رسالة التقريب / شتاء 1424 / العدد 40

الملف         

 

مشروعية رمي الجمرات قبل الزوال أيام التشريق  

 

 أ.د. عبد الوهاب ابراهيم ابو سليمان

عضو جماعة كبار العلماء (السعودية)

  

رمي الجمرات أيام التشريق: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، بين شعائر الحج ومشاعره واجب من واجبات النسك، وهو الأضيق  مكاناً والمحدود زماناً. أما المكان: فبرغم إزالة كافة المباني في منطقة الجمرات فإن مساحة الرمي لاتزال محدودة بالغة ما بلغت مقابل الأعداد الكبيرة من الحجاج بحيث بلغت، وستبلغ أرقاماً فلكية بالملايين، قد تكون إقامة مشاريع رأسية كالجسور المتعددة الأدوار حلاً لجانب من المشكلة، لكن محدودية الساعات من الزوال الى الفجر الذي يلتزم به جمهور العلماء المتقدمين يظل ذلك الحل قليل الجدوى، يتطلب مع ازدياد الأعداد زيادة عدد الجسور في حين لو أخذ بقول المذاهب والفقهاء الذين يرون اجتهاداً في فهم النصوص أن بداية الرمي هي من طلوع الفجر إلى طلوع فجر اليوم بعده، هو الذي يمثل حلاً حقيقياً لمحدودية الزمان لتحقق الكثير من السلامة والراحة، ولتوفّر الكثير من الجهد والمال، والمحافظة على بيئة منى المشعر. وقد تبرز  الصورة كاملة لما يتعرض له الحجاج اثناء تدفقهم لرمي الجمرات في مقدمة (إحصائية الإصابات) لعدد من السنين، منها على سبيل المثال ما حدث بعد ظهر يوم الثاني عشر من ذي الحجة عام 1418 هـ عند المدخل الشرقي لجسر الجمرات من الناحية الشمالية ذهب ضحيته مائة وثمانية عشر حاجاً. عدا الإصابات الخفيفة والخطيرة، وقد جاء في مقدمة تلك الإحصائية والتقرير بأنه "لابد من حسبان أن منطقة الجمرات (منطقة كوارث متوقعة) تستوجب التركيز عليها بصفة خاصة من الجهات ذات العلاقة بإدارة الكوارث في الحج"(1) . أصبح هذا واقعاً متكرراً بنسب متفاوتة في مواسم الحج. محدودية الزمان من الزوال إلى الفجر أحد أهم أسباب المشكلة أمام الرغبة المتزايدة. والتسهيلات الكبيرة لأداء فريضة الحج من عموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها تحقيقا لدعوة ابراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام. ولا تملك حكومة المملكة إلاّ أن تلبي وتتجاوب مع رغبات المسلمين، إذ تعتبر هذا واجباً ، ومهما يتم من مشاريع على ارض هذه الشعيرة المحدودة المكان  والزمان فإن الفتوى الشرعية هي حجر الزاوية في إيجاد الحل المناسب، مع التنظيم الدقيق لتفويج الحجاج لأداء شعيرة الرمي. ليس الاختلاف في زمان رمي الجمرات ابتداء بدعا من قضايا الفقه الاسلامي، والممهم هو الاستفادة من هذا الخلاف في القضايا الشائكة، وبخاصة ما ينتج عن الالتزام فيه برأي معين حرج على المسلمين، فضلا عن إزهاق الأرواح، والإصابات الخطيرة. معلوم لدى عموم المسلمين رأي الجمهور ان ابتداء رمي الجمرات أيام التشريق: العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر عند زوال الشمس، ينتهي بنهاية الليل قبل طلوع الفجر، وهذا معلوم لدى العامة من دون حاجة الى فتوى ، أو قرار، وقد عهدنا في الزمان الغابر، والسنين الخالية ذهاب النساء والعجزة الى الرمي بالليل بعد العشاء، فهذا من معلومات الحج بالضرورة. أدلة جمهور العلماء القائلين بابتداء الرمي بعد زوال الشمس كما أجملها العلامة موفق الدين ابن قدامة رحمه الله: "ولنا: أن النبي (ص) انما رمى بعد الزوال: لقول عائشة (رض): (يرمي الجمرة إذا زالت الشمس) وقد قال النبي (ص) "خذوا عني مناسككم"، وقال ابن عمر (رض): كنا نتحين إذا زالت الشمس رمينا وأي وقت رمي بعد الزوال أجزأه، إلا أن المستحب المبادرة إليها حين الزوال، كما قال ابن عمر، وقال ابن عباس (رض): "إن رسول الله (ص) كان يرمي الجمرات إذا زالت الشمس قدر ما اذا فرغ من رميه صلى الظهر" رواه ابن ماجه. والنبي (ص) يوم النحر لما دخل وقت الرمي لم يقدم عليه شيئاً من عبادات ذلك اليوم. وأيضا: فإن الترمذي ، وابن ماجه رويا في سننهما عن ابن عباس (رض) "كان رسول الله (ص) يرمي الجمار إذا زالت الشمس ". زاد ابن ماجه: "قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر"، وقال الترمذي حديث حسن(2) .

وفي توضيح فعل النبي (ص) لهذه الشعيرة في هذا الوقت (الزوال) بعينه، وأثره في استنباط الحكم يقول العلامة شمس الدين أپو عبد الله محمد بن عبد الله الزركشي الحنبلي رحمه الله: "وفعله (ص) خرج بياناً لصفة الرمي المشروع، لاسيما وقد عضده ما روى جابر (رض) قال "رأيت رسول الله (ص) يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول لنا: خذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه" رواه مسلم وغيره، وهذا أمر بالاقتداء به: فإن فعله ورد بيانا لمجملات الحج.." (3) .

هذه الأدلة مجموعة مدار استدلال كل من يذهب للأخذ بهذا الرأي، وللأخذ به في الماضي أسباب لا تخفى على المتفقهين، وأصحاب الحل والعقد في الأمة، حيث لم تصل أعداد الحجاج إلى ما قبل أربعة عقود من الزمن ما تصل إليه في الوقت الحاضر، برغم المحافظة على النسب المقررة على كل بلد إسلامي بما في هذا المواطنون والمقيمون في المملكة.

فالقول بجواز الرمي قبل الزوال لابد له من التقديم ببعض المسلمات الفقهية لهذا الرأي:

أولا: انه لا يجرؤ مسلم فضلاً عن فقيه أن يصادم بقوله، أو بقول الآخرين نصاً صريحاً قطعي الدلالة من الكتاب أو السنة.

ثانياً: أن النبي(ص) حج مرة واحدة هي حجة الوداع وبرغم هذا فقد تعددت أقوال الفقهاء واختلفت في فقه المناسك.

مرد هذا الاختلاف هو الفهم والاستنباط.

ثالثاً: حديث جابر (رض) حكى حجة النبي (ص) جملة وتفصيلا وهو محور الاستدلال في فقه المناسك.

رابعا: اختلف الفقهاء في فقه المناسك وكان للاستنباط والاجتهاد دور كبير، وأسسوا على هذا قاعدة تعد القاعدة الذهبية في هذا الموضوع هي (ما فعله الرسول(ص) هو الأفضل وغيره فاضل) ، أعطت هذه القاعدة مجالاً واسعاً في الاجتهاد المرن المبني على متابعة النبي(ص) وافساح المجال للاستنباط المبني على القواعد الشرعية العامة والخاصة، والمقاصد الشرعية.

خامساً: قرر مجلس هيئة كبار العلماء بالأكثرية "جواز الرمي ليلاً عن اليوم السابق بحيث يمتد وقت الرمي حتى طلوع فجر اليوم الذي يليه دفعاً للمشقة التي تلحق الحجاج في الزامهم بالرمي فيما بين الزوال وغروب الشمس عملاً بقول الله عزوجل (يريد الله بكم اليسر) وقوله سبحانه (وما جعل عليكم في الدين من حرج). وقول النبي(ص) (يسرو ولا تعسروا) ولعدم الدليل الصحيح الصريح الدال على منع الرمي ليلا..". هذا ماجاء في الفقرة الثالثة من القرار رقم 129، وتاريخ 7/11/1405 هـ . هذا الاستدلال صحيح في التمديد للوقت من الآخر، هو نفسه ينطبق على توسيعه بداية، فقد ثبتت المشقة إحصاء، وتعدادا، وتكراراً على مدى سنوات متوالية، ولم يوجد دليل صحيح صريح على منع الرمي من بداية النهار، وإنما هي اجتهادات من الفقهاء، لها أسبابها وظروفها الماضية، وقد تغيرت هذه الأسباب والظروف فأصبح القول المرجوح في الماضي راجحا في الوقت الحاضر.

 

سادساً: من القواعد الفقهية المسلمة، المتفق عليها:

(أنه لا ينكر تغير الأَحكام بتغير الزمان).

اعترافا بهذه القاعدة الفقهية المسلمة لدى الفقهاء المتقدمين منهم والمتأخرين يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: (ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم، وعوائدهم . وأزمنتهم، وأمكنتهم، وأحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم، وعوائدهم، وأزمنتهم، وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على ابدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل، وهذا المفتي الجاهل أضر ماعلى أديان الناس وأپدانهم..) (4) . القائلون بجواز رمي الجمرات قبل الزوال أيام التشريق: ذهب الى جواز رمي الجمرات الثلاث أيام التشريق الثلاثة قبل الزوال عدد من الأئمة والفقهاء قديما وحديثا، فمن الأئمة والفقهاء الأوائل: الامام الباقر محمد بن علي(ع)، وعطاء، وطاووس، والامام ابو حنيفة في احدى الروايتين عنه، ومن الشافعية العلامة الرافعي والاسنوي، ومن الحنابلة العلامة ابن الجوزي، وابن عقيل الحنبلي، والزيدية وبعض المذاهب الاسلامية.

 

في مايلي عرض لآرائهم واستدلالاتهم:

مذهب الإمامين: عطاء وطاووس رحمهما الله.

اشتهر هذا الرأي وهو جواز رمي الجمرات الثلاث قبل الزوال أيام التشريق أكثر ما اشتهر عن الإمامين عطاء وطاووس رحمهما الله تعالى، وقد تناقلته معظم المصادر الفقهية العامة، والخاصة بفقه المناسك في العبارة: "وقال عطاء وطاووس: يجوز في الثلاثة قبل الزوال" (5)  الرواية عن الإمام ابي حنيفة (رض) فقد روي عنه: "ان الأفضل ان يرمي في اليوم الثاني والثالث بعد الزوال، فإن رمى قبله جاز، وجه هذه الرواية: أن قبل الزوال وقت الرمي في يوم النحر، فكذا في اليوم الثاني والثالث: لأن الكل أيام النحر.." (6) . "قال في اللباب: وقت رمي الجمار الثلاث في اليوم الثاني والثالث من أيام النحر بعد الزوال فلا يجوز قبله، وقيل يجوز، والوقت المسنون فيهما يمتد من الزوال الى غروب الشمس، ومن الغروب الى الطلوع وقت مكروه..." (7) . يقول العلامة ملا علي القاري رحمه الله في توجيه قول  أبي حنيفة:

"فحمل الرمي من فعله (ص) على اختيار الأفضل كما ذكره صاحب الملتقى ، والكافي، والبدائع وغيرها ، وهو خلاف ظاهر الرواية.." (8) . ومن الشافعية الإمام الرافعي رحمه الله تعالى اعتمادا على رواية عن الامام الشافعي رحمه الله تعالى مع الكراهة، ذكر هذا العلامة الشيخ محمد سليمان بن حسب الله المكي قائلا: "وقيل يصح رمي الحاضر (أي اليوم الحاضر) قبل الزوال مع الكراهة، وجزم به الرافعي كالإمام، واعتمده الإسنوي وقال انه المعروف مذهبا، قال في التحفة: وعليه فينبغي جوازه من الفجر..." (9) .كما يذهب أيضا الى الجواز من الحنابلة الإمامان ابن الجوزي، وابن عقيل الحنبلي رحمهما الله وهو ماذكره العلامة الفقيه برهان الدين ابراهيم بن مفلح في قوله: "(ويرمي الجمرات بها (منى) في أيام التشريق بعد الزوال) نص عليه، ويُسنُّ قبل الصلاة.

وجوزه ابن الجوزي قبل الزوال، وفي الواضح بطلوع الشمس إلى ثالث يوم.."(10) .. وقال ابن عقيل في الواضح: ويجوز الرمي بطلوع الشمس إًلى ثالث يوم، وأطلق في منسكه أيضا: "أن له الرمي من أول يوم، وأنه يرمي في اليوم الثالث كاليومين قبله، ثم ينفر".

مذهب الزيدية والشيعة الإمامية:

أخذ بمذهب الامام أپي جعفر الباقر(ع) كل من الزيدية والشيعة الإمامية، فمن ثم يبتدي عندهم وقت رمي الجمرات أيام التشريق الثلاثة من طلوع فجر ذلك اليوم، أما نهايته فثمة قولان:

الأول: آخره فجر اليوم الثاني وهو الراجح.

الثاني : غروب شمس ذلك اليوم.

فليس من المبالغة في شيء ان يقال: ان معظم الفقهاء  في العصر الحاضر يذهبون مذهب الجواز لرمي الجمرات قبل الزوال في ايام التشريق الثلاثة، وهو ما صرح به الكثيرون في كتاباتهم حول هذا الموضوع، ومن خلال المقابلات والندوات العلمية، لا يتسع المجال هنا لذكر اسمائهم، وانما يُستغنى عن ذلك بذكر اسماء بعض البارزين المشهورين منهم، مع عرض اقوالهم واستدلالاتهم، من هؤلاء:

العلامة الفقيه الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله تعالى، العلامة الفقيه الدكتور يوسف القرضاوي، العلامة الفقيه الشيخ عبد الله زيد المحمود رحمه الله تعالى.

رأي الشيخ الزرقا رحمه الله تعالى:

"... اما اليوم الثاني من ايام العيد فالجمهور على ان وقت الرمي فيه يبدأ من الزوال، فلا يصح الرمي فيه قبل الزوال؛ لأنه لا نفر فيه.

ولكن خالف في ذلك الامام الباقر محمد بن علي من آل البيت(ع) (كما في بداية المجتهد) ، وكذلك الامام الناصر من الزيدية (كما في البحر الزخار)، وكذا من التابعين. عطاء وطاووس (كما في نيل الاوطار) فقال هؤلاء جميعا:

ان الوقت في اليوم الثاني ايضا يبدأ من الفجر فيرمي قبل الزوال مطلقا.

وفي قول اخر عند الحنفية ايضا غير القول المشهور: ان اليومين: الثاني والثالث ايضا يجوز الرمي فيهما قبل الزوال.

وعليه يكون في الايام الاربعة كلها مجال للرمي من الصباح قبل الزوال في مختلف الاجتهادات، ولو في غير النفر للمستعجل وغيره، لان في الرمي قبل الزوال تيسيراً كبيراً على الناس حتى على غير المستعجل لاجل النفر، فإن الماكث ايضا قد يحتاج الى التبكير في الرمي، اجتناباً للزحام الشديد، في الحر الشديد، ولا يخفى ان المكلف  عليه ان يتبع احد المذاهب المعتبرة ايا كان منها، ويتقبل الله تعالى عنه؛ فان الدين يسر بنص الحديث الثابت" (11) .

 

رأي العلامة الفقيه الاستاذ الدكتور يوسف القرضاوي:

يذهب العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي الى ان العلاج لمشكلة الاصابات والوفيات الناشئة من تدافع الحجاج في وقت معين لرمي الجمرات ايام منى يكمن في امرين اثنين:

اولا: تقليل عدد الحجاج ما امكن، وخصوصا الحجاج الذين حجوا قبل ذلك حجة  الفريضة.

ثانيا: وهو موضوع البحث، ان "نوسع في زمن الرمي ما وسع لنا الشرع في ذلك، حيث لا نستطيع ان نوسع المكان؛ اذ المرمى صغير كما هو معلوم، ثم لابد ان يكون الرمي من مسافة قريبة حتى يقع الحصى في المرمى ولا يصيب الناس فيؤذيهم.

ومادام العدد كبيرا، والمكان محدوداً فليس امامنا الا توسيع الزمان، وهو اجازة الرمي من الصباح الى ماشاء الله تعالى من الليل.

ثم اضاف قائلا: "ان هذه المشقة التي يعانيها الناس عند الجمار لا يجوز نسبة القول بها الى الشرع.

وبما ان الرمي من واجبات الحج فانه يتمشى مع نظائره من الواجبات مثل: النحر، والحلق، والتقصير، فيدخل بدخولها في الزمان، ويجاريها في الميدان، اذ الكل من واجبات الحج الذي يقاس بعضها على بعض عند عدم مايدل على الفرق، وقد دلت نصوص الشريعة السمحة على ان الصواب في مثل هذه المسألة هو وجوب التوسعة. وعدم التحديد بالزوال، بل يجوز قبله، وبالليل، كما دلت عليه نصوص طائفة من العلماء فلم تجمع الامة ولله الحمد على المنع، ولا على وجوب هذا التحديد، اذ كانوا يردون ماتنازعوا فيه الى الله، والى الرسول (ص) فتبين لهم بذلك كمال دين الله، وحكمة شريعته وكونه صالحا لكل زمان ومكان، وقد نظم حياة الناس احسن نظام في شؤون عبادتهم من حجهم، وصلاتهم وصيامهم.. (12) .

رأي العلامة الفقيه الشيخ عبد الله زيد ال محمود رحمه الله.

الف العلامة الشيخ عبد الله زيد ال محمود رحمه الله تعالى رسالة بعنوان "يسر الاسلام في احكام حج بيت الله الحرام، وفيه التحقيق لجواز رمي الجمار قبل الزوال". ناقش فيه موضوع رمي الجمرات قبل الزوال ايام التشريق مناقشة علمية موضوعية هادئة، ابرز فيها جوانب جديدة في الاستدلال للموضوع تستحق التنويه والعرض، يهتم البحث هنا بعرض اهمها بايجاز:

1- نفي وجود حديث صحيح، او حسن، او ضعيف يأمر بتحديد الرمي بين الزوال الى الغروب حتى نلتزم العمل به طاعة لله ورسوله، ومع عدمه فلا يجوز، فانه لايجوز لنا ان نسمي ماقبل الزوال وقت نهي بدون ان ينهى عنه رسول الله(ص) وغاية الامر انه مسكوت عنه رحمة بالناس، كما في الحديث: ان النبي(ص) قال: "ان الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم اشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن اشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها".

2- الاستدلال بفعل النبي (ص) في رمي الجمرات ايام التشريق ينبغي ان يؤخذ نفس الحكم في نظائر افعاله (ص) في سواه، مثلا: طواف الافاضة يوم العيد، والنحر يوم عيد الاضحى، لم يقل احد بوجوبها يوم العيد، وكذلك حلق رسول الله (ص) ضحى يوم العيد، لم يقل احد بوجوبه في الوقت نفسه.

العلماء متفقون بأن وقت هذه وقت موسع تفعل في اي ساعة، واي يوم من ايام التشريق من ليل او نهار.

"كذلك الرمي اذ هو نظيرها في الحكم والوجوب، اذ ليس عندنا ان رميها فيما بين الزوال الى الغروب كان على المؤمنين كتاباً موقوتاً.

كيف والنبي (ص) خطب الناس يوم العيد، وخطبهم في اوسط ايام التشريق، وجعل الناس يسألونه فما سئل عن شيء من التقديم والتأخير الا قال: "افعل ولا حرج" وهذا النص قاطع للنزاع، ودافع للخلاف الى مواقع الاجماع" (13) . على ان هذا فعل، والفعل لا يقتضي تحديد المفعول فيه بمجرده، لكون الافعال الصادرة من رسول الله (ص) موقوفة على دلائلها، فما كان منها للوجوب، او الاستحباب، او الاباحة صيّر اليه" (14) .

3- الاستدلال بحديث (لتأخذوا عني مناسككم) وان الرمي بعد الزوال من المناسك التي فعلها رسول الله( ص) والتي امر ان تؤخذ عنه.

الجواب: ان هذه كلمة جامعة، فان المناسك التي نسكها رسول الله (ص) والتي امر ان تؤخذ عنه تشمل الواجبات، والمستحبات مثل: الاغتسال للاحرام، والتلبية، والاضطباع في الطواف، والرمل، وتقبيل الحجر، وصلاة ركعتي الطواف، وغير ذلك من العبادات التي نسكها رسول الله (ص) في حجه.." (15) . ففي هذه وغيرها المستحب والواجب، فلا يمكن تنزيل قول الرسول (ص) (لتأخذوا عني مناسككم) في جميع افعال الحج على حكم واحد.

4- السبب في اتفاق أئمة المذاهب على القول برمي أيام التشريق بعد الزوال: "أن مجموع الحجاج كان قليلا في الصدر الأول، وأن الخلفاء كانوا يختارون للرمي من الوقت أفضله، ويتمكنون من القيام بمشروعيته لقلتهم وسعة المكان، وقبل أن يوجد في منى شيء من البنيان، وعند ابتداء تدوين العلم والحديث والفقه قرر الفقهاء في كتبهم تحديد الرمي في أيام التشريق بما بين الزوال الى الغروب اجتهادا منهم في ذلك، وأخذ بعضهم ينقل عن بعض القول به، والحكم بموجبه حتى انتشر في كتب الأصحاب من سائر المذاهب، وحتى صار عند كثير من الناس بمثابة الأمر الواجب ودليلهم في ذلك:

"رمي النبي (ص) يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس، وعن ابن عمر وعائشة بمعناه وكلها أحاديث صحيحة، لكنها ليست بصريحة في الدلالة على التحديد بما ذكروا.

لهذا ظن من ظن أن هذا حكم عام لازم للناس في جميع الأحوال والأزمان، وأنه لو رمى قبل الزوال، أو بالليل لم يجزه" (16) .

5- اختياره (ص) لما بعد الزوال للرمي في أيام التشريق أنه أراد أن  لا يحرج أمته، بل يخرج بهم مخرجا واحداً لرمي الجمار، ولصلاة الظهر في مسجد الخيف: لكون حجه صادف شدة الحر.

ثم أعقب وفي ثنايا ماتقدم من مناقشة لأدلة المانعين أن تحديد الفقهاء وقت الرمي أيام التشريق بمنى "ما بين الزوال إلى الغروب، وهو لا يسع الخلق الكثير، فصار من تكليف مالا يستطاع، إن القول به مستلزم للعجز عنه في هذا الزمان، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها".

إن التحديد بهذا الزمن قد أفضى بالناس إلى الحرج والضيق حتى شغلهم شدة الزحام عن الذكر والتكبير، وعن الدعاء والتضرع عند هذا المقام، بل عن العلم بوقوع الجمار في موقعها المشروع من الأحواض، وهذا الزحام من المحتمل أن يزداد عاما بعد عام متى كان التحديد على هذه الحال، وذلك لعوامل تساعد على ذلك لم تكن معروفة في  السنين السابقة.. حتى صارت الدنيا كلها كمدينة واحدة، وكأن عواصمها بيوت متقاربة.." (17) .

6- يعد الفقهاء في المذهب الحنبلي أن أيام منى كلها كالوقت الواحد، وهو الظاهر من مذهب الشافعي(18) .

"فمتى كان الأمر بهذه الصفة، وأن أيام منى كالوقت الواحد حسبما ذكروا فلا وجه للإنكار على من رمى قبل الزوال  والحالة هذه .." (19) .

7- "الحالة الآن حالة ضرورة توجب على العل2ماء والحكام إعادة النظر فيما يزيل هذا الضرر، ويؤمن الناس من مخاوف الخطر الحاصل من شدة الزحام، والسقوط تحت الأقدام، إن شدة الزحام تزداد عاماً بعد عام..

هذه المشقة التي يعانيها الناس عند الجمار لا يجوز نسبة القول بها إلى الشرع، وهو لا دليل على هذا التحديد لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا قياس، ولا أجماع.." (20) .

وبما أن الرمي من واجبات الحج فإنه يتمشى مع نظائره من الواجبات مثل النحر، والحلق ، والتقصير فيدخل بدخولها في الزمان، ويجاريها في الميدان: إذ لكل من واجبات الحج الذي يقاس بعضها على بعض عند عدم مايدل على الفرق، وقد دلت نصوص الشريعة السمحة على أن الصواب في مثل هذه المسأًلة هو وجوب التوسعة، وعدم التحديد بالزوال، بل يجوز قبله وبالليل، كما دلت عليه نصوص طائفة من العلماء، فلم تجمع الأمة، ولله الحمد، على المنع ولا على وجوب هذا التحديد..."(21) . (22) .

يضيف العلامة الفقيه الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى الى استدلالات العلامة عبد الله زيد آل محمود أدلة أخرى تأييدا لجواز الرمي قبل الزوال قائلاً:

"وأحسن من هذا الاستدلال بحديث ابن عباس المذكور حيث قال له رجل: رميت بعدما أمسيتُ.

ووجه ذلك أنه يحتمل أن قوله "بعدما أمسيت" أي بعد مازال الزوال: لأنه يسمى مساء، ويحتمل أن يكون بعدما استحكم المساء، وغابت الشمس، فيكون دلالة على جوازه بالليل، ودل ايضا على جوازه قبل الزوال، لأن سؤال عن جواز الرخصة في الرمي بعد المساء كالمتقرر عندهم جوازه في جميع اليوم بل ظاهر حال السائل تدل على أن الرمي قبل الزوال هو الذي بخاطره، وإنما أشكل عليه الرمي بعد الزوال فلذلك سأل عنه النبي (ص).

دليل آخر: وهو أن أيام التشريق كلها ليلها ونهارها أيام أكل وشرب، وذكرُ لله تعالى، وكلها أوقات ذبح ليلها ونهارها، وكلها على القول الصحيح أوقات حلق، وكلها يتعلق بها على القول المختار طوائف الحج وسعيه في حق غير المعذور، وانما يتفاوت بعض هذه المسألة في الفضيلة، فكذلك الرمي.." (23) . ثم يقارن العلامة السعدي رحمه الله تعالى بين استدلال الجمهور واستدلال العلامة آل محمود في دراسة موضوعية منصفة قائلا:

"فأنت إذا وازنت بين استدلال صاحب الرسالة (يسر الإسلام) واستدلال الجمهور رأيتها متقاربة،  إن لم نقل: تكاد أدلته ترجح.." (24) .

بهذا يخلص البحث في ضوء الواقع المعاصر إلى ترجيح القول بجواز رمي الجمرات قبل الزوال أيام التشريق الثلاثة فهو الذي ينسجم ومقاصد الشريعة المطهرة في رفع الحرج، وحقن الدماء، والمحافظة على النفوس؛ فإن الأخذ به يذيب الزحمة الشديدة لما فيه من اتساع الوقت من حين طلوع الفجر إلى فجر اليوم الثاني فتحفظ الأرواح، وتتفادى الإصابات، وهو ما يتطابق وفقه الواقع، وكما قال العلامة ابن القيم:

"ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي يحكم به في كتابه، أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده، واستفرغ وسعه في ذلك لمم يُعدم أجرين، أو أجرا.

فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله"(25) .

             

 -------------------------

1 - انظر: أپو سليمان، عبد الوهاب، ومرزا، معراج نواب، منى المشعر والشعيرة دراسة فقهية جغرافية حضارية، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العدد التاسع والأربعون،  السنة الثالة عشرة شوال، ذو القعدة، ذو الحجة، عام 1421 هـ / 2001م) ص 122 .

2 - المغني ، ج 3، ص 452.

3 -  شرح الزركشي على متن الخرقي، الطبعة الأولى، دراسة وتحقيق عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، (مكة المكرمة، مكتبة النهضة الحديثة، عام 1415هـ / 1955م)، ج 2، ص 226.

4 - إعلام الموقعين، الطبعة الأولى، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، (مصر: مطبعة السعادة، عام 1374/ 1955) ، ج 3، ص 89.

5 - العيني، بدر الدين، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (بيروت: دار احياء التراث العربي)، ج 9، ص 86.

6 - الكاساني، علاء الدين ابو بكر بن مسعود، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، الطبعة الثانية، (بيروت: دار الكتاب العربي، سنة 1394 هـ ، 1974م)، ج 3، ص 137.

7 - ابن عبادين، محمد أمين، رد المحتار على الدر المختار، (بيروت: دار المكتبة العلمية)، ج 2، ص 185.

8 - المسلك المتقسط في المنسك المتوسط، ص 127.

9 - حاشية على كتاب مناسك الحج الكبير للشيخ محمد الشربيني، (مصر: المطبعة العامرة، سنة 1393 هـ )، ص 112.

10 - المبدع في شرح المقنع، الطبعة الاولى، (قطر: الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني، سنة 1394 هـ ، 1974م)، ج 3، ص 250.

11 - فتاوى مصطفى الزرقا، الطبعة الاولى، اعتنى بها مجدي احمد مكي، (دمشق، دار القلم، سنة 1420/ 1999)، ص 196.

12 - الكويت: مجلة المجتمع العدد 1343، 18 ذو الحجة 1319 هـ ص 46، انظر: ص 56 من هذا العدد لمزيد من اراء العلماء المعاصرين في هذا الموضوع.

13 - يسر الاسلام في احكام حج بيت الله الحرام، ص 13 .

14 - يسر الاسلام ص 14 .

15 - يسر الاسلام ص 21.

16 - يسر الإسلام في أحكام حج بيت الله الحرام، ص 12.

17 - يسر الاسلام في أحكام حج بيت الله الحرام، ص 16.

18 - في التأخير لا في التقديم.

19 - يسر الإسلام في أحكام حج بيت الله الحرام، ص 19.

20 - المرجع السابق، ص 18 ،21..

21 - المرجع السابق، ص 21.

22 - ملحوظة: هذا الجزء من المقال مستل من بحث مقدم لمجلة البحوث الفقهية المعاصرة، السنة الثالثة عشرة، العدد  التاسع والأربعون عام 1421هـ بتصرف بعنوان (منى المشعر والشعيرة دراسة فقهية جغرافية حضارية) من إعداد عبد الوهاب أپو سليمان والدكتور معراج نواب مرزا، ص 116 - 136.

23 - الأجوبة النافعة، ص 342، 343.

24 - الأجوبة النافعة، ص 344.

25 - أعلام الموقعين، ج 1، ص 87 - 88 .