(203)
قالوا في التقريب
دور الاخلاق في التقريب
أ. كامل ابو بكر الشريف
باحث ومفكر اسلامي من اثيوبيا
أهداف هذا البحث
من اهداف الاسلام إبراز دور الأخلاق الكريمة في مجال
التقريب بين المذاهب الإسلامية. وتجسيد الوحدة الإسلامية
التي أمر الله جل وتعالى بها المؤمنين في قوله تعالى:
(واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) وقال تعالى :
(إنما المؤمنون إخوة), وقال تعالى :
(المؤمنون بعضهم
أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون إلى
الخيرات)
هذه الآيات البينات تحمل أمرا إلهيا بالوحدة وعدم التفريط
بها، وقال الرسول الأعظم سيدنا وقدوتنا معلنا سر بعثته (
إنما بعثت لأ تمم مكارم الأخلاق )
الإسلام دين ارتضاه الله , فهو دين تكافل
وتعاون , دين
إخوة وتضامن , دين عز وسعادة , دين يصلح لكل زمان ومكان
وأمة , وفي كل يوم يثبت هذا الدين القيم قدرته على اصلاح
العالم واحلال السلام والوئام بين بني البشر. ولا صلاح ولا
أمان للعالم إلا به ، فيه النفع للفرد والمجتمع والدولة
لأنه لم يترك فضيلة إلا
(204)
حث على اتباعها ولا رذيلة إلا أمر
باجتنابها.
لقد صاغ هذا الدين المسلمين جميعا على اختلاف أجناسهم
وألوانهم ولغتهم وعاداتهم وتباعد أمصارهم في قالب واحد
وألف بين قلوبهم وجعلهم أمة واحدة، راقية في أفكارها سليمة
في عقيد تها متحدة الكلمة ملتئمة الصفوف متعاونة متضامنة :
كلمتها لا اله الا الله محمد رسول الله (ص) كتابها القرآن
الكريم , نبيها خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله (ص) ،
رسالتها خاتم الرسالات الالهية , قبلتها الكعبة المشرفة ،
تحيتها وشعارها السلام وخلقها القرآ ن.
فكانوا أمة شديدة البأس عظيمة القوة مسموعة الكلمة واسعة
السلطان قلمهم يكتب ويطاع وحسامهم ينفض ويهاب ورايتهم تحلق
عالية فوق ربا الكون فيجري تحتها العدل والمساواة والسلام.
بنوا بفضل تمسكهم بكتاب الله وسنة نبيه المصطفى (ص) ،
وتماسكهم واخلاصهم وحسن خلقهم مجدا وسيادة وحضارة ذات
أخلاق كريمة وكانوا خير أمة أخرجت
للناس يصفهم القرآن
الكريم ويقول ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على
الكفاررحماء بينهم) صدق الله العظيم .
قد يتساءل المرء عن سر هذه العظمة ومصدرها , ولن يطول
التفكير لمن يبحث عنه ليجد الجواب : إنها الأخلاق
الإسلامية الكريمة المقرونة بالإيمان الصادق وخشية الله
وافراده بالعبودية , إنها الأخلاق الإسلامية بكل معانيها
وصورها , ومصدرالعظمة هو التزامهم بتعاليم الإسلام الذي
جاء به القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين محمد (ص).
مدرسة الرسول الأعظم (ص)
مدرسة الرسول (ص) التي ينبوعها من المنابع العالية, الوحي
والإلهام الالهي، التي تستند الى التوجيهات الاهية , قدمت
للبشرية أسمى وأفضل منهج متكامل للتكامل الإنساني وتهذيب
النفس واصلاحها تدعو الإنسان إلى أن يتجه بروحه إلى الكمال
إلى المراتب العالية والى التحلي بالأخلاق الكريمة التي
ترفع من
(205)
مرتبته وتجعله انسانا متكاملا:
1ـ أن أسس الدين الخالد الذي من ينبوعه أسست مبادئ الأخلاق
الكريمة الفاضلة على يد أكبر وأعظم شخصية أخلا قية في
التاريخ محمد (ص) الذي وصفه خالقه ومربيه في كتابه العزيز
بقوله
وإنك لعلى خلق عظيم. تدعو الأمة الإسلامية إلى اتباع
هدي الرسول(ص) ويقول جل وتعالى (لقدكان لكم في رسول الله
أسوة حسنة) وهذه الأسس الأخلاقية تضمن للبشرية السعادة
والرخاء والأخوة الصادقة كما هي وسيلة للسعادة في الدارين
وهي في نفس الوقت وسيلة فعالة للتقريب بين الأمة الإسلامية
وتجسيد وحدتها .
2- إن أكبر عوامل انتشار الإسلام ووحدتها وقوتها هي في حسن
اخلاق الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، ومن بعده اهل بيته
وأصحابه الكرام والدعاة المخلصين، قال الله عز وجل مبينا
سر انتشار الإسلام وكثرة أتباعه مخبرا رسوله الكريم (ص)
صاحب الأخلاق الكريمة (ولوكنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من
حولك) وكان الرسول (ص) يذم سوء الخلق فيقول (سوء الخلق شؤم
وشراركم أسوؤكم خلقا) وقال أيضا: (أكثرماتلج به امتي الجنة
تقوى الله وحسن الخلق) وقال أيضا: (أدبني ربي فأحسن
تأديبي).
3- حياة الرسول الأعظم (ص) كانت مثالا ونموذجا واضحا
للحياة الإسلامية فهو الإنسان الكامل المختار من قبل رب
العباد لإيصال رسالته الخالدة والخاتمة إلى الناس أجمعين
وهو المرسل رحمة للعالمين قال الله عنه: (وما أرسلناك إلا
رحمة للعالمين) وهو الإنسان النموذجي والمربي المرشد
لأتباعه وللإنسانية جمعاء , وارشاداته القيمة كانت تشمل
جميع الناس في السلم والحرب, فالرسول عليه افضل الصلاة
والسلام هو ذروة الإنسان الكامل وأحسن الناس خلقا وخلقا .
وفي شخصية سيدنا محمد (ص) المثل الأعلى للإنسان الكامل كما
أراده الله أن يكون يقول عنه خالقه ومربيه والذي بعثه رحمة
للعالمين (وإنك لعلى خلق
(206)
عظيم) يقول الصحابي الجليل أنس بن
مالك: (كان أحسن الناس خلقا وخلقا) ولقد اجتمع للنبي (ص)
الفضائل والصفات الحميدة فكا ن صلوات الله وسلامه عليه
متحليا بأحسن الشمائل واجل الصفات , سئلت أم المؤمنين
عائشة (رض) عن خلق النبي (ص) فقالت (كان خلقه القرآن) .
يؤكد سيد المربين محمد (ص) أهمية الأخلاق الكريمة في بناء
الإنسان الكامل مبينا سر بعثته الى الناس فيقول (إنما بعثت
لأتمم مكارم الأخلاق)
ولقد عبر ابن عم الرسول (ص) جعفر ابن ابي طالب الطيار (رض)
وأرضاه في حديثه أمام ملك الحبشة النجاشي في اسلوب رائع
بيّن فيه ميزة الأخلاق الإسلامية التي أتى بها رسول
الأخلاق والفضيلة والسلام محمد (ص) لانقاذ البشرية من
هاوية الفساد والانحلال الخلقي والجهل المطبق ومن عبادة
الأوثان إلى عبادة رب العباد حيث قال:
(كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل
الميتة ونأتي
الفواحش , ونقطع الأرحام , ونسيء الجوار , ويأكل القوي منا
الضعيف , فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف
نسبه وصدقه وأمانته فدعانا الى الله لنوحده ونعبده ونخلع
ماكنا نعبد نحن وأباؤنا من الحجارة والأوثان وامرنا بصدق
الحديث وأداء الأمانة , وصلة الرحم , وحسن الجوار , والكف
عن المحارم وسفك الدماء , ونهانا عن الفواحش وقول الزور
واكل مال اليتيم وقذف المحصنات , وامرنا أن نعبد الله وحده
ولا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والصيام والزكاة فصدقناه
وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله).