيا كان وفي أي وقت، أمر لا ريب فيه، ومصلحة الوطن وحقوق أپنائه نصب عين هذه المرجعية تحت كل الظروف.
واستطاع السيد محمد باقر الحكيم أن يصنع - في الواقع العراقي - بداية مشروع شعبي قابل للانتصار، على غرار المشاريع الشعبية الثلاثة لحزب الله وحماس والجهاد. ولم يكن قبول ذلك، أو انتظار تحققه، أمراً ممكناً بالنسبة للأمريكيين، ولا بالنسبة للصهاينة الذين يعملون اليوم في العراق بكل حرية تحت المظلة الأمريكية - البريطانية.
فكان اغتيال الحكيم، لإجهاض مشروعه كله، هو الحل الأمثل بالنسبة لهؤلاء جميعاً، وكان إلصاق التهمة - بلا دليل - بتنظيم القاعدة، وبعرب سنيين من جنسيات شتى، بزعم أنهم ينتمون إلى ما أسمته المصادر المجهولة بالمذهب الوهابي، سبيلاً إلى صنع فتنة تقضي على الفريقين معاً السنة والشيعة، وتترك العراق، ومن ورائه العالم العربي - بل والإسلامي - ساحة صراع يرتدي رداء المذهبية والطائفية، ويمكّن الصهيونية والمحتلين الأمريكيين من السيطرة التامة على كل بقعة من أرض العرب فيها أمل لمشروع نهضة جديد أساسه الدين ومحركه الإيمان وسلاحه اليقين الذي لا ينهزم ولا يضعف.
لقد نفى زعماء السنة والشيعة في العراق وخارجه أي شبهة لدافع مذهبي أو طائفي في جريمة اغتيال الشهيد الحكيم. وتحدث في ذلك بأفصح لسان، وأجلى بيان، سماحة السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله في لبنان، في حفل تأبين الحكيم يوم 4 رجب 1424 = 1/9/2003 في بيروت، وكأنما تحدث بلسان العرب جميعاً والمسلمين كافة. والذين يعرفون العلاقات القوية الجامعة بين القيادات الدينية والفكرية السنية والمرجعيات الشيعية يوقنون بأن الفتنة المراد إيقاد نارها لن تحرق في النهاية إلا محركيها، وهم جميعاً متفقون على أن موقظ الفتنة - فضلاً عن صانعها - ملعون؛ وهو العدو الحقيقي الذي يجب أن نحذره جميعاً ونواجهه معاً.