لقاء
وحدة العالم الاسلامي بالقضاء على أسباب الخلافات (1)
أ.د. عبد العظيم المطعني
عضو المجلس الاعلى للشؤون الاسلامية في جامعة الازهر
حذر الدكتور عبد العظيم المطعني عضو المجلس الأعلى للشؤون الاسلامية في القاهرة واستاذ الدراسات في جامعة الأزهر من تأثير الخلافات التي أدت الى ضعف المسلمين وتفرقهم، داعيا الى ضرورة الأخذ بالأسباب التي تمهد الطريق الى عودة المسلمين الى وحدتهم. كما تطرق الدكتور المطعني في حديث شامل لـ»الشرق الأوسط« الى أسباب ضعف المسلمين وتخلفهم وكيفية القضاء على هذا التخلف، وتناول الحديث قضية الخلاف بين السنة والشيعة وسبل التقريب بينهما، بالاضافة الى بعض القضايا الاسلامية المهمة. ولأهمية ماجاء في هذا اللقاء إرتأت رسالة التقريب إعادة نشره تعميماً للفائدة.
* الناظر في أحوال المسلمين الآن يجدهم متفرقين لا تجمعهم جامعة، شديدي الخلاف في ما بينهم، فما هو السبيل لاستعادة وحدتهم ومتى حدث هذا التفرق؟
ـ نبدأ بالاجابة عن الفقرة الأخيرة من السؤال، وهي متى بدأ تفرق المسلمين، ونضيف اليه، ولماذا هذا التفرق؟
نقول ان هذا التفرق حدث عقب الحرب العالمية الأولى التي أسفرت عن سقوط دولة الخلافة العثمانية، لأن دولة الخلافة وان كان لها مساوىء فإن حسنة
_(70)_
واحدة تمحو تلك المساوىء كلها، وهي جمع المسلمين من كل جنسية وبيئة تحت رابطة الاسلام، ولم يتخلف عن هذه الوحدة إلا مصر؛ لأن الاحتلال الانجليزي لها سلخها مبكراً عن الاندماج في الوحدة الاسلامية، التي أصبح المسلمون تحت لوائها أعظم قوة ضاربة على وجه الأرض، وبادر بعض خلفائها »محمد الفاتح« الى الأخذ بالثأر من أوروبا على ما صنعته خلال الحروب الصليبية بالشرق الاسلامي من ويلات، وارتعدت فرائص اوروبا من وجود القوة التي توغلت في قلب أوروبا وأجمعت أمرها على اسقاطها.
وقبل اعلان الحرب لم تكتف انجلترا بتحييد مصر وعزلها عن الرابطة الاسلامية، بل خدعت بقية الدول العربية الأخرى، التي كانت تشعر بالظلم من الحكام العثمانيين، واستطاعت أن تسلخهم عن الدولة الاسلامية الكبرى، وأن تضمهم الى صفوف الحلفاء قبل نشوب الحرب، ووعدتهم بقيام دولة لهم مستقلة عن تركيا، اذا نجحت الحرب، وصدّق العرب هذه الوعود وأخلصوا في تأدية دورهم في الحرب.
ومما هو معروف أن الحلفاء »انجلترا ـ فرنسا ـ روسيا القيصرية« عقدوا اتفاقية »سايكس بيكو« ووزعوا فيها سرا أملاك دولة الخلافة، التي كانوا يسمونها »الرجل المريض« قبل أن يموت، وكانت الدول العربية ضمن تركة الرجل المريض التي وزعها الحلفاء في ما بينهم.
وهذه مصيبة حلت بالأمة عامة وبالعرب خاصة في مطلع القرن العشرين الميلادي، وبعد الحرب أصبح الشغل الشاغل لساسة أوروبا ومفكريها البحث عن وسائل تحول دون وحدة المسلمين مرة أخرى، وكلفوا أصحاب الرأي منهم بوضع خطط تكفل تمزق المسلمين الى الأبد. ووفاء بهذا الهدف قدمت مائة مشروع تتضمن وجهات نظر مختلفة، كل منها تقدم مشروعاً للقضاء على وحدة المسلمين، هذه المشروعات جمعها كتاب »حاضر العالم الاسلامي« تأليف
_(71)_
لو تروي ستودارد وتعليقات للأمير شكيب ارسلان. هذا هو بدء التفرق الاسلامي. أما لماذا كان هذا التفرق فجوابه كما يلي: بدأ الغرب يصدر للشرق عوامل التمزق والتفرقة، فصدروا الينا ما يعرف بالقوميات وهو نظام عرف أول ما عرف في المجتمعات الأوروبية وكسبب من قيام الحروب الأهلية بينهم فصدروه الينا بعد ان هجروه هم فكانت عندنا القومية العربية، والقومية التركية والقومية الفارسية. ثم نظروا فوجدوا أن التمزق الذي حدث بسبب القوميات بين المسلمين لا يكفي؛ لأن القومية في حد ذاتها قوة فلا بد من تمزيقها، ولذلك انتقلوا الى الوطنيات وعزل كل وطن عربي واسلامي عن بقية الاوطان الأخرى، وشاعت نعرات ضيقة بتأثير التعصب الوطني، ثم خطوا خطوة اخرى لتمزيق التكتل الوطني نفسه، فأخذوا يفتتون كل وطن الى طوائف متناحرة وعملوا على احياء حضارات ما قبل الاسلام ليمدوا كل طائفة بما يلزمها من وقود شديد الاشتعال فأحيوا الفرعونية في مصر والاشورية في العراق وهكذا.أما كيف يستعيد المسلمون وحدتهم فالطريق واضحة. وعلى المسلمين ان يطرقوا أبواب الوحدة بصدق واخلاص وتصميم، فليست الوحدة بالتمني ولكن بالسعي الدائب. وأزمتنا مع الوحدة ليست أزمة طريق ولكنها أزمة السير في الطريق، واذا نظرنا الى العالم وقواه الكبرى حولنا نراهم يخطون خطوات ثابتة نحو القوة والوحدة مثل الاتحاد الاوروبي؛ حيث لا يمر عام الا وتراهم قد أضافوا عناصر قوة جديدة لدولة الاتحاد.
ووحدة المسلمين نظريا ممهدة السبيل، لا ينقصنا شيء الا ان نخطو الخطوة الأولى على هدى من قول الله تعالى: »واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا« وقوله تعالى: »ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم«.
* هل الوحدة الوطنية تلغي التنوعات الطائفية وما دور الطائفية في تحقق الوحدة الوطنية؟
_(72)_
ـ وحدة الوطن والشعور الوطني والاحساس بالانتماء الوطني كلها أمور فطرية جبل الله البشرية عليها.
فوجود طوائف مختلفة الهوية حتى والعقيدة لا يتنافى في الاسلام مع قيام وحدة أعم بين أبناء الوطن الواحد، هذا في الاسلام، لان جميع من على الأرض باختلاف بيئاتهم وأجناسهم ولغاتهم وايديولوجياتهم المذهبية وعقائدهم الدينية لو أمكن ان يعيشوا على رقعة واحدة من الأرض لساسهم الاسلام سياسة حكيمة، ولمحا كل ما بينهم من فروق، ذلك لان الاسلام يمنح كل انسان حرية الاعتقاد وحرية الرأي وحرية السلوك وحرية التملك وحرية التنقل، لكن بشرط ألا يتعمد الإساءة أو يتسبب في ضرر الآخرين، وليعمل كل منهم لمنافعه الشخصية بشرط ألا يعتدي على حقوق الآخرين.
أما في ما يتصل بالعقائد وممارسة الشعائر الدينية فله ذلك، مهما كان اعتقاده وشعائره وطقوسه. ومجتمع تتوفر فيه هذه السمات والخصائص، هو بمثابة »جنة« وارفة الظلال، أو طوبيا من الطوبيات التي كان يحلم بها بعض الفلاسفة حسب تصوراتهم، فهذا الوفاق الذي يجمع الناس جميعا في واحة واحدة لا يتحقق إلا في ظل الاسلام لأنه هو الذي نزع كل الفتائل التي قد تعكر صفو المجتمعات البشرية، وعلى هذا فان الوحدة مهما كانت صغرى كالوطنية أو كبرى مثل الوحدة الانسانية التي هيأ الاسلام الاسباب لقيامها لا تلغي الاعتبارات الطائفية لان الاسلام يعترف لها بحقها في الحياة في ظل الأسرة الواحدة.
أما دور الطائفة في تحقيق الوحدة الأعلى ومنها الوطنية فان على الطائفة أن تكون خلية حية في ما تتطلبه الوحدة الأعلى، مثل الفرد داخل الأسرة يعمل لمستقبله وحاضره الخاص، ويسهم في تحقيق مطالب الأسرة. وأصول الحريات التي أقرها الاسلام في ارسائه لقواعد قيام الوحدة الانسانية في الحياة الدنيا وردت
_(73)_
في القرآن في قوله تعالى: »لا إكراه في الدين» وقوله تعالى: «كل يعمل على شاكلته«.
* الاجتهاد في الاسلام كيف يكون، ومتى يكون الأجر
والأجران؟
ـ للاجتهاد في الاسلام مجال واحد من أربعة مجالات
يدور حولها الفقه الاسلامي، فالمجالات التي لا يجوز فيها
الاجتهاد ثلاثة هي: الأول كل ما فيه نص من القرآن الكريم
قطعي الدلالة واضح المعنى، الثاني ما كان دليله حديثا
صحيحا من السنة النبوية أي قطعي الثبوت، وكان مع ذلك قطعي
الدلالة كقول النبي(ص): »من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها
متى ذكرها« لا كفارة لها غير ذلك، فهذا الحكم واجب النفاذ
لان دليله قطعي الثبوت من نسبته الى رسول الله (ص) وقطعي
الدلالة لان معناه واضح كل الوضوح، والثالث ما أجمع عليه
علماء الأمة في عصر من العصور وأقوى اجماع هو اجماع أصحاب
رسول الله(ص).
أما مجال الاجتهاد فهو أمر واحد ذو شقين، الشق الأول ما كان دليله من الكتاب أو السنة، محتمل الدلالة قابلاً لأكثر من منحى، ومثاله من القرآن كلمة »قروء« في قول الله تعالى: »والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء« فكلمة »قروء« تحتمل معنيين: ان تكون بمعنى »حيض« أو تكون بمعنى »أطهار« فهذا موضوع اجتهاد بلا نزاع. أما الشق الثاني لشرعية الاجتهاد فهو ما لم يرد فيه نص أصلا، لا من الكتاب ولا من السنة؛ كالأمور والمعاملات المستجدة التي يجب الاجتهاد فيها من العلماء، بقياسها على ما فيه علة الحكم فيها، وذلك عن طريق القياس أو الاستحسان أو المصالح المرسلة أو سد الذرائع، واذا وقع الاجتهاد بحسن نية في هذه المشكلات المستجدة، وأصاب المجتهد فله اجران، واذا لم يصب وكان حسن النية، ولم يقصر في اجتهاده فله أجر واحد، وباب الاجتهاد مفتوح وليس اغلاقه من شرع الله أبدا، وهو واجب على العلماء، فان قصروا فيه فعليهم إثم عظيم، والاجتهاد الجماعي أسلم وآمن من الاجتهاد الفردي.
وهو واجب على العلماء، فان قصروا فيه فعليهم إثم عظيم،
والاجتهاد الجماعي أسلم وآمن من الاجتهاد الفردي.
_(74)_
" هل يمكن ايجاد سبيل للتصالح بين السنة والشيعة؟
ـ اذا استبعدنا ما عرف قديما عن غلاة الشيعة وما نسب إليهم
من شناعات وهم قد انقرضوا الآن إلا قليلا منهم فاننا نلتقي
مع معتدلي الشيعة في أننا جميعا مسلمون، ولهذا أفتى كبار
علماء أهل السنة قديما وحديثا بأن معتدلي الشيعة يؤمنون
مثلنا بأصول الايمان في جانب العقيدة، وهي الأصول التي
وردت في مثل قول الله تعالى: "… ولكن البر من آمن بالله
واليوم الآخر، والملائكة والكتاب والنبيين"، ويؤمنون مثلنا
بالجانب العملي المنبثق عن اصول الايمان، والذي ورد في
الآية السابقة نفسها: "وآتى المال على حبه ذوي القربى
واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب،
وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم اذا عاهدوا
والصابرين في البأساء والضراء، وحين البأس أولئك الذين
صدقوا وأولئك هم المتقون" فالتصالح بين السنة والشيعة قائم
بالفعل أما ما نختلف فيه فهي أمور ليست داخلة في أصول
الايمان. يكفي اننا جميعا موحدون ولنا قبلة واحدة ووحي
واحد وينبغي ألا ننسى ان النبي (ص) لما هاجر الى المدينة
وضع صحيفة الوفاق بين كل الطوائف فصنع منهم أمة واحدة.
الهوامش:
____________________
1- نـُشرت المقابلة في (الشرق
الاوسط) بتاريخ 21/2/2004.