رسالة التقريب العدد 49 /جمادى الاولى وجمادى الثانية 1426 هـ 2005 م

(189)

الملف

الوسطية الاسلامية ودور العلماء

أ.د. محمد فارح

عضو المجلس الاسلامي الأعلى - الجزائر

الوحدة الإسلامية

الوحدة نزعةٌ فطريةٌ في الإنسان، تولد معه، فيبحث لدى ولادته عمن يحتمي به ويلتجئ إليه، ويجد ذلك في ثدي أمه، ثم تنمو هذه النزعةُ الفطريةُ وتكبُر مع كبره حتّى تصبح قوة تدفعُ إلى التجمّع والتناصر والتَّحابُب، وتنبت في أعماقه شعوراً يغذّي حاجته إلى التحابُب، والتّقارب والتفاهم، والترابط والتعاون والاستنجاد والاستنصار، ويدعم فيه حبَّ الاتحاد والاجتماع والتراحم.

والإسلام دين الفطرة، أعلن هذه الوحدة بلسان قرآنه، وبين أصولها وجذورها فقال تعالى في الآية الثالثة عشرة من سورة الحجرات: (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا…)، وقال في الآية الأولى من سورة النساء: (يا أيّها الناس اتقوا ربّكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها…)، وفرضها على المسلمين، وجعلها جزءا لا يتجزأ من عقيدتهم، وبناها على الأخوة الإيمانية، فقال تعالى في الآية العاشرة من سورة الحجرات: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) وقال عليه الصلاة

(190)

والسلام (المسلم أخو المسلم)، وعلى التماسك، والتعاضد، والتكافل، والتلاحم، والقوّة: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا – لا يؤمن أحدكم حتّى يحب لأخيه مايحب لنفسه – يد الله مع الجماعة، ومن فارق الجماعة شبرا فمات، فميتته جاهلية». وشاد الأمّة الإسلامية والدولة الإسلامية على هذه الروابط الروحية الأساسية حتى صار المسلمون أسرة واحدة كبرى، وصاروا جسما واحدا قويا يهتز كلما مُسَّ عضو منه، وتتداعى أعضاؤه الأخرى إلى معونته ونصرته.

ولم يفرض الإسلام الوحدة على المسلمين، ويأمر بها ويسكت، وإنما أمر بها، ونهى عن الفرقة والانقسام والخصام، وحذر من العواقب الوخيمة التي تصيبهم إذا انقسموا وتخاصموا أو تنازعوا فقال تعالى في الآية الثالثة بعد المائة من سورة آل عمران:

(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)، وقال في الآية السادسة والأربعين من سورة الأنفال: (وأطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) وقال في الآية الثالثة عشرة من سورة الشورى (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)، وأمرهم رسول الله(ص) ألا يقرأوا القرآن متنافرين، فقال: «اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه» أي تفرّقوا وانصرفوا لئلا يجرّكم التمادي في الاختلاف إلى الشّر.

واشتدّ في المحافظة على وحدة الأمّة الإسلامية ووحدة كلمتها وعقيدتها، وسلامتها من الضّعف والوهن، فحكم بقتل من يخرج عن الطاعة ويفرق الجماعة، فقال عليه الصلاة والسلام «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه».

لقد حرص الإسلام على الوحدة والترابط، وحذر من التّفرق والصراع، لأنّ الوحدة عزّة وقوّة، والفرقة ضعف، وذل، وهوان، وجاءت هذه الوحدة في أمر سماوي أوجب الله تطبيقه، وألحّ على تنفيذه، وكرَّر دعوته إلى ذلك حتى تقوم

(191)

حياة الأمّة الإسلامية قويةً، ويكون المسلمون والمسلمات فيها قلباً واحداً، ويداً واحدة، تبني المجتمع على قواعد ثابتة، وتنشئ الحضارة على أسس فكرية متماسكة، وتتجه إلى غايات وأهداف مشتركة واضحة، منطلقاتها في نفوس أبنائها، وعقولهم، وقلوبهم، ووسائل الوصول إليها بين أيديهم، وفي أركان عقيدتهم الإيمانية، وركائزها في شعائر عباداتهم كالصلاة، والصوم، والزكاة، والحجّ، وصلاة الجماعة والجمعة. والمواسم والأعياد الشرعية، والأذان والإقامة، والقبلة الواحدة، والكتاب الواحد، والنبي الرّسول الواحد والرّب المعبود الواحد.

وطبق رسول الإنسانية وصحبه الأمر السماوي فشادوا الدولة الإسلامية على الرحمة والقوة والعدل، ونسجوا أمتها على المساواة وحرية الاعتقاد والتعبير، وتحطيم الفخر بالألوان والأنساب، وإبطال الاعتزاز بالآباء، والأجداد، وشقوا طريق المستقبل، وقفزوا إلى الصدارة، ففتحوا أبواب التقدم على مصاريعها في جميع الاتجاهات، وظلوا هكذا أقوياء ينتقلون من مرحلة إلى أخرى حتى ضعف إيمانهم واضطربت ألسنتهم، واختلفت أفكارهم، وانفصلت عن إسلامهم أو كادت، ودبّ مرض الشقاق والانقسام فيهم، فتفرقت كلمتهم، وانحلّ عقد نظامهم، وتمزّقت وحدتهم، وخرجت منها كيانات متنافرة متضاربة، لا تخشى الفقر والتمزق والعصبية وإراقة الدماء وإزهاق الأرواح، ولكن تخيفها الوحدة والتضامن، والتعاون، ودعوة التناصح، والأخوة والوئام والسلام، وعمّق الاستعمار الفكري والروحي والبدني هذا في النّفوس، والعقول، فظهرت الحدود المادية والحواجز المعنوية، ومرّت على ذلك قرون، وحاول بعض أهل الرأي الإسلامي وصل تلك الكيانات بعضها ببعض، وإزالة الحدود، ونسف الحواجز، فلم ينجحوا، وماتزال محاولاتهم أفكارا وآمالا مثالية، تطعنها في الصميم مشكلات يفتعلها خصوم الإسلام بين الفترة والأخرى في الوطن الإسلامي، وبين المسملين في مختلف ربوعه، ومن المحزن المؤلم أن يدرك المسلمون هذا الداء

(192)

 القاتل، ويسكتوا عنه، ولا يحاولوا علاجه بروح الدّين الإسلامي العالمي في ندائه، والإنساني في دعوته، والوحدوي في أوامره ونواهيه، وفي تربيته وتشريعه، وفي عباداته ومعاملاته وأخلاقه.

فالوحدة في مفهوم الإسلام قوة لا تقهر، والتّفرق داء عضال، يستعصي علاجه على غير المؤمنين، والإسلام جامعة روحية، وثقافية، وتربوية أو مادية وسياسية، لكن المسلمين أعرضوا عنه أو تهاونوا في العمل بتعاليمه فأضاعوا وحدتهم وجامعتهم، واستخف كثير منهم بتعاليمه فتاهوا، وفقدوا أسباب القوّة الأساسية، وبذّروا ثرواتهم الفعلية، ورفع بعضهم شعارات إسلامية، غير أنهم ناقضوها بسلوكهم وأعمالهم، ولم يجدوا أنفسهم في ركام التيارات الفكرية والدينية والسياسية المتخاصمة في عقولهم ومشاعرهم، فخسروا بكل ذلك وحدة الاتجاه ووحدة الموقف. ووحدة الفكر والتفكير، ووحدة اللغة والدين، والتفاهم والتسامح، وتقطعت أوصال الرحم السياسي الإسلامي بينهم، فضيعوا القيادة الجماعية المشتركة، والقيادة الدينية العالمية الموحدة، وفقدوا الرشد في محاربة التخاذل والانكسار، وانحدروا من المكانة التي اختارها الله لهم، وحاطها بحصون وشروط، وعززوا بهذا الانحدار قوة أعدائهم وأعداء دينهم.

إنّهم يقرأون القرآن، ويصلون في المساجد، ويصومون، ويزكون ويزورون بيت الله الحرام، ويوحدون الله في كلامهم، لكن ماذا ينفعهم هذا إذا خسروا مقوماته، واخترقوا حرماته ولم يقدروا على تجديد طريق القوة الحقيقية طريق الوسطية التي لا يعتريها ضعف، ولا ينال منها شقاق لفظي أو دموي، ولا يمتد إلى أصولها وفروعها تفكك أو نفاق.

وطريق هذه القوة هي أن يحققوا وحدتهم الدينية قبل أيّة وحدة أخرى، فتجتمع القلوب، وتلتئم الصفوف وتكون الألفة، والتعاون، والتضامن، والتكاتف.

(193)

الخلاف والاختلاف

لكن كيف يمكن أن تتحقق هذه الوحدة الإسلامية في ظل الخلاف أو الاختلاف؟ وكيف تتعاون العقول المتضادة والنفوس المتنافر بعضها من بعض؟ وكيف يتجاوز المسلمون خصوماتهم، ويبنون وحدتهم الفكرية على الألفة والتفاهم؟

اختلاف المسلمين العلماء وأهل الفكر والرأي في مناهجهم الفكرية واجتهاداتهم الفقهية وأعمالهم السياسية، لم يكن بدعة فيهم ابتدعوها، بل هو بعض من اختلافهم التاريخي ومن اختلاف الناس في الدنيا كلها»، فالأفكار والآراء لا يمكن أن تتشابه وتتماثل، ولا يمكن أن يكون بعضها نسخا من بعض، ولكنها آراء وأفكار مستقل بعضها عن بعض، تلتقي في الميدان حينا، وتتصادم أو تتصارع أحيانا أخرى، والتصادم بين الأمزجة البشرية لا يتوقف ولا ينتهي ما دامت المشكلات تتوالد من رحم الحياة، وما دام الناس يتنافسون في تعقيدنا.. وكذلك الأفكار تختلف، وتتأثر بأمزجة أصحابها وطبائعهم.

فالعلماء وأهل السياسة والفكر من حقهم أن يتفقوا على كل شيء، ومن حقهم أن يختلفوا في كل شيء، ويمكنهم أن يتحاوروا ويتجادلوا في ود علمي صادق، يقودهم إلى الاتفاق، وربما يقودهم إلى الاختلاف وهذا الاختلاف من طبيعة أصول الحياة، ووليد اتصال هذا بذاك وهؤلاء بأولئك، ولو لم يكن هناك اتصال وصدام «لما كان بين النّاس اختلاف واختصام، والكون نفسه الذي نعيش فيه ليست طبيعته اتفاقية، بل طبيعته اختلافية في الألوان والأنواع والصور وغير ذلك، وسجل القرآن هذا في الآيتين السابعة والعشرين والثامنة والعشرين من سورة فاطر، فقال: )ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها، ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود. ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك، إنّما يخشى الله من

(194)

عباده العلماء..(، ولم يقتصر الاختلاف على مخلوقات معينة، بل وقع بين الملائكة والأنبياء، كما وقع بين غيرهم فقد «ذكر القرآن الكريم أن الملائكة(1). اختلفوا واختصموا فيما بينهم في قوله تعالى في الآية التاسعة والستين من سورة ص: )ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون( كما اختلف الأنبياء؛ ومن صور ذلك: اختلف موسى وأخوه هارون عليهما السلام حتى أخذ موسى بلحية أخيه، ولامه أشدّ اللوم على ترك بني إسرائيل يعبدون العجل السامري: فقال تعالى في الآيات: الثانية والتسعين، والثالثة والتسعين، والرابعة والتسعين من سورة طه، قال: )يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني أفعصيت أمري؟ قال: يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، إنّي خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي(، واختلف موسى والخضر في ثلاثة مواقف انتهت بافتراقهما، وسجّل القرآن هذا الافتراق، فقال في الآية الثامنة والسبعين من سورة الكهف: )قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل مالم تستطع عليه صبرا(، واختلف داود وابنه سليمان عليهما السلام في حكم الغنم التي نفشت(2) في زرع القوم، وتفرقت فيه وانتشرت ليلاً، ورعته وأفسدته بلا راع، وأوضح القرآن أنّ الصواب كان مع الابن، وأثنى عليهما معاً، فقال في الآية التاسعة والسبعين من سورة الأنبياء:)ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكماًوعلماً(.

فالاختلاف – إذن – من سنة الحياة ومن طبيعتها، ومن تفاوت المدارك، والعلوم، والجدية في البحث والاجتهاد، وامتلاك وسائل الاكتشاف والإدراك، وليس العيب أن يختلف العلماء وأهل الرأي في مسألة دينية أو في مسائل، أو يتجادلوا فيها، كما حصل فعلاً في تاريخ رجال الأمة الإسلامية ولكن العيب الخطير أن يشتدّ هذا الاختلاف ويتعاظم حتى يصبح حرباً قاتلة، وتفرقاً شنيعاً، وطوائف متخاصمة، تغذي الأهواء والأغراض خصومتها، وتذكي التباعد

(195)

 والتباغض بينهما، وتمنع المسلمين والمسلمات أن يؤدوا شعائرهم الدينية في أخوة ووحدة، وتقارب وتفاهم،وتضامن وتعاون.

وليس الاختلاف من طبيعة الحياة وسننها فحسب، بل الاختلاف حقّ أيضاً، رفعه بعضهم إلى درجة الواجب والفرض، وأكّد أنّ الله سبحانه وتعالى: «أراد الناس(3) مختلفين لحكمة قدرتها مشيئته»، واستخرج ذلك من نصوص قرآنية منها قوله تعالى في الآية الثامنة عشرة بعد المائة من سورة هود: (ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم)، وقوله تعالى في الآية الثالة والتسعين من سورة النحل: (ولو شاء الله لجعلكم أمّة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء).

لكن آراء العلماء والمجتهدين في الاختلاف تعددت واضطربت، فمنهم من قسمه إلى أقسام، فجعل الاختلاف(4) المحمود أو المقبول، والاختلاف المشروع، ومنهم من سخط على الاختلاف والمختلفين والمتفرقين، وحمّلهم مسؤولية ما يتخبط فيه المسلمون، ومنهم من يرى أنّ التفرق شر كله، قال الإمام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، منذ أكثر من خمسين عاماً: «إن التفرق شر كله، وشر أنواع التفرق ماكان في الدين، وشر أنواع التفرق في الدين ماكان منشؤه الهوى والغرض، ونتيجته التعادي والتباغض..»، وأوضح أن «أول ما نشأ في المجتمع الإسلامي من جراثيم التفرق في الدين الكلام في القدر، والخوض في الصفات، وقارن ذلك حدوث الخلاف في الخلافة: هل هي شعبة من الدين تفتقر إلى تنصيص من الشارع، أو هي مصلحة(5) دنيوية ترجع إلى اختيار اهل الرأي من الأمة… وهذه المسألة هي المعترك الأول الذي اشتجرت فيه الآراء حتى تطرفت» ، ثم أكد الإبراهيمي أن اتساع الفتوحات الإسلامية وفّر الدواعي لظهور المذاهب الفقهية والمذاهب الكلامية، والمذاهب الصوفية في أزمنة متقاربة، وبين أن «المذاهب الفقهية كان حدوثها ضروريا وطبيعيا، ما دامت

(196)

السنة لم تُجمع، وهذه المذاهب في حد ذاتها ليست هي التي فرقت المسلمين، وليس أصحابها هم الذين ألزموا الناس بها أو فرضوا على الأمة تقليدهم، وإنما الذي يعده الشيخ في أسباب تفرق المسلمين هو هذه العصبية العمياء التي حدثت بعدهم للمذاهب».

التقليد والمذهب والمذهبية

فماذا أقول في المذهب والمذهبية والتقليد؟

هذا عنصر آخر من عناصر الموضوع، بعضه فيما سبق وبعضه فيما يأتي، ويبدو لي أن التقليد والمذهبية مترابطان، فلا يكاد الإنسان يكون مقلدا حتى يكون صاحب مذهب، ولا يكون متمذهبا حتى يكون مقلدا، والتقليد في تفسير العلماء هو اتباع الغير أو العمل برأيه من غير حجة ودون دليل، وقد ذم الله المقلدين في العقيدة فقال في الآية السبعين بعد المائة من سورة البقرة )وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون(، وقال في الآية الرابعة بعد المائة من سورة المائدة:

)وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرّسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون(، وشجّع الرّسول (ص) الاجتهاد، واستخدام العقل وروح الاستقلال في التفكير، فقال: «من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد»، وإذا كانت دلالة التقليد تقترب من دلالة التمذهب أو تساويها فإن المذهبية تثير خلافات وخصومات ومناقشات في الساحة الإسلامية الحالية، وقد قرأت من إنتاجها كتابين، أحدهما عنوان: (اللا مذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية) للدكتور محمّد سعيد رمضان البوطي، وثانيهما عنوان: «بدعة التعصب المذهبي وآثارها الخطيرة في جمود الفكر وانحطاط المسلمين» للأستاذ: محمد عبد عباس،

(197)

ويتضّح من العنوانين أن الشيَّخين متضادان، الأوّل يدافع عن المذهبية والثاني يهاجمها، وما أرجوه أنا وغيري منهما أن يعملا ليكون هذا التضادّ أو الخصام حواراً علمياً يخدم الدّين والأمّة، ويحرّر المشاعر من الانفعال السّلبي، والعقول من الجمود والتعصب.. ويحقّق التقارب والتفاهم، أو يبني جسور الاتصال والتفاهم، وأكبر الظن أن مشكلات المسلمين ليست في المذاهب ولا في المذهبية، ولكن في التّعصب والعصبية؟ فكيف ذلك؟

العصبية والتعصب

العصبية مرض خطير، هدّ كيان الأمّة الإسلامية، وحرمها الألفة والتفاهم والاستقرار، وهي أنواع منها العصبية العرقية، والعصبية القومية، والعصبية المذهبية الفقهية، وهذه أخطر العصبيات في رأي عدد من العلماء وأصحاب الرأي والفكر..

وتكون العصبية «حين يعجز العقل عن الإدراك أو عن الإقناع بالحجة والبرهان، ويبدأ ذلك بعجزه عن الفهم والاستيعاب وقصوره عن مباشرة عمله الأساسي(6)، وهو الإحاطة بما حوله واستنباط الأدلّة والبراهين».

فالعقل يعجز عن إدراك الحقّ حين يغلبه الهوى، وتطغى عليه الأنانية والذّاتية، ويقوى عليه الطمعُ، ومتى انغلق العقل الراشد، تكلّمت اليد أي تكلم السلاحُ، وظهرت العصبية، وسرى الوهن في طاقة التفكير..» وغاب العلم والفهم ومنطق الحكم والحوار والرشد.

والعُصابُ شقيق العصبية والتعصّب، وإن تأخر عنهما في الاستعمال، واختلف في الدلالة؛ فالعصاب مصطلح يدل على الخلل العقلي النْاشئ عن الاضطرابات النفسية(7) والوظيفية، ويظهر في عدة أمراض نفسية كالأفكارالثابتة، والمخاوف، والشكوك، واضطراب الكلام، والإحباط، والعصبية

(198)

والتَّعصب فيهما رائحة من هذا المرض، وكلاهما يدلّ على خلل في التوازن العقلي والنَّفسي والشعوري.

فالتعصب كان، ومايزال، داء الأمم والشعوب ومرضها العضال، يمزقها أحيانا، ويشعل فيها نار الفتن أحيانا، ويحرمها نور الهداية أحيانا أخرى، والعصبية مشكلة تاريخية معقدّة في حياة الأمة الإسلامية، لم يستطع المسلمون أن يتحرّروا منها، ولم يقدروا على قهرها بالقوّة الإسلامية والرّوح الإيمانية، وبدت آثارُها في تمزيق المسلمين، وتفريق كلمتهم وانقسام العلماء وأهل الفكر والرّأي فيهم انقسام تعصّب وطائفية ومذهبية لا انقسام علم وحق واجتهادية.

لم يبق التعصّب المذهبي مجرّد اتجاه في الفهم والفقه، ولكنّه انقلب حزبا سياسياً أحياناً ينطوي على نزعات عرقية وإقليمية، وعلى تيارات طائفية تدعم العصبية المقيتة التي أضاعت الجهود، وأشعلت نيران الفتن في مختلف الربوع الإسلامية.

ويمكن أن يسأل السائل: هل اختلاف الناس في الحق يوجب اختلاف الحق في نفسه؟

وهذا السؤال نفسه أجاب عنه صاحب كتاب (الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم) بقوله: «إن اختلاف المختلفين في الحق لا يوجب اختلاف الحق في نفسه».. إذا كان الاختلاف بريئا ليست وراءه عصبية وحشية، ولا تعصب أعمى؟

وهناك سؤال آخر هو: من حرم المسلمين أن يكون لهم عيد واحد في يوم واحد؟ ومن حرمهم من وحدتهم الدينية التي هي أساس كل وحدة ينشدونها؟ ومن الذين يتحملون مسؤولية التفرق في الدين والانقسام في عباداته؟

(199)

الوسطية الاسلامية ودور العلماء

المسلمون خلقهم الله أمة واحدة قوية بالوحدة والتوحيد، حملها رسالة إنسانية خالدة، فعصوه واختاروا أن يكونوا أمما ضعيفة متقاطعة، وكيانات مجهرية صغيرة لا يكاد بعضها يرى بالعين المجردة، وخسروا بذلك قوتهم وأضاعوا حريتهم وكرامتهم، وأهينت قيمهم وحضارتهم وفقدوا اعتبارهم… هذه حقيقة عارية… ترى وتلمس. لكن مايجب الوقوف عليه، والبحث عنه في عقول الماضي وآثار الحاضر وتطلعات المستقبل هو: من هم الذين مزقوا الأمة الإسلامية؟ ومن قادوها إلى هذه الوضعية المخزية؟ ومن المسؤولون الرئيسيون الذين هدّوا جسور التقارب والاتصال بين المسلمين، وعمقوا جذور انقسامهم واختلافهم، وغذوا تعصبهم وعصبيتهم؟ وحرموهم نعمة الاتفاق والانسجام والتعاون والتفاهم؟ ومن هم الذين يستطيعون إصلاحهم وإخراجهم من الظلمات التي يتخبطون فيها إلى النور الذي يطلبونه؟

قد يرى بعضهم أن الاستكبار الاستعماري هو المسؤول الأول عن أمراض التمزق، والخلاف، والخصام، والتجزئة الحسية والمعنوية، التي يكابدون مشاقها، وقد يرى بعضهم الآخر أن الأنانية التي تقدس حب الإمارة والرئاسة، وتتعصب لهما هي الداء الفتاك الذي استعصى على كل دواء، وقد يرى آخرون أن التخلف الفكري والتربوي والسياسي هو السبب الرئيسي. وأنا الآخر لا أعفي الاستكبار الاستعماري، والأنانيين المغرمين بالإمارة والرئاسة. والمتعصبين الذين أعمتهم العصبية عن رؤية الحق وخدمته، غير أني أرى المسؤولية الرئيسية يتحملها علماء الإسلام قبل غيرهم، فهم المسؤولون الأولون عن حماية الأمة الإسلامية من التفكك، ورعاية المسلمين من الانحراف، وهم مصابيح الهداية وأدلة الحق، سلاحهم الكتاب والسنة وفهمهما، وعمدتهم واقعية الدّين الإسلامي، وتجاوب النفوس الخيرة معه وعونهم على الاضطلاع بمسؤوليتهم هو تمثل أخلاقه

(200)

 وفهم شريعته، ووقايتها من استغلال المستغلين وعدوان المعتدين، والوقوف في وجوه الطغاة والمرضى بالشهوات والعصبيات، ومحاربة المتاجرين بالدين، وتجسيم المبادئ الإسلامية في حركاتهم وسكناتهم، فلا يتملقون أحدا، ولا يتقربون إليه بإصدار الفتاوى الضالة ومهاجمة دعاة الخير والفضيلة، ولا يسكتون عن الباطل وأصحابه، ولا يخافون في الله لومة لائم.

فهؤلاء العلماء وأهل الفكر هم قادة الخير، وأصحاب رسالة الحق، وورثة الأنبياء، ورثوا وظيفة التبليغ والإرشاد، والتضحية، فبلغوا، وأرشدوا، وعلّموا، وتولوا القيادة الروحية والفكرية، فسدّوا ذرائع العصبية والفتنة والإفتراق، وجعلوا الوحدة الدينية قاعدة للوحدة الدنيوية، والوحدة العلمية ملتقى الوحدة الفكرية، وبنوا الأمة الإسلامية الواحدة في عقليتها، ودينها ووسائلها، وأهدافها، ويوم ظهرت المذاهب والتيارات الدينية والفكرية، وفتنتهم بالخلافات والاختلافات، والانقسامات في أصول الدين وفروعه، انقسموا عليها، وتبعثروا، وأصبحوا طوائف وعصبيات، وجماعات، وانقسمت السياسة الدنيوية وخرجت تلك السياسة إلى الواقع الإسلامي أحزاباً سياسية متصارعة، وكانت الأفكار الدينية والسياسية صغيرة في بدايتها ثم كبرت، وتوالت واتسعت، وانتقلت من الاتصال إلى الانفصال، وأقامت الحواجز والحدود، وبمرور الزمن انقلبت تلك الأفكار والحواجز ممالك وإمارات ودولا، سهل كسرها وتحطيمها أو التهامها. وغربت شمس الأمة الإسلامية الواحدة ولما تعد. وحاول بعض الأحياء إيقاظ الأموات، ولم تثمر محاولاتهم، ومايزال المسلمون يقدمون خطوة إلى الأمام ويؤخرون خطوات إلى الوراء. وخرج العلماء الأبرار من ميدان القيادة الروحية الفكرية الصحيحة، أو تأخروا، وتاهت الحقيقة العلمية والدينية بين الآراء والمصالح الدنيوية، والمضاربات السياسية والتجارية، وضاعت ثقة الأمة الإسلامية بعلمائها وأهل الرأي والفكر فيها، وانحطت قيمتهم لديها، فأصبحت

(201)

 تنظر إليهم نظرة الشك والريبة، ولا تصدقهم فيما يقولون، وإنّ صدق بعضهم، وهذه مصيبة أخرى لا تقل خطورتها عن مصائب العصبية والتمزق والانقسام.

إنّ المسلمين أقرب الناس الموجودين في الدنيا إلى التفاهم والأخوة والوحدة والتعاون والتضامن بحكم ما يؤمنون به، وأقرب المقربين الى هذه الوحدة والأخوّة هم العلماء الدينيون، لأنهم يشربون من مشرب واحد، ويؤدون رسالة مشتركة واحدة، هي رسالة الإسلام بمختلف أبعادها التوحيدية والتشريعية، والتربوية والحضارية وإذا لم تقدهم وظيفتهم إلى توحيد الأمة فمن يوحدها، وإذا لم يقدروا على إصلاحها فمن الذي يستطيع ذلك؟ وإصلاح أمة الإسلام والقرآن لا يكون إلا عن طريق دينها الذي بعثها أمة، وشادها دولة، وأسسها نظاما وحضارة، لكن العلماء الإسلاميين يستحيل عليهم أن يخدموا أمتهم، ويزيلوا هموم شعوبها حتى يكونوا صالحين مصلحين يجهرون بكلمة الحق، ولا يأكلون الدنيا بالدين، ويمشون في مواكب الظالمين، ولا يزكون المنحرفين والمجرمين، فمثل هؤلاء هم الذين يبنون وحدة الأمة الدينية، ويبنون عليها وحدتها السياسية والفكرية، وفيهم يقول الإمام عبدالحميد ابن باديس: (لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم، فإنما العلماء من الأمة مثل القلب من الجسد، إذا صلح القلب صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله. وصلاح المسلمين إنما يكون بفقههم الإسلام وعملهم به، وإنّما يصل إليهم هذا على أيدي علمائهم، فإذا كان علماؤهم، فإنما العلماء من الأمة مثل القلب من الجسد إذا صلح القلب صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله وصلاح المسلمين إنما يكون بفقههم الإسلام وعملهم به، وإنّما يصل إليهم هذا على أيدي علمائهم، فإذا كان علماؤهم أهل جمود في العلم وابتداع في العمل فكذلك المسلمون يكونون) (9).

فالمسؤولية الدينية كبرى وثقيلة، والعلماء الإسلاميون في طليعة من

(202)

 يتحملونها، لاسيما العلماء الذين يسكتون عن الباطل أو يرفضون تأييد الحق، ويشاركهم في تحمل المسؤولية أهل الرأي كلهم وجميع من يشغلون الساحة الفكرية والأدبية والسياسية، أيقظ الله الضمائر وأعانها على قول كلمة الحق.

والكلمة الخاتمة أن الوضعية الدينية في الوطن الإسلامي أو في الأوطان الإسلامية ليست بخير رغم كثرة المؤسسات الدينية، ورغم كثرة الرجال الذين يقومون عليها وعلى وظائفها، وإذا كان هناك خلل فإن إصلاحه يقوم به أولئك الرجال، وأول خطوة أساسية في هذا الإصلاح هي محاربة العصبية المذهبية الوحشية العمياء، وأهم ما يطمع فيه الإنسان المسلم هو أن يتحد المسلمون في العبادات والشعائر كاتحادهم في أيام الصيام والأعياد، وأن يدركوا أن صلاحهم بإصلاح دينهم قبل كل شيء. وأن إصلاح الوضعية الدينية هو مفتاح إصلاح الأوضاع الأخرى عبر الوسطية والاعتدال.

الهوامش:

1 - د. يوسف القرضاوي: أمتنا الاسلامية بين التفرق الممنوع والاختلاف المشروع.
2- المرجع السابق.
3- فهمي هويدي: احقاق، دار الشروق 1918.
4- د. عمر سليمان عبدالله الأشقر: فقه الاختلاف طبع دار النفائس عمان 1414/1994.
5- آثار الإبراهيمي ، جمع أحمد طالب دار الغرب الإسلامي - بيروت.
6- د. أحمد سرى: بحوث في الشريعة الإسلامية والقانون مع تصرف ط 1993 - الاسكندرية.
7- الموسوعة العربية الميسرة، م / 2. ط – دار الجيل والجمعية المصرية العالمية – مصر الموسوعة العربية العالمية، ج / 16 ح ع ص 266. ط/2. مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع – الرياض .
8- عبدالحميد بن باديس: حياته وآثاره جمع د. عمار طالبي الشركة الجزائرية لصاحبها الحاج بوداود/ الجزائر.

   طباعة الفهرس اعلى الصفحة