رسالة التقريب العدد 41 / محرم وصفر 1425 هـ 2004 م

الملف

الصحوة الإسلامية في مطلع القرن العشرين وأثرها في التصدي للإستعمار

أ. حسن الهاشمي

باحث إسلامي عراقي

المقدمة‎:

ان للفكر والثقافة الاسلامية أثرا فاعلا في تحريك الجماهير، وتأجيج النفوس للثورة ضد الظلم والاستبداد والاعتساف‎، أياً كان مصدره‎، سواء أكان استعماراً أجنبياً كافراً، أو حكماً مستبداً ظالماً، او ملكاً فاسداً، لا فرق في ذلك فان كل من ينزُّ للسيطرة والاخضاع‎ والافساد، لمصالح شخصية أو لأهواء ذاتية أو لدوافع شيطانية‎، فان الفكر الاسلامي له‎ بالمرصاد، يكشف عوراته ويدحض أباطيله‎، ويرأب الصدع الذي قد يحدثة في أوساط‎ المجتمع الاسلامي.
فالاسلام وبما يحمل من أفكار متعالية وقيم سامية‎، كالتنظيم الدقيق للحياة الاجتماعية‎ والاقتصادية والسياسية بين الافراد، وإطلاق الحريات التي تضمن سعادة البشر في الدارين‎، ونبذ العنصرية بشتى اشكالها، والمساواة والعدالة وتهذيب النفس والمروءة والاحسان والرأفة والإخاء والتعاون وغيرها الكثير من الاحكام التي لها بالغ الاثر في صيأنة الامة من الانحراف‎ والتيه والضياع‎، فأنه قادر على تلبية مطالب الامة في الحرية والانعتاق والرفعة والكرامة‎ والسيادة‎.

_(120)_


وطالما أن الامة الاسلامية تحمل بين جنباتها تراثاً عظيماً ومتكاملاً، فانها قادرة على‎ التصدي للأزمات الداخلية والخارجية التي تعصف بها، وهي قادرة أيضاً على التفاعل وبشكل‎ مستمر مع القيادة العلمائية المخلصة التي تمثل السماء وأخلاق الانبياء وصفح النبلاء.
ان التفاعل الحيوي والمثمر بين العلماء والامة لة ابعاد حقيقية لا تقتصر على حياة الانسان‎ الدنيوية فحسب‎، بل تتعداها الى الحياة الابدية في الآخرة، وان هذا التفاعل تربطه أواصر أوثق‎ من الصلات التي تربط بين القيادة والامة في المجتمع المادي، البعيد عن قداسة الوجود وكمالات النفس ومراتب الاخلاق والمناقب الانسانية‎.
فيمكن أن تكون الاواصر المادية مقتصرة على المنافع الشخصية الآنية دونما ملاحظة قيم‎ وأخلاق وتعهدات‎، بيد أن هذه المعاني يمكن مشاهدتها بوضوح في العلاقة التي تربط بين الامة‎ الاسلامية وعلمائها الابرار من جهة‎، وبين المسلمين في تعاملهم مع بعضهم البعض‎، وفي تعاملهم مع الشعوب وبقية الأطر الفكرية والثقافية السائدة في العالم من جهة ثانية‎، وكيفية‎ التعاطي مع الاحداث والازمات والوقائع حسبما تتطلبة الظروف القاهرة، وحسبما تقتضية‎ الإمكانات المتاحة من جهة ثالثة‎.
فلو أخذنا شعب العراق أبان ثورة العشرين بنظر الاعتبار فأنه قد عاش في كنف قائد قادر على أن يحقق له آمالة ويخفف عنه آلامه‎، انه إلتف حول قيادة الامام الشيخ محمد تقي الشيرازي، الذي جمع بين ذرابة السيف وذلاقة القلم‎، ذلك القائد الذكي والسياسي الشريف‎، الذي انتهل من ينبوع الاسلام الخالد، استطاع من أن يجنّد كل الطاقات ويشحذ كل الهمم في مدة قصيرة‎، ويخلّص العراق وشعبه من سيطرة الاستعمار المباشرة بعد سنتين من توليّه الزعامة الدينية

_(121)_


والسياسية في المجتمع الاسلامي العراقي. في حين أن دولاً أخرى أبان حملة الاستعمار قد استسلمت لرقاد طويل، دام في بعضها زهاء قرن كامل من الزمن‎.
الجهود كلها تظافرت آنذاك للقيام بالثورة العتيدة‎، شعب ساخط‎، قائد ملهم‎، طبقة قيادية ميدانية من علماء الدين وبعض الوطنيين الاحرار، طلائع الامة المضحية‎، جماهير مؤمنة‎ بالقيادة الرشيدة‎، قرارات حكيمة صادرة عن تلك القيادة‎، منهج عمل واضح‎، كل هذه المقومات‎ تظافرت وتوالدت على ضفافها قناديل الامل نحو الاصلاح والتغيير والانعتاق من كل ظلم‎ وتعسف وعلى مر العصور.
ولكي لا نطيل في قراءة صفحات المجد الغابر والتباكي على الايام الخوالي، ولكي نستلهم‎ من الصحوة الاسلامية دروس البطولة والفداء والتضحية، ولكي نقف على أهم الروافد الفكرية‎ والثقافية التي كانت تقف وراء تلك الصحوة، إليك- عزيزي القارئ - هذه الدراسة التحليلية‎ عن الظروف التي كانت تكتنف المجتمع الاسلامي آنذاك وأهم المرتكزات الفكرية التي انطلق‎ ذلك المجتمع وقادته من خلالها، لمكافحة ظاهرة الاستعمار السياسي والعسكري والثقافي.
الهجوم الغاشم
يمكن اعتبار الفترة الممتدة بين النصف الاول من القرن التاسع عشر والنصف الاول من القرن‎ العشرين هي بداية الغزو العسكري الغربي لبلاد الشرق الاسلامي - العربي.
ولم يأت هذا الغزو اعتباطاً، وانما كانت ثمة مؤهلات تحضيرية قد مهدت الطريق أمام‎ جحافل الغزو الاوروبي للبلاد الاسلامية‎، ومن أبرز تلك المؤهلات الضعف والخور الذي انتاب‎ الامبراطوريتين العثمانية والايرانية اللتين كانتا

_(122)_


تمثلان قطب الرحى التي تدور حولهما دول‎ العالم الاسلامي آنذاك
ففي أواخر عهدها أصبحت الدولة العثمانية جسداً ينخر فية السوس‎، نتيجة لضعف الحكام‎ فيها وعجزهم عن اصلاح الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الولايات الممتدة‎ تحت ظل الامبراطورية هذه.
وهذا أدى بدوره الى تدهور حاد في الوضع الاقتصادي والعمراني بشكل خاص، حيث‎ كانت المجاعات تدور في اطراف البلاد، والجفاف يضرب الاراضى المزروعة، فيدعها قاعا؛ وجيش الفقراء يزداد كل يوم‎، والبحث عن الخبز لايواجه إلا بمزيد من المطالبة بالضرائب من أجل تموين الجيش التركي«(1).
ليت الامر يقف عند هذا الحد، فالاستبداد بلغ ذروته في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، اما الارهاب والظلم الذي مارسته جمعية» الاتحاد« التركية بحق الشعوب الاسلامية‎، فحدِّث ولا حرج‎.
فالحكومة التركية أرادت من خلال هذه الجمعية تتريك الولايات الخاضعة تحت النفوذ العثماني، لذلك كانت العنصرية والدعوة الى القومية التركية أحد أهم سمات تلك الجمعية‎. التي ومنذ تأسيسها ما انفتأت تعزف على هذا الوتر الحساس والخطير في نفس الوقت‎، مما أدّى الى‎ ظهور تيار مضاد في الدول الخاضعة تحت النفوذ العثماني، يدعو الى القومية العربية‎، كما سيأتي تفصيله لاحقاً.
بالاضافة الى ماذكر فإن‎َّ الدولة العثمانية‎، ومنذ أن سيطرت على العراق في مطلع القرن‎ السادس عشر الميلادي، منحت الشركات الاوروبية »امتيازات«(2) سخية.
وهذه الامتيازات» شكلت بدورها مدخلاً مهماً لتغلغل النفوذ والمصالح الاوروبية في الدولة‎ العثمانية وولاياتها ومنها العراق‎«(3).
ولم يقف التغلغل الاوربي الى هذا الحد بل تعداه الى محاولة مسخ هوية

_(123)_


الشعوب الاسلامية‎ العربية، فقد اتخذ هذا التغلغـل في» الولايات العراقية العثمانية مظاهر عدة؛ كان ابرزها التثبيت‎ للنفوذ الاقتصادي والسياسي، الذي ترافق معه نشاط تبشيري وثقافي بارز«(4).
بيد أن هذا النشاط‎، وعلى الرغم من امكانياته الضخمة‎، واستعداداته الهائلة »بقي محصوراً بين جدران الكنائس وأروقة المعابد اليهودية‎، بالاضافة الى التأثير المحدود الذي خلَّفة على‎ بعض اصحاب النفوس المتهرئة من جيل الشباب، الذي انبهر بالتقدم الصناعي والعسكري للغرب‎، دونما يحدث شرخاً عميقاً في عقيدة الشعب العراقي ككل‎، وبالعكس من ذلك فقد التف‎َّ الشعب بأسره حول قيادة علماء الدين‎، واستوحى منهم دروس العقيدة والجهاد في مقارعة‎ الغزاة الطامعين‎، وابلى في مواجهة العدو الغازي بلاء حسناً في كثير من المواقع«(5). بالرغم من امكاناته المحدودة اذا ماقورنت بامكانات العدو الهائلة عدداً وعدة وتنظيماً.
»ولم تكن حال الامبراطورية الايرانية بأفضل من العثمانيين‎، بل في بعض الاحيان كانت‎ ايران تتبع سياسة اكثر ضعفاً واستسلاماً للغرب‎، كما كان الامر في العهد القاجاري، ففي أواخر هذا العهد وبعد أن اعتلى الحكم (فتح علي شاه‎) أصبحت ايران ككرة القدم في ملعب السياسة الدولية بين روسيا وبريطانيا، فمرة تسقط في احضان النفوذ الروسي، وأخرى في احضان النفوذ البريطاني«(6).
ففي ظل حكم الدولتين العثمانية والايرانية، كانت الشعوب الاسلامية تعاني الفقر والفاقة‎ والاستبداد والظلم‎، بينما كان الحكام‎، لاسيما في اواخر عهدي تلكما الدولتين منغمسين في اللهو واللعب‎، بعيدين كل البعد عن مشاعر الشعب واحتياجاته الاساسية في الحياة‎.
وعندما شعر الاستعمار بقوته وسطوته‎، وبضعف وخور حكام الدول

_(124)_


الاسلامية‎، انطلقت‎ جحافله في مطلع القرن التاسع عشر تجوب البلاد الاسلامية طولاً وعرضاً، متخذة اياها دولاً وشعوبها خولاً.
بريطانيا، فرنسا، ايطاليا، ألمانيا النازية‎، واسبانيا، اسماء الدول الاوروبية الاكثر تألقاً في سماء النفوذ الدولي آنذاك، تلك الدول وغيرها كانت تتبارى في حلبة الدول الضعيفة لاقتسام الغنيمة‎.
وبطبيعة الحال‎، فإن الاقوى تكون له حصة الأسد من الغنائم‎، وهكذا كانت بريطانيا العظمى هي السبَّاقة في بسط نفوذها على أكبر قدر ممكن من الدول والممالك الاسلامية‎.
فبدأت في السادس من تشرين الثاني عام 1914م باحتلال العراق ومن قبل»احتلت الهند عام 1818م‎، وهو العمق الاستراتيجي لإيران‎، وحكمتها حكماً مباشراً بعد أن كانت قد بسطت‎ نفوذها عليها فترة غير قصيرة«(7).
وانطلقت بعد ذلك لاحتلال جميع الطرق الاستراتيجية التي تؤدي الى الهند والشرق‎ الأقصى‎، فقامت باحتلال الدول المطلة على البحر الاحمر ليتسنّى لها احتلال مصر، وبعد أن‎ حققت مآربها من ذلك اتجهت صوب البحر الاحمر، فاستولت على معظم دول الخليج وجزرها ذات الموقع الاستراتيجي من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية‎، تمهيداً لاحتلال ايران من‎ الجنوب‎، حيث كان الشمال مسيلاً للعاب روسيا، والتي بالفعل تقدمت واحتلت أجزاء واسعة‎ منه‎، وهي بلاد القفقاز وبادكوبة وبخارى وسمرقند في عهد فتح علي شاه ومازالت تلك المدن‎ واقعة تحت سيطرة دول آسيا الوسطى في وقتنا الحاضر.
وفي عام 1881م احتلت بريطانيا مصر، واعقبها احتلال السودان في عام 1884م‎، وبذلك تسدّت القوات البريطانية جميع الطرق المؤدية الى الهند بوجه المستعمرين الآخرين‎.

_(125)_


أما فرنسا فإنها احتلت الجزائر في العشرينات من القرن التاسع عشر ثم قامت باحتلال‎ تونس عام 1881م‎، وفي عام 1911م احتلت مراكش‎.
كما أن ليبيا وبعض اجزاء المغرب كانتا من نصيب القوات الايطالية والاسبانية على التوالي.
المقاومة العنيدة
وفي ظل هذه الظروف العصيبة التي مرت بها الدول الاسلامية وغيرها من الدول التي وقعت‎ فريسة الاحتلال الغربي، انطلقت طلائع المقاومة من رحم الشعوب المضطهدة‎، لطرد العدو الغازي من التراب الوطني الاسلامي.
ففي العراق‎، انطلقت حركة الجهاد في التاسع من تشرين الثاني أي بعد ثلاثة أيام من احتلال‎ الفاو من قبل القوات البريطانية وشارك في هذه الحركة علماء الدين المخلصين‎، ورؤساء العشائر الغياري‎، وبعض الوطنيين الاحرار.
أمّا الهند فقد استطاع الزعيم الوطني غاندي بمؤازرة شعبة طرد الاستعمار البريطاني بعد أن‎ بقى جاثماً على صدرها عقوداً طويلة من الزمن‎.
وهكذا توالت الثورات والانتفاضات الشعبية ضد الغزاة الطامعين‎، فقد شهدت مصر أنتفاضة‎ عارمة قادها علماء الازهر في وجه غزوة نابليون ثم في وجه الاستعمار البريطاني، وتكللت‎ في ثورة عرابي الكبرى بعد عام واحد من الاجتياح البريطانى لمصر.
اما السودان فإنه شهد بشكل خاص» الدعوة المهدية التي أعلنت الجهاد ضد النفوذ الاجنبي، وحققت انتصارات ساحقة ضد القوات البريطانية، وطبّقت الاسلام في عهد محمد أحمد المهدي عام 1885م‎، ولم تهزم الثورة في السودان إلا في عام 1898م من خلال القوات‎ البريطانية التي تمكنت بعد محاولات كثيرة من

_(126)_


السيطرة عليها«.(8)
وكذلك واجهت فرنسا وايطاليا واسبانيا حركات تحررية عنيفة قادها الامير عبد القادر الجزائري عام 1830م، وفي الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، ومحمد بن علي السنوسي عام‎ 1842م، وعمر المختار عام 1911م، في ليبيا ضد الاستعمار الايطالي، وعبد الكريم الخطابي عام 1914م في المغرب ضد الاستعمار الاسباني والفرنسي.
واستطاعت هذه الثورات» ان تحرر مناطق واسعة‎، وتقيم فيها حكماً اسلامياً لفترات‎ متفاوتة‎، ولم يُصف‎ّ أمرها إلا بالقوة المسلحة الخارجية‎«(9).
المهم أن الثورات الموضعية بقيادة علماء الدين المجاهدين قد قاومت الاحتلال الاجنبي مقاومة شديدة‎، ولم تفترش الارض رياحيناً للعدو أياً كانت الاسباب‎.
ان الذين دافعوا عن الدولتين العثمانية والايرانية في مواجهة الغزو الغربي، ماكانوا يؤيدون‎ الحكم الفردي المتمثل بالدولة الايرانية‎، ولا حتى نظرية الخلافة العثمانية.
فعلماء الدين الذين قاوموا الاستبداد العثماني والقاجاري، دافعوا عن هذين النظامين يوم‎ أن داهم الخطر الاكبر مرابض الامة الاسلامية‎.
دافعوا عن القاجاريين يوم أن حاولت بريطانيا أن تزيل نظام حكمهم وتنصّب مكانهم العميل‎ بهلوي، لتفتح ايران امام النفوذ الغربي.
دافعوا عن العثمانيين عندما اجتاحت القوات البريطانية الولايات الخاضعة لها، بزعم أنهم‎ محررون لا فاتحون‎...
والسؤال المطروح هنا كيف دافع علماء الشيعة - بالخصوص - عن نظام الخلافة العثمانية، والحال أن هذا النظام مناقض تماماً مع الاطروحة الشيعية في الولاية والحكم‎؟

_(127)_


»ليس غريباً أن يكون علماء الشيعة الذين يؤمنون بنظرية الإمامة المضادة لنظرية الخلافة بالقوة‎، في مقدمة الذين أفتوا بضرورة محاربة الغزاة البريطانيين تحت لواء الخلافة العثمانية‎؟ ذلك انهم كانوا يواجهون شرّين أحدهما اكبر من الآخر، الشر المطلق الذي هو سيطرة الغرب‎ الكافر على المسلمين‎، والشر النسبي الذي هو الحكم التركي المستبد الظالم‎، وعندما يخير المرء بين شرّين‎، فعليه أن يختار أهونهما دفعاً للخطر الاعظم«(10).
كما هو معروف ان القوات الاجنبية الغازية قد واجهت في مناطق نفوذها ثورات متعددة المشارب والافكار، وأنها وفي نهاية المطاف تجرعت كأس الهزيمة في معظم تلك المناطق في العالم‎، وإن طال البقاء في بعضها.
وكلما كانت المقاومة اشد وأقسى، كلما كان بقاء الاستعمار أقل وخسارتة أكثر.
وبطبيعة الحال أن الثورات هي تعبير صادق عن ارادة الجماهير في الحرية والانعتاق‎، وان‎ لكل ثورة روافد فكرية ترتضع منها، ليقوى بها عودها، وتتصلب بها ارادتها ومقاومتها.
والذي يقلّب صفحات التاريخ‎، يجدها مشرقة، وكلمات من نور تتوهج منها آيات الكفاح‎ المسلح‎، والانتفاضة الرافضة لكل ألوان الظلم والقهر والاستبداد، أياً كان مصدره، وأنّي كانت‎ قوته‎.
التيارات الفكرية للثورة
وأن أهم الروافد الفكرية التي غذّت الثورة التحررية للشعوب الاسلامية آنذاك اربعة‎:

1- التيار الاسلامي الثوري.

_(128)_


2- التيار الاسلامي المهادن‎.
3- التيار الوطني القومي.
4- التيار العثماني المتخلف‎.

ان هذه التيارات‎، المتباينة في أفكارها ومناهجها ومشاربها، قد شاركت بشكل أو بآخر في تعبئة الجماهير ضد الهجمة الاستعمارية الشرسة على البلاد الاسلامية - العربية.
وكل واحد من هذه التيارات كان يستقطب فئة اجتماعية معينة‎، وتقف وراءه قوى سياسية‎ معينة‎. وكل واحد منها كان يتحرك في اطار الدائرة الشعبية الخاضعة له‎.
وأن الفكر الاسلامي لما يحمله من نتاج فكري غزير وخصب‎، كان رواجه الشعبي أوسع من‎ غيره من الافكار الوضعية‎، ولهذا فإن روافد الفكر والثقافة الاسلامية هي التي أججت روح‎ الثورة والمقاومة لدى كثير من الدول العربية - الاسلامية‎، بالاضافة الى التأثير الملحوظ الذي خلفه الفكر القومي في هذا المجال‎.
فلو أخذنا تجربة الثورة الشعبية في العراق ضد الاستعمار البريطاني عام 1920م نلاحظ‎ وجود فرق شاسع بين التأثير الاسلامي الثوري والتأثير القومي في أوساط الجماهير العراقية‎.
فبينما كانت النوادى والمقاهي منتجع رواد الفكر القومي، كان المسجد والحسينية مراكز مهمة لبث الفكر الاسلامي الثوري.
كان الفكر القومي متأثراً فعلاً بالافكار الاوروبية التي طُرحت بعد الثورة الصناعية الفرنسية، كالعلمنة والتفسير المادي للحياة‎، في حين ان الفكر الاسلامي كان منشغلاً في نقد الحضارة المادية الاوروبية من جهة‎، ومقارعة الغزاة الطامعين بالبلاد الاسلامية من جهة أخرى‎.

_(129)_


رواد الفكر القومي كانوا يتلقون مساعداتهم المادية والمعنوية من الخارج غالباً، بينما كانت‎ الحقوق الشرعية من الخمس والزكاة هي المعين الذي لا ينضب لرفد الحركة الاسلامية في العراق‎.
العلاقة التي تربط بين قادة الفكر القومي وقاعدته الشعبية - قائمة اصلاً على المادة‎ والمصالح المشتركة‎، بينما العلاقة القائمة بين الجماهير المسلمة والقيادة الاسلامية كانت‎ ولاتزال مبنية على أساس التقوى والايمان والعمل الصالح‎.
وما الاستجابة الواسعة التي أبدتها العشائر لدعوات الجهاد التي انطلقت من حناجر علماء الدين الشيعة من على منبر المساجد والحسينيات إلا دليل صارخ على الدور الفعال للعامل‎ الديني في مواجهة المحتل من جهة‎، ودور العلماء وقدرتهم في استنهاض الهمم لمقاومة‎ الاحتلال البريطاني ومن ثم الانتداب‎، من أجل المطالبة بالاستقلال التام من جهة ثانية.
الأدب الهادف
وغير ماذكر، فإن ثمة روافد فكرية أخرى ساعدت على خلق جو ثوري ضد الاحتلال‎ البريطاني للعراق‎، منها: الشعر بشقيه القريض والعامي، ولكن الشعر العامي والهوسات كان أثرها‎ أعظم في النفوس لاسيما في أوساط العشائر في الفرات الاوسط والجنوبي، وكذلك كان للادب‎ والنثر، الذي كان يُلقى في المهرجانات والاحتفالات‎، أو ينشر في المجلات والجرائد أثره‎ الفعال في تجنيد الطاقات وشحذ الهمم لمواجهة الغزو العسكري والثقافي القادم من الغرب‎ الكافر.
هذه المواجهة التي اطلق شرارتها الاولى علماء الدين الشيعة من خلال قيادتهم لطلائع‎ المجاهدين‎، وكذلك قصائدهم ومواعظهم التي الهبت النفوس حقداً وغيظاً على الغزاة الطامعين‎.

_(130)_


ولا يخفى» ان المضمون الاسلامي الذي حملته الثورة لم يتمثل فقط في الدور القيادي البارز للعلماء فحسب‎، وانما في الاهداف والافكار السياسية التي انطلقت على أساسها مقاومة‎ الانجليز، حيث ارتبطت المقاومة من أجل التحرر والاستقلال‎، بالدفاع عن الاسلام والمسلمين‎ ضد احدى الدول الاوروبية المعادية‎، ولعل مضمون القصيدة التي نضمها الشيخ جواد الجواهري في سجن بغداد، بعد ان حكم عليه بالاعدام‎، هي احدى التعبيرات عن ذلك«(11). والذي يقول في بعض أبياتها:

مــددنا بصــائرنــــــا لا العيونا     وفـــــــزنا غداة عشقنا المنونا
رعينا بهــا سنــــة الهاشمـــي     نبي الهــدى والكتـــاب المبينا
وصنّــا كرامة شعــب العراق      وكنــا لعلياه حصنا مصونا
وخضنّا المعامع وهي الحمـــام      نــدافع عن حوزة المسلمينـا
وجحفــل اعدائنــا الانجليــــز      يملأ سهـــــــل الفلا والحزونا
ومــا ضامناً الاسر في موقـف         اطعنــا عليــه الرسول الامينا

وهكذا نجد نفس المفاهيم التي جسدها الادباء والعلماء في الشعر القريض‎، هي ذاتها موجودة في الاهازيج التي كانت تتفجر من حناجر عشائر الفرات الاوسط والجنوبي، تلك المفاهيم الدينية التي رسمت الخطوط العامة للثورة، وألهبت النفوس وأججتها في المطالبة بالحق المغصوب‎، والتراب المضيّع‎، والقيم المهددة‎.
فكان للشعر الشعبي الهادف‎، أثره الفعّال في محاربة الغزاة‎، وتعكير صفو احلامهم الوهمية‎ في السيطرة والاحتلال‎.
فقد عكس هذا الشعر» ولاسيما الاهازيج والهوسات المفهوم الشعبي والاسلامي

_(131)_


للثورة‎، الذي شكل الدافع الاساسي لانخراط العشائر فيها، واستجابتهم لفتاوى العلماء وأوامرهم‎، فالقصائد والهوسات التي نظّمت أبان الثورة وبعدها كانت تعبر عن مدى التأثير القوي لهذا العامل ودوره في الثورة‎«(12). فعلى سبيل المثال تعكس الاهزوجة التي رددتها احدى النساء أمام افراد عشيرتها الظوالم مع بدء معركة الرميثة‎، عن مدى التزام عشائر العراق بالواجبات‎ الدينية في محاربة الكافرين، فقالت: وهي تستحثهم على القتال‎:» ها..ها.. حل فرض الخامس‎ گوموله«، أي ان الجهاد وهو الفرض الخامس من فروع الدين يستصرخكم‎، فلبُّوا نداءه‎ وجاهدوا الغزاة الكافرين الطامعين بأرض المقدسات في العراق‎.
ولم يكن الشعر الشعبي والقريض وحده في ميدان المواجهة للتحريض والتأليب ضد الواقع‎ الفاسد، الذي كان يكتنف العراق في ظل الاحتلال‎، بل كانت الجمعيات والاحزاب والتنظيمات‎ الشعبية بقيادة علماء الدين المجاهدين تلعب دوراً بارزاً في هذا الميدان‎.
الجمعيات الاسلامية‎.. تأثير فاعل
»لقد شهدت حركة المعارضة الاسلامية‎، ارهاصاتها الاولى مع بداية انحسار حركة الجهاد، في اعقاب معركة الشعيبة‎، حيث عقدت لقاءات ومؤتمرات متتالية بين عدد من العلماء في النجف وكربلاء، وزعماء العشائر في الشامية والناصرية والشطرة، وغيرها من مناطق الفرات‎ الاوسط‎، كان الرأى السائد فيها هو الاعداد للثورة على الانجليز ومحاربتهم‎«(13).

_(132)_


الهوامش:
____________________
1 - عباس محمد كاظم - ثورة الخامس عشر من شعبان - ص 17 .
2 - منحت الدولة العثمانية الامتيازات للانجليز للمرة الاولى عام 1580م‎، إلا أن المصنع الذي أنشأه الانجليز في البصرة عام‎ 1643م كان يعتبر بداية لتاريخ النفوذ الانجليزي في العراق‎.
3 - عبد الحليم الرهيمي - تاريخ الحركة الاسلامية في العراق ص 45.
4 - نفس المصدر السابق ص 45 .
5 - السيد عبد الشهيد الياسري - البطولة في ثورة العشرين - راجع ثورة الرميثة ص 191، حصار الثوار لحامية ابي صخير ص 199، معركة الرارنجية ص 205 .
6 - عباس محمد كاظم - ثورة الخامس عشر من شعبان ص 14 .
7 - نفس المصدر السابق / ص 13 .
8 - منير شفيق - الفكر الاسلامي المعاصر والتحديات ص 10 .
9 - نفس المصدر السابق / ص 11 .
10 -عباس محمد كاظم - ثورة الخامس عشر من شعبان ص 79 .
11 -مجلة العرفان - العدد السابع - دور الحركة الاسلامية في مقاومة الاحتلال والمشاريع الانجليزية للسيطرة على العراق‎ (1918 - 1920) ص 62 .
12 - عبد الحليم الرهيمي - مرجع سابق ص 232.
13 - مجلة العرفان - مرجع سابق ص 58 .

   طباعة الفهرس اعلى الصفحة