_(13)_
الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
لمحات من تاريخ تجربة المصارف الاسلامية
(مع التركيز على التجربتين الصدرية والايرانية)
أ. الشيخ محمد علي التسخيري
بدأ الحديث عن موقف الاسلام من البنوك الربوية – كما يبدو – مع بداية القرن العشرين بعد تأسيس عدد من البنوك الاجنبية في مصر.
وربما كان علماء الازهر السباقين في هذا المجال.
وفي فترة الاربعينات ساهم ظهور الحركة الإسلامية في طرح الافكار الإسلامية حول المصرفية الإسلامية، وبدأت بعض الدراسات في نشرات جمعية الشبان المسلمين، والاخوان المسلمين، وأنصار السنة في مصر، للمرحوم الشيخ السبكي والشيخ البنا والشيخ المراغي، والى جانبها جاءت كتابات المرحوم المودودي عن اضرار الربا لتؤكد ضرورة الموضوع.
وفي الخمسينات قامت جهود اوسع في هذا المجال من قبيل:
1ـ انعقاد اسبوع الفقه الاسلامي في باريس عام 1951 وتقديم دراسات قيمة فيه حول (الربا) كدراسة الدكتور محمد عبد الله دراز.
2- عقد حلقة للدراسات الاجتماعية للدول العربية بدمشق عام 1952 قدمت
_(14)_
فيها بحوث في التكافل الاجتماعي كبحث الدكتور الشيخ محمد أبو زهرة.
3- دراسات المفكر الجزائري مالك بن نبي.
4- كتابات الشهيد عبدالقادر عودة مثل (المال والحكم في الإسلام) والشهيد سيد قطب 1950م.
5- كتابات الدكتور محمود ابو السعود، والشيخ شلتوت والدكتور عبد الكريم الخطيب والدكتور محمد عبد الله العربي والدكتور احمد الشرباصي، والدكتور عيسى عبده والسيد ابو الحسن الندوي والاستاذ محمد عزيز عن (الاطار العام للبنوك بلا فوائد) عام 1958 والمفكر محمد حميد الله عن (اقتراح بانشاء صندوق نقد اسلامي) عام 1955 وعن (بنوك القرض بدون ربا) عام 1962.
ولكن الذي يبدو ان دراسات تقديم البديل بشكل تخصصي بدأت في شبه القارة الهندية، حيث بدأ كتاب متخصصون يهاجمون عنصر الائتمان وخلق الودائع الذي تقوم به البنوك الربوية، ويدعون الى المشاركة في الارباح والخسائر PLS ومنهم الاستاذ قريشي، والاستاذ نعيم صديقي و الاستاذ محمود احمد والاستاذ المودودي والاستاذ محمد عزيز والاستاذ ارشاد احمد.
ولعلي لا أجانب الواقع اذا ذكرت ان الحاجة الاجتماعية والتغيرات السياسية المتمثلة في قيام دولة باكستان الاسلامية في اواخر الاربعينات شكلت جواً مناسباً لقيام تلك الدراسات الرائدة، رغم كونها ناقصة من حيث الطرح الجامع، وابتلاء بعضها بعدم الدقة في فهم بعض العقود كعقد المضاربة، وهو ما يشير اليه الدكتور نجاة الله صديقي.(1) الذي يأسف ايضاً لعدم قيام الدكتور عبدالهادي غنمه بنشر كتابه الكامل الذي وعد به، بعد ان ركز في دراسة له عام 1986م على عملية اصدار الاسهم العادية للتمويل طويل الاجل والصناديق المشتركة للتمويل قصير الأجل، وهي خطة لقيت قبولاً عاماً بتطويرها بعد ذلك.
_(15)_
والملاحظ ان الكتاب بعد مرحلة الاربعينات دخلوا في نقاش قوي حول (المضاربة)، وهل تصلح ان تكون محوراً لقيام نظام مصرفي اسلامي متحرك عصري؟
يقول الدكتور صديقي:
«وينتج رفض مصلح الدين للمضاربة كأساس للبنوك اللاربوية من منهجه القانوني الضيق للمضاربة وعدم نجاحه في تخيل التغيير الذي سيطرأ على الجهاز المصرفي اذا نظم على اسس غير اساس الربا، وأحد هذه التغييرات هو الانخفاض الحال في نشاط اقراض البنوك وزيادة الاستثمارات الحقيقية. وفي الواقع فان البنوك اللاربوية لايمكن ان تعمل كبنوك تجارية صرفة.
ونعتقد ان قول مصلح الدين بعدم امكان قيام البنك الاسلامي بتقديم قروض للمنشآت التي استثمرت رأس مال يخصها… بسبب تعارضه مع مبدأ المضاربة ليس له اساس في التشريع الاسلامي».(2)
كما رفض محمود ابو السعود هذا المبدأ ايضا بحجة انه سيؤدي الى ايجاد سوق سوداء تظهر فيها الربا.
وهنا ألاحظ ان عاملاً جديداً طرأ على الساحة في الستينات وهو التدفق المالي لعوائد النفط ومحاولة بعض الدول العربية انشاء بنوك تنسجم مع الثقافة الاسلامية، ونمو الوعي الاسلامي وارتفاع وتيرة الأمل بغد اسلامي تطبق فيه احكام القرآن الكريم، الأمر الذي تحول بعد ذلك الى احساس عارم بنوع من الشخصية الاسلامية الشمولية والصحوة الاسلامية، التي سرّعتها احداث عام 67 (عام النكسة) وحادثة احراق المسجد الاقصى في عام 69، وبالتالي قيام منظمة المؤتمر الاسلامي، وهكذا تنامى الاحساس الكبير وشكل عاملاً فاعلاً في الساحة.
لقد كان لهذا العامل الدور الكبير ليس في الدفع نحو تطور الدراسات
_(16)_
المصرفية الاسلامية فحسب بل في البدء بمحاولات عملية في هذا الاتجاه.
ونسجل هنا فخر البدء العملي المتواضع للتجربة لعمل استاذ مصري متحمس هو الدكتور احمد النجار، وقد درس في المانيا ورأى ان بعض ولاياتها تطبق نظاما يشبه عملية المشاركة، فاعجبته الفكرة وراح يعمل على تطبيقها في قرية مصرية هي (بيت غمر) عام 1963م لتنتهي عام 1967م، ولكنه لم يفلح في توسعة دائرتها، وان استطاع ان يفتح لها بعض الفروع.
ولقد سبقت هذه التجربة تجربة قام بها الاخوان المسلمون في مصر بإنشاء شركات تدار وفق احكام الشريعة.
وعاصرتها تجربة باكستانية من قبل الاستاذ احمد ارشاد، ولم تدم اكثر من اربعة اشهر.
وكانت خطوة بيت التمويل الكويتي (في الستينات) في الطلب من المرحوم استاذنا الشهيد السيد محمدباقر الصدر، رائعة مثمرة اذ استجاب للطلب وكتب اطروحته للبنك اللاربوي. وألحق الاطروحة ببحوث علمية فقهية معمقة لم نجد بحوثاً بمستواها في الاطروحات الاخرى، والتي تعددت الى حد ما ونشرت في نفس الفترة، من قبيل اطروحات الاستاذ عيسى عبده، والاستاذ عبدالله العربي والاستاذ صديقي
والاستاذ النجار.
ولقد زادت الدراسات في اوائل السبعينات، فرأينا دراسات جيدة للاستاذ آية الله المطهري وآية الله البهشتي وآية الله السيد محمود الهاشمي والاستاذ الشلبي والاستاذ محمود احمد والاستاذ عبدالمنان والاستاذ محمد عزيز والاستاذ ابراهيم الدسوقي اباظة والاستاذ غريب الجمال والاستاذ مصطفى عبدالله الهمشري والاستاذ سامي حمود والاستاذ رفيق المصري والشيخ الصديق الضرير والدكتور الزروق والدكتور الامين وغيرهم كثيرون، والحمد لله تعالى ويمكن القول ان هذه الحركة المباركة ساهم فيها المفكرون والفقهاء والتجار
_(17)_
الخيرون وحتى بعض السياسيين..
واود هنا ان اعطي صورة موجزة عن اطروحة الشهيد الصدر في هذا المجال.
ملخص اطروحة الشهيد الصدر
تركز الاطروحة على ان يمتلك المصرف الخصائص التالية:
1 – ان لايخالف الاحكام الشرعية.
2 – ان يكون قادراً على التحرك الاقتصادي والحصول على الارباح الضرورية لاستمراره.
3 – ان يكون قادرا على تأدية الأدوار التجارية للمصارف الاخرى.
وكل هذه الخصائص تؤدي به لامتلاك العناصر التالية:
أ – ان يتجه لابراز العمل البشري كمصدر للدخل، ويقلل من دخل رأس المال، ولذلك فهو يرفض الربا رفضا باتا مع التركيز على العمولة من جهة، والدخول بنفسه الى الحياة الاقتصادية من جهة اخرى.
ب – يبقى المصرف الاسلامي مجرد وسيط بين المودعين والمستثمرين.
ج – يستعد للتضحية بالربح في سبيل اشاعة الروح الاسلامية.
د – يظل يبحث لنفسه عن متنفس اقتصادي للدخل في مثل ذلك الجو الربوي الخانق.
نظام المصرف اللاربوي
وقد قسم المرحوم الشهيد بحثه فيه الى قسمين:
الاول: كيفية اقامة المصرف اللاربوي.
الثاني: كيفية قيامه بوظائف المصرف.
مخالفاً بذلك الاسلوب المتداول من البحث اولاً عن المصادر، وثانياً على
_(18)_
الاستفادة من الاموال، لأنه اسلوب ربوي، بينما يعتبر المصرف اللاربوي المصدر والعمل جزءاً من المضاربة.
وعندما بحث المرحوم الشهيد القسم الاول وهو كيفية اقامة المصرف اللاربوي سار وفق الخطوات التالية:
اولاً – ركز على كون المصرف وسيطا بين المودعين والمستثمرين في عقد المضاربة.
ثانياً – قسم الودائع الى ثابتة ومتحركة وودائع التوفير.
ثالثاً – راح يبين شروط المودع التي اختصرها فيما يلي:
1 – ان يلتزم شرعا ببقاء الوديعة لمدة معينة.
2 – ان يلتزم بشروط المصرف التفصيلية.
3 – ان يفتح حسابا جاريا، وقد جعل هذا شرطا مرنا.
رابعا – ثم ذكر شروط المستثمر وهي:
1 – الامانة.
2 – الكفاءة.
3 – وضوح مشروعه.
4 – تفضيل أهل السوابق الحسنة مع المصرف.
5 – التزام شروط المصرف، ومنها اقساط الربح، كما ان منها ان يفتح حسابا جاريا يودع فيه حسابات المشروع، ومنها التسجيل الدقيق، وفتح اضبارة خاصة لكل عملية مضاربة.
خامساً – ثم تعرض لحقوق المودع، بعد ان حلل دوافع المودعين، مستنتجا الامور التالية كهدف للايداع وهي:
1 – ضمان الوديعة.
2 – الدخل المترتب.
_(19)_
3 – القدرة على السحب في نهاية المدة.
ورأى بعد ذلك ان المصرف اللاربوي يمكنه ان يضمن الوديعة كشخص ثالث – وهذا الضمان ليس ضمان قرض ولا ضماناً من قبل العامل.
كما ان الدخل يمكن توفيره من خلال النسبة المئوية من الربح والتي يجب ان تكون أعلى من قيمة الفائدة المطروحة في الساحة، لتسد مسألة احتمال النقص نتيجة عدم ربح المشروع.
واما القدرة على سحب الوديعة فهي امر ممكن، مع تحديد مدة معينة لايتم فيها السحب ثم يسمح به بعدها، وهنا يستطيع المصرف ان يضمن بقاء السيولة النقدية لديه من خلال الامور التالية:
أ – ليس من المفروض ان تحل الآجال في وقت واحد.
ب – وليس من المفروض ان يقدم الجميع على السحب.
ج – الاستفادة من حسابات المشاريع الجارية والحسابات الجارية الاخرى وحينئذ يخصص الارباح لنفسه.
سادساً – ويبحث هنا في حقوق المصرف. وتتمثل في الجعالة التي تنقسم الى قسمين.
الاول: اجر ثابت على الوساطة، ويحدد بالتفاوت بين الفائدة التي تعطيها المصارف الربوية والفائدة التي تتقاضاها، ناقصاً زيادة حصة المودع من الربح على سعر فائدة الوديعة.
الثاني: أجر مرن في حصة العامل من الربح ويقدرها بالفرق السوقي بين اجرة رأس المال المضمون (وتساوي الفائدة الربوية المدفوعة للمصارف) واجرة رأس المال المخاطر في المضاربة و(وهي أكثر طبعاً).
سابعاً – ويؤكد هنا أن للمصرف أن يدخل في المضاربة برأسماله او بالاموال المتحركة.
_(20)_
ثامناً – ويتحدث هنا عن حقوق العامل المستثمر فهو صاحب الحق في الربح بعد عزل حصة المصرف والمودع.
تاسعاً – ويبحث فيه عن كيفية معرفة الأرباح.
عاشراً – ويبحث هنا عن أساليب التشويق والتشجيع لأصحاب الأموال المودعة، ويقترح هنا وضع جعالة على التوكيل وترتفع بارتفاع المبلغ. ولكنه بعد ذلك يكرّهها.
حادي عشر – ويبحث في هذا الفصل عن الحسابات الجارية وتؤخذ كقرض من أصحابها، اما المصرف فلا يقرض الآخرين نتيجة ظروفه إلاّ إذا لم تمكن المضاربة. ويشترط على المقترض شروطاً، منسجماً مع ظرف القرض، ومنها شرط التأمين على القرض.
ثاني عشر – ويبحث هنا في مسألة إلغاء الربا، موضحاً ان الرأسماليين يقدرون أن الفائدة تتكون من ثلاثة عناصر هي:
1ـ مبلغ يفترض للتعويض عن الديون الميتة.
2- نفقات المصرف.
3- ربح رأس المال.
أما العنصر الأول فيمكن معه التأكيد على الائتمان العيني والتقليل من الائتمان الشخصي، كما يمكن الاستفادة من فكرة التأمين على الديون، وهذه العملية يستطيع المصرف أن يؤمنها، كما يمكنه أن يطالب العميل بالتأمين، دافعاً اجور التأمين بنفسه، أو بواسطة توكيل المصرف للدفع. وهناك صعوبة تكمن في تحديد اجرة التأمين لأنه يتم على مجموع القروض.
وأما الثاني فيمكن للمصرف أن يطالب به على أساس الأمر بكتابة الدين.
وأما الثالث فيلغى تماماً ولكنه يستطيع أن يشترط على المقترض أن يقرضه مبلغاً إلى خمس سنوات مثلاً (وهو أمر لم نتحقق نحن من صحته).
_(21)_
كما يمكنه أن يشجعهم على دفع مبلغ كهدية وحبوة مستحبة، ويمكنه أن يعدهم بالأولوية في عمليات الأقراض التالية.
وأخيراً: فإنه يقترح بعض الملاحظات العامة وهي:
1ـ يقترح أن يكون رأس المال كبيراً باعتباره يتحمّل تبعات أكبر من تبعات المصارف الأخرى، إلاّ أنه يجب أن يراعي الحد الذي يكون فيه توظيف رأس المال في العمل المصرفي فيه أعلى من توظيفه المباشر في الاستثمار.
2- يرى أن مثل هذا المصرف يستطيع أن يساهم في توجيه الاقتصاد، لأنه يعيش مع المستثمرين في مشاريعهم ويهمه نجاحها ويحرص على ربحيتها.
3- يمكن أن يتم نوع من التشابه بين التركيبة الداخلية للمصرف اللاربوي والربوي مع التأكيد في المصرف اللاربوي على إنشاء دائرة للمضاربات، والتركيز على أن يكون الموظفون من المتدينين المخلصين لرسالتهم.
وفي الفصل الثاني، يتعرض المرحوم الشهيد للوظائف الأساس للمصارف ويلخصها في الخدمات المصرفية، والقروض والتسهيلات، والاتجار بأموال النقد وشهادات الاستثمار.
أولاً – الخدمات المصرفية ويركّز فيها على مسألة قبول الودائع المصرفية.
ويعتبرها – كما هو الحق في التصور الاسلامي – قروضاً، إن كانت متحركة، وودائع، إن كانت ثابتة، مع الحصول على حق التوكيل للمضاربة. أما الحساب الجاري، فيسير مع تاريخه لدى الفقه الغربي ليستقر مع الفقه الاسلامي الذي يجري فيه المقاصة بين الدينين، وقد تسمى العملية بالتهاتر. ثم يقترح أن لا نتصور عقدين في البين ونعتبر الأمر دَيناً واستيفاء للدّين. ثم يدخل في تفصيلات السحب والايداع في الحساب، ويتعرض بعد ذلك لودائع التوفير فيدخلها في المضاربة، ويستطرد فيذكر الودائع الثابتة التي تحدث عنها من قبل، ويرى أن الأمر في الودائع العينية سهل. ثم يتحدث عن الحوالات
_(22)_
والكمبيالات وخطابات الضمان ومسائل حفظ الأوراق المالية، وأحكام النقود.
وهي بحوث تفصيلية علمية رائعة ينبغي لكل باحث أن يستعرضها ويراجع بالخصوص الملحقات الفقهية العميقة التي ذكرها في نهاية الاطروحة وهي مايميزها عن غيرها من البحوث حقاً.
ثانياً –القروض والتسهيلات المصرفية (غير المغطاة) وكان قد تحدّث عنها من قبل ويتحدث هنا عن الكمبيالات.
ثالثاً – ويتعرض هنا لمسائل الاتجار بشراء الأوراق المالية والسندات مؤكداً لزوم مراعاة القواعد والشروط الاسلامية فيها.
ملاحظات مهمة
وتلاحظ بعد هذا العرض الموجز امور:
الاول: ان المرحوم الشهيد كتب الاطروحة لبيت التمويل الذي يراد له ان يعيش في مجتمع يقبل بوجود مؤسسات ربوية اخرى، وهو بالتالي يجب ان ينافسها ويبقي على كيانه حياً قوياً في نفس الوقت الذي يؤدي فيه الخدمات والتسهيلات التي تؤديها البنوك التقليدية ، بل ان الاطروحة تفترض انه لا يوجد فعلاً بنوك لا ربوية اخرى يتعاون معها هذا البنك الوليد وهو الواقع في الستينات.
ولا ريب ان هذين الافتراضين يقيدان كثيراً من حركة هذا البنك ويتركان اثرهما في مجالات عديدة منها مثلاً:
1ـ ضعف مساهمة البنك في التخطيط الاجتماعي العام بشكل فعال.
2- عدم دخوله مباشرة بقوة في المشاريع الانتاجية .
3- سعيه الاكيد لاتخاذ سبيل الاحتياط لأموال المودعين من حيث تعرضها للخسائر حتى من حيث المبدأ.
_(23)_
4- حرصه الشديد على الاحتفاظ بوجوده وتحقيق ارباح تؤمن له الاستمرار.
لثاني: ان المرحوم الشهيد ركز بقوة على ذكر الدليل الشرعي بشكل اجتهادي. ومن الطبيعي ان يستمد من فقهه الامامي الآراء المنسجمة مع اطروحته. ومن هنا راينا مثلاً مايلي:
1ـ قبوله باخذ الاجر على الضمان باعتباره عملاً اقتصادياً مؤثراً.
2- قبوله باخذ الفوائد لقاء ايداعه امواله لدى البنوك الاجنبية.
3- قبوله بمبدأ الجائزة (الجعل) وان رأى ان الأولى تركه.
وهي امور يختلف معها الكثير من فقهاء المذاهب الاخرى وقد ناقشة في ذلك البعض منهم كالاستاذ صديقي والاستاذ قحف والاستاذ رفيق المصري.
وسوف نرى ان القانون اللاربوي الايراني يستمد اسسه من هذه الاطروحة.
خطوات عملية مهمة
كما شكلت ولقد شهدنا بعد ذلك تشكيل بنك ناصر الاجتماعي عام 71م محاولات التاجر الاماراتي الشيخ (سعيد لوتاه) باكورة الخطوات الجادة في هذا المسير حيث قام بانشاء بنك دبي الاسلامي عام 1975م باذلا جهداً جهيداً في هذا السبيل ومتخطياً مشاكل خطيرة كان من شأنها ان تعصف بالمشروع لولا اصراره ودعم المسؤولين له.
كما كان تشكيل بيت التمويل الكويتي في اواخر السبعينات خطوة مهمة أخرى، وكذلك شكل انشاء بنك البحرين الاسلامي دفعة جديدة وهكذا جاءت التجارب السودانية والباكستانية والماليزية والسعودية والاندونيسية والمصرية وغيرها.
ولكن اهم خطوة عملية على الاطلاق تمثلت في انشاء بنك التنمية الاسلامي تنفيذاً للقرار الصادر من مؤتمر وزراء مالية البلدان الاسلامية الذي عقد في
_(24)_
مدينة جدة في ذي القعدة من عام 1393هـ (ديسمبر / كانون الاول 1973م). تلاه انعقاد مجلس المحافظين في شهر رجب عام 1395هـ (20 اكتوبر / تشرين اول 1975) وتم افتتاحه رسمياً في 15 شوال 1395م، ويعتبر ذلك احد اهم انجازات منظمة المؤتمر الاسلامي الاقتصادية. وانشئ بنك فيصل السوداني عام 1977م والاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية في نفس العام، في حين انشئ بنك فيصل الاسلامي المصري وبيت التمويل الكويتي وبنك البحرين الاسلامي عام 78 وانشئ المصرف الاسلامي الدولي للاستثمار والتنمية في مصر عام 1979م وفي الثمانينات اسس الامير محمد الفيصل مجموعة تحت عنوان (دار المال) ومركزها جنيف؛ وانشئ بنك ماليزيا الاسلامي عام 1982 ، واسس الشيخ صالح كامل مجموعة (البركة) وكذلك بنك بنكلادش الاسلامي وبنك قطر الاسلامي عام 83، وهكذا تأسست شركة – الراجحي. وانتشرت بعد ذلك المصارف الاسلامية والمؤسسات المالية الاخرى كشركات الاستثمار والتجارة والتكافل والتأمين وغيرها في مختلف انحاء العالم الاسلامي وخارجه من اندونيسياً الى غرب افريقيا، ومن تركيا الى الولايات المتحدة الامريكية مما يثبت نجاح هذه التجربة المباركة.
وقد بلغت هذه البنوك في آخر القرن العشرين الى الفي بنك ومؤسسة مالية في اكثر من 25 قطراً وجذبت اليهــــا خلال تلك المدة 112 مليار دولار امريكي بنسبة تصل الى 3/5% خلال عام 1997.
وقامت بعض الدول بتغيير نظامها المصرفي كله كما في باكستان عام 1977 وايران عام 82 والسودان عام 85.
واستمرت التجربة بنجاح حتى تم تشكيل الجمعية العامة للبنوك والمؤسسات المالية الاسلامية، وقد عقدت اول اجتماع لها في واشنطن سنة 2002م، اما الاجتماع الثاني فقد تم عقده في 22 سبتمبر 2003م في دبي. وهكذا
_(25)_
بدأت بعض البنوك كبنك الشارقة تغير هيكليتها لتتحول الى الحالة الاسلامية المطلوبة. وقد ذكر ان حجم التوظيف في المؤسسات المالية والبنوك الاسلامية قد بلغ الى مستوى 400 مليار دولار، مما دفع بعض البنوك الكبرى لفتح نوافذ اسلامية لها. وقد تطور عملها حتى راح يضاهي عمل البنوك الإسلامية..
وهكذا ارتفع معدل الودائع بشكل مطرد ولاقت هذه البنوك اقبالا منقطع النظير من المسلمين. وقد ذكر الدكتور احمد محمد علي رئيس بنك التنمية الاسلامية، وهو احد الرواد في هذا المجال بعض انماط الاقبال في التجربة الاندونيزية والتجربة الماليزية (تجربة تابونق حجي)(3) مما يدلل على هذا الاقبال الكبير.
وطبيعي ان تكون هناك مشاكل كثيرة لانجد مجالاً لطرحها هنا وانما ينبغي التعرض لها في بحوث اخرى.
التجربة الإسلامية الايرانية
وهنا نجد من المناسب ان نشير الى التجربة التي عشناها عن كثب والتي تحكم اليوم كل المسيرة المصرفية في ايران.
ولقد كان الهدف الاساس من الثورة الاسلامية في ايران ايجاد تغيير جذري في الحياة الاجتماعية وبناءها من جديد على اساس الاسلام.
وكان من الطبيعي ان يتجه النظام الاسلامي لتغيير الجانب الاقتصادي فيه، والنظام المصرفي هو عمدة الحياة الاقتصادية اليوم. وأي تغيير فيه يمس الوضع الاقتصادي كله.
وبدأت الجهود التغييرية ولكن بحذر شديد مراعاة لثقل الواقع القائم وعدم قوة النظام نظرياً وواقعياً. فقد قام مجلس النقد بتاريخ 12/12/1980م بتبديل
_(26)_
اسم الفائدة الى مايوازي مصطلح (اجرة العمل) او (العمولة) وهبط بقيمتها الى مستوىً معين(4).
وتبع ذلك بشهر انعقاد ندوة الاقتصاد الاسلامي في جامعة الزهراء فطرحت التساؤلات المتنوعة.
وعند تدوين ميزانية العام التالي طلب القانون من الدولة ان تقوم بالدراسات اللازمة في هذا المجال ممهلاً اياها مدة ستة اشهر، وشكلت لجنة من المتخصصين والعلماء، حيث توصلت الى صيغة للعمليات المصرفية اللاربوية، وقدمتها الى مجلس النقد فدرسها ودرس الملاحظات المقدمة عليها، وتمت بعد ذلك دراساتها من قبل احد العلماء الذين عينهم الامام الخميني (رض) لذلك، وقدمت الى مجلس الحكومة بتاريخ 4/5/1982 فوافق عليها وارسلها لمجلس الشورى الاسلامي، فبدأت جلسات مطولة بحضور علماء ومتخصصين وتمت المصادقة على القانون في 20 آب 1983م، كما وافق عليها مجلس صيانة الدستور على ان يتم تطبيقها عند مطلع العام الهجري الشمسي التالي.
وكانت اهم مشكلتين يواجههما القانون هما:
1ـ تدريب الجهاز المصرفي عليه، وهو امر مهم وقد ترك أثره الكبير – سلبياً – في مجال تطبيق القانون بلاريب .
2- تعريف المتعاملين مع المصارف به وتصحيح اساليبهم القديمة.
وقد مرت على هذه التجربة عشرون سنة ، ويقوم البنك المركزي بتقويم التجربة باستمرار. وتقوم المؤسسة العليا للعمل المصرفي بعقد اجتماع سنوي لدراسة سير هذه التجربة، كما صدر الكثير من الكتب
والمقالات.
ولكن هذا النظام لم يستطع ان يحظى بدرجة عالية من القبول لدى الرأي العام، فالآراء حوله متفاوتة وقد تصل الى حد التناقض.
والذي نتصوره ان القانون سليم عموماً من الناحية الشرعية والناحية
_(27)_
العملية، الا أن هناك آثاراً سيئة انعكست عليه تارة من قبل اللوائح التنفيذية، واخرى من العقود التي لا تنسجم معه، وثالثة من جهل بعض افراد الجهاز التنفيذى، ورابعة من وجود اتجاهات ورواسب غير اسلامية في بعض الاجهزة المشرفة(5).
ولكني اعتقد ان عدم وجود هيئات شرعية مشرفة تنفذ الى التفاصيل هي اكبر الاسباب في عدم الثقة، ان لم نقل في الانحراف، والاتجاه نحو التصحيح الصوري بدلاً من التغيير الجوهري للمعاملات.
والانصاف يقتضي ان نؤكد ان النوايا الحسنة هي السائدة، وأن العقود المعمول بها هي عقود اسلامية عموماً، وان جانبها الحظ في التطبيق.
والحقيقة هي اننا بحاجة لتغيير معايير نجاح العمل المصرفي ايضاً .
ولقد حضرت ندوة مصرفية مهمة قدم فيها رئيس احد أهم المصارف محاضرةً اكد فيها ان المصارف الايرانية حققت اقل معدل للنجاح لأنها لم تحصل على اقل مستوى من ارباح البنوك الغربية.
وقد اعترضت على ذلك بان معيارنا مازال رأسمالياً، والا فان البنك الاسلامي في دولة اسلامية لا يقاس نجاحه بمدى ماحققه من ارباح، وانما يقاس بمدى تحقيقه لأهدافه في التنمية، والسيطرة على التضخم، وتحقيق قيم العدالة الاجتماعية والانسجام مع السياسات العامة للدولة. ولا يمكن قياسه حتى الى البنك الاسلامي في مجتمع تنافسه فيه البنوك التقليدية، وهو ما اشار اليه الشهيد الصدر في اطروحته.
وعلى أي حال فان النظام المصرفي المطبق في ايران كله يعتمد على هذا القانون وهناك اتجاهات جادة لنقده والاشراف الادق على اساليب تطبيقه.
هذا وتشكل اطروحة الشهيد الصدر روح هذا القانون مع فوارق جديرة بالذكر نذكرها باختصار.
_(28)_
مقارنة موجزة بين الاطروحة الصدرية والقانون الايراني
قبل كل شيء نلاحظ ان الاطروحة تشكل روح القانون وكأنه أب لها بلاريب. إلا أن هناك فرقين اساسيين بينهما شكلا بالتالي سر كل الفروق التفصيلية، وهما:
أولاً – ان الاطروحة قدمت لغرض إنشاء مصرف لاربوي في جو لا يسيطر عليه الاسلام، وتتحكم في الساحة مصارف ربوية ضخمة، فاريد لهذا المصرف الاسلامي أن يقوم بالخدمات الايجابية نفسها التي تقدمها المصارف الأخرى، ولكن مع التخلص من التعامل بالربا والاستفادة من عقد إسلامي مهم هو عقد المضاربة، في حين قدم القانون إلى مجتمع يحكمه الاسلام بشتى مجالاته، وبالتالي فلا منافس للمؤسسات التي تطبقه من قبل مؤسسات لا إسلامية في داخل المجتمع، وهذا الفرق أساس ومهم.
ثانياً – ان القانون وضع من قبل تجمّع كبير من العلماء والمتخصصين الاقتصاديين الذين واكبوا المسيرة المصرفية واكتووا بنار مشاكلها من جهة، والذين يريدون لهذا القانون أن ينظم مجمل المسيرة المالية في البلاد، فهو قانون للمصرف المركزي المسيطر على مجمل العمليات المصرفية الأخرى. وعليه، فيجب أن يحقق انسجاماً مع باقي الاطروحات التنظيمية الأخرى.
وعلى هذا نجد اختلافاً كبيراً في التفاصيل رغم ان الروح واحدة: ومن تجليات ذلك ما يلاحظ في ما يلي:
أولاً: اذا ما رجعنا الى الخصائص التي تذكرها الاطروحة وقارنّاها به فإننا سنجد القانون يلتزم بها دون اصرار على مسألة لزوم تحقيق الارباح الضرورية. ودون الحاجة للبحث عن متنفس اقتصادي للدخل بعد أن كان الجو العام يبتعد عن الربا.
_(29)_
ثانياً: ان الاهداف التي يذكرها تمتلك بعداً واسعاً جداً لم تكن الاطروحة تتصوره.
إذ تذكر المادة الاولى ما يلي:
المادة الأولى: اهداف النظام المصرفي هي:
1ـ استقرار النظام النقدي والاعتمادي على اساس الحق والعدل (وفق المعايير الاسلامية) لغرض تنظيم التداول الصحيح للنقد والاعتماد للاتجاه بذلك صوب سلامة الاقتصاد ونموه في القطر.
2ـ العمل باتجاه تحقيق الاهداف والسياسات والبرامج الاقتصادية لحكومة الجمهورية الاسلامية عبر الوسائل النقدية والاعتمادية.
3ـ ايجاد التسهيلات اللازمة لتوسيع دائرة التعاون العام والقرض اللاربوي من خلال جلب الاموال الحرة والمدخرات وايداعات التوفير والودائع وتعبئة الكل باتجاه تأمين ظروف وامكانات العمل، وتوظيف رأس المال، وذلك لتنفيذ البندين 2 و9 من المادة الثالثة والاربعين من الدستور.
4ـ الحفاظ على القيمة النقدية وايجاد التعادل في ميزان المدفوعات وتسهيل التبادل التجاري.
5ـ العمل على التسهيل في مجال المدفوعات والمقبوضات والمبادلات والمعاملات وسائر الخدمات التي تلقى على عهدة المصرف بموجب القانون.
المادة الثانية: وظائف النظام المصرفي عبارة عن:
1ـ نشر الاوراق النقدية والمسكوكات المعدنية المتداولة في البلاد وفق القوانين والتعليمات الخاصة.
2ـ التنظيم والرقابة والتوجيه لتداول النقد والاعتماد وفق القوانين والتعليمات الخاصة.
3ـ القيام بكل الخدمات المصرفية، في مجال العملة الصعبة والعملة المحلية
_(30)_
(الريال) والضمان أو التعهد للمدفوعات الحكومية بالعملة الصعبة وفق القوانين والتعليمات الخاصة.
4ـ الاشراف على معاملات الذهب والعملة الصعبة وعلى تهريب العملة المحلية او العملة الصعبة من البلاد أو جلبهما اليها من خارج القطر وتنظيم التعليمات الخاصة بذلك وفق القانون.
5ـ تقديم الخدمات المصرفية الخاصة بالاوراق والسندات ذات القيمة المالية وفق القوانين والتعليمات الخاصة.
6ـ تنفيذ السياسات النقدية والاعتمادية وفق القوانين والتعليمات الخاصة.
7ـ القيام بالخدمات المصرفية الخاصة بذلك القسم من البرامج الاقتصادية المصادق عليها التي يجب ان تتم من خلال النظام النقدي والاعتمادي.
8ـ فتح انواع حسابات القرض اللاربوي (الجارية والتوفير) والودائع المخصصة للتوظيف والاستثمارات ذات المدة واصدار السندات الخاصة بها وفقاً للقوانين والتعليمات الخاصة.
9ـ منح القروض والاعتمادات اللاربوية (بدون فائدة) وفقاً للقوانين والتعليمات الخاصة.
10ـ منح القروض والاعتمادات وعرض سائر الخدمات المصرفية للتعاونيات القانونية وذلك لتحقيق البند الثاني من المادة الثالثة والاربعين من الدستور.
11ـ القيام بمعاملات الذهب والفضة والاحتفاظ باحتياطي العملة الصعبة وادارتهما مع رعاية القوانين والتعليمات الخاصة المتعلقة بها.
12ـ قبول وحفظ الودائع النقدية المحلية (الريال) للمؤسسات النقدية والمالية العالمية أو المؤسسات المشابهة او المرتبطة بمثل هذه المؤسسات وفقاً للقوانين والتعليمات الخاصة.
13ـ عقد اتفاقيات الدفع في مجال تنفيذ الاتفاقيات النقدية والتجارية
_(31)_
والترانزيت المعقودة بين الحكومة وسائر الدول وفق القوانين والتعليمات الخاصة.
14ـ القيام بالقبول وحفظ الامانات من الذهب والفضة والاشياء القيمة والاوراق ذات القيمة والسندات الرسمية للاشخاص الحقيقيين او الحقوقيين واجارة صندوق الامانات.
15ـ اصدار تأييدات وقبول وسائل الاعتماد بالعملة الصعبة والمحلية للزبائن.
16ـ القيام بخدمات الوكالة والوصاية وفق القوانين والتعليمات الخاصة.
ثالثاً: وقد رأينا ان الاطروحة تتجنب البحث عن مصادر الاموال اولاً، لأن ذلك كما يقول المؤلف(6) ينسجم مع وضع البنك الربوي. اما البنك اللاربوي فلا يمكنه فصل المصدر عن العمل، لأنهما جزءان لا ينفصلان في عملية المضاربة (وهي العملية الوحيدة التي بنيت عليها الاطروحة) الا ان القانون يطرح في مادته الثانية بحث مصادر تأمين النقد وهي:
أ ـ ودائع القرض اللاربوي (القرض الحسن).
ب ـ الحسابات الجارية.
ج ـ ودائع التوفير.
د ـ ودائع الرساميل التوظيفية ذات المدة.
وهي نفس ما ذكرته الاطروحة في مجال الودائع باستثناء ودائع القرض الحسن.
رابعاً: يوسع القانون من دائرة التوظيف لتشمل المشاركة، والمضاربة، والاجارة بشرط التمليك، والبيع بالتقسيط، والمزارعة، والمساقاة، والتوظيف المباشر ومعاملات بيع السلف والجعالة.
ورغم انه لم يذكر المنتجات الاخرى الا انه لا يمنع منها شريطة التأكد من مشروعيتها اذ الظاهر من النص التمثيل لا الحصر.
_(32)_
ويشير الفصل الثالث الى تفاصيل عملية الاستثمار فيقول:
المادة السابعة: تستطيع المصارف ـ لتحقيق التسهيلات الضرورية لتوسيع النشاط في مجالات الاعمال الانتاجية والتجارية والخدمات ـ ان توفر جزءاً من رأس المال او المصادر اللازمة لهذه الاقسام على نحو المشاركة فيها.
المادة الثامنة: تستطيع المصارف ان تبادر بشكل مباشر الى توظيف اموالها في الامور أو المشاريع الانتاجية والعمرانية. بشرط ان يوافق مجلس الشورى الاسلامي على هذا القسم من استثمار الرساميل بعد درجه ضمن لائحة الميزانية السنوية العامة لكل البلاد على ان تكون نتيجة تقييم المشروع مؤكدة على عدم كونه مشروعاً خاسراً.
تذييل: لا يحق للمصارف مطلقاً توظيف رساميلها في انتاج الكماليات والامتعة الاستهلاكية غير الضرورية.
المادة التاسعة: توفيراً للتسهيلات الضرورية في طريق توسيع المجالات التجارية في اطار السياسات التجارية للحكومة يحق للمصارف ان تضع المصادر المالية اللازمة ـ على اساس المضاربة ـ تحت تصرف الزبائن مع اعطاء الأولوية للتعاونيات القانونية.
تذييل: ليس للمصارف عقد المضاربة مع القطاع الخاص في مجال الواردات.
المادة العاشرة: لغرض توفير التسهيلات اللازمة في مجال
التوسع في امر بناء المساكن ـ وعبر التنسيق مع وزارة
الاسكان، تستطيع المصارف القيام ببناء الوحدات السكنية
الرخيصة الثمن لأجل
يعها
بالتقسيط او اجارتها مع شرط التمليك بعد مدة مقررة.
تذييل: لا مانع للمصارف من امتلاك الاراضي الموات مراعياً لقانون الاراضي الموات البلدية لايجاد الوحدات السكنية الرخيصة ـ موضوع المادة العاشرة.
المادة الحادية عشرة: توفيراً للتسهيلات اللازمة من أجل التوسع في مجالات
_(33)_
الصناعة والمعادن والزراعة والخدمات، تستطيع المصارف شراء الاموال المنقولة ـ بطلب من المتقاضي بشرط التزامه بالشراء من المصرف لغرض الاستهلاك او الانتفاع المباشر من المال موضوع الطلب واعطاء التأمين على ذلك ـ ثم بيعها للمشتري بالتقسيط.
المادية الثانية عشرة: تحقيقاً للتسهيلات اللازمة من أجل التوسيع في مجالات الخدمات والزراعة والصناعة والمعادن تستطيع المصارف ـ عند طلب المتقاضي والتزامه بالاجارة المشروطة بالتمليك بعد مدة، وتعهده بالانتفاع المباشر من المتاع موضوع الطلب ـ ان تقوم بشراء الامتعة المنقولة وغير المنقولة ثم اجارتها للطالب على شرط التمليك له بعد مدة مقدرة.
المادة الثالثة عشرة: تستطيع المصارف ـ لكي توجد التسهيلات اللازمة لتأمين السيولة المالية للوحدات الانتاجية ـ ان تقوم بأي من العمليات التالية:
أ ـ ان تقوم بشراء المواد الخام وقطع الغيار التي تحتاجها الوحدات الانتاجية بطلب وتعهد منها بشرائها واستعمالها، ثم تقوم ـ اي البنوك ـ ببيع الوحدات المذكورة بشكل النسيئة.
ب ـ ان تشترى ـ سلفاً ـ من هذه الوحدات محاصيلها التي تتصف بسهولة البيع بطلب منها.
المادة الرابعة عشرة: يجب على المصارف ـ لغرض تحقيق الاهداف المذكورة في البندين 3، 9 من المادة 43 من الدستور ـ ان تخصص جزءاً من مصادرها المالية لطالبي القرض اللاربوي.
تذييل: يقوم المصرف المركزي بتدوين النظام الداخلي التنفيذي لهذه المادة وأخذ المصادقة عليه من مجلس الوزراء.
المادة الخامسة عشرة: تعتبر كل سندات العقود المتبادلة في مجال اجراء المواد 9، 11، 12، 13، 14 من هذا القانون ووفقاً للعقد القائم بين الطرفين في حكم
_(34)_
السندات اللازمة التنفيذ والتابعة لمفاد النظام التنفيذي للسندات الرسمية.
المادة السادسة عشرة: توفيراً للتسهيلات اللازمة لغرض التوسع في مجالات الانتاج والتجارة والخدمات تستطيع المصارف ان تبادر اليها على اسلوب الجعالة.
المادة السابعة عشرة: يمكن للمصارف ان تعقد عقود المزارعة او المساقاة على الاراضي الزراعية أو البساتين الواقعة تحت اختيارها وتصرفها.
خامساً: يلتقي القانون مع الاطروحة في مواقف كثيرة منها:
أ ـ الرضا بضمان الوديعة من قبل المصرف باعتباره وسيطاً بين صاحب رأس المال والمستثمر وهذا المقام يسمح له بالضمان في رأي الاطروحة(7) والقانون (م4).
ب ـ العمل على أخذ اجرة العمل (الفقرة 4 من المادة العشرين وهي مملوكة للمصرف بالطبع (م23)).
ج ـ في أساليب التشجيع على الايداع عبر:
1ـ منح الجوائز غير المقدرة نقدية او عينية لايداعات القرض اللاربوي.
2 ـ التخفيف او العفو عن الاجرة او مقابل الوكالة.
3ـ منح الأولوية في الاستفادة من التسهيلات المصرفية الممنوحة في الموارد المذكورة في الفصل الثالث للعملاء الممتازين، وهذا ما تؤكده المادة السادسة من القانون. وتطرحه الاطروحة في حالة احساس البنك بحاجة الى جذب اكبر للودائع الثابتة، فيقوم بعرض جعالة للمودع زائداً على النسبة المقررة له من الربح على اساس ان توكيل المودع للبنك عمل يخدم البنك ايضاً وله قيمة مالية فيصح ان يضع البنك جعالة عليه، ولا مانع من كونها نسبة مئوية، ولا تعتبر رباً لأن الودائع الثابتة ليست ديناً على البنك، وانما هي جعالة على التوكيل بوصفه عملاً ذا قيمة مالية. ولكن الاطروحة ترى ان الاولى للبنك ان يتجنب ذلك لأنه يشبه من الناحية المظهرية الفائدة الى درجة كبيرة(8).
_(35)_
وفي مجال القروض التي يعطيها البنك لا ريب في الغاء العنصر الربوي. لكنها تسمح للبنك ان يشترط على المقترض ان يقرضه لدى الوفاء مقداراً الى مدة معينة، ولا ترى في ذلك مانعاً شرعياً لأنه ليس من الربا.(9)
وهذا الأمر لا يمكن ان نقبله لأنه يدخل حتماً تحت قاعدة (كل قرض جر نفعاً فهو ربا) ولعل ضغط الواقع هو الدافع للقبول بهذه الفكرة والله أعلم.
أما مسألة الأولوية فتطرحها الأطروحة ايضاً معتمدة على مسألة الحبوة المستحبة للمقرض من قبل المقترض كما هو الظاهر ـ فإذا لم يدفع المقترض مبلغاً معيناً عند الوفاء فإن البنك لن يطالبه بشيء ولكنه سوف يؤثر في المستقبل غيره من عملاء الدرجة الأولى عليه وينظر الى طلباته للاقتراض على اساس انها من طلبات الدرجة الثانية.
أما القانون فلا يطرح مسألة (الحبوة) وإنما يتحدث عن حق الأولوية في الاستفادة من التسهيلات للمودعين:
سادساً: وفي خاتمة هذا الاستعراض السريع نلاحظ اننا إذا كنا لا نتوقع من الاطروحة أن تقوم بعملية تسهيل مسألة القرض الحسن واشاعة هذه السنة في المجتمع؛ وذلك لأنها جاءت في ظرف تنافس حاد يراد معه للمصرف اللاربوي ان يستقر على قدميه، ويجذب اليه الودائع ويقوم بكل الخدمات، ولكن بعيداً عن الوقوع في الربا، وهو أمر صعب لا يمكن معه أن يتحمل مسألة الاشراف على توسعة القرض الحسن، فإنه كان على القانون ان يتوسع أكثر مما هو عليه في مجال القرض الحسن، ويجعله ركيزة وأساساً في معاملاته وخصوصاً في بعض المجالات الحيوية والخدماتية مستعيناً بالجو الاجتماعي الاسلامي العام، والقدرة المالية التي يملكها والحس الاسلامي الخير لدى الناس، والحق ان المصارف اتجهت الى حد ما لهذا الاتجاه ولكنه لا يتناسب مع المطلوب، ومن هنا لاحظنا رئيس المصرف المركزي للجمهورية الاسلامية الايرانية المرحوم
_(36)_
الدكتور نور بخش يصرح بأن القانون رغم حسنه يعد مرحليأً لا نهائياً في مجال التنظيم المالي للبلاد وهي خطوة باركناه عليها.
ثم ان هناك الكثير من التساؤل حول مستوى اجرة العمل الذي يطلب بشكل نسبة من القروض باعتبار توفره في كثير من الموارد على شبهة الربا في التصور العرفي، الأمر الذي يدعو لتجديد النظر تماماً في مستوى هذه الأجرة والاقتصار بها على الحد العرفي المناسب فقط. كما ان هناك ملاحظات جدية على مستوى الارباح التي تجنيها البنوك عبر العقود المشروعة، لأن الفوارق كبيرة بين ما تشتريه نقداً وما تبيعه بالتقسيط مثلاً.
وهذه أمور نرجو أن يوفق النظام المصرفي الايراني لدراستها وايصالها الى المستوى الطبيعي المطلوب.
لتجربة الباكستانية
بدأت التجربة في اواخر السبعينات، وسارت بالتدريج وعبر سنين صارت البنوك مجازةً لقبول الودائع على اساس المشاركة في الارباح والخسائر مع بقاء المعاملات الاخرى بشكلها التقليدي.
وفي مطلع عام 1984 وضعت الدولة الخطة التالية لتحويل البنوك الى الحالة الاسلامية:
1- اعتباراً من مطلع هذه السنة تستطيع كل المصارف ان تقوم لمدة 6 شهور وفقاً للضوابط الاسلامية باعطاء بعض التسهيلات المالية.
2- ومن مطلع السنة التالية يتم منح كل الاعتبارات للحكومة المركزية وحكومات الولايات، والمؤسسات الحكومية والشركات الخصوصية المساهمة وفق الاساليب المشروعة اسلامياً.
3- ويتم التعميم لكل الافراد والمؤسسات عند حلول ابريل من نفس العام.
_(37)_
4- ويجب ان تكون العقود وفقاً للتراضي بين الطرفين.
5- ولايحق لاي بنك ان يقبل الودائع على اساس ربوي منذ اول حزيران من عام 1985.
هذا وقد اشترط البنك الوطني اتباع احدى الطرق الثلاث التالية:
1- اعطاء القروض مع اخذ عمولة (حق الكتابة او العمل).
2- العمليات التجارية الاسلامية كالمرابحة، والاجارة والبيع بالتقسيط.
3- التمويل بالمشاركة واقتسام الربح والخسارة.(10)
التجربة الماليزية
وقد بدأت في اواخر الستينات بعد ان انشأت الحكومة الماليزية صندوقاً لجمع اموال الذين يرغبون في الحج؛ كي يتم تأمين مصاريف الرحلة شيئاً فشيئاً. و قد اسمي بـ(تابون حج) ثم تم التفكير باستثمار الاموال المتجمعة عبر عقود اسلامية.
وبعد نجاح الخطوة تم تأسيس اول بانك اسلامي عام 1983.
واعتمد نظام التكافل عام 84 وذلك لتوفير تحتية اقتصادية اسلامية كمقدمة لنظام اقتصادي متكامل وسوق اسلامية.
وبتشكيل مجلس الخدمات الاسلامية ومركزه ماليزيا اعطيت للتجربة دفعة جديدة.
وفي عام 1993 بدأت المرحلة الثانية بتشكيل نوافذ اسلامية في البنوك التقليدية بدلاً من تشكيل بنوك اسلامية متعددة؛ لانه امر مكلف اولاً ثم انها قد لاتصمد امام البنوك التقليدية، وقد لاتستطيع ان تفتح لها فروعاً منافسة. وكانت هذه النوافذ منفصلة في ادارتها وعملياتها عن العمليات الاخرى.