الملف
الغرب والصراع على فلسطين في القرن الحادي والعشرين (1)
أ. د. رمضان عبد الله شلح
الأمين العا م لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين
شهد القرن العشرون العديد من الأحداث المدوية، التي أحدثت تغييرات هائلة على الخارطة الكونية. ففيه اندلعت حربان عالميتان، وانفجرت ثورتان كبريان في روسيا والصين، وانهارت ست إمبراطوريات، هي العثمانية والألمانية والإيطالية واليابانية والنمساوية ـ المجرية وأخيراً السوفيتية بانهيار الاتحاد السوفيتي. وحدث تراجع هائل لقوتين من أهم القوى الاستعمارية العالمية، الاستعمار البريطاني والاستعمار الفرنسي.
وإذا كان سقوط الدولة العثمانية (1924) وقيام الدولة اليهودية في فلسطين (1948) هما أهم حدثين عصفا بالشرق الإسلامي في النصف الأول من القرن، فإن انتصار الثورة الإسلامية وقيام الدولة الإسلامية في إيران عام 1979، كان الحدث الأبرز بعد سقوط القدس عام 1967 في النصف الثاني من القرن.
وفي ظل التغيرات التي طرأت على النظام الدولي، ومع الإحساس بأن البشرية تمر بمخاض عسير نحو الدخول في قرن جديد، وفي عالم جديد يتشكل اليوم، تتزاحم الأسئلة حول موقع الأمة العربية والإسلامية ومستقبلها على خريطة النظام العالمي وحول قضاياها المصيرية وتفاعلاتها مع العالم.
_(88)_
لكن السؤال عن فلسطين ومصيرها يظل، ولاعتبارات كثيرة، السؤال المركزي الذي تصطحبه الأمة معها، وهي تدخل القرن الحادي والعشرين. ولعل التطورات الراهنة المتعلقة بهذه القضية، تدفع باتجاه الصيغة الأكثر مرارة للسؤال: هل أصبحت فلسطين أندلس ثانية؟
لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بمعزل عن السياق التاريخي للمواجهة الحضارية الشاملة بين الأمة الإسلامية والنظام الدولي، بأطواره المختلفة وبنيته القاعدة الأوسع: الغرب.
ضمن هذا السياق يبرز موقع فلسطين في الصراع التاريخي مع الغرب، وصولاً إلى تداعيات المنعطف التاريخي الفاصل راهناً، عبوراً إلى مستقبل الأمة وفلسطين في القرن الحادي والعشرين. وللوقوف على دور الغرب التاريخي في الصراع على فلسطين لابد أن نوضح بداية ماذا نعني بالغرب؟
ليس من السهل أن نقدم تعريفاً دقيقاً للغرب، دون البحث في التجربة التاريخية ومجموعة القوى والعناصر المتحولة والثابتة التي تكون منظومة اسمها الغرب.
ليس من الصحيح اختزال الغرب في مدلول جغرافي يتمثل في مثلث تحيط أضلاعه بنصف الكرة الشمالي، حيث أوروبا الغربية واليابان والولايات المتحدة. كما أن اختزال الغرب في الرأسمالية فقط، كما هو شائع لدى الكثيرين، فيه مغالطة تاريخية كبيرة، تعني أن ما حدث قبل ميلاد الرأسمالية لم تعد تخص الغرب. على نفس الدرجة لا يمكن اختزال الغرب في زاوية الفلسفة بأنه التنوير والحداثة، ولا في زاوية العرق واعتباره الرجل الأبيض، ولا في زاوية الدين واعتباره المسيحية.
الغرب هو كل هذه الأمور مجتمعة، والتي جعلت منه في الوقت الحالي فكرة أيديولوجية أكثر منها جغرافية. ومن الناحية الجغرافية والأيديولوجية، وفي
_(89)_
السياق الذي ينسجم وفكرة هذه الورقة، يمكن اختزال الغرب ومهما تعددت أضلاعه إلى شكل ذي ثلاثة أبعاد رئيسة، فهو »هيليني ـ مسيحي ـ يهودي«. أي مزيج بين الإغريقية والرومانية والمسيحية البروتستانتية، التي أضافت إلى هذا المزيج بعداً توراتياً جعلت اليهودية إحدى العناصر الأساسية في المركب الحضاري للغرب.
وفي ذات السياق، فإن محاولة وضع تعريف دقيق للنظام الدولي لا تقل تعقيداً عن محاولة تعريف الغرب، بل إن التداخل بينهما يزيد المسألة تعقيداً. فالغرب هو الحامل للنظام الدولي. والنظام الدولي هو محصلة تفاعلات الغرب ومكوناته وأدواته في العالم كله. والتوازنات التي تنشأ عن هذه التفاعلات في سياق مباراة دولية رهانها الأكيد، في نظر القوى الاستكبارية، هو محاولة السيطرة على العالم.
فالنظام الدولي هو مجموعة المؤسسات الاقتصادية العملاقة من شركات متعددة الجنسية، وبورصات عالمية وبنوك وشركات تأمين وصناعات واستثمارات ومضاربات؛ وهو المؤسسات الدولية غير الحكومية كالأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي؛ وهو أنظمة الحكم من رئاسات وبرلمانات ووزارات وهيئات؛ وهو المؤسسات والجمعيات الخيرية، وهو ماكينة الإعلام والاتصالات العالمية الضخمة من صحافة ووكالات أنباء، ومسموعات ومرئيات، وإنترنيت؛ وهو مؤسسات التعليم من جامعات ومعاهد وكليات ومدارس ودور حضانة ومراكز بحث ومعلومات؛ وهو الفنون والآداب والسينما والمسرح وهوليود؛ وهو نظام القيم والأخلاقيات ومعايير السلوك والأداء؛ وهو نمط الحياة الحديثة وطرق العيش والإنتاج والتوزيع والاستهلاك؛ وهو آلة الحرب الجهنمية وأسلحة الدمار الشامل النووية والكيميائية والبيولوجية والصواريخ الباليستية
_(90)_
والطائرات والأسلحة الذرية؛ وهو الجيوش والنظم العسكرية؛ وهو أجهزة قمع وقهر الإنسان من سجون ومعتقلات وشرطة ومحاكم.
هو كل هذه الأشياء وغيرها، مما أسهمت في تحقيق إنجازات مادية هائلة، تقوم عليها حضارة الغرب المعاصرة، لكنها أنتجت بذرة فنائها التي تهدد مقومات الحياة الإنسانية التي تتجلى ليس في الإيدز والمخدرات وتلوث البيئة فقط، بل في فكرة الصراع التي طبعت الذهنية وبالتالي الحياة الغربية على مدار التاريخ. لقد بلغ عدد الذين أزهقت أرواحهم من جراء الحروب والصراعات في القرن العشرين فقط حسب بعض التقديرات 168 مليون نسمة.
وحين تكون اليهودية والمسيحية إحدى المكونات الأيديولوجية الأساسية للغرب، فمن الطبيعي القول بأن الصدام بين الغرب والأمة قديم قدم الإسلام، الذي هو جوهر شخصية الأمة وهويتها الحضارية.
لكن الهجمة الصليبية التي أطلقت الكنيسة شرارتها أواخر القرن الحادي عشر الميلادي لتحرير بيت المقدس من المسلمين بنداء البابا أوريان الثاني »فلينهض الغرب لنجدة إخوانه المسيحيين في الشرق«، مثلت المحطة الأبرز لتورط الغرب الأوروبي في الزحف الاستعماري نحو المشرق الإسلامي لاحتلاله وإخضاعه ككيان حضاري ديني ثم جغرافي سياسي.
وعلى مدار القرون الأربعة الأخيرة تعرض العالم الإسلامي لهجمة غربية من قبل قوى استعمارية مختلفة، ظهرت ثمارها في الهجمة المعاصرة التي ما زالت مستمرة حتى اللحظة الراهنة. وهي الهجمة الأخطر على مدار تاريخ الأمة من حيث ضعفها وتفككها وتجريدها من قوى فاعلة، ليس على صعيد الحكومات فقط، بل على صعيد الشعوب التي بفضل تماسكها وصمودها ونهوضها كانت دار الإسلام تعيد بناء توازنها وتقاوم وتدحر أي غازٍ أو مهيمن أجنبي.
_(91)_
ظل الوطن الإسلامي هدفاً للاستراتيجيات الغربية والنظام الدولي على مدار التاريخ نظراً لتمتعه بعدد من المزايا:
1 ـ جغرافياً: يشكل الوطن الإسلامي كياناً قارياً يتجاوز في أهميته الجيوبوليتيكية الكيانات الدولية الأخرى للقوى العظمى، الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا. فهذه القوى تمتد على مدى قاري أحادي البعد، فيما الوطن الإسلامي يشكل حزاماً يمسك بخصر العالم القديم، حيث الموقع المتاخم لأوروبا والمرتبط بأفريقيا والممتد في عمق آسيا. لقد ظل الصراع بينه وبين أوروبا بأشكال عسكرية واقتصادية ودينية وأيديولوجية متصلاً منذ قرون، وأصبح أكثر امتداداً في حقبة الإمبريالية المعاصرة. وقد بدأ الاشتباك الحديث بالهجمات الروسية على الإمبراطورية العثمانية، ثم بغزو نابليون لمصر.
2 ـ اقتصادياً: يملك الوطن الإسلامي ثروة طبيعية واقتصادية هائلة؛ حيث يحتوي على أضخم ثروة بترولية يحوز بها أكثر من 60 في المائة من مخزون النفط العالمي، وغيرها من الثروات المعدنية والزراعية والحيوانية، التي تشكل أداة تحكم سياسية كبيرة لو أُحسن استخدامها.
3 ـ عرقياً: يشتمل على أعراق قومية وإثنيات متعددة مثل (العرب، الأتراك، الفرس) حمل بعضها ميراث حضارات قديمة عريقة، وتاريخ يحمل خصوصيات تفوُّق ونبوغ.
4 ـ ديموغرافياً: يشكل المسلمون اليوم خمس سكان البشرية. ويتجاوز وجودهم حدود الرقعة الجغرافية للوطن الإسلامي ممثلاً بالبلدان العربية والإسلامية، حيث الأقليات الإسلامية التي تعد بعشرات الملايين في أنحاء مختلفة من العالم. وهي أقليات تشكل كيانات ثقافية حضارية في قلب أوروبا والأمريكيتين وداخل الحضارات الآسيوية المعاصرة.
_(92)_
5 ـ الإسلام كرسالة عالمية خالدة صنعت من عرب الصحراء أمة عملاقة، وقدمت للبشرية واحدة من أهم الحضارات التي عرفها التاريخ.
6 ـ وأخيراً، فلسطين، الأرض المباركة والمقدسة، نقطة التقاء القارات، ومهبط الديانات، وصعود الحضارات، وصراع الاستراتيجيات.
إن هذه المزايا بدون شك يمكن أن تخلق من العالم الإسلامي قوة عظمى تستطيع التفوق على القوى الأخرى. لكن الواقع أنها جعلت منه هدفاً للأطماع الأجنبية التي كانت فلسطين ولا زالت مجالاً لأكثرها بشاعة، ألا وهي الأطماع الصهيونية الغربية.
لم يكن احتضان الغرب للمشروع الصهيوني يمثل تحالفاً بين جسمين منفصلين جمعتهما المصلحة فقط، فالحركة الصهيونية هي نتاج الفكر والمناخ الغربيين، بل إن تاريخ الصهيونية هو جزء لا يتجزأ من تاريخ الحضارة الغربية. وإذا أردنا أن نرصد دور الغرب في اغتصاب فلسطين وإنشاء الدولة اليهودية فإننا نسجل الملاحظات التالية:
1 ـ إن اغتصاب فلسطين كان الصيغة الغربية الجديدة لحل المسألة اليهودية، بعد فشل الحل النازي بإبادة اليهود. لذا لم يستطع (ضحايا النازية) من قادة المشروع الصهيوني تحمل العبء الأخلاقي باستخدام سلاح الإبادة ضد فريستهم أهل فلسطين، ذلك السلاح الذي عندما استخدم ضدهم شكل مصدر الشرعية الأساس في الدعاية الصهيونية لاحتلال فلسطين. من هنا عدلت الحركة الصهيونية عن الإبادة فاختارت أسلوب طرد وتهجير سكان فلسطين الأصليين، الذي جرى وصفه في الغرب بالتعبير المخادع »الترانسفير« الذي كان يعتبر وسيلة مشروعة لحل النزاعات بين الأمم.
2 ـ لقد عكس خروج اليهود من أوروبا لاحتلال فلسطين دوراً بارزاً للمسيحية الغربية بشقيها الكاثوليكي والبروتستانتي، وإن بشكلٍ مختلف، في إقامة الدولة
_(93)_
اليهودية. فالصراع بين اليهود والكاثوليك ونظر الأخيرين إلى اليهود باعتبارهم قتلة المسيح المنحطين شكل عامل طرد لليهود من أوروبا على قاعدة الكراهية لهم. أما البروتستانتية التي أنتجت الصهيونية المسيحية، فاليهود من وجهة نظرهم هم أداة لخلاص العالم الذي لن يتحقق إلا بعودة اليهود إلى »أرض الميعاد« فلسطين.
3 ـ شكل الدين أهم عنصر من عناصر التعبئة الصهيونية، حيث خلعت الحركة الصهيونية القداسة على مشروعها أرضاً (أرض الميعاد) وشعباً (شعب الله المختار). فكانت »الدولة اليهودية« في المشروع الصهيوني وطناً منحه الرب ليهود العالم. ولم يجر استبعاد الدين أو الحرب عليه داخل المشروع الصهيوني، لا في اختيار موقع الدولة أو رموزها أو نظامها السياسي الذي يكفل للأحزاب الدينية المشاركة الكاملة في الحياة السياسية.
4 ـ أراد الغرب، الذي احتضن المؤتمر الصهيوني، وأصدر وعد بلفور وصك الانتداب واعترف بالكيان الصهيوني، أن يحصل على صك غفران من الحركة الصهيونية بشأن مأساة اليهود والمذابح التي تعرضوا لها في أوروبا. لقد اشترى الضمير الغربي صك غفرانه بصك غفران منحه مقدماً للمشروع الصهيوني عن كل الجرائم التي سترتكبها الصهيونية في حق شعب فلسطين. وهذا ما لاحظه المؤرخ البريطاني توينبي حين رأى أن »ليس من العدالة أن يدفع عرب فلسطين ثمن الجرائم التي قام بها الغرب ضد اليهود«. ويقول: »ولكن ادعاءهم بأن ما اقترفته النازية بحقهم من جرائم تقضي بإعطائهم وطناً خاصاً بهم، فهو ادعاء مردود من أساسه، فإذا وجد لهذا ما يبرره، فإن هذا الوطن الخاص يجب أن يمنح لهم في الأرض الألمانية لا في الأراضي العربية، التي يملكها أهلها منذ ثلاثة عشر قرناً«.
_(94)_
5 ـ لقد انتقل مركز الثقل الغربي في دعم الكيان الصهيوني منذ نشأته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي دخلت إلى الحلبة منذ "مؤتمر بلتيمور" عام 1942، وتأكد دخولها إلى المنطقة بقوة بعد فشل العدوان الثلاثي ـ بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ـ على مصر عام 1956. لقد تحركت الولايات المتحدة لتوفير الحماية المباشرة لإسرائيل التي انتهت إلى حالة من التماهي بين الطرفين الأمريكي والصهيوني في المنطقة.
6 ـ رأى الغرب في الكيان الصهيوني بتكوينه العقائدي والفلسفي امتداداً للغرب، ورأس حربة له في قلب العالم الإسلامي على كل المستويات. فالكيان من وجهة النظر الغربية تجسيد لنبوءة الكتاب المقدس؛ وبيت الرجل الأبيض (الأشكنازي) رسول الحضارة الغربية في الشرق الإسلامي، وقاعدة الاستعمار الغربي والإمبريالية في قلب الوطن الإسلامي الطافح بالخيرات، والموقع الاستراتيجي بين آسيا وأفريقيا الذي يشطر الوطن العربي شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً، وواحة الديمقراطية الغربية في بحر الديكتاتوريات العربية والإسلامية، وكلب الحراسة الغربية لضمان تدفق النفط إلى شرايين الحضارة الغربية، وأداة الغرب الرئيسة لمواجهة نفوذ الاتحاد السوفيتي في المنطقة أثناء الحرب الباردة، وقاعدة النظام العالمي الجديد في مواجهة الخطر الإسلامي الصاعد.
ضمن هذا السياق، كانت »الدولة اليهودية« مشروعاً استراتيجياً يلتمس به الغرب إلى جانب الحفاظ على ميراثه الاستعماري غفران ذنبه، وضمان استمرار سعيه ومصالحه في المنطقة. من هنا، أصبح وجود إسرائيل بالنسبة للغرب طبيعياً، وشرعياً، فيما استمرار رفضها أو مقاومتها بأي شكل من الأشكال يمثل خرقاً للشرعية الدولية!
كان زرع الكيان الصهيوني في قلب فلسطين أحد ثلاث حلقات مركزية، استكمل بها الغرب هجمته على الوطن الإسلامي. فمن أجل أن يقوم هذا الكيان
_(95)_
ويضمن له العيش والاستقرار كانت التجزئة في اتفاقية »سايكس بيكو« لضرب وحدة الأمة التاريخية، والتي تزامنت مع انقلاب الحركة العربية ضد الدولة العثمانية لصالح الاجتياح الغربي للمنطقة. والحلقة الثالثة هي تدمير هوية الأمة وشخصيتها الحضارية، من خلال الغزو الثقافي الذي تمثل في استيراد وكلاء الغرب في بلادنا منظومات وقوالب فكرية غربية لتدمير عقولنا وأرواحنا، وقطع صلتنا بالإسلام الذي أوجد هذه الأمة وصنع حضارتها العظيمة.
وقد تركت هذه الحلقات بصماتها على ما يسمى بالصراع العربي ـ الصهيوني أو صراع الأمة مع المشروع الصهيوني ـ الغربي من أجل فلسطين كما يلي:
1 ـ طبيعة وأبعاد الصراع
لم تتجاوز قراءة الاتجاه العلماني العربي بألوانه المختلفة للصراع حدود التسويات الدولية، التي فرضها الغرب على المنطقة مع بداية القرن. بل في ظل نمو حركات التحرر ضد الاستعمار ساد الرأي بأن الصراع في فلسطين مجرد صراع بين إمبريالية تطمع في نهب الثروات وتصدير رؤوس الأموال وفتح الأسواق وبين شعب يكافح من أجل نيل حريته واستقلاله، وحق تقرير مصيره، كأي من حالات مقاومة الاستعمار الحديث. أي أن هذه الرؤية لا تقدم تفسيراً للصراع إلا في حدود المنظور الأوروبي، الماركسي أو الليبرالي، الذي ينظر إلى الحدث كحالة طارئة نتجت عن تطور الرأسمالية التي تطورت بدورها إلى إمبريالية. هذا التفسير يطمس مركزية فلسطين في الصراع التاريخي بين الأمة والغرب، ولا يرى في زرع الدولة اليهودية استمراراً تاريخياً للمعارك التي خاضتها الأمة في اليرموك وإجنادين وحطين في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس. بل جرى التأكيد على نفي الجانب العقائدي عن الحروب الصليبية وقطع سياقها مع
_(96)_
الهجمة الغربية الحديثة برغم إعلان الجنرال الإنجليزي »اللنبي« عندما دخل القدس عام 1917 »اليوم انتهت الحروب الصليبية«، وما أعلنه الجنرال الفرنسي »غورو« في دمشق »ها قد عدنا يا صلاح الدين« عندما وقف على قبره.
لم يكن حصر طبيعة الصراع وأبعاده في الجانب الاقتصادي الإمبريالي، أو حتى ربطه بسايكس بيكو ضد الأمة العربية لتظل قضية فلسطين مجرد قضية تحرر وطني، معزولاً عن الغزو الثقافي الغربي، الذي كان من أهم أهدافه استبعاد المنظور الإسلامي للصراع، حيث الإسلام هو المولّد الأكبر لمحفزات وديناميات المقاومة ضد الهيمنة الغربية، فلابد من تحييده أو مواجهته عن طريق القمع المباشر لكل محركات الدين الإسلامي في المجتمع.
إن الإسلام، كعقيدة توحيدية لكل الشعوب والأجناس التي اختارته كدين سماوي، يطرح نفسه من خلال القرآن باعتباره المرجعية في قراءة حركة بني إسرائيل والظاهرة الإسرائيلية في كل مراحل نموها. »إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه مختلفون«. ليس من الممكن إسلامياً قراءة وفهم الصراع مع بني إسرائيل خارج حدود هذا النص وغيره من النصوص القرآنية التي تربط بين الإسلام وفلسطين وبني إسرائيل.
من هنا، يبرز موقع فلسطين في الصراع التاريخي بين الإيمان والكفر، أو بين الشرك والتوحيد، والذي تجلى في إعلان انتقال النبوة من بني إسرائيل، الذين فشلوا في حمل أمانة التكليف الإلهي »ألا تتخذوا من دوني وكيلا«، إلى حملة الإسلام الرسالة الخاتمة للبشرية. هذا الانتقال الذي تحدثت عنه سورة الإسراء (سورة بني إسرائيل)، التي روي أن رسول الله (ص) كان يقرأها كل ليلة، وترسخ بعد قيام دولة الإسلام وبروز الدور اليهودي في مواجهتها، وصولاً إلى فتح بيت المقدس وبسط الإسلام لسيادته العالمية، سيادة حضارة التوحيد في مواجهة حضارة الشرك العالمية.
_(97)_
من هنا، تبرز أهمية فلسطين في الوعي الإسلامي والضمير العقدي للأمة، حيث الربط الإلهي بين المسجد الأقصى والمسجد الحرام، بين مكة والقدس، أو بين الأرض المباركة (فلسطين) وبين الجزيرة العربية مهد الرسالة الإسلامية. كما يربط التخصيص النبوي للمسجد الأقصى باعتباره أحد المساجد الثلاثة التي تــُشدّ إليها الرحال، فلسطين بالعبادة الإسلامية التي توجب على المسلمين تأمين وتيسير الوصول إلى المسجد الأقصى، بما يفرض على الأمة أن تكون فلسطين محررة تحت راية الإسلام.
وعليه، فإن الصراع مع دولة بني إسرائيل في فلسطين هو من صميم الفلسفة التأسيسية للمشروع الحضاري الإسلامي، الذي يجب أن تكون فلسطين فيه ليس مجرد أرض لشعب مسلم مشرد ومضطهد تجب نصرته، بل هي مركز الصراع الكوني، ونقطة صدام الأمة الإسلامية التاريخي ضد حضارة نهج الشرك التي تستهدف التوحيد في صراع مفتوح إلى يوم القيامة، كما أشار بذلك النبي (ص) في حديثه لمعاذ بن جبل »مَن اختار منكم ساحلاً من سواحل الشام فهو جهاد إلى يوم القيامة«.
إذاً، فالصراع على فلسطين في المنظور الإسلامي ليس صراعاً على الأرض أو الثروات أو الموقع الاستراتيجي فحسب، بل هو صراع حضاري شامل له جوانبه وأبعاده العقدية والثقافية والاستراتيجية العسكرية والسياسية والاقتصادية. هذه الأبعاد هي منشأ فكرة مركزية فلسطين في الصراع الاستراتيجي الإقليمي والدولي والحضاري الراهن.
2 ـ أطراف الصراع
لقد كلفت القراءة الخاطئة لطبيعة الصراع الأمة الإسلامية عقوداً من التضحيات والتكاليف، حتى أفصحت الاستراتيجية الغربية بقيادة أمريكا عن
_(98)_
نفسها بعد انتهاء الحرب الباردة، وأعلنت الإسلام عدواً للغرب، وأنه الخطر الذي يتهدد المصالح الغربية في المنطقة وعلى رأسها إسرائيل.
لم تقف القراءة المغلوطة للصراع عند حد استبعاد الإسلام كأيديولوجيا وعقيدة حية قادرة على قيادة الصراع، وإشعاله في السياق التاريخي والقرآني الذي يقود ضمن سنن وشروط إلهية إلى النصر الحتمي، بل استبعدت الإسلام ككتلة بشرية يصل تعدادها اليوم المليار مسلم من غير العرب؛ فحرمت الأمة في صراعها مع الغرب ميزة العامل الديموغرافي، وميزة التنوع العرقي الذي وظف إبداع الأعراق والأجناس المختلفة في بناء حضارة ومجد الإسلام، فطرحت فلسطين قضية عربية لا تخص أهل تركيا وإيران وماليزيا وأندونيسيا وباكستان وغيرها من بقاع دار الإسلام التاريخية، وسمي الصراع من أجلها بالصراع العربي ـ الصهيوني. بل إن أصحاب الرؤية الإسلامية للصراع في الحوض العربي لم يكن لهم مكان في مرحلة ما إلا السجون.
كان طبيعياً أن لا يصمد هذا الطرح طالما استند إلى قاعدة التجزئة والدولة القطرية التي أعادت تعريف الصراع إلى صراع فلسطيني ـ إسرائيلي، ثم إلى نزاع فلسطيني ـ إسرائيلي، الفلسطينيون فيه هم أهل الضفة الغربية وقطاع غزة، وفلسطين لا تزيد عن الضفة الغربية وغزة، التي جرى القبول الفلسطيني والعربي الرسمي بتعريفها في اتفاق أوسلو كأراض متنازع عليها، لا أراضٍ محتلة.
إن هذا الانهيار أو الإخفاق في تحديد أطراف الصراع، سواء على صعيد الأمة أو على صعيد أعدائها، أوجد صحوة لدى قطاعات واسعة من جماهير الأمة لتعيد قضية فلسطين والصراع من أجلها إلى النصاب التاريخي والطبيعي، كقضية إسلامية أولاً، وعربية ثانياً، وفلسطينية أخيراً. حيث الأمة كلها في مواجهة التحدي الغربي ورأس حربته الكيان الصهيوني.
_(99)_
3 ـ آلية وإدارة الصراع
يجمع المراقبون لمسيرة الصراع بعد قرن على انطلاقة المشروع الصهيوني ونصف قرن من قيام الدولة اليهودية، على أنه لم يكن هناك استراتيجية عربية إسلامية للتصدي للمشروع الصهيوني. وبشكل عام تم التعامل مع المشروع الصهيوني تاريخياً من خلال نهجين رئيسين:
أ ـ نهج الرفض والمقاومة
منذ بدايات الهجمة قاوم الفلسطينيون والعرب المشروع الصهيوني، وخاضت الأنظمة العربية عام 1948، حرباً نظامية خسرها العرب، وانتهت بإقامة دولة الكيان. لكن الرفض للكيان الصهيوني استمر واستمرت المواجهة العسكرية، فخاض العرب حروباً في أعوام 1956، 1967، 1973، 1982، على خلفية أن إسرائيل تشكل خطراً على الأمة العربية بأسرها ولا ينحصر تهديدها في فلسطين.
وإذا كانت ذروة الرفض العربي تجسدت في مؤتمر الخرطوم عام 1967، بلاءاته الثلاثة الشهيرة، لا اعتراف، لا مفاوضات، لا صلح مع إسرائيل، فإن انخفاض سقف الأهداف العربية إلى مجرد إزالة آثار عدوان 1967، زرع بذرة الميل العربي الأولى الهامة نحو التسوية، بل أسس قبول العرب لقرار 242 لفكرة النظام الإقليمي الشرق أوسطي، الذي يغض الطرف عن إسرائيل ما قبل هزيمة حزيران، الأمر الذي أعطى إسرائيل ذريعة ادعاء حق السيادة والملكية لكامل أرض فلسطين، ورفض الاعتراف بأنها سلطة محتلة لأراضي 1967.
وبرغم الانتصار الجزئي الذي حققه العرب في حرب 1973، إلا أن الهزائم المتكررة، والتفوق العسكري المذهل لإسرائيل، المتسلحة بالدعم الأمريكي اللامحدود، والمدججة بترسانة من الأسلحة النووية، أوصل النظام العربي إلى قناعة استحالة حسم الصراع بالخيار العسكري. ولم يكن غريباً، في ظل ارتباط منظمة التحرير أو حركة التحرر الوطني الفلسطيني بحركة التحرر العربي،
_(100)_
أن تنسحب هذه القناعة لدى قيادة المشروع الوطني الفلسطيني، التي انتهى بها الأمر ليس إلى نبذ الكفاح المسلح كطريق لتحرير فلسطين، بل إلى ملاحقة وتصفية النضال الجماهيري (الانتفاضة) وكذلك الإسلامي المسلح لصالح العدو.
ب ـ نهج التسوية السلمية
يمكن القول، إن هذا النهج بروحيته الراهنة قديم قدم الثورة الفلسطينية المعاصرة، حيث بدأ مبكراً في دعوة الرئيس التونسي أبو رقيبة عام 1965، إلى الاعتراف بإسرائيل على أساس قرار التقسيم لعام 1947. لكن الإرهاصات الجادة بدأت عقب هزيمة عام 1967، في إشارات مؤتمر الخرطوم، ثم قبول عبد الناصر لمشروع روجرز عام 1969، وصولاً إلى توقيع السادات لاتفاقية كامب ديفيد عام 1979، ثم مشروع فهد (1981) وقمة فاس (1982)، التي عبرت عن القبول العربي بوجود إسرائيل والاعتراف بها، وصولاً إلى مدريد عام 1991، إثر حرب الكويت والانطلاقة الأمريكية الجديدة في المنطقة. وقد أسفر ذلك عن توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، ونشوء سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية، ثم اتفاقية وادي عربة عام 1994، بين الأردن وإسرائيل، ثم باقي الاتفاقات الإسرائيلية الفلسطينية التي كان آخرها واي ريفر 1998.
إن القراءة السريعة لتاريخ الصراع في المنطقة تظهر أن خياري »الحل السلمي«، و»الحل العسكري« ليسا منفصلين عن بعضهما. فمن خسارة الأنظمة الليبرالية العربية لحرب عام 1948، مروراً بهزيمة الأنظمة التقدمية عام 1967، إلى هزيمة منظمة التحرير واجتياح بيروت عام 1982، كان المراد إيصال المنطقة إلى نوع من الاستسلام الذي يوصل إلى الاعتراف الكامل بإسرائيل في ظل خلل فادح في ميزان القوى لصالحها، يفرز باستمرار عوائق جديدة أمام العرب للقدرة على الحرب.
_(101)_
لكن المؤكد، أن السلاح النووي الإسرائيلي أو التفوق النوعي في التسليح والأمن والجيوش ليست أكثر خطورة على القدرة العربية على الحرب من اتفاقات السلام والاعتراف بشرعية إسرائيل. فالشرعية التي تمنحها القوة الظالمة أو المساعدة الأجنبية للقوى العظمى للكيان الصهيوني لا تساوي شيئاً أمام توقيع صاحب الحق على صك التنازل التاريخي عن فلسطين. وهذا ما جرى التأسيس له في اتفاق أوسلو، وينتظر إتمامه في ما يسمى الحل النهائي للصراع الذي يجري تسويقه تحت شعار إعلان الدولة الفلسطينية على فتات الأرض.
أي مستقبل للصراع.. أي مستقبل لفلسطين؟
في ظل الهجوم الأمريكي ـ الصهيوني الكاسح في المنطقة أصبح المتمسكون بفلسطين متهمون، على الأقل، بالطوباوية واللاواقعية، وأنهم لا يملكون حلاً عملياً يمكن أن يسمح به الغرب أو النظام الدولي الراهن. ومثل هذا الطرح يتجاهل كافة المسلمات السالفة الذكر حول دور الغرب في الصراع، وهي مسلمات تقود إلى بديهة ومسلمة راسخة في عالم اليوم أن لا أحد في الغرب يقبل بزوال أو تفكيك أو حتى إضعاف إسرائيل وإنهاء تفوقها على محيطها. حتى الاتحاد السوفيتي صديق وحليف العرب السابق لم يكن يسمح بزوال إسرائيل.
وفي الجدال الذي نشب في المنطقة والعالم حول مستقبل علاقة إسرائيل بالغرب وبالذات الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب الباردة، وهو جدال غير مبرر برأينا، انتصرت وجهة النظر القائلة بالأهمية الاستراتيجية القصوى لإسرائيل ليس كشريك وحليف للولايات المتحدة الأمريكية فقط في الحرب ضد »العدو الجديد«: الإسلام، بل شريك وحليف للنظام العربي الذي اصطف وإسرائيل في خندق واحد تحت المظلة الأمريكية في قمة شرم الشيخ.
_(102)_
هذا يعني أن مستقبل الصراع على فلسطين هو مستقبل الصراع مع الإسلام في المنطقة والعالم. وحين تكون إسرائيل هي رأس الحربة الأمريكية في هذا الصراع، فإن المشكلة في العالم الإسلامي تصبح أكبر من مشكلة فلسطين. المشكلة هي إسرائيل في مواجهة دول المشرق العربي والإسلامي التي ترفض الاصطفاف في الخندق اليهودي لمواصلة الحرب اليهودية الصليبية التاريخية ضد الإسلام والمسلمين.
إن مستقبل هذا الصراع لا يتحدد بأوهام الرخاء والاستقرار التي تشيعها أمريكا وإسرائيل في ظل عملية التسوية في المنطقة، ولا بالأحلام التي تقف عند حدود المبشرات الغيبية لدى المتمسكين بثوابت الأمة العقدية والتاريخية.
ثمة محددات موضوعية مختلفة يتوقف عليها مستقبل الصراع وفلسطين نذكر منها بإيجاز:
1 ـ العامل العقدي والتاريخي
لقد أثبتت التجربة التاريخية للأمة الإسلامية أن العقيدة هي السلاح الأمضى والعامل الأهم الذي حفظ الأمة عندما سقطت الدول والنظم السياسية الإسلامية المختلفة. لقد غابت دول وسقطت مراكز إسلامية في أتون الصراع المحلي والدولي على مدار التاريخ، لكن التواجد الإسلامي الحضاري ظل قائماً ومتميزاً لأن الإسلام عقيدة التوحيد لم يسقط من ضمير ووجدان وحياة المسلمين. إن العقيدة وروح الجهاد كفريضة ربانية وتكليف شرعي هي التي حشدت المسلمين، وأعطت الدول الإسلامية قدرة على التعبئة أكبر من طاقاتها وإمكاناتها المادية، التي كانت تتآكل بفعل الصدامات والصراعات الداخلية.
لقد كان الإسلام وما زال هو حصانة الأمة في مواجهة الغزو الاستعماري والتحدي الخارجي بكل أشكاله العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والحضارية.
_(103)_
إن إعلان الغرب وأمريكا الحرب على الإسلام والمسلمين اليوم، بدعوى محاربة الإرهاب، هو بمثابة حرب تدميرية لعامل التعبئة والقوة الأهم الذي يمكن أن يمثل نوعاً من التعويض للقصور الراهن في القوة المادية.
لذا فإن انخراط الحكومات الإسلامية في هذه الحرب الصليبية على الإسلام والقوى الإسلامية هو مشاركة في تحطيم جزء هائل من إمكانات الأمة الحيوية في معركة الصمود والنهوض على خريطة النظام الدولي.
إن على النخب الحاكمة في بلادنا أن تتصالح مع الإسلام بصفته عقيدة من جهة، ومشروعاً حضارياً للنهوض من جهة أخرى. وليس معقولاً أو مقبولاً أن تتجه الحكومات إلى التصالح مع العدو التاريخي للأمة بإعلان الحرب على الذات وتهشيم مقومات الصمود والمقاومة في الأمة.
2 ـ العامل التقني والقوة
لا شك أن إسرائيل، بفعل العلاقة الاستراتيجية التاريخية بالغرب والولايات المتحدة، قد تحولت إلى خزان لأحدث النظم التكنولوجية والأسلحة التقليدية منها وغير التقليدية. فامتلاك إسرائيل للأسلحة النووية والصواريخ البالستية والأسلحة الكيميائية والبيولوجية بات حقيقة لا تقبل الجدال. ويولي المشروع الصهيوني اهتماماً كبيراً ببناء القاعدة العلمية والتقنية للدولة اليهودية حتى قبل تأسيسها (1912 أسس اليهود المدرسة التقنية العليا في حيفا، معهد التخنيون لاحقاً- 1918 وضع الحجر الأساس للجامعة العبرية). وتنفق إسرائيل 3% من إنتاجها القومي على البحث العلمي والتطوير, ويعمل في مجال العلم والتكنولوجيا ما يقارب 33% من مجموع الطاقة الإسرائيلية العاملة. وقد ضخت موجة الهجرة اليهودية السوفيتية خلال السنوات القليلة الماضية إمكانات علمية وتقنية جديدة للاقتصاد والمجتمع الصهيونيين. كما أسهمت حالة الانفتاح التي عاشها الكيان الصهيوني بعد انطلاق عملية السلام في مدريد إلى ضخ روافد جديدة
_(104)_
للتكنولوجيا من مختلف أنحاء العالم، فمنذ مؤتمر مدريد تأسست في إسرائيل 3000شركة للتكنولوجيا المتقدمة، وهو عدد يفوق نمو الشركات في كل دول العالم عدا الولايات المتحدة. كما أصبح معدل العلماء والمهندسين كنسبة من عدد السكان يفوق معدل أي دولة في العالم (45 عالماً لكل 10,000 من السكان) . لقد حل الكمبيوتر محل الكيبوتز في بنية الكيان الصهيوني، وبدأت إسرائيل تكتسب لقب »وادي السليكون الشرقي« في أوساط الاقتصاد العالمي تشبيهاً بتلك المنطقة المتفوقة في تكنولوجيا الكمبيوتر في ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة. وفي حين يفوق الناتج المحلي لإسرائيل، والذي يقارب المائة مليار دولار حالياً، نظيره في دول الطوق العربية، فقد أعلن رئيس الوزراء السابق، بنيامين نتنياهو قبل سقوطه أن إجمالي الناتج المحلي لإسرائيل يقترب سريعاً من 40 بالمئة من مجمل الناتج المحلي للدول العربية الـ 22 مجتمعة، وخلال خمسة عشرة سنة سيقترب من 80 في المائة!
هذا يعني أن البرنامج الصهيوني اليوم يقوم على أن تصبح إسرائيل في المستقبل القريب قوة عظمى في المنطقة. وحيث يتداخل العسكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي في الكيان الصهيوني، فإن إسرائيل، عبر تطوير قاعدتها التكنولوجية والاقتصادية، تسعى جاهدة للمحافظة على ميزان القوة الراهن في المنطقة والذي يصب في صالحها، بالحيلولة دون امتلاك العرب والمسلمين لأي من عناصر القوة التي تخل بهذا التوازن.
وتواجه إسرائيل المحاولات العربية والإسلامية لامتلاك قدرات دفاعية في مواجهة ترسانة أسلحة الدمار الشامل التي تمتلكها إسرائيل لإجهاضها عبر أكثر من طريق. فمن تدمير الإمكانات العسكرية العراقية على يد الولايات المتحدة، إلى تطوير إسرائيل، بمساعدة أمريكا، لصواريخ مضادة للصواريخ البالستية التي تمتلكها سوريا ومصر وإيران، والتحريض الدائم على إيران بحجة سعيها لامتلاك
_(105)_
السلاح النووي والضغوطات الأمريكية الإسرائيلية التي تتعرض لها روسيا بهذا الخصوص، يبدو واضحاً أن مستقبل القوة العربية والإسلامية رهينة الوجود الصهيوني في المنطقة.
وإذا اعتقد بعض العرب أن إسرائيل لم تعد تشكل تهديداً أمنياً مباشراً لهم اليوم في ظل اتفاقات السلام، فإنها تمثل تحدياً، بل تبديداً مزمناً لكل قواهم وعبئاً يشل قدراتهم على النهوض.
لكن هذا كله لا يلغي حقيقة أن سعي إسرائيل المبكر لامتلاك السلاح النووي كان مبعثه الخوف من تحول ميزان القوة العسكرية لصالح العرب والمسلمين إذا استطاعوا تحقيق الوحدة من جانب، وإذا نجحوا في تحقيق التطور العلمي والتقني من جانب آخر. ومثل هذه المخاوف لا يمكن تجاوزها لدى قادة المشروع الصهيوني، لا سيما وهم يدركون أن العرب خاضوا حرباً كبيرة ضد إسرائيل عام 1973 وهم يعرفون أنها تملك سلاحاً نووياً.
وبرغم الحديث عن امتلاك إسرائيل لسلاح نووي تكتيكي، لا ينفي خطورة استخدام أسلحة الدمار الشامل حتى على إسرائيل ذاتها نظراً لقصر المسافة الجغرافية وغياب العمق الاستراتيجي للكيان الصهيوني، لدرجة أن موشيه ديان كان قد اعتبر إسرائيل كلها "منطقة حدودية"، إضافة لامتلاك دول عربية وإيران لصواريخ تصل إلى العمق الإسرائيلي، وتستطيع حمل رؤوس غير تقليدية، فإن هذا يعني أن الاعتماد على قوة الردع غير التقليدية لن يكون مكلفاً لطرف واحد في الصراع. صحيح أن الفعالية العسكرية للصواريخ العراقية التي قصفت الكيان الصهيوني أثناء حرب الكويت، كانت شبه معدومة إلا أن آثارها النفسية والمعنوية على الدولة العبرية كانت مدمرة وأحدثت تحولاً كبيراً في التفكير الاستراتيجي بشأن الأمن القومي الصهيوني.
_(106)_
إن إصرار إسرائيل على المحافظة على تفوقها ومركزيتها كرأس حربة للمشروع الإمبريالي الغربي في قلب الأمة يعني أن الدول القطرية في المنطقة لا يمكن أن تتمتع بسيادة كاملة على مواردها وقرارها طالما أن إسرائيل قائمة. وعليه، فلا بديل أمام العرب والمسلمين عن بناء القوة العربية الإسلامية لمواجهة سباق القوة الصهيونية المتنامية لتحصين موقع العرب والمسلمين في النظام الإقليمي، وتحسينه على خريطة النظام العالمي.
3 ـ العامل الديموغرافي
تعاني الدولة اليهودية من صغر القاعدة الديموغرافية مقارنة بالقوة البشرية العربية فضلاً عن الإسلامية. وفي حين توفر الموارد البشرية والاقتصادية التي يملكها العرب والمسلمون فرصة لخوض حرب طويلة المدى إذا توفرت إرادة القتال، فإن صغر القاعدة الديموغرافية للكيان الصهيوني لا تسمح له بتعبئة عسكرية شاملة لفترة طويلة.
كما أن هجرة كل يهود العالم إلى الدولة اليهودية مثلما حلم وبشر بها قادة المشروع الصهيوني لم تعد ممكنة إن لم تكن مستحيلة لأسباب كثيرة. بل ثمة تقديرات لا تتوفر إحصاءات رسمية بها تؤكد أن حركة الهجرة المعاكسة من الكيان الصهيوني إلى الخارج شهدت نزوح ما يقرب من مليون يهودي منذ قيام الدولة اليهودية إلى اليوم.
في اللحظة التي يتمكن فيها العرب والمسلمون من امتلاك قوة الردع التي تحيّد السلاح النووي ويستعيد الردع التقليدي الذي يلعب فيه ميزان القوة البشرية دوراً رئيساً في مجال الصراع مع الدولة اليهودية، فإن الأخيرة ستواجه قدرها المحتوم الذي واجهته كل الكيانات الغريبة التي تزرع في محيط بشري مناقض ومعادٍ لها. والمثال الحي الذي تختزنه ذاكرة المنطقة هو مصير الكيانات
_(107)_
الصليبية التي تفككت وزالت بعد مائتي عام على وجودها في قلب المشرق الإسلامي.
إن الشرق الأوسط الذي تحلم إسرائيل بأن تكون قطعة طبيعية في نسيجه سيفوق تعداد سكانه العرب والمسلمين ثلاثة أرباع المليار خلال عقدين من الزمان. بل إن تقديرات الميزان الديموغرافي الفلسطيني ـ الصهيوني لذات الفترة تتحدث عن وجود 8 ملايين فلسطيني داخل فلسطين مقابل 6 ملايين يهودي عام 2020. فأي مستقبل ينتظر الأقلية اليهودية في هذا المحيط البشري الرافض لها؟
4- واقع المشروع الصهيوني ومستقبله
عقب خسارته في الانتخابات الصهيونية الأخيرة عبر رئيس الوزراء الصهيوني السابق بنيامين نتنياهو عن خيبة أمل كبيرة تجاه يهود إسرائيل متهماً إياهم بأنهم تعبوا من الصهيونية، وأنهم أصيبوا بعدم الاكتراث تجاه المشروع الصهيوني، وغرقوا في حياة الاستهلاك المادي والأمركة والعولمة.
مثل هذا الموقف الذي عبر عنه كثيرون من قادة الفكر والسياسة الصهاينة يؤكد أن المشروع الصهيوني يعاني من مأزق كبير على أكثر من مستوى. إن حالة الاستقطاب التي تشهدها الساحة الصهيونية في الدولة اليهودية والعالم حول أساسيات وأهداف ومنجزات المشروع الصهيوني في ظل التطورات العالمية والإقليمية، تظهر عمق الأزمة التي تعيشها الصهيونية اليوم.
إن أساسيات المشروع الصهيوني وتطورات العلاقة بين يهود العالم والحركة الصهيونية والدولة اليهودية كلها أصبحت مثار جدل بعد أكثر من قرن على انطلاقة المشروع الصهيوني، وما يزيد على نصف القرن من قيام الدولة اليهودية. بعد أن حلت إسرائيل محل الدين اليهودي كبؤرة رئيسة لاستمرار الوجود اليهودي، يبدو أن حالة كبيرة من خيبة الأمل لدى قطاعات كبيرة من
_(108)_
يهود العالم وإسرائيل أعادت إلى الواجهة في حمى الصراع الديني- العلماني من جهة وصراع الطوائف والطبقات من جهة، الأسئلة الأساسية التي صاحبت نشأة المشروع الصهيوني وفكرة الدولة اليهودية حول الموقف من الدين اليهودي، ومن هو اليهودي؟ وما هي طبيعة الدولة؟ وما هي وظيفتها؟ وما هي علاقة يهود العالم بها؟ وما هي حدودها؟ وما مصير العرب فيها؟ وغيرها من الأسئلة.
لقد قام المشروع الصهيوني على وهم كبير، هو وهم الاعتقاد أن يهود العالم هم أمة واحدة، وأن هذه الأمة يمكن إعادة بنائها في فلسطين. وقد حاول المشروع الصهيوني منذ بدء الهجرة الصهيونية إلى فلسطين إعادة بناء هذه الأمة عبر ثلاث مؤسسات وقنوات رئيسة: المزرعة الجماعية، والجيش، والمؤسسة التعليمية. لقد ساد الاعتقاد أن هذه المؤسسات الثلاث كفيلة بصناعة المشترك الروحي والثقافي لدى المهاجرين اليهود وأبنائهم، وكفيلة بترسيخ وجودهم وارتباطهم بفلسطين وإقامة الروابط بين الإنسانية بين جماعات تقسمهم اللغة والعرق والتاريخ وحتى الإيمان اليهودي بأشكاله المتعددة. وربما بدا بالفعل أن هذه المؤسسات قد صنعت أمة بالفعل. ولكن الحقيقة أن هذه الأمة تزداد تفسخاً وانقساماً على مر العقود. بل إن المؤسسات التوحيدية الثلاث ذاتها تبدو في طريقها إلى الانهيار أو التفسخ واحدة تلو الأخرى.
انهارت المزرعة الجماعية أولاً، سواءً لأن حقبة الرواد حاملي المثال الإمبريالي الاستيطاني قد انتهت أو لانهيار المثال الاشتراكي الذي قامت على صورته. كما أن المؤسسة التعليمية تنحدر إلى هوة سحيقة من الانقسام والصراع الداخلي بين مختلف العقائد والفرق اليهودية والصهيونية. لقد كانت هذه التناقضات المتفجرة داخل المؤسسة الثقافية والتعليمية الإسرائيلية هي التي سوغت لإيغال عمير أن يطلق رصاصاته القاتلة على إسحاق رابين، البطل الرمز للمشروع الصهيوني، الأمر الذي كشف عن عمق الهوة التي تفصل بين جماعات الكيان
_(109)_
الصهيوني وبين الجماعات اليهودية المختلفة خارج هذا الكيان. لكن الأبرز في انهيار وهم مشروع الأمة الصهيونية أن مؤسسة الجيش ذاتها قد بدأت بالتفسخ. المؤسسة التي أريد لها أن تجسد المشروع والأمة معاً، وأن تكون أداتهما ودرعهما ومبرر وجودهما الأول والأخير. المؤسسة التي وجدت قبل الدولة والأمة معاً. إن الجيش الإسرائيلي يعيش هزيمة متصلة وتدهوراً في روحه المعنوية بلا توقف منذ أكثر من عقد من الزمان، بدءاً بالانتفاضة الفلسطينية والعمليات الاستشهادية في فلسطين ولبنان وأخيراً نار المقاومة الإسلامية المشتعلة في لبنان. لم تتسم هذه الهزيمة بعجز إسرائيلي واضح عن الرد الفعال على الهجمات المتصلة ضده فحسب، بل وأيضاً بتفكك أخلاقي وتدهور انضباطي وهروب من الخدمة، بل وازدياد حالات الانتحار في صفوف الجيش الإسرائيلي.
لم يسبق أن شهد التاريخ أمة تصنع من هذا المثيل المتفكك من الجماعات العرقية والثقافية والطائفية، وسرعان ما سيتكشف المشروع الصهيوني عن الوهم الأكبر في أوهام هيكله المتعددة. وليس هناك من عامل سيدفع بعملية انهيار وهم الأمة الصهيوني أهم من عامل استمرار الصراع ضد المشروع الصهيوني وأدواته وقيمه.
5 ـ العامل الدولي
لقد جرى تسويق مشروع التسوية الراهن عربياً وفلسطينياً بشكل أساسي كنتيجة لاختلال ميزان القوى الدولي لصالح التحالف الأمريكي ـ الصهيوني بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. ويجري التعاطي مع اختلال ميزان القوة الدولي في السياسة العربية باعتبارها من المسلمات الأبدية التي ترى في النظام الدولي الراهن نظاماً أحادي القطبية تتربع على عرشه وتهيمن عليه الولايات المتحدة إلى ما لا نهاية بلا منازع.
_(110)_
بيد أن التجارب التاريخية تؤكد أن حالة ميزان القوة الدولي ليست مسألة ثابتة غير قابلة للتغيير. بل إن سنن التدافع بين الدول والحضارات تنعكس في صعود بعضها وهبوط أخرى.
وبرغم سعي الولايات المتحدة الأمريكية لتأكيد هيمنتها على العالم بكل الوسائل، وحشد اصطفاف دولي في لحظات أحادية القطبية في النظام الدولي كما في حرب الخليج(الفارسي) والبلقان، وبرغم تراجع بعض القوى والكتل الصاعدة في النظام العالمي المؤقت؛ كالنمور الأسيوية التي عصفت بها أزمة ليست بعيدة عن الأصابع الأمريكية، برغم ذلك فالقراءات والدراسات الجادة لواقع النظام الدولي اليوم تشكك في نجاح واستمرار الهيمنة الأمريكية على العالم. ففي دراسة هامة نشرت بمجلة السياسة الخارجية (فورن أفيرز) الأمريكية (عدد أبريل/نيسان 1999) يذهب صامويل هنتنغتون صاحب نظرية صدام الحضارات –كما آخرون- إلى أن النظام الدولي اليوم لم يعد أحادي القطبية بالمعنى السائد في السياسة الدولية. ويقول أن هذا النظام هو نظام هجين بين الأحادية والتعددية في ثلاثة مستويات معقدة. تنفرد الولايات المتحدة بالمستوى الأول منها كقوة عظمى، والثاني يشتمل على مجموعة من القوى الرئيسة في النظام الدولي تشمل فرنسا وألمانيا في أوروبا، وروسيا في (أرو ـ آسيا)، والصين في شرق آسيا، والهند في جنوب آسيا، وإيران في جنوب غرب آسيا، والبرازيل في أمريكا اللاتينية، وجنوب أفريقيا ونيجيريا في أفريقيا. وفي مستوى ثالث هناك دول ثانوية تشمل بريطانيا في مواجهة فرنسا وألمانيا، وأوكرانيا في مواجهة روسيا، واليابان في مواجهة الصين، وباكستان في مواجهة الهند، والسعودية في مواجهة إيران، والأرجنتين في مواجهة البرازيل.
إن إدارة الولايات المتحدة للنظام الدولي الراهن تعتمد بالدرجة الأولى على إثارة وتأليب دول المستوى الثالث ضد دول المستوى الثاني الرئيسة، لإشغالها
_(111)_
وتطويقها ومنع صعودها كقوة إقليمية مهيمنة، كما يقول صامويل هنتنغتون في دراسته التي يؤكد فيها أن القرن الحادي والعشرين سيشهد نظاماً دولياً متعدد القطبية.
وهذا ما أدركه قادة الكيان الصهيوني منذ انتهاء الحرب الباردة فقادوا حملة واسعة من الانفتاح على معظم دول العالم، وتوثيق العلاقات بها تحسباً لأي انقلاب في موازين القوى العالمية مستقبلاً. فالمعروف أن الكيان الصهيوني لا يحمل مقومات بقائه واستمراره في داخله، بل هو يستمد قوته من دولة عظمى ترعاه وتكفله. فأي تدهور لوضع هذه الدولة على خريطة النظام العالمي لابد أن ينعكس سلباً على وضع الكيان الصهيوني.
يظل السؤال الهام حول موقع العالم الإسلامي في النظام الدولي في عصر التكتلات الاقتصادية والسياسية، وهل يمكن أن يبرز المسلمون ككتلة واحدة بكامل إمكاناتهم الاستراتيجية والحضارية حتى يكون لهم كلمة في رسم مستقبلهم، ومستقبل الصراع مع المشروع الصهيوني ـ الغربي، وهم يشكلون خمس سكان العالم؟
إذا تعذر تحقيق مثل هذا التكتل، كما هو واقع الحال اليوم، فليس أقل من تحقيق قدر من التنسيق والتعاون الذي يسمح بالاستفادة من التناقضات القائمة بين بعض أجزاء النظام العالمي، والسعي لتوظيفها في ما ينفع المسلمين. التنسيق والتعاون لتحقيق أفضل استخدام لموارد الأمة وثرواتها بما يحفظ مصالحها ويصون كرامتها ويحقق عزتها.
خاتمة:
فيما يتواصل الهجوم الغربي الصهيوني الكاسح ضد الأمة
الإسلامية ، وفيما يحقق الهجوم نجاحات واختراقات في جسد
الأمة، عبر أنظمة وحكومات حليفة
_(112)_
للمشروع الغربي الصهيوني، يظل الرهان الحقيقي دوماً على
الشعوب، خزان القدرة الهائل والوعاء الذي حفظ الأمة بحفظه
لعقيدتها في الضمائر والقلوب عندما تنهار العروش والدول.
إن المرحلة قاتمة والمنطقة توشك أن تدخل حقبة جديدة من
التركيع والإذعان للمشروع الصهيوني الأمريكي. بيد أن
"السلام" الإسرائيلي الذي تفرضه قوة السلاح لن يكون
سلاماً، ولن يجلب الأمن والاستقرار لأحد. بل سيزرع عوامل
تفجير جديدة في المنطقة. ولن تستطيع الأطراف العربية
المتصالحة مع إسرائيل حمل المشرع الإسرائيلي بكامله أو
أجزاء منه إلى قلب الأمة.
إن الهيمنة الصهيونية الأمريكية التي تجتاحنا اليوم ليست
قدراً لا حول لنا ولا قوة في صده. وكما أثبتت التجربة
التاريخية للأمة في مواجهة كل الغزاة الطامعين فيها، فإن
الغزوة الصهيونية ستندحر، وإن انتخاب الغرب الإسلام عدواً
هو انزياح طبيعي بالصراع إلى سياقه التاريخي، الذي سيوصل
إلى نقطة الحسم لصالح الإسلام، ولن تكون فلسطين، بأي حال
من الأحوال، أندلس ثانية، بل إن "إسرائيل"، المملكة
الصليبية الجديدة، هي التي ستمحى من الوجود طال النهار أم
قصر.
الهوامش:
__________________
1- المؤتمر الدولي الثاني عشر للوحدة الإسلامية (الإسلام
والأمة الإسلامية في القرن القادم) طهران ـ 26 حزيران إلى
1 تموز 1999م