رسالة التقريب العدد 51 / رمضان وشوال 1426 هـ 2005 م

الرؤية الوحدوية


في شعر الشيخ الفرطوسي


الحياة الفكرية

الشيخ عبدالمنعم الفرطوسي – كما هو معروف في المحافل الثقافية والأدبية – علم من أعلام الفكر الرسالي وقطب من أقطاب الأدب الملتزم الهادف. كرَّس جُلَّ عمره في خدمة التعاليم الدينية السامية والمبادئ الإنسانية الرفيعة.
بدأ الشيخ عبدالمنعم الفرطوسي حياته الفكرية طالباً في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف، حيث تتلمذ على يد كبار العلماء وأعلام المجتهدين من أمثال المرجع الديني آية الله السيد أبي الحسن الموسوي الإصفهاني (1284 – 1365هـ)، وآية الله السيد محسن الحكيم (1306 – 1390هـ)، وآية الله السيد أبي القاسم الخوئي (1317-1413هـ)، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. ومع تقدمه في مجال العلم والمعرفة بدأ نجم الشيخ الفرطوسي يتألق في سماء الأدب، وخاصة في المحافل والندوات الشعرية التي كانت تقام باستمرار في النجف الأشرف.

_(230)_


وبفضل موهبته الشعرية ونبوغه الخارق في ارتجال الشعر ونظم القصيد تصدر الشاعر مجالس الأدب، وتربع على عرش حلباته حتى أصبح شاعرها الأوحد والشهير(1).
تسنّم الشاعر مكانة سامية في الأوساط الأدبية، واحتل منزلة شامخة ومرموقة بين المشاهير من شعراء عصره . فكانت المحافل الأدبية والمهرجانات الشعرية تعج بالوافدين لسماع قصائده والتزود من معين أدبه. ويكفيه منزلة أنه أنشد ذات يوم قصيدة في محضر الإمام الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء (1294 – 1373هـ) فآلى الامام على نفسه أن لا يسمعها الا وهو واقف تكريما لقوتها ومتانة أسلوبها، والشيخ الإمام أعرف الناس بالشعر وأخبرهم بقيمته(2).
ومن أهم نتاجات الشاعر ديوانه الضخم الذي يقع في جزأين، وكذلك ملحمته الخالدة المعروفة بملحمة أهل البيت(عليهم السلام) التي طبعت في ثمانية أجزاء وتجاوزت أبياتها الأربعين ألف بيت.
والمطالع لأشعار الفرطوسي يقف عند روائع وغرر تفصح عن شاعرية فذة، ومنزلة أدبية رفيعة تدل على نضج في التفكير، وسلامة في الرأي، وقوة في الأداء، وانتقاء مميز للفظ، وسمو للقصد رصين.
وإضافة إلى نشاطات الشيخ الثقافية والأدبية التي تجسدت بحضوره الفاعل والمستمر في إحياء المناسبات الدينية والندوات الشعرية، وكذلك نشاطاته في حقلي التأليف والتدريس، فقد كانت للشيخ مواقف وطنية واجتماعية لعبت دوراً هاماً ومؤثراً في تثقيف الأمة وتوعية الجماهير.
ولمواقفه السياسية الجريئة ومحاولاته الإصلاحية البناءة إضطُهد الشيخ من قبل الأنظمة الحاكمة، وأجبر على الهجرة، فمكث بعيداً عن وطنه وعاش مغترباً حتى وافته المنية عام 1404هـ.

_(231)_


لقد سجّل الفرطوسي (رحمه الله) من خلال نضاله الثقافي والاجتماعي والسياسي مواقف خالدة تبلورت في الذود عن حمى الاسلام والدفاع عن مبادئ الشريعة السامية، بالإضافة إلى مواقفه الوطنية تجاه شعبه وأبناء وطنه.
ولعل السمة البارزة التي تتجلى في معظم أشعار الفرطوسي السياسية والدينية دعوته الحثيثة والأكيدة الى الوحدة الدينية المبتنية على لمّ شمل الأمة ورص صفوفها تحت لواء الاسلام وفي ظل مبادئ الرسالة المحمدية.
ولم تقتصر دعوة الشيخ الوحدوية على فترة معينة، وفي ظل نظام حاكم معين، فقد دعا الشيخ الفرطوسي طوال مسيرته الفكرية المباركة الى وحدة المسلمين وعدم تفرقهم تجسيداً للآيات المباركات (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا…((3)، (إنّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون((4)، (.. ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم…((5)، و(ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعدما جآءَهم البيناتُ. وأولئك لهم عذاب عظيم((6).
ومنهجية الشيخ الفرطوسي في دعوته الوحدوية مبتنية في الأساس على امتثال الموروث الديني والتمسك بتعاليم الرسول الكريم(ص) والالتفات الى نهضته التربوية المباركة التي منحت الانسان عزته وكرامته:

يا نهضة في سبيل الحق صالحة
ميمونة أسست للعدل أنظمة
جبارة كم هوى تاج بمفرقه
لها الثبات جنانٌ والجهاد يدٌ
شعارها الوحدة الكبرى وغايتها
أليس أصبح (سلمان) بها رحمــاً

 

قد أعقبت فترة للجهل فاحتجبا
وجلجلت بنظام الجور فانقلبا
لها فصافح من أقدامها التربا
بها تُذلل بطشاً كل ما صعبا
أن تجمع المسلمين العجم والعربا
وأضحت الوحدة الكبرى له نسبا(7)

الوحدة رسالة محمدية

ولشدة حرصه على تجسيد الوحدة الاسلامية بين المسلمين كافة دأب الشيخ الفرطوسي في انتهاز الفرص والمناسبات وخاصة الأعياد والحفلات

_(232)_


الدينية كمولد النبي الأكرم(ص) لبث دعوته الوحدوية واستقطاب الرأي العام لأمر الوحدة الدينية لإيمانه بمعطياتها القيمة ونتائجها العظيمة.
وكثيرة هي القصائد التي أنشدها الشاعر في المناسبات الدينية، والتي حملت طابعاً دينياً وحدوياً، منها قصيدة «مولد الرسول الاكرم(ص)» التي أنشدها عام 1967م حيث استهلها بالقول:

شعَّ بالفتح فحياه فمي
وأطل النور من أم القرى
وانجلى من أحمد في مهده
مرسلٌ بالمُثل العليا الى
والجهاد المرّ في نهضته
وفـم التوحيـد فيهــــا هــاتف

 

فجر ميلاد الرسول الأعظم
فمحا للشرك أدجى الظلم
لضحى الاسلام أبهى مبسم
دعوة الدين الحنيف القيّم
والإخا والصدق رمز العلم
وحـــدة الصــف شعار المسلم

 

الى أن يقول مذكراً بأهمية الوحدة في مجابهة المعتدين وتحدي المستعمرين الطامعين بثروات الأمة الاسلامية:

أمة الاسلام ما أبقت لنا
ملكوا من أرضنا مهد الهدى
فاستعدوا واعدّوا لهم
واهزموا بالوحدة الكبرى وفي
وحدوا الأوطان في جامعة
وحـــدة الاسـلام أقـــــوى جبهـــــة

 

أمة الكفر حمى لم يُقحم
واستباحوا حرمات الحرم
قوة البأس وبطش الهمم
قوة التوحيد جيش الصنم
للتآخي كالأساس المحكم
تجمع المسلــــم جنــــب المسلم(8)

 

وتتضح رؤية الشيخ الوحدوية أكثر فأكثر عندما يتناول في شعره التناحر الطائفي، الذي دأب المستعمر في تأجيجه بين مختلف الطوائف بغية تفريق الشعب وتمزيقه، والسيطرة على خيراته وثرواته.
وقد حذر الشيخ الفرطوسي مراراً من هذه الظاهرة الخطيرة – ظاهرة الفرقة والتشرذم – وفي مواضع عديدة وأزمنة اختلفت باختلاف أنظمة الحكم. فنلحظ ذلك مثلاً أبان العهد الملكي حيث المستعمر البريطاني قد بسط نفوذه

_(233)_


على العراق وتحكم بسيادته ومقدراته . فقد وقف الشيخ الفرطوسي مواقف صامدة أمام مؤامرات المستعمر الغاشم الداعية الى نبذ الدين والابتعاد عن تعاليمه البناءة. ومن تلك المواقف قصيدته اللاذعة «قادة العلم» التي نظمها عام 1955م والتي يقول في جانب منها:إ

إنّ الشذوذ عن الدين الصحيح غدا
إنّ التقهقر في الاخلاق عاد بنا
هذا التفرق قد أودى بجامعة
الدين خير نظام يسعد الامما
ويصلح النقص من أخلاقها بيـــــد

 

عقيدة ونظاماً يهدم النظما
خليقة تنسخ الاخلاق والشيما
قد كان فيها نظام الدين ملتئما
حتى يبلغها أهدافها أمما
من الفضائل تبني كلَّ ما هدما(9)

وبعد انهيار الحكم الملكي في العراق بثورة الرابع عشر من تموز عام 1958م والتي قادها عبدالكريم قاسم، شهد العراق حملة طائفية هوجاء لم يشهد لها مثيلاً في تأريخه. فقد ظهرت موجة عارمة من التكتلات السياسية والتجمعات الطائفية ذات الأفكار المنحرفة والمبادئ الفاسدة، والتي تبنت جميعها – وعلى الرغم من تفاوتها المبدئي والايديولوجي – موقفاً مشتركاً يقضي بانتزاع الهوية الدينية والاسلامية من الشعب، وبث الطائفية والعداء المذهبي بين مختلف شرائحه وطبقاته.

الفرقة والفتنة

وقد كان الشيخ الفرطوسي في طليعة الشعراء المبرزين الذين تنبهوا لهذه الفتنة الكبرى، ونبهوا عليها وحذروا في أشعارهم من فداحة مردودها الوبيل على الشعب ومصالحه، وللشيخ في هذا الشأن قصائد عدّة، منها قصيدة «الشعب حر» التي نظمها عام 1959م والتي يقول في بعض أبياتها:

يا مصلح الوضع إنّ الوضع أفسده
هما أقلية في الشعب قد نجمت
هذي المبادئ تنأى عن مكاسبها
 

_(234)_

أجهز عليها ففي أهدافها خطرٌ
تقهقر الشعب من أهدافها خلقاً
فأصبحت موبقات الإثم مدرجة
والسلم مجزرة حمراء مظلمة
وأضحت الوحدة الكبرى بنا غرضاً

 

تشاحنٌ من دجى رأيين ينبثق
كيما تفرقه والشعب متفق
مكاسبُ الثورة الكبرى وتفترق

 

على البلاد وفي تشريعها فرق
ووحدة واقتصاداً وهو منطلق
الى الفضائل فيها يرتقي الخلق
الى الحمام بها الأرواح تستبق
للطامعين فشعب واحد فــــرق(10)

 

ولم يأن لهذا التناحر الطائفي أن ينتهي على الرغم من انتهاء حكومة قاسم وسقوطه بالانقلاب العسكري الذي قاده عبدالسلام عارف في الثامن من شباط عام 1963م ، فقد تشدد هذا التناحر وأخذ مسيره الى التصاعد إثر الفراغ السياسي الذي شهده العراق إبّان تلك الفترة.
ولم يكن الشيخ الفرطوسي – كما عهدناه – بمنأى عن تلكم الأحداث والوقائع فديوانه يعج بالقصائد السياسية التي تحدت مؤامرات الفرقة والطائفية ونددت بممارسات عصب التفريق التي كانت تنفذ خطط المستعمر آنذاك:

يا عصبة التفريق هل أشبعتم
هذي الفوارق باعدت مابيننا
والطائفية ثغرة بصفوفنا
صونوا الحقوق من الضياع فأنتم
وحقوق أبناء البلاد أمانة
ومن القطيعة أن يصان لواحد
آخى النبي(بيثرب) ما بيننا
حتى (محمد) وهو وترٌ في العلى
فدعوا الخلاف وضمدوا بيد الإخا
ومتى تخاط مــــــــن النسيج مُلاءة

 

من دائكم وجهنمٌ لا تشبع
حتى تفرَّق شملنا المتجمع
منها ثغور بلادنا تتصدع
أمناء هذا الشعب وهو المودع
ووديعة بيد العدالة توضع
حق وآلاف الحقوق تُضيّع
بقرابة الاسلام وهي المجمع
(بعلي) في قربى الأخوة يشفع
كسراً يُضمُّ لفتحة تتوسع
ألف يشق بهـــا وفـــــرد يرقـــــع(11)

ويتجه الشيخ الفرطوسي الاتجاه ذاته – اتجاه الوحدة والائتلاف – في تناوله قضايا العالم الاسلامي، ومستجدات الأحداث في البلدان الاسلامية دون النظر الى قوميات الشعوب وانتماءاتهم العرقية.

_(235)_


القضية الفلسطينية

ومن القضايا الهامة التي شغلت بال الشيخ الفرطوسي كثيرا القضية الفلسطينية؛ حيث تناولها في قصائد كثيرة اتجه في معظمها اتجاها اسلامياً محضا في محاولة منه الى إبراز الطابع الديني لهذه القضية العظمى(12).
ومن قصائد الشاعر التي أكد فيها على دور الوحدة الدينية في حلّ القضية الفلسطينية قصيدته البائية التي نظمها إثر سقوط القدس القديمة بيد الجيوش العربية المسلمة في حرب عام 1948م، حيث قال في جانب منها:

عناصر الوحدة في أوطاننا
فنظمت أوضاعنا وهي سدىً
حتى غدا الجدب الى الخصب أخاً
وليس ذا بدعاً فإنا امة
وأننا من عنصر متحد
لنــا مــــن الاســـــــــلام خير جامع

 

تألّفت وهي شعور ونسبْ
ووحّدت شعوبنا وهي شعبْ
وأصبح السهل يعانق الحدب
(13)
تربطنا الوحدة في خير سبب
ولا فروق بيننا سوى اللقب
وحسبنـا أنـــــا بنــــــــــو أمّ وأب(14)

 

ومن الأحداث الهامة التي اتصلت بالقضية الفلسطينية وتناولها الشيخ الفرطوسي في شعره حادثة الغزو الثلاثي على مصر عام 1956م؛ حيث نظم فيها قصيدة طويلة تجاوزت ابياتها المئة، بيّن فيها أطماع الغزاة المحتلين ومآربهم العدوانية، مشيرا في ختامها الى أهمية الوحدة الاسلامية التي تضمن للأمة النصر والظفر:

النصـــــــر وهــــــــــــــو رسالــــــــة

 

عــــــــذراء توحــــي للضميــــــــــر

وارادة كتبت لنا في اللوح من رب قدير والفتح في الاسلام ليس لقوة العدد الكثير الفتح للايمان كالبركان يلهب في الصدور ولقـــــوة التوحيد يحملهــــــــــا المجاهــــــد في الثغور


_(236)_

 

ولرايــــــة الاســــــــــــــلام تطـــوي

 

كـــــل ظلـــــــــم بالنشـــــــور(15)

ومن هنا يتضح ثبات الشيخ الفرطوسي على مقارعة مؤامرات الفرقة والطائفية وتحدي عواملها وعناصرها من خلال التمسك بالوحدة الدينية والأخذ بتعاليم الرسالة المحمدية التي جعلت من الأمة الإسلامية الواحدة (خير أمة أخرجت للناس) لإيمانها بكلمة التوحيد وتوحيد الكلمة.

الهوامش:
___________________
1 - حيدر محلاتي: عبدالمنعم الفرطوسي حياته وأدبه، رسالة ماجستير (مخطوطة) ، ص66.
2 - غالب الناهي: دراسات أدبية، النجف، 1954م، ج 1، ص 74.
3 - آل عمران/ 103.
4 - الأنبياء/ 92.
5 - الأنفال/ 46.
6 - آل عمران/ 105.
7 -ديوان الفرطوسي، مطبعة الغري الحديثة، النجف، ط 2، 1966م، ج 1، ص 40.
8 - مجلة الايمان: ع 5، 6(1967م)، ص 17 - 21.
9 - ديوان الفرطوسي، ج 1، ص 277.
10 - المصدر السابق، ج 2، ص 89.
11 - المصدر السابق، ج 2، ص 100.
12 - محمد حسين الصغير: فلسطين في الشعر النجفي المعاصر، مؤسسة الوفاء، بيروت، ط2، 1984م، ص 244.
13 - الحدب: مرتفع الارض.
14 - ديوان الفرطوسي، ج 1، ص 242، 243.
15 - المصدر السابق، ج 1، ص 203، 204.

   طباعة الفهرس اعلى الصفحة