(9)
التفسير
المختصر المفيد في تفسير القرآن
المجيد
وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ ...
وتوضح الآية اصناف
المجتمع الاسلامي بعد العودة من معركة تبوك ـ وهي من مفاصل
تاريخ الدعوة والحركة ـ وهذه الاصناف هي: أولاً: السابقون
الأولون: الذين سبقوا للدعوة وآمنوا بها بصلابة وتحملوا
الصعاب وهاجروا، او نصروا الدعوة وسدوا ما تحتاجه من
مقتضيات، وثانياً: الفئة التي عملت على الارتفاع الى مستوى
الفئة السابقة عبر اتباعها لها بكل صدق واحسان وطلب للحق.
هذان الصنفان استحقا الرضا الإلهي لانهما بدءا بالمسيرة
الصالحة وحملا همومها وواصلا تحمل المشاق طلباً للرضا
الإلهي الدائم. لتعلن الآية مباشرة هذا اللطف والرضا في جو
ايماني رائع، انه الرضا المتبادل (رضا الله عن عبده
لطاعته، واحساس العبيد بعظمة النعمة الإلهية الغامرة) وإنه
النعيم الدائم الذي يحقق اقصى ما يتمناه الإنسان وأعظمه.
وَمِمَّنْ حَوْلَكُم ... و هذا صنف ثالث يتكون من الأعراب
ومن أهل المدينة موجود في المجتمع يتحرك معه جسداً ولكنه
لا يعيش معه روحاً، بل يعمل على ايجاد انسجام كاذب مع
المسيرة حتى ليكاد ذلك يخفى على القيادة. وإن كان لا يفلت
من عين الرقابة الإلهية. ومن هنا يعذب هؤلاء عذاباً
مضاعفاً لأنهم خالفوا اوامر الله في الواقع واعتادوا عليه
(مردوا) وعملوا على الباس المخالفة ثوباً يقبله المجتمع.
وأمامهم العذاب العظيم في الآخرة.
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ ... وهذا صنف آخر تخلف عن التحرك
مع الجماعة الإسلامية في جهادها، وأدرك بعد ذلك عظمة جرمه
فعاد الى ربه تائباً بعد أن خلط مع عمله الصالح اعمالاً
سيئة فقبل الله توبته وضمه الى المسيرة الصالحة لطفاً
ورحمة وغفراناً. وقيل إنها نزلت في أبي لبابة ونفر من
امثاله بعد أن تخلفوا عن غزوة تبوك، وعندما أدركوا خطأهم
ربطوا أنفسهم بأعمدة المسجد فأطلقهم رسول الله (ص) بعد
نزول هذه الآية.
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ... وسياق الآية يؤكد ان الرسول
(ص) أمر بأخذ الصدقة منهم والدعاء لهم، إلا ان الروايات
تتظافر في أنها كانت منطلق فرض الزكاة وكان ذلك في شهر
رمضان. والآية تركز في خلد المسلم ان الصدقة تطهير وتزكية
للنفس، وخلاص لها من الشح والبخل، بل وتنمية لكمالاتها في
نفس الوقت. كما انها تعني مساهمة المسلم في عملية التكافل
والقيام بمقتضيات الخلافة. ثم أنها تؤخذ في جو أخلاقي رائع
جو الدعاء الذي يسكن النفس لئلا تشعر بضيق الانفاق بعد أن
تعيش اجواء اللطف تحت سمع الله وعلمه.
أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ... تأكيد على جو الزكاة المطهر
والمنمي للنفس بعد أن يقبلها الله بنفسه ويأخذها بيد اللطف
ويتوب على الرافعين ويرحمهم برحمته لأنهم تعاملوا معه.
وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى... وهكذا ينسجم المؤمنون
بعملهم مع المجتمع ليبقى عمهلم يراه الله ورسوله والمؤمنون
الشهداء على مر التاريخ وليطلعهم الله على حقيقة هذه
الأعمال وآثارها يوم الحساب.
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ... وهو صنف لم يتحدد مساره بعد،
ربما لتأرجحه بين السلوك الصالح والانحراف دون ان يتصف
بالنفاق وانحراف العقيدة، وربما لحالة استضعاف ويتخذ مساره
الواضح بعد ذلك فيستحق الجزاء المناسب.
(10)
وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ ... وهذه فئة آخرى معينة يذكرها
القرآن ـ ولا نعدم نظائرها على مدى العصور ممن يستغلون
المظاهر الدينية لضرب الدين نفسه والتآمر عليه ـ فيذكر
أنها تعمل على بناء مسجد (والمسجد منطلق الدعوة وبيت
العبادة) وتقسم على أنها لا تريد إلا الأهداف الخيرة، ولكي
تكسب المسجد قدسية اضافية في ذهن المؤمنين فهي تدعو الرسول
للصلاة فيه.
أما الأهداف الحقيقية لهؤلاء وأمثالهم فهي: الحاق الضرر
بمسيرة الأمة وبث الكفر والشبهات، ونشر الفرقة والتمزيق
بين المؤمنين والارصاد والتآمر عليهم بتشكيل خلية تآمرية
تجمِّع الفئات الحاقدة المحاربة لله ورسوله وتعدهم بالمدد
الكافر (كما تذكر ذلك بعض الروايات) وتعبئهم ضد المسيرة
الصالحة.
وهكذا تفضح الآية هذه الفئة وأساليبها وأهدافها دعماً
للمسيرة بل وارشاداً لأجيال الأمة لتنتبه لمثل هذه
المؤامرات وترصدها بكل دقة.
لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ...
ويأتي النهي الإلهي الصارم
عن القيام في هذا المسجد الضرار، وافشال خطط المتآمرين
باسم الدين. ولعل كلمة (ابداً) توحي بالحذر الدائم من مثل
هذا العمل. ثم يقدم القرآن البديل الصالح، انه مسجد (قبا)
الذي اقيم على التقوى من أول يوم فهو أحق ان يقوم فيه
الرسول، وهو ساحة يقوم فيها المؤمنون بعبادة الله هياماً
لقربه، وشوقاً للطهارة وبالتالي يؤهلون انفسهم لشمول
المحبة الإلهية وما أروعه من مقام.
أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ ... إن البنية الصادقة التي
تقوم على تقوى الله وتحقيق الرضا الإلهي هي أساس انطلاق
المسلم الحق في كل سلوكاته ولا ريب انها اساس لبنيان متين
ثابت لا يقاس الى ما يبنى على منحدر رخو يؤدي الى الهلاك
الجهنمي الرهيب نتيجة الظلم والبعد عن الهداية الإلهية.
لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ...
إن البناء الذي بني على شفا
جرف هار وانحراف وظلم سوف ينهار كما يترك آثاره السلبية في
القلوب يملؤها شكاً وحقداً وحسرة لا تفارقها حتى يتم تمزيق
تلك القلوب المرتابة، وتلك حقيقة تاريخية ثابتة في علم
الله وحكمته.
إنَّ اللّهَ اشْتَرَى ... نقلة رائعة الى حياة الإيمان:
حيث تتم الصفقة الإيمانية بين المؤمنين الوالهين الى الجنة
والعطاء فهم يقدمون لصالح العقيدة ولإسعاد البشرية على
امتدادها انفسهم وأموالهم. فالمهم هو القيام بالواجب، وليس
المهم أن ينتصروا على عدو المسيرة او يقضي عليهم هذا
العدو، وإنما المهم ان ينالوا فيها (الرضا الإلهي)
وبالتالي يتأهلون لنيل الثمن الغالي، إنه الجنة والخلود في
ظل الرضوان الإلهي، وعداً إلهياً حقاً قدم في الكتب
السماوية على امتداد الصراع التاريخي بين معسكري الكفر
والإيمان، ومن أوفى بعهده من الله وهو الخير المطلق
والصادق المطلق والقادر المطلق، وإنها البشارة التي لا
يتصور ما فوقها وانه الفوز العظيم.
(11)
التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ ... تمضي هذه الآية في بيان
صفات المتأهلين لنيل الرضا الإلهي فهم التائبون (العائدون
الى الله) العابدون (الساعون لتحقيق هدف خلقتهم) الحامدون
(الشاكرون نعم الله في وجودهم وأنماط الهداية الداخلية
الفطرية والخارجية التشريعية، وفي الطبيعة حيث يتم شكر
النعمة بإعمار الأرض وتهيئة الأجواء المساعدة للمجتمع
الإنساني الفاضل)، السائحون (بفكرهم سيراً في الأنفس
والآفاق وبعلمهم سيراً في نشره، وبدينهم سيراً في تحكيمه
وتطبيق شريعته) الراكعون الساجدون (اقامة للصلاة وتعظيماً
لشعائر الله، وتوثيقاً للصِلات مع الله) الآمرون بالمعروف
والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله (سعياً في تحقيق
الطهارة الاجتماعية والأمن الاجتماعي والمسؤولية المشتركة
وبالتالي كل أهداف الإسلام الاجتماعية).
فإذا تحققت هذه الصفات في الفرد المؤمن، والمجتمع المؤمن
تحقق الخير كله والبشرى الكبرى، وتميزت الأمة المسلمة عن
غيرها.
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ... وهذه الآية تركز صلة العقيدة
وتغلبها على الصلات الأخرى فحتى بعض التصرفات العاطفية او
الميول الطبيعية إذا تعارضت مع السمات الماضية وجب نبذها،
ومنها مسألة (الاستغفار)، إنها صفة إيمانية يعمل بها
المؤمنون لأنفسهم ولغيرهم ممن هم على نفس المنهج، أما
أعداء الله، أصحاب الجحيم فلا معنى للاستغفار لهم ولا يحق
للمؤمنين القيام بذلك انطلاقاً من وشيجة القربى وغيرها.
وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ ... أما مسألة استغفار ابراهيم
لأبيه المشرك فإنه ـ من خلال خلقه الحميد وحلمه وخوفه من
الله ـ تصور ان أباه سوف يتجه نحو باب الغفران الذي انفتح
له بعد أن وعده ابراهيم بذلك، ولكن تبين بعد ذلك انه عدو
لله فتبرأ منه، وابراهيم كبير العائلة المسلمة وشيخ
التوحيد رمز البراءة من المشركين.
وَمَا كَانَ اللّهُ ... وربما كان المؤمنون الذين استغفروا
لبعض المشركين واجهوا هذه الحالة بخوف، وتصوروا انهم بذلك
قد ضلوا عن الطريق فجاءت هذه الآية لتوضح الموقف وتعلن ان
الهدى قائم وإن هذا النهي إنما يترك مفعوله بعد صدوره
بوضوح (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً).
وهي قاعدة استفاد منها العلماء في تقرير الموقف العملي عند
غموض الحكم الشرعي.
إِنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ ... أما الولاء الكامل فإنما هو
لله ملك السموات والأرض (وهو الوجود كله) ومالك الحياة
والموت، فهو الولي المطلق وهو النصير القادر المطلق ولا
ولاء لغيره تعالى.
لَقَد تَّابَ الله ... إنها العودة الإلهية بالرحمة الى
الرسول الكريم والمهاجرين والانصار الذين وقفوا خلفه في
لحظات العسر الشديد أثناء المسير الى تبوك. وكاد العسر هذا
ان يبعث الشك في قلوب البعض. ولكنها التوبة والعودة
المكررة من الله عليهم بالرحمة لتعصم قلوبهم وتثبتها على
الحق.
(12)
وعَلَى الثَّلاثة ... وهكذا شملت الرحمة الالهية حتى اولئك
الثلاثة الذين تخلفوا عن جيش المسلمين المتحرك الى تبوك
وارجئ الحكم عليهم – وهم كعب بن مالك وآخران من المسلمين –
وقد شكلت حركتهم عصيانا وتقاعساً عن الطاعة في حالة الشدة،
فكان ان صدر الأمر النبوي الشريف بالمقاطعة الاجتماعية لهم
وكانت هذه المقاطعة شديدة الوقع عليهم حتى لكأن الارض
الرحيبة تضيق عليهم بل ان نفوسهم ضاقت عليهم وغمرهم الهم
والكرب وتجلت لهم حقيقة اللجوء الى الله بكل وضوح فتهيأت
نفوسهم لتشملها الرحمة الالهية. ان عزمهم على العودة هي
لطف من الله وتوبة وان قبول هذه العودة والغفران لطف وتوبة
أخرى والله هو التواب الرحيم.
يا ايَّها الَّذين ... ان المفروض بالمؤمن المنخرط في
المسيرة الاسلامية ان يكون معها في السراء والضراء وهذا هو
مقتضى الايمان ذلك انه يؤمن بصدقها ويعلم بانها المسيرة
الحقة التي تحقق رضا الله ومن هنا فان الايمان والتقوى
يقتضيان هذا الانسجام والكون مع مسيرة الصادقين.
ما كان لأهل ... ذلك ان اهل المدينة ومن حولهم حملوا هم
الدعوة من اول الأمر وانطلقوا في هذه العملية التغييرية
الكبرى فليس من اللائق بهم ولا هو مع دعواهم أن يتخلفوا عن
رسول الله قائدهم الى تحقيق اهدافهم او ان تهمهم انفسهم
اكثر من الاهتمام بنفسه، ولا ينبغي ان يصدر ذلك من اناس
يعلمون ان كل ما يبذلونه هو بعين الله، فالضمأ (العطش)
والنصب (التعب) والمخمصة (الجوع) في سبيل الله ، وكل خطوة
يرفعونها ليغيظوا (ويغضبوا) الكفار ، وكل ضربة يوجهونها
لهم، انما هي في حساب الله عمل صالح (تصلح به مسيرة
الانسان) ويترتب عليه الاجر الالهي المفروض للمحسنين. ان
المؤمن اذ يتذكر هذه الحقيقة تصغر عنده الالام، وتذوي
امامه المصالح الضيقة وينشد الى الهدف الكبير الكبير.
ولا ينفقون نفقة... فما قيمة النفقة صغيرة ام كبيرة، وما
اهمية التعب والسفر عبر الوديان اذا كان ذلك بعين الله
ورعايته يكتبه لهم باحسن ما يمكن ويجزيهم افضل الجزاء.
وما كان المؤمنون... وربما كان هذا النهي الشديد عن التخلف
عن الجهاد حافزا لكل المؤمنين للتحرك نحوه تماما كما قد
يتوهم ان التفقه في الدين وهو ايضا امر صعب ولازم – يتطلب
من الجميع التوجه والنفير فجاءت هذه الآية الشريفة لتؤكد
ان الامر فيهما امر كفائي اذا قامت به الجماعة الكافية
يسقط عن الآخرين . فالاسلام واقعي يضع كل شيء في محله
فهناك مجتمع قائم بتسيير الحياة الاجتماعية تقوم طائفة منه
– تقل او تكثر بحسب الحاجة – بمهمة الجهاد، واخرى بمهمة
التفقه في الدين.
وفي الآية دلالة واضحة على حجية قول الواحد من الفقهاء
والرواة اذا رجعوا الى قومهم وابلغوهم بالحقائق التي وقفوا
عليها.
(13)
يا ايها الذين... وينتقل القرآن من حوادث تبوك الى الجهاد
بمعناه العام ليحض المؤمنين على اداء فريضة الجهاد لتحكيم
شريعة الله في الارض.
ويؤكد على التحرك المرحلي من خلال البدء بقتال الذين يلون
ويجاورون (دار الاسلام) ومن طبع القتال الغلظة والشدة في
ذات الله، ولكنها لا تعني العنف الاهوج الذي رفضته النصوص
الاسلامية التي عرضت اخلاقيات الحرب في تصور الاسلام كاروع
مايكون ولا ريب ان كل المحاولات لحذف ثقافة الجهاد من
تراثنا الاسلامي ستفشل لأن القرآن سيبقى حيا فيه ولان عز
هذه الامة في جهادها لاعلاء كلمة الله ولان الله وكل
قدراته المطلقة انما هي مع المتقين.
واذا ما انزلت... أن السور القرآنية هي كلام الله العظيم
وهدىً ورواء للقلوب المستعدة للهدى اما القلوب النافرة
والملوثة بالنفاق فلن يزيدها الا نفورا والآية الشريفة
تكشف بعض حالات المنافقين الذين يواجهون هذه الحالة (نزول
السور) بشيء من التهكم متسائلين عن الأثر النفسي لها لانهم
لم يحسوا بلذتها وعطائها في انفسهم ويحسبون الآخرين على
منوالهم في حين ان انزال سورة قرآنية يعمق الايمان في
النفوس المستعدة للحقيقة ويرفع من مستوى الامل والبشرى
فيها.
واما الذين في قلوبهم ... فالقلوب المريضة كالاراضي البور
يتحول المطر فيها الى وحل والعطاء الطاهر الى رجس اضافي
وعمى مستمر حتى الموت .
او لا يرون أنهم... ولعل الآية تذكرهم بالحالات التي يمرون
بها في حياتهم باستمرار وهي بطبيعة الحال حالات شدة تهزهم
وتدعوهم للعودة الى الله القادر القوي والتوبة اليه ولكن
شدة العناد والنفاق تمنعهم من الاستجابة لهذه الحالات
والتوبة والتذكّر والاتعاظ مما يزيدهم عمى الى عماهم
وبعداً عن الاستجابة لدواعي الفطرة والتنبه الوجداني عبر
هذه التجارب النفسية.
واذا ما انزلت... فاذا انزلت سورة الهية تحمل المعاني
العظام لم ينتبهوا لها بل تغلبهم شقوتهم ويتحينون الفرص
متلصصين ليهربوا من الحقيقة كل ذلك لجهلهم وعماهم عن الحق.
لقد جاءكم... انها رحمة الله الغامرة اذ تبعث في المسلمين
(رسولاً) يحمل كل جلال الرسالة الالهية ولكنه من (انفسهم)
وليس غريباً عليهم وليس ملكاً انه بشر منهم يستطيع ان يكون
خير قدوة واسوة، يشق عليه ان يلقي قومه في العنت والشدة بل
يحرص عليهم ويحنو ويرؤف بهم ويحمل لهم كل معاني الحب
والرحمة.
وما احوج البشرية الى القيادة الالهية الرحيمة وما اروع ان
تنقاد اليها لتحقق لها العلاء المنشود . وهنا نلاحظ
التلاحم بين الاسس العقائدية والجو العاطفي.
فان تولوا فقل... اما اذا تولى الجمع ولم يأتمروا بقيادة
الرسول الالهية الرحيمة فان الله الذي لا إله الا هو كافيه
وناصره والتوكل الكامل عليه لانه مصدر القوى، والقدرة
المطلقة ورب العرش العظيم (مركز ادارة الكون كله).
(14)
الر تلك... اشارة الى علو مقام القرآن لانه كلام الله
النازل بالهدى الحافل بالآيات ذوات المعاني السامية وهو
الكتاب الذي تستقر فيه الحكمه فيتعامل مع واقع الفطرة
وحقائق الحياة ويوجه المسيرة الانسانية الى هدفها المنشود.
أكان للناس... تصور البعض انه من الغريب ان يوحى الى
الانسان في حين ان هذا التصور هو غريب، فالانسان هو
الموجود السامي المفضل القابل لتحمل الوحي وتنفيذ مضامينه
في الحياة ليفتح الوحي آفاقاً ضخمة له وليرسم لعقله
المعالم التي يجب ان يتحرك فيها ويسخر القوى الانسانية
لتحقيقها. والوحي يحمل الانذار لجميع البشر والبشرى لخصوص
المؤمنين بان لهم المقام السامي عند ربهم ان هم ساروا على
هدى الوحي، وحينما لا يستطيع الكافرون مقاومة عطاء الوحي
وانواره يلجأون للتهم الباطلة ويصفونه بالسحر الواضح.
إنَّ ربَّكُمُ الله... شروع في الرد على هؤلاء المكذبين،
وتوضيح قضية الربوبية ونفي الشرك. فكل هذا التناسق في
الكون، وهذه الوحدة في هداية عملية التكامل، وهذه القدرة
النافذة الى كل ذرة فيه، وهذا التدبير الموحد وهذا الكون
الذي يمر خلقه بمراحل يقود الى الايمان بالله ربا يجب ان
تدين له البشرية بالطاعة والعبودية ونفي اي تاثير للشفعاء
وللاسباب الاخرى في مسيرته المنسجمة فهذه الاسباب الاخرى
انما تعمل باذن الله مسخرة له فهو الخالق المدبر لا غير
واليه يجب ان تتوجه العقول والحياة بالذكر والعبادة.
إليه مرجعُكُم جميعاً... بعد ذكر مبدأ الخلق يأتي التذكير
بالمعاد الى الله وحده لا غير وبالوعد الالهي الذي لا
يتخلف، فمنه المنطلق واليه المعاد، وليتحقق العدل الالهي
ويصل العابدون العاملون الى النعيم في حين ينتظر الكافرين
شراب جهنمي وعذاب اليم نتيجة انحرافهم عن الحق.
هو الذي جَعَلَ... آيتان الهيتان بارزتان امام الفطرة
الانسانية فيهما مثال التحرك الكوني والانسجام الجميل،
وروعة الضياء والنور، ومراحل الحركة والعطاء المؤثر على
حياة الانسان وتنظيمها عدداً وحساباً والتتابع منذ عرف
الانسان نفسه، كلها حقائق تدركها النفس بوضوح ويكتشف العلم
الانساني على مر العصور حقائق اعظم واعظم ولكنها كلها تبقى
منسجمة مع ظهور هذه الآية وتؤكد الحق الذي يقوم عليه الكون
كله ومنه هاتان الظاهرتان. وهذا التناسق الجميل والنظام
الرائع الضروري لحياة الانسان الجسدية والاجتماعية ـ بما
لا تستغني عنه البشرية ـ يكشف عن الربوبية الواحدة
والتدبير الحكيم المتفرد.
إنَّ في اختلاف... وهذه الحركية المنسجمة آية بنفسها
رائعة، وهذا التنوع في ماخلق الله في هذا الكون الوسيع من
العجائب تشد القلوب الى الرب المدبر الواحد فتدفعها للقيام
بحق العبودية بكل معانيه وتحقق التقوى النفسية بكل قوة.