رسالة التقريب العدد 42 / ربيع الأول وربيع الثاني 1425 هـ 2004 م

 

نظرية الامام الخميني(ره)

حول تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد

أ. الشيخ احمد مبلّغي

مفكر اسلامي من ايران

المقدمة

إنّ مايجري الآن في حوزاتنا العلمية من البحث عن دور الزمان والمكان في الاجتهاد يمثـّل نهضة علمية تتعطش إلى إثبات: أنّ الاسلام يعلو ولا يعلى عليه، وأنـّه يبقى ثابتاً لا تحرّكه تيّارات الشكوك ولا تعجزه الظواهر المعقّدة في الحياة البشريّة ولا تخضعه تقلّبات قضايا المجتمع الانساني.
والّذي شقّ الطّريق لهذه النهضة العلمية المباركة هو الإمام الخميني(قدس سره) إذ قام في هذا المجال بتأسيس نظريّة علميّة؛ هي أنّ موضوع الحكم يتغير بتبدل الزمان والمكان، وهذه النظريّة تتـّسم بالسّمات التالية:
أولا: إن للنظريّة جذوراً تكمن في مدرسة أهل البيت(ع).
ثانياً: إنّ النظريّة تبتنى على دعائم تستقرّ في أعماق الفكر الاصولي لدى الاماميّة.

_(124)_


ثالثاً: إنّ النظريّة تعتبر بحقّ مفتاح العلاج العلمي لما يستجدّ من القضايا في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ولذلك ارتأينا في هذا المقال أن نتصدى لتحليل هذه النظرية واستعراض بعض الجوانب العلمية المتعلقة بها، والّتي يتم في ضوئها تبيين سمات النظرية واثبات صحتها.
ونودّ القول: بأنـّا نستقبل برحابة صدر كل نقد بناء حول ماسنذكره لإثبات النظريّة، إذ نؤمن بأن هذه المسألة حساسة إلى درجة يتطلـّب من الباحثين أن يعمّقوا دراساتهم حولها اكثر فاكثر. ونبدأ بذكر كلام الامام الخميني(قدس سره) في تأسيس النظرية.
قال الامام الخميني(قده سره):
إنّ لعنصري الزمان والمكان دوراً حاسماً في الاجتهاد؛ فالمسألة الّتي كان لها سابقاً حكم خاص يصبح لها حكم جديد فيما لو وقع في ظلّ مجموعة من العلاقات الحاكمة على السياسة والاجتماع والاقتصاد في نظام ما، بمعنى أنـّه بالمعرفة الدقيقة بالعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يعلم أنّ الموضوع الحالي – الّذي يبدو وكأنـّه لا يختلف عن الموضوع الاوّل – هو موضوع آخر، وتبعا لذلك فهو يتطلب حكماً جديدا(1).
تحليل النظرية
يتم تحليلنا لهذه النظريّة من خلال استعراض بعض النقاط:
النقطة الاولى: موقف النظريّة إزاء المنهج الاجتهادي:
المقصود من هذا البحث هو أن نرى موقف هذه النظريّة إزاء المنهج الاجتهادي

_(125)_


السائد في الحوزات العلمية.
ويتم تحديد هذا الموقف من خلال عدة مطالب:

1ـ أنواع المواقف إزاء المنهج الاجتهادي:

كل حركة تدعو إلى التجديد لايخرج موقفها إزاء المنهج الاجتهادي الّذي يسود الآن في الحوزات العملية عن صور ثلاث:
الصورة الاولى: أن ترفض المنهج الاجتهادي وتقترح إحلال منهج جديد مكانه.
الصورة الثانية: أن تدعو إلى عقد تركيب بين المنهج الاجتهادي وبين منهج جديد يحدّد إطاره العلم والتجربة البشرية.
الصورة الثالثة: أن تقوم بتوسعة وتطوير المنهج الاجتهادي بـإضافة قاعدة أو قواعد اليه تتناسق مع اسس المنهج واطره.
إن الصورة الثانية (اي الّتي يتم فيها عقد تركيب بين القديم والجديد) تشترك مع كل من الصورة الاولى والصورة الثالثة في موارد، كما تختلف عن كل منهما في موارد أخرى.
موارد الاشتراك أو الافتراق بين الصورة الثانية والاولى:
أـ تشترك الصورتان في الاشتمال على عنصر رفض المنهج الاجتهادي، غير أنّ الرفض في الصورة الاولى يتم بصورة كاملة، كالمنهج الّذي تبنـّاه بعض المستغربين أو الذين ليس لهم فهم فقهي في ايران. بينما يتم الرفض في الصورة الثانية بالنسبة إلى عناصر خاصّة من المنهج الاجتهادي، أو إلى قيود يتقيّد بها عنصر خاص من هذا المنهج.
ولا يتم هذا الرفض في الصورة الثانية إلا كنتيجة تستدعيها عملية التلفيق بين القديم والجديد؛ وكمثال على الرفض الّذي يتم في الصورة الثانية ما اقترحه

_(126)_


أحد الكتاب من أن نوسّع دائرة الإجماع (الّذي يعدّ عنصراً من عناصر المنهج الاجتهادي) بصورة تجعله ينطبق على التصويت الّذي يتمّ من قبل عامة الناس، حتى يصبح هذا الإجماع مصدراً في مجال السياسة والحكومة لإنشاء الحكم الّذي يجب أن ينزل عليه كل المسلمين(2).
ب – تشترك الصورتان (أي الاولى والثانية) في ادعاء تبنّي لزوم الرجوع الى العلم والتجربة لتأسيس منهج جديد، غير أنّ هذا المنهج يكون في الصورة الثانية تركيبا من ا لمنهج السابق ومايضاف اليه كمنهج جديد.
موارد الاشتراك والافتراق بين الصورة الثانية والثالثة:
أـ تتبنّى الصورتان (اي الثانية والثالثة) عدم كفاية الاجتهاد الدارج لدى الحوزات العلميّة.
ب – تتبنّى الصورتان لزوم إضافة شيء إلى المنهج الاجتهادي ليتدارك به بعض مافقده هذا المنهج في مواجهة بعض الاحداث، غير أنّ الصورة الثانية تدعو إلى أن يكون مايضاف اليه عناصر تتكوّن على ضوء العلم والتجربة، بينما تدعو الصورة الثالثة الى أن يكون مايضاف إلى المنهج الاجتهادي مأخوذاً من نفس الاسس والمواد التي أخذت منها العناصر والقواعد في المنهج التقليدي.
ففي الحقيقة تؤدي الصورة الثانية إلى إضافة العلم والتجربة كمصدرين جديدين الى المصادر المعروفة للاجتهاد، ولكنّ الصورة الثالثة تحافظ على هذه المصادر ولا تضيف اليها أي مصدر جديد.

2- الامام الخميني (قدس سره) يدعو الى الحفاظ على المنهج التقليدي:

والآن ننتقل إلى استعراض جانبٍ من الموقف الّذي اتّخذه الامام (قدس سره) إزاء المنهج التقليدي ، فنقول:
لم تستهدف نظرية الامام الخميني (قدس سره) اعطاء طريقة تستبطن شيئاً

_(127)_


من رفض المنهج التقليدي، بل نجده يصرّ على حفظ هذا المنهج، حيث يقول (قد سره):
يجب عليكم السعي لحفظ الفقه التقليدي الّذي هو تراث السلف الصالح(3).
ويصل الامام »قدس سره« في مبلغ حصره على المنهج التقليدي إلى حدّ يجعل الخروج عنه سبباً لضعف اركان التحقيق والتدقيق(4).
لو وقفنا عند هذا الكلام وقفة تأمّل لوجدنا أنّ الامام (قدس سره) كان يريد – بهذا الكلام – الاشارة إلى أن الخروج عن الفقه التقليدي يؤدّي إلى انهيار صرح الفقاهة، باعتبار أن هذا الصرح الشامخ لايقوم إلا على أساس التحقيق والتدقيق ومالهما من اركان؛ تلك الاركان الّتي جرى الفقه الجواهري (اي الاجتهاد على طريقة صاحب الجواهر) على اساسها.
والحقيقة أنّ هذا التركيز الشديد على حفظ التدقيق الفقهي يمثل امتداداً لتركيز الفقهاء على أن يكون همّهم الاول هو استعمال الدقة للاجتناب عن الوقوع في مغبّة فقه جديد؛ إذ نجد أنـّهم كانوا يصفون كل رأي لم يتم على أساس الدقة المعهودة بينهم بأنه فقه جديد.
ومن هنا يعلم أنّ الإمام الخميني (قدس سره) لم تكن دعوته الى التجديد قائمة على انتهاج إحدى الصورتين (الاولى والثانية)، إذ إنّ هاتين الصورتين تستلزمان رفض المنهج الاجتهادي: إما كلّه (كما في الصورة الاولى) أو بعضه (كما في الثانية).
من هذا المنطلق لا يرى الامام (قدس سره) أية قيمة للمحاولات الّتي تستهدف الوصول إلى احكام الاسلام من دون الركون إلى الاجتهاد، بل يعتبرها اعمالاً كيفية قد تجعل من يمارسها يساند فكرة الرأسمالية او المدارس المنحرفة الأخرى(5).

_(128)_


3- الامام الخميني (قدس سره) يرى الفقه التقليدي مرناً متحركاً بذاته:

هنا نستعرض جانباً آخر من موقف الإمام (قدس سره) إزاء المنهج التقليدي في الاجتهاد، يتبين من خلاله أنّ دعوته إلى التجديد تقوم على انتهاج الصورة الثالثة.
لمعرفة هذا الجانب يكفي أن نذكر نصيّن للامام (قدس سره).
أ ـ إنّ الاجتهاد المصطلح لا يكفي لإدارة المجتمع(6).
ب ـ انا اعتقد بالفقه التقليدي والاجتهاد الجواهري ولا أرى جواز مخالفته، فالاجتهاد يصح بذاك الاسلوب، بيد أنّ ذلك لا يعني أنّ الفقه الإسلامي ليس مرناً متحركا بذاته(7).
وبانضمام أحد هذين النصّين إلى الآخر تعلم صحة ما ادّعيناه من أنّ الامام (قدس سره) كان يدعو إلى ما تتضمنّه الصورة الثالثة، إذ إنّ هذه الصورة تقوم على امرين احدهما : إنّ الاجتهاد السائد في الحوزات العلمية لا يكفي لحل مسائل الزّمان المستجدة. والآخر: إنـّه تجب إضافة شيء إليه مأخوذاً من تلك المواد الّتي اخذ منها نفس المنهج.
فنظريّة تغيّر موضوع الحكم بتبدّل الزمان والمكان جاءت لكي تضيف إلى المنهج التقليدي قاعدة تنسجم مع أركان هذا المنهج.
امّا أنّ هذه القاعدة ماذا تعني؟ وكيف تنسجم مع المنهج التقليدي؟ فالإجابة عليهما ستأتي في البحوث القادمة.
النقطة الثانية: انسجام النظريّة مع اركان المنهج التقليدي:
والمقصود من هذا المطلب إثبات أنّ نظرية »تغيّر موضوع الحكم بتبدّل الزمان والمكان« لم تتبنَّ شيئاً يغاير المتبنيات الّتي نشأ في أحضانها المنهج الاجتهادي.
ولذلك نشير إلى هذه المتبنيات، ونستعرض مدى انسجام النظرية مع كل منها.

_(129)_


فنقول: هذه المتبنيات ثلاثة:

1ـ خلود الشريعة الاسلامية:

من المعلوم أنّ المجتهد لولا ايمانه بهذا المبدأ لما بذل جهده في سبيل فهم النصوص بصدد أخذ احكام القضايا منها، ولو فقد يوماً ايمانه هذا لما اجتهد بعد ذلك أصلاً.
وهذا يكفي لأن يجعلنا نذعن بأنّ الايمان بهذا المبدأ كان له دور فاعل في تكوين الارضية لتحقيق الاجتهاد ومنهجه.
إنّ هذا المبدأ قد تبنّته النظرية(اي نظريّة تغير الموضوع) بجدّية، بل هو يشكّل في الواقع فلسفة تأسيس هذه النظريّة، حيث إنّ الهدف المنشود للنظريّة هو أن تعكس مظاهرخلود الشريعة الاسلامية.
يقول الامام الخميني (قدس سره) مخاطباً بعض المجتهدين:
»إنكم في نفس الوقت الّذي يجب أن تسعوا فيه للحيلولة دون ارتكاب مايخالف الشّرع يجب عليكم ايضا ان تبذلوا تمام جهدكم لكي لا يتهم الاسلام بالعجز عن ادارة العالم في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكريّة المعقّدة«(8).

2- لزوم أخذ احكام القضايا المستجدة من الشريعة نفسها.

إنّ كلمة القضايا المستجدّة عنوان لا يختلف مفهومه بحسب اختلاف العصور، ولكن تختلف مصاديقه باختلافها، فلكلّ عصر مصاديق خاصة من القضايا المستجدة.
إزاء هذا المتبنّى لا تصرّ النظرية على اكثر من دعوى أنّ معظم قضايا هذا العصر قضايا معقّدة، تختلف عن قضايا العصور السابقة، وأنه يجب السّعي لاكتشاف احكامها من الاسلام، وأنّ اكتشاف احكامها يتطلّب سعياً خاصاً واستعداداً مضاعفاً؛ يقول الامام الخميني(قدس سره):
»على المجتهد أن يحيط بمسائل زمانه علماً«(9).

_(130)_


3- استفادة الاحكام من القواعد التي يؤيدها الشرع والعقل والعرف

إنّ هذا المبدأ سبّب نشوء علم الاصول، باعتباره علماً يتكفّل إعطاء هذه القواعد.
إنّ نظريّة تغير الموضوع لم تذهب باتـّجاه نفي هذا المبدأ، بل، انها تقوّمت على أساسه، ونشأت ضمن النطاق الاصولي، غير أنـّها أضافت الى تلك القواعد قاعدة أخرى ليست هي بمعزل عنها (أي القواعد الاصولية) وهي أنّ العلاقات التي قد تبرز لبعض القضايا مع بعضها الآخر في ظل تطور الزمن قد تغيّر واقع القضيّة من حيث كونها موضوعاً للحكم الشرعي، وتجعلها موضوعاً آخر.
ونفس هذه الاضافة لا بأس بها مادام الذي اضيف كان منسجماً مع التفكير الأصولي، أي ليست هناك مشكة علمية في نفس الإضافة بما أنـّها إضافة؛ يقول الامام الخميني (قدس سره) مخاطباً الحوزات العملية:
من الواجب على المجتهدين السعي لتعميق روح الدقة والبحث والنظر والابتكار يوما فيوم واضافة الدراسات الى الدراسات السالفة(10).
وهذه الاضافة قد تصبح ضرورة مؤكّدة يجب السعي اليها وذلك في مثل مسألة حل مسائل الزمان المتجددة، حيث إنّ المنهج الاجتهادي يعتبر شيئاً أعدّه العلماء في ظل الشرع والعقل والعرف، ومعلوم أنـّهم لم يعدّوا إلا القدر الّذي كانوا يحتاجون إليه في الاستنباط، والّذي كان يتناسب مع تلك القضايا الموجودة في أزمانهم ويفي بمتطلباتها، ولكن الآن بما أنّ القضايا أصبحت معقّدة فالمجتهد – انطلاقاً من ذلك الارتكاز القائل بلزوم الاجتهاد – يشعر بأنّ عليه أن يفحص عن طريق يتلاءم مع المنهج الاجتهادي لإستنباط أحكام هذه القضايا من النّصوص .
والّذي يهمّنا هو أن نرى هل تنسجم النظرية مع التفكير الاصولي ام لا؟ أي هل لها جذور في علم الاصول ام لا؟ وكذلك هل يمكن اثبات النظرية ام لا؟

_(131)_


النقطة الثالثة: جذور النظرية في علم الاصول:
نقصد بالجذور الفكرية الاصولية للنظرية هي تلك المرتكزات والأفكار والاصولية التي لولاها لما تقوّمت هذه النظريّة.
وهذه الجذور لو ثبت وجودها تثبت أنّ هذه النظريّة لم تكن بمعزل عن التفكير الاصولي. وهذه الجذور هي:
1ـ عدم خلوّ الواقعة من الحكم: وهذا مبدأ يقبله الاصولّيون؛ وسرّ جعلنا ذلك من مرتكزات النظريّة هو أنّ النظريّة تفترض أنّ الموضوع اذا تبدل فله حكم لا محالة في الاسلام، معلوم أنّه لولا مبدأ عدم خلوّ الواقعة من الحكم لايستقيم الاعتقاد بوجود حكم شرعيّ للموضوع، بعد أن تغير في ظل تبدل الزمان او المكان، ومع عدم استقامة هذا الاعتقاد تصبح النظرية رامية الى أن يجعل الموضوع بعد تبدّله بلا حكم.
2- عدم جواز تعميم حكم الموضوع إلى موضوع آخر إلاّ بالدليل: وهذا مبدأ يتـّفق عليه كافة علماء المسلمين ، وإن كان بينهما اختلاف في سعة وضيق دائرة التعميم المقبول تبعاً لاختلافهم حول الادلة على التعميم؛ فإن البعض يرى ان للقياس اعتباراً في الشرع، ذاهباً لذلك إلى دائرة أوسع للتعميم، بينما لا يقبل الإمامية هذا الاعتبار الشرعيّ للقياس إلاّ في بعض الموارد، مثل مانصّ فيه على العلّة أو احرز فيه المناط للحكم. والسرّ في اعتبار هذا المبدأ من مرتكزات هذه النظرية هو أنـّه إذا كان المفروض تبدّل الموضوع بحسب تغير الزمان او المكان إلى موضوع آخر، فلا يمكننا تعميم حكم ماقبل التبدّل إلى مابعد التبدّل.
3- صلاحية الموضوع لان يكون موطنا للتدقيقات الاصولية:
إنّ الاصوليين فطنوا من خلال دراساتهم الاصولية الى أن الموضوع يكون ميداناً رحباً لأن تجول فيه الآراء وتعمل فيه التدقيقات الاصولية، وأنـّه أرض خصبة تنمو فيها النظريات التي قد تنبثق منها الابداعات الاصولية.
إنّ الكثير من الروائع الاصولية نشأت حول البحث في الموضوع؛ فمثلاً إنّ

_(132)_


لمصطلحي الحكومة والورود صلة بدائرة الموضوع سعة وضيقاً، إذ إنّ الحكومة تعني أن يأتي دليل ويوسّع، بلحاظ كون لسانه شارحاً دائرة موضوع الحكم في دليل آخر، او يضيقها؛ ومثال الاول: (لحمة الرضاع كلحمة النسب) فإنّ هذا يوسّع موضوع احكام النسب؛ ومثال الثاني: (لاشكّ لكثير الشك)، فإنه يضيّق دائرة الشك الّذي جعل موضوعاً في أدلّة فيها أحكام الشك(11). وإنّ الورود يعني أن يأتي دليل ويعدم بوروده هذا موضوع دليل آخر، كدليل (حرمة دخول الجنب في المسجد الّذي يرفع موضوع صحّة جواز مكث الجنب في المسجد)(12).
وفي ظلّ هذه العناية في النظر إلى الموضوع اندفع الامام الخميني (قدس سره) إلى التركيز على الموضوع، ممّا جعله يتمكن من تأسيس هذه النظرية.
4- اتـّجاه الشارع الى تكثير الموضوعات:
إنّ معرفتنا بالاسلام تهدينا إلى أنّ الاسم قد يحسب لعروض حالة في موضوع او زوالها عنه حساباً جديّاً، بحيث قد يتكون من جرّاء هذا العروض او الزوال موضوع شرعي، ولذا توجد في الاسم فروع كثيرة. ولا يخفى أنّ هذه النكتة تنفع في تقريب الاذهان إلى وجود الموضوعات الكثيرة في الاسلام، فلا يمكن أن نحكم على أساس ذلك بعد كل عروض أو زوال بتكوّن موضوع ما، أي تنفع في مقام الثبوت لا في مقام الاثبات. وهذه الحقيقة سادت الفكر الاصولي مما جعله يميل إلى أن يعتبر للاشياء والوقائع حدوداً يتميز بها البعض عن الآخر.
وهذه الفكرة نشأت في ظل مدرسة أهل البيت(ع) إذ إنـّهم كانوا يصرّون على إپداء هذه الحقيقة، لكي يتبيّن بطلان القياس الذي يتطلّب نفي الحدود الواقعية للاشياء، واثبات حدود ظنيّة لها. وكنموذج على ذلك نذكر الرواية الواردة عن (الامام الصادق) (ع) : ما خلق الله حلالاً ولا حراماً إلا وله حد كحدود داري هذه، ما كان منها من الطريق فهو من الطريق وما كان من الدار فهو من الدار، حتى ارش

_(133)_


الخدش فما سواه والجلدة ونصف الجلدة(13).
5- انقلاب الموضوع:
والمثال المعروف لانقلاب الموضوع هو انقلاب الخمر خلا. ولم يختلف أحد حول مسألة انقلاب الموضوع في أنّ حكم الموضوع بعد الانقلاب غير حكمه قبله، لان الانقلاب يجعله موضوعاً جديدا. وهذه المسألة لعبت دوراً مهما في إيجاد الارضية لتأسيس هذه النظرية، بل يمكن القول: بأن نظرية تغيّر الموضوع تعد في الحقيقة تعليقاً على قضية انقلاب الموضوع المسلم بها، معنى أنّ النظرية تقول: بأن تبدل الموضوع لا ينحصر بهذا المورد (انقلاب الموضوع) بل يمكن أن يتم بصورة أخرى وهي تبدله في ظل تغير الزمان والمكان.
هذه جملة من الافكار الاصولية التي هيأت الارضية في الذهنية الاصولية للامام الخميني (قدس سره) لتأسيس نظريته هذه.
النقطة الرابعة: إثبات النظرية
إن على عاتق الحوزات العلمية القيام بمايلي:
1ـ إدراج هذه النظرية المباركة في عداد المسائل الاصولية، واختيار موضع مناسب لها.
2- تأسيس فروع حولها.
3- تعميق الاستدلال في إثباتها.
1ـ إثبات النظرية على أساس تنقيح المناط:
فيما يلي تقريب على أساس تنقيح المناط لإثبات النظرية:
إن شدّة تأثير الزمان والمكان في إيجاد آثار مستحدثة لموضوع ماقد يجعل الفقيه يحرز أنـّه حدث في الموضوع مناط آخر للحكم. ولتوضيح ذلك نقول: إنّ التطورات

_(134)_


الزمنية قد تعطي لشدة عمقها للموضوع آثاراً جديدة، تتبلور في نوعية التعامل الذي يحصل بينه وبين سائر الموضوعات.
ولو ألقينا نظرة تعمقيه إلى الظواهر الاجتماعية لوجدنا أن هناك كثيراً من الموضوعات كانت لها آثار حسنة وبناءة في الماضي، فجاء الشارع لها بأحكام متناسبة معها من الحل والجواز وغير أنّ هذه الموضوعات أصبحت الآن ذات آثار سيئة في بعض جوانبها.
فالفقيه الفطن والعالم بأمور الزمان لا يسمح لنفسه أن يغمض عينيه عن تلك الآثار السيئة، والتي قد تؤدّي إلى محق المعنوية الدينية او الاضرار باقتصاد المجتمع او أهدافه السياسية.
فمثلاً إنّ الملكية التي كانت لها احكام في الاسلام أصبحت لها الآن آثار جديدة، فيما اذا بلغ اتـّساع دائرتها الى حد الرأسمالية، تلك الآثار التي تشكّل اعظم وأوسع خطر على الانسانية وعلى تطبيق الاحكام الشرعية وتحقيق اهدافها السامية.
فهنا (أي إذا مابلغت الملكية حد الرأسمالية) لايمكن القول بأنّ مناط الحكم لم يتغير، وجدير بالذكر أنّ هذا لا يعني أن نحكم بصورة مطلقة على أنّ الملكية بكل مراتبها في هذا الزمان أصبحت موضوعاً جديداً، بل البالغ منها حداً يتغير المناط فيه هو موضوع جديد.
اشكال وجواب:
لو قيل: كيف يمكن الركون الى هذا مع أنـّا نجد حكما لعنوان الموضوع في لسان الدليل الشرعي؟ فاذا لم يتغير هذا العنوان – والمفروض أنـّه لم يتغيّر، إذ الواقع هو الـّذي يتغيّر حسب النظرية – فعلم الاصول يرشدنا إلى الأخذ بـإطلاقه والحكم بعدم تبدّله.

_(135)_


وفي الاجابة نقول: صحيح أنّ الاصوليين يعتنون بعنوان الموضوع واطلاقه وعمومه، غير أنّ هناك اصلا اتفقوا عليه، وهو أنـّه ينبغي ان لا يعتنى بالحدود الظاهرية الثابتة لما جعل في دليل شرعي موضوعاً للحكم، وهذا انما يكون فيما لو أحرز أنّ الحكم قد رُتـّب على هذا الموضوع بلحاظ وجود مناط خاص فيه، وهذا ما يعبّر عنه بتنقيح المناط.
ومعنى عدم الاعتناء بالحدود الظاهرية للموضوع هو أنّ الموضوع في الواقع هو هذا المناط مع ماله من حدود، ولذا لووجد هذا المناط في مورد آخر فيحكم له بذلك الحكم استناداً إلى نفس الدليل.
ونشير هنا الى امرين:
الاول: لا ينبغي أن يتصوَّر أن تنقيح المناط لايمكن أن نجعل لَه هذا الدور الاساس الواسع النطاق مع أنّ الاصوليين قلّما يتفق ان يعملوه، إذ إنّ سرّ ضيق دائرة إعماله في الماضي كان يكمن في ضيق مجاله، بيد أنّ مجاله أصبح الآن متّسعاً في ظل التطورات الزمنية، فيجب إعماله وتنشيطه وإحياؤه بصورة تتناسب مع الظروف الراهنة.
والثاني: إن الحكم بتبدل الموضوع ليس أمرا يتسامح فيه، بل هو يدور مدار إحراز حدوث مناط جديد فيه. ومن هنا نقول: إنّ هذا الحكم بالتبدل يعد جزءاً من عملية الاجتهاد، فلا يجوز لكل احد القيام به.
2- لزوم محاولة معرفة الموضوع:
إن المجتهد اذا لم يكن في السابق مجبوراً على بذل محاولة لمعرفة الموضوعات فنظرية تبدل الموضوعات تحكم: بان المجتهد الآن لابد من أن يكون له نوعان من الجهد: جهد يبذله في سبيل معرفة الحكم، وجهد يبذله في سبيل معرفة الموضوع؛ لانه إذا لم يكن يعرف الموضوع، فكيف بـإمكانه أن يحرز: هل تغير المناط فيه ام لا؟

_(136)_


3- احتياج الاجتهاد إلى العلوم:
وهنا يظهر لنا أنّ عملية الاجتهاد اليوم بحاجة إلى بعض العلوم الحديثة لمعرفة الموضوعات، وليس معنى ذلك لزوم أن يكون المجتهد عالماً بهذه العلوم، بل يمكنه التشاور مع الاخصائيين في هذه الموارد، ولكن الحكم بعد هذا التشاور في ان المناط هل تغير في الموضوع ام لا يختصِّ بالمجتهد فقط.
وغنّي عن البيان أنّ الاحتياج إلى بعض العلوم في عملية الاجتهاد لا يعني أن هذه العلوم تتدخّل في عملية الاستنباط، إذ إنـّها لا تخضع للعلوم ومقتضياتها اصلا، بل الحاجة إلى هذه العلوم تأتي – كما قلنا – في إطار معرفة الموضوع فحسب، اذن فقد تلعب هذه العلوم ذلك الدور الّذي قد يلعبه العرف.
النقطة الخامسة: النظرية ومشكلة الثبات والتغير
والبحث في هذا الموضوع يتمّ من خلال التعرّض إلى امور:
1ـ تحديد مجالات المتغير والثابت:
إن كل نظرية تستهدف إثبات المرونة في الاسلام لم يكن لها بدّ من أن تحسب للتغيّر حساباً إلى جانب الثبات؛ بمعنى أن ترفع اليد عن الثوابت لصالح المتغيرات في بعض المجالات، غير أنّ تحديد هذه المجالات هي النقطة الحساسة في تأسيس النظرية، إذ قد يغيب عمّن يمارس عملية التنظير العلم بالحدود الواقعية لكل من الثبات والتغير، بحيث قد يجعل الثابت في مجال المتغير والمتغير في مجال الثابت، أو قد يوسّع او يضيّق دائرة كل منهما أكثر مماله، أو قد لا يصل الى معرفة كيفية جعل الاسلام المتغيرات تحت سيطرة الثوابت.
والنظريات الّتي تقع فيها مثل هذه الأخطاء تترك آثاراً سيئة جداً على الفهم الاسلامي؛ فمثلاً توسعة دائرة المتغيرات أكثر مما لها يمكن أن تنتهي إلى مايجعل

_(137)_


جوهر الدين في معرض الزوال، او يجعله خاضعاً للتطورات. كما أن تضييق دائرتها يمكن أن يجعلنا نتعامل مع الدين تعاملاً يجمده عن الحركة، ويمنعه عن مواكبة المسيرة الانسانية.
2- المعرفة بالتطورات الزمنية الحادثة
ينبغي ان لا يفسح المجال في تأسيس مثل هذه النظريات إلاّ لمن له معرفة بالتطورات الزمنيّة التي أحدثها العلم والتجربة البشرية، وإلاّ فإنّ العالم الذي لا يعير لتغير الزمن والأحداث والظروف أهميّة، لا ينقدح في ذهنه البحث عن مسألة الثابت والمتغير، ولو واجه بحثاً كهذا لا ينظر إليه بعين الاعتبار.
وبما أنّ نقطة انبثاق النظرية من الحركات الفكرية – أي أنّ النتائج قد تتكيّف وفق الافكار الاوّلية التي انطلق الباحث منها – فإنّ من يحاول تأسيس نظرية مالايكون مأموناً من خطر تحكيم رؤاه فيها، تلك الرؤى التي أخذها من العلم والتجربة، كما وقع ذلك لكثير من الباحثين.
ولذلك فان الخطر الذي يسميه الشهيد الصدر (قدس سره) خطر العنصر الذاتي الذي يحف بعملية الاكتشاف شيئا يبدو أنه خطر جدي، ذلك الذي يعني »أن اضاف الممارس خلال عملية الاكتشاف شيئا من ذاته، وساهم في العطاء فإنّ البحث يفقد أمانته الموضوعية وطابعه الاكتشافي الحقيقي«(14).
3- مجالات الثبات والتغير:
والّذي بـإمكانه أن يمنع من تسرّب هذا الخطر إلى النظرية هو تقيد من يمارس عملية الاكتشاف بضوابط وحدود المنهج الاجتهادي الاصولي ، فإنّ من ليست له معرفة او المام بمعالم أو خطوط هذا المنهج فسوف يقع في انحراف كبير خلال ممارسته لعملية الاكتشاف هذه.

_(138)_


إنّ موطن المتغير حسب نظرية تبدل الموضوع عبارة عن موضوع الحكم فيما إذا تأثر بالزّمان وفي ضوء الالتفات إلى ذلك يمكن القول بأن للثبات مجالات ثلاثة، كما أن للتغير مجالين.
اما الثبات فمجالاته مايلي:
أ ـ الحكم: إنه لامجال للتغيّر والتبدل في الحكم الشرعي في أي زمان أو مكان، وبما أنّ النظرية لا تعتبر الحكم متغيّراً فإنـّها تتّسم بميزة مهمة وهي: عدم تنافيها مع الحديث القائل: بأن: حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة؛ إذ إنـّها لا تعتبر للزمان والمكان حقّاً في تغيير الحكم حتى تكون من ناحية داعية إلى التشريع، بل تعتبر لهما الحقّ في تغيير الموضوعات، وهذا شيء خارج عن التشريع.
ومن ناحية اخرى فهي غير قائلة: بأن الاسلام لايفي بمتطلبات العصر، بل ترى النظام التشريعي الاسلامي متمكناً من مواكبة الأعصار.
قال الامام الخميني (قدس سره):
إنّ القوانين الاسلامية تصلح بصورة دائمية لأن تطبَّق على كل الظروف الزمانية والمكانية، فليس هناك حكم اسلامي يكون مفيداً في زمان ومضراً في زمان آخر. نعم في بعض الازمنة لا يتحقق موضوع حكم ما فيؤدي الى أن يترك ذلك الحكم(15).
ب – الموضوعات الثابتة على كل حال، مثل موضوعات الحدود الشرعية، او الكثير من الموضوعات الاخلاقية.
ج – الموضوعات القابلة للتبدل إلى غيرها بحسب تغيّر الزمان او المكان، غير أنـّها لا تقع بعد في ظروف تجعلها عرضة للتأثـّر بأحدهما.

_(139)_


وهذا يملي علينا أن نذعن بأن صرف القابلية للتأثر بالزمان او المكان لا يكفي للحكم بتبدل الموضوع، بل يجب احراز أن هذا التأثير قدتمّ بالنسبة إلى هذا الموضوع.
امّا التغير
فكلا مجاليه يتمّ في دائرة الموضوع، وهما:
اولاً: انقلاب الموضوع من حالة إلى حالة أخرى. والتغيير الذي يتم هنا يكون في كل من الظاهر والواقع، كانقلاب الخمر خلا. يتفق جميع العلماء هنا على أنّ الموضوع يصبح بالانقلاب موضوعاً جديداً، فيأتي له حكم آخر. وهذا القسم من التغيير خارج عمّا كانت النظرية بصدده.
ثانيا: حصول حالة التفاعل لموضوع مامع الموضوعات الأخرى في ظل مجموعة من العلاقات. وهذا هو الذي كانت النظرية بصدد بيانه وإثباته . والتغيير الذي يتم هنا يحصل في الواقع وان لم ير في الظاهر.
يقول الامام الخميني (قدس سره) : إنّ الموضوع (الواقع في ظل العلاقات الجديدة) يبدو انه نفس الموضوع الاول ظاهراً مع أنه موضوع جديد(16).
إنّ نظرية تبدّل الموضوع – ومن خلال تناولها هذا القسم من التغيير في الموضوع – تمكنت من إدراج كل ما يمكن أن يحصل في ظل حركة الزمن او تغير المكان من التطوّر في هذه المنطقة (منطقة الموضوع). فبحسب هذه النظرية يستوعب الفقه أيَّ تطور أو تغير، ويتصدّى لبيان حكمه. فالنظرية تملي على الفقيه أن لا يتردد أمام أيّ تطور من جانب، ومن جانب آخر أن يبحث في الشريعة الاسلامية عن حكم كل موضوع يظهر الى ساحة الواقع المعاش.

_(140)_


الهوامش:
____________________
1- صحيفة النور، 21/ 98.
2 - انظر مجلة الشريعة والدراسات الاسلامية 1: 43 - 42.
3 - الوصية السياسية الالهية للامام الخميني: 22.
4 - المصدر نفسه.
5 - المصدر نفسه: 34.
6 - صحيفة النور 21: 10.
7 - المصدر نفسه: 98.
8 - المصدر نفسه 31: 61 .
9 - المصدر نفسه 21: 98 .
10 - الوصية السياسية الالهية للامام الخميني: 22.
11 - أصول الفقه للمظفر 2: 197.
12 - دروس في علم الاصول الحلقة 2: 33.
13 - بحار الانوار 2: 170.
14 - اقتصادنا: 43، 44.
15 - صحيفة النور 3: 2.
16 - المصدر نفسه 21: 98 .

   طباعة الفهرس اعلى الصفحة