(115)
الملف
الخلايا الجذعية والـ DNA
التحديات الأخلاقية
أ. د. ماهر حتحوت
مفكر اسلامي
ماهي الخلية الجذعية
الخلايا الجذعية هي الخزان الطبيعي للخلايا الجديدة التي
قد يحتاجها الجسم لتحل محل الخلايا التالفة أو التي في
طريقها للموت. ومن الخصائص الأساسية للخلية الجذعية قدرتها
الدائمة على الإنقسام عندما يتطلب الأمر ذلك. ويتم تصنيف
الخلايا الجذعية إلى أربعة مجموعات:
1ـ خلايا البالغين الجذعية.
2- الخلايا الجذعية للجنين النامي.
3- الخلايا الجذعية للجنين المضغي (البويضة الملقحة).
4- خلايا جذعية ذات نواة منقولة.
(116)
والخلايا الجذعية الجنينية متعددة القدرة، أي أن
بإستطاعتها أن تدخل في تكوين أنسجة وأعضاء مختلفة أثناء
نمو الجنين السريع وتَشَكّل جسمه. لذلك تحتوي جميع أنسجته
بما فيها أنسجة الدماغ على خلايا جذعية.
ولأننا نستطيع الآن عزل الخلايا الجذعية فقد أصبح في
إمكاننا الآن أن نقوم بإصلاح عضلات القلب عن طريق تحفيز
عضلات جديدة على النمو. وكان من آثار هذا الأسلوب الجديد
في التفكير أن الخلية الجذعية أصبحت موضع إهتمام كبير في
الأبحاث الطبية. ويزداد إهتمام الباحثين في هذا المجال
بدراسة هذه الأنسجة من أجل إحراز التقدم المطلوب لعلاج
أمراض معينة، وإصلاح ما يحدث في بعض الأنسجة من تلف كان لا
يمكن التفكير في إصلاحه حتى الآن.
ولكن معظم الأبحاث الطبية كانت تركز في الماضي على أمراض
البالغين مع الإهتمام بإصلاح الأعضاء أو إنمائها لبلوغ
الشفاء من الأمراض. وتنقسم أمراض البالغين إلى ثلاث فئات:
1ـ إنقسام للخلايا بشكل أكثر من المطلوب كما يحدث في حالة
الإصابة بالسرطان .
2- إنقسام للخلايا أقل من المطلوب مما ينتج عنه عجز عن
تعويض الأنسجة التالفة.
3- إنقسام الخلايا بشكل غير سليم كما يحدث في أمراض
الهيموفيليا (النزاف) والسكري.
وبالرغم من الآمال المعقودة على هذه التطورات فقد أثارت هي
والأبحاث المطلوبة للتوسع فيها جدلا واسع النطاق بين
الباحثين من الأطباء وبين علماء الإجتماع والدين والأخلاق.
(117)
طبيعة الجدل الديني والإجتماعي
بما أن معظم الخلايا الجذعية المتاحة يتم الحصول عليها من
الأجنة البشرية فقد أصبح الجدل في واقع الأمر يدور حول
مسألة الإجهاض، وهي مسألة تستقطب الآراء في المجتمع
الأمريكي. وحيث أن الولايات المتحدة تعتبر موطنا لأتباع
الديانات المختلفة، وحيث لا يسمح دستور أي ولاية أن تروج
لأي ديانة أو تحظرها، كان من الطبيعي أن تتفرق الآراء
وتتركز حول مواقف مختلفة. وقد تبلور هذا الجدل بين فئتين
عريضتين إحداهما تسمي نفسها (المؤيدون للحياة) أي هؤلاء
الذين يعارضون الإجهاض، والأخرى تسمي نفسها (المؤيدون لحق
الإختيار) وهم من مؤيدي الإجهاض، وهذا يعني في نهاية الأمر
أن الجدل قد انحصر بين المحافظين والتحرريين. ومع إضافة
الصبغة السياسية لهذا التقسيم، فإن الجدل يكون قد وصل في
نهاية المطاف إلى جدل بين الجمهوريين والديمقراطيين. ونحن
لسنا هنا بصدد فضح ما ينطوي عليه هذا التقسيم من مغالطات،
أو الكشف عن مدى التداخل بين حدود المعسكرين، وعدم دقة
المصطلحات التي يستخدمها الطرفان، وكل منهما لديه للأسف
متطرفيه أو حتى إرهابييه الذين لا يتورعون عن قتل الأطباء
وتفجير العيادات التي تتم فيها عمليات الإجهاض. ويحدث ذلك
أحيانا على أنه تنفيذ لأمر من الله.
وعندما يصطبغ هذا الموضوع المعقد بصبغة سياسية ويستغل
الدين لتبرير المواقف السياسية بل وللتأثير على الإنتخابات
يصبح من الصعب على رجال العلم ورجال الدين إجراء دراسات
موضوعية حوله.
وعندما نفحص هذا الموضوع من وجهة نظر الأديان الرئيسية
الممثلة في الولايات المتحدة نجد أمامنا واقعين مختلفين:
1ـ هناك تفسيرات مختلفة داخل إطار كل ديانة من هذه
الديانات.
2- لم يتجمد كل موقف على وضع ثابت، بل طرأ عليه تغيير
وتطوير.
(118)
وربما كان الإستثناء الوحيد يتمثل في الموقف الحالي للتيار
الكاثوليكي ولكن حتى في هذا التيار نلاحظ أن موقف الكنيسة
الآن يختلف عن موقفها في الماضي البعيد، وأن هناك جدلاً
ساخناً داخل الدوائر الكاثوليكية، خاصة في الولايات
المتحدة.
نظرة موجزة لمواقف الأديان الأخرى
تسير آراء الأديان المختلفة عن أبحاث الخلايا الجذعية
المأخوذة من الأجنة جنبا إلى جنب مع موقفها من الإجهاض،
فالدين الذي ينظر إلى الإجهاض بعين تحررية يتخذ موقفا
إيجابيا من أبحاث الخلايا الجذعية بصفة عامة.
الروم الكاثوليك
في القرن الخامس أعلن سانت أوجستين أن الإجهاض إذا وقع قبل
مرور أربعة أو خمسة أسابيع على بدء الحمل لا يعتبر خطيئة
أو جريمة قتل لأن الجنين في هذه الفترة لا يعتبر روحا حية.
وفي القرن الثاني عشر كان من رأي توماس أكويناس أن تكوين
الجنين يتم على ثلاث مراحل: المرحلة النباتية، المرحلة
الحيوانية، المرحلة العقلانية. وفي هذه المرحلة الأخيرة
يكون للجنين روح. وينتهي إلى أن الإجهاض قبل إنقضاء أربعين
يوما منذ آخر طمث لا يعتبر جريمة قتل.
وفي عام 1869 غيّر البابا بايوس التاسع اتجاه الكنيسة لأول
مرة في التاريخ الكاثوليكي. وأصبح الإجهاض محرما منذ أول
لحظة في الحمل ومساويا لجريمة قتل، وفي عام 1917 أصبح هذا
قانونا كنسيا مكتوبا. معنى ذلك أنه طوال الألفي عام
الماضية كانت الكنيسة تقبل الإجهاض، ولم تحظره إلا في
المائة وخمسين عاما الأخيرة.
(119)
البوذيون
ينظر البوذيون للحياة على أنها سلسلة متصلة. ويتفق معظم
البوذيين العصريين على أن قرار الإجهاض أو استمرار الحمل
هو بيد الأم.
اليهودية
لا يوجد لديهم رأي موحد في قضية الإجهاض الاختياري. مع ذلك
يجمع اليهود الإصلاحيون بصفة عامة على أن الإجهاض هو قرار
المرأة الحامل. ولا يعتبرون الجنين شخصا إلا عندما يتنفس
لأول مرة عندما يولد «نفخ الروح المتأخر».
الكنيسة المشيخية
تؤيد حق المرأة في الإختيار بين الإجهاض واستمرار الحمل
كما تفعل كثير من الجماعات في أمريكا.
وتسير الآراء الدينية عن الخلايا الجذعية الجنينية،
بمحاذاة المواقف التي تتخذها الأديان المختلفة من قضية
الإجهاض، فالأديان التي تتخذ موقفا تحرريا من هذه القضية
يكون موقفها إيجابيا بالنسبة لأبحاث الخلايا الجذعية، وترى
كنيسة إسكتلندا المنفعة الكامنة في هذه الأبحاث إذا تمت في
ظروف محدودة، وتأمل أن تتوصل إلى علاج يساعد المرضى على
الشفاء، امتداد العمر.
وتقول لجنة الأخلاق في مستشفى الأدقتست بسيدني أنه ينبغي
أن نرحب بالتوصل إلى أفضل الحلول التقنية.
أما الكنيسة الأسقفية البروتستانتية فقد انقسم فيها الرأي،
إذ يسمح بعض الأساقفة بأبحاث الخلايا الجذعية إذا أخذت من
جنين لا يزيد عمره عن أربعة عشر يوما.
(120)
وتوافق الكنيسة المشيخية على التبرع بالأجنة المضغية
(البويضات الملقحة) الفائضة عن الحاجة في عيادات الخصوبة،
ولكن ذلك ينبغي أن يقتصر على الأجنة التي ليست لديها فرصة
النمو في رحم الأم.
ويقول اتحاد طائفة اليهود الأرثوذكس أن (البويضة المخصبة
المعزولة
«أي التي لم تحقن في رحم المرأة» لا تتمتع بالشخصنة «أي لا
تعتبر شخصا»).
أما الكنيسة اللوثرية والكنيسة المنهجية المتحدة فهما
يوافقان الفاتيكان الرأي في معارضة إجراء أبحاث الخلايا
الجذعية على أجنة بشرية.
ويؤكد المؤتمر المعمداني الجنوبي أن الجنين المضغي هو أصغر
حجم للإنسان، ولكنه إنسان على أية حال.
وتريد «جماعة الحياة» الأمريكية - وهي من أكبر الهيئات على
مستوى القاعدة التي تشايع مبدأ «المؤيدون للحياة» - أن
تحرم أبحاث الخلايا الجذعية المأخوذة من الأجنة وأن تفرض
حظرا على عيادات الإخصاب ووسائل منع الحمل.
(انظر «الخلايا الجذعية الجنينية» لمؤلفيه آن كسلنج وسكوت
أندرسون وناشريه جونز وبارتليت - بوسطن).
موقف المسلمين
يعبر عن هذا الموقف بكل بلاغة وإيجاز الدكتور حسان حتحوت
في كتابه بعنوان: «قراءة في العقل الإسلامي».
الإجهاض
لا يوجد في المجتمعات الإسلامية فريق «المؤيدون للحياة»
وفريق «المؤيدون لحق الإختيار» تستعر بينهما معركة حامية
الوطيس كتلك التي
(121)
نجدها في المجتمعات الأخرى في أمريكا،
فنظرة الإسلام للإجهاض تختلف كل الاختلاف عن نظرته لمنع
الحمل.
فالإجهاض ينطوي على انتهاك حرمة حياة إنسانية. والسؤال
الذي يطرح نفسه بطبيعة الحال هو ما إذا كان اصطلاح «الحياة
الإنسانية» يشمل حياة الجنين في الرحم. والإجابة عند الفقه
الإسلامي هي بالإيجاب، فالإسلام يضع الجنين في مكانه
«الذمة الناقصة». وكلمة «الذمة» في الفقه الاسلامي تعني ما
للفرد من حقوق وما عليه من واجبات. وبذلك تكون ذمة الجنين
ناقصة بمعنى أن له حقوقا وليس عليه واجبات. وهاك بعض حقوق
الجنين:
1ـ إذا توفي الزوج أثناء فترة حمل الزوجة فإن قانون
التوريث يعترف بالجنين في بطن أمه واحدا من الورثة إذا ولد
حيا. ويتسلم الورثة الآخرون نصيبهم في الميراث وفقا للنسب
التي يقررها الشرع بعد تجنيب النصيب المقرر للجنين إنتظارا
لميلاده.
2- إذا أخفق الحمل في أي مرحلة من مراحله ونزل الجنين قبل
موعده الطبيعي بفترة طويلة، مما لا يسمح له بإستمرار
الحياة، ويكون قد أظهر علامة من علامات الحياة قبل وفاته
كأن تصدر عنه كحة أو حركة، فإن لمثل هذا الجنين الحق في أن
يرث ميراثا شرعيا، كما لو كان قد ولد حيا. ثم يرثه الآخرون
بدورهم بعد التأكد من وفاته.
3- إذا ارتكبت امرأة جريمة عقوبتها الإعدام وثبت أنها
حامل، يؤجل تنفيذ الحكم إلى أن تضع وليدها وترضعه إلى أن
يحين فطامه. وينطبق هذا الحكم على أية فترة من فترات
الحمل، حتى لو كان في بدايته، مما يدل على أن للجنين الحق
في الحياة منذ اللحظة الأولى من الحمل. كما ينطبق هذا
الحكم حتى لو كان الحمل سفاحا، مما يبين أن الجنين حتى في
هذه الحالة له أيضا
(122)
الحق في الحياة. وهناك إجماع على هذا
الحكم بين كافة المذاهب والمدارس الفقهية.
4- هناك عقوبة مالية تفرض على من يتسبب في إجهاض حامل، حتى
لو كان بطريق الخطأ وعن غير قصد. وتسمى هذه العقوبة «غرة»
أما إذا كان الإجهاض ناتجا عن عمل عدواني مقصود فإن
المحكمة تنظر في فرض عقوبة مناسبة.
وكانت مسألة بداية الحياة في الجنين موضع مناقشات دائمة في
الدوائر الإسلامية منذ العصور الأولى للإسلام، حيث كان
السماح بالإجهاض يخضع للاتفاق على توقيت وجود حياة في
الجنين. (كان بعض الفقهاء في الماضي يسمحون بالإجهاض قبل
أن يبلغ الجنين الشهر الرابع من عمره، بينما حدد آخرون
الأسبوع السابع من بداية الحمل على أساس أن الحياة لا تدب
في الجنين قبل ذلك). ومنذ حوالي عشرة قرون وصف عالم إسلامي
شهير، وهو الغزالي، مرحلة من الحمل سماها مرحلة الحياة
الضئيلة التي لا تحس بها الأم، وتأتي قبل المرحلة التي
تشعر فيها بحركة الجنين وإرتكاضه في بطنها. وقد عكفت
إجتماعات المجالس الفقهية التي عُقدت حديثا على إعادة
النظر في الموضوع واضعة في الإعتبار تطبيقات التقنيات
الحديثة، وانتهت إلى أن المعايير الواجب مراعاتها لتحديد
المرحلة التي تبدأ فيها حياة الجنين هي:
1ـ أن تكون حدثا واضحا ومحددا.
2- أن يظهر فيها أهم ملمح رئيسي من ملامح الحياة وهو:
النمو.
3- إذا لم يحدث ما يوقف هذا النمو، فإنه يسير قدما خلال
المراحل اللاحقة كما نعرضها.
(123)
4- يحتوي الجنين في هذه المرحلة على النمط الوراثي الذي
يتميز به الجنس البشري بصفة عامة والخصائص الخاصة التي
يتميز بها كل فرد على حدة.
5- ألا تسبق ذلك أية مرحلة تجمع المعايير الأربعة الأولى
من هذه القائمة. ويتضح من ذلك أن هذه المعايير كلها تشير
إلى مرحلة التخصيب (تخصيب البويضة، أي الجنين المضغي).
على أن الإجهاض يباح إذا كان في إستمراره تهديد خطير لحياة
الأم، إذ أن الشريعة تنظر الى الأم بإعتبارها الأصل وأن
الجنين هو الفرع، ولذلك يمكن التضحية به لإنقاذ الأم. ويرى
البعض أن السماح بالإجهاض يجب أن تتسع رقعته لتشمل الحالات
التي يثبت فيها أن الجنين سوف يولد وبه تشوهات خلقية شديدة
أو أمراض وراثية لا تستقيم معها الحياة الطبيعية، وذلك إذا
تم الإجهاض قبل إنقضاء أربعة أشهر على بداية الحمل.
وبطبيعة الحال سوف يستمر هذا الجدل ويطول. ولكن هناك
إمكانية وجود بدائل تجعل من هذا الجدل كله أمرا لا صلة له
بالهدف الرئيسي: ألا وهو إستخدام الخلايا الجذعية في تحقيق
حياة أفضل وصحة أقوى وعمرا أطول. وأكثر الأبحاث مدعاة
للأمل هي التي تهدف الى الحصول على الخلايا الجذعية من
الحبل السري. كما وردت مؤخرا تقارير عن إحتمال وجود
الخلايا الجذعية بنسب صغيرة عند البالغين في أنسجة مختلفة
كالقلب والكلى والحبل الشوكى والعين والدماغ. ويصير التحدي
الذي يواجهنا هو عزل هذه الخلايا وتحفيز تكاثرها، إما من
عضو ينهار أو أعضاء يتبرع بها البالغون قبل وفاتهم.
بإمكاننا أن ننشئ بنوكا للخلايا الجذعية الخاصة بعضلات
القلب، أو أي من الأعضاء الأخرى. وفي بعض الحالات إذا
توافرت شروط معينة، يمكن الإستغناء عن عملية نقل نخاع
العظام واستبدالها بإثراء الدم الوريدي بخلايا النخاع
(124)
الجذعية التي يمكن عزلها من الوريد. وقد يكون لكل هذه
الخيارات محدوديتها أو مصاعبها التقنية. وأرجو أن نتعلم
الكثير ممن المختصين في هذا المجال المثير.
وأختم هذا الجزء من البحث بالتأكيد على أن الإسلام يحث على
الاستقصاء والإستكشاف والبحث العلمي إستجابة لما أمرنا به
القرآن الكريم. واستخدام أي كشف جديد ينبغي أن يتم في ضوء
قيمته ومدى نفعه للبشرية.
DNA
هو الحروف الأولى من اسم حامض نووي يحمل الصفات الوراثية
في الخلية، وهو عبارة عن جزيء بروتيني موجود في نواة كل
خلية من خلايا الجسم. وتتعلق المعلومات الوراثية التي
يحملها هذا الحامض بالخصائص الجسمانية والنفسية والسمات
العقلية الخاصة التي تميز كل فرد عن غيره. كذلك تحمل نفس
العلامات الوراثية الموجودة عند أبيه وأمه وأخوته والتي
سوف تحملها ذريته. ويمكن القول أن الـ DNA بذلك يكون
بمثابة بطاقة الهوية لكل فرد؛ وهي أدق من بصمات أصابعه.
وفي نفس الوقت يعتبر أرشيفا للأسرة يحمله كل واحد منا عن
أجداده واخوته وذريته. وبينما مازلنا غير قادرين على حل
شفرة معظم هذه المعلومات، إلا أن الهدف الرئيسي من مشروع
الجينوم البشري هو التوصل إلى فك شفرة هذا النظام حتى تصبح
المعلومات التي يحملها متاحة لنا.
ماهو الجينوم؟
ــ الجينوم هو كل الـ DNA في الكائن الحي بما فيه من
جينات. وتحمل هذه الجينات معلومات عن صنع جميع أنواع
البروتينات التي تحتاجها كافة
(125)
الكائنات. وتحدد هذه
البروتينات ضمن ما تحدده من أمور أخرى مظهر الكائن وكيفية
قيام جسمه بعملية الأيض ومقاومة العدوى وأحيانا طريقة
سلوكه وتصرفاته حيال ما يواجهه من مواقف.
ــ ويتكون الـ DNA من أربعه مواد كيميائية متماثلة (تسمى
قواعد وتختصر في الحروف A,T,C,G) وتتكرر هذه المواد ملايين
بل مليارات المرات في جميع انحاء الجينوم. فالجينوم البشري
على سبيل المثال لديه 3 مليارات زوج من القواعد
الكيميائية.
ــ والترتيب الخاص بهذه المواد الكيميائية بالغ الأهمية،
إذ يقوم على أساسه كل ما في هذه الحياة من تنوع وإختلاف،
بل إنه يحدد ما إذا كان الكائن بشرا أو نوعا آخر من
الكائنات؛ كأن يكون قطعة خميرة مثلا أو أرز أو ذبابة أو
فاكهة. ولكل نوع من هذه المخلوقات الجينوم الخاص به، وكلها
موضع دراسة في مشروعات الجينوم، وحيث توجد صلة بين جميع
أنواع الكائنات عن طريق التشابه في متتاليات الـ DNA فإن
ما نتوصل إلى فهمه ومعرفته من دراستنا لجينوم الكائنات غير
البشرية يؤدي بنا إلى اكتساب معارف جديدة عن بيولوجيا
الإنسان.
مشروع الجينوم البشري
بدأ مشروع الجينوم البشري في الولايات المتحدة الأمريكية
في عام 1990. وهو الآن ثمرة جهود تواصلت لمدة ثلاثة عشر
عاما شاركت فيها وكالة الطاقة الأمريكية والمعاهد القومية
للصحة في الولايات المتحدة. وكان مقررا لهذا المشروع أن
يستمر لمدة خمسة عشر عاما ولكن التقدم التكنولوجي المتسارع
أدى إلى تقديم موعد إكتماله إلى عام 2003. وكانت أهداف
المشروع تتركز على التعرف على ما يتراوح بين عشرين ألفاً
وخمسة وعشرين ألف
(126)
جين في الـ DNA البشري، وتحديد
المتتاليات لثلاثة مليارات من ثنائيات القواعد الكيميائية
التي تدخل في تكوين الـ DNA البشري، وتخزين هذه المعلومات
في قواعد بيانات، ثم إدخال تحسينات على أدوات تحليل
البيانات. بالإضافة إلى ذلك، كان من أهداف المشروع أيضا
نقل التكنولوجيا المتعلقة به إلى القطاع الخاص، والنظر في
القضايا الأخلاقية والقانونية والإجتماعية التي قد يثيرها
المشروع. وبذلك كان مشرع الجينوم البشري في أمريكا هو أول
مشروع علمي كبير يهتم بهذه القضايا ويحاول مجابهتها.
والجانب الأخر الذي لا يقل أهمية هو إهتمام الحكومة
الفيدرالية بنقل تكنولوجيا المشروع للقطاع الخاص.
إن المعلومات التي يحتوي عليها الـ DNA لها طابع بالغ
الخصوصية. ولتوضيح ذلك تخيل أن الـ DNA يحتوي على يوميات
شخص ما ولكن عن أحداث مستقبلية. إن اليوميات هي أخص وثيقة
شخصية يمكن لإنسان أن يحتفظ بها ويحافظ عليها. ولكن في حين
تصف اليوميات أحداث الماضي، تصف هذه اليوميات التي تحتوي
على خصائص الفرد الوراثية الأحداث المحتملة في المستقبل
لأنها تسجل جزءا هاما وفريدا من مستقبل الإنسان.
وقد ساعد تحليل الـ DNA حتى الآن في مجال مكافحة الجريمة،
فقد أصبح من الدلائل المعترف بها في المحاكم لإدانة
المشتبه بهم أو تبرئتهم . كما أن هذا التحليل يستخدم في
قضايا النسب عندما يتطلب الأمر دليلا لإثباته. إلا أن قوة
المعلومات التي تحتويها المادة الوراثية في الـ DNA
وطابعها الشخصي جدا بالإضافة إلى إمكانية الإطلاع عليها من
قبل أطراف أخرى غير صاحبها يجعلها شيئا مختلفا كل الإختلاف
عن يوميات عادية يكتبها الإنسان لنفسه في أغلب الأحيان.
فقد تحتوي هذه المعلومات على سبيل المثال على قابلية الفرد
(127)
للإصابة ببعض الأمراض الجسمانية أو العقلية المشينة دون أن
يدري هذا الفرد شيئا عنها. هذا الطابع الحساس لمثل هذه
المعلومات يحمل في طياته نذرا خطيرة فيما يتعلق بخصوصية
الفرد تمس أيضا الناحية العملية من حيث ردود الأفعال
المنتظرة للكشف عن هذه الأسرار من جانب المجتمع ووضع الفرد
فيه، والزواج، والعمل، وشركات التأمين على الحياة والتأمين
الصحي.
ومن هنا تنشأ المعضلة الأخلاقية. فقد يؤخذ من الفرد عينة
من الـ DNA من أجل تحليلها لغرض محدد. ولكن بمجرد أن يتم
هذا التحليل تكون يوميات هذا الفرد قد خرجت إلى العلانية
ويصبح في الإمكان إستخدام المعلومات التي يكشف عنها
التحليل لأغراض تختلف عن الغرض الأصلي سواء تم ذلك عمدا أو
عن طرق تسريب هذه المعلومات بدون قصد إلى مصادر أخرى . وفي
مجتمع كالمجتمع الأمريكي يقوم على أساس الفردية والخصوصية
فقد أثارت هذه الإحتمالات المخيفة زوبعة من الجدل العنيف
عما يحف بهذه القضية من مخاطر أخلاقية وسياسية بل
ودستورية. وتمخض هذا الجدل عن مشروع قانون «الخصوصية
الوراثية» وهو تنبيه إلى الحكومة الفيدرالية بأن المعلومات
الوراثية تختلف عن كل البيانات الشخصية الأخرى للفرد بشكل
يتطلب إضفاء حماية خاصة عليها. ومما زاد من اشتعال
المناقشات صدور قانون مقترح رقم 69 الخاص بجمع عينات الـ
DNA تحليلها يهدف إلى التوسع في ذلك من أجل إستغلال
المعلومات المتاحة. وينص هذا المشروع على ما يأتي:
جميع عينات الـ DNA من كل المتورطين في قضايا جنائية، ومن
كل من يلقى القبض عليهم من القصّر أو الراشدين لاتهامهم
بإرتكاب جرائم معينة، وتسليم هذه العينات إلى قاعدة بيانات
الـ DNA في الولاية المختصة. وبعد
(128)
خمسة أعوام سوف يسمح
مشروع القانون هذا بأخذ عينات من الأفراد الراشدين إذا تم
إلقاء القبض عليهم أو اتهامهم في أي قضية جنائية، ومن أي
فرد يقبض عليه حتى عن طريق الخطأ «لتهمة جنائية» أو يقبض
عليه ولا توجه إليه أية إتهامات وسوف يؤدي هذا المشروع إلى
تغيير المبدأ المعروف بأن الإنسان بريء إلى أن تثبت
إدانته.
إن أخذ عينات الـ DNA من آلاف الأبرياء وتخزينها مع عينات
المجرمين في قاعدة بيانات واحدة لهو أمر محفوف بالمخاطر
والمشاكل يؤثر سلبا على حق الفرد في ان تكون له خصوصية.
هناك حاجة لأخذ عينات الـ DNA ، فمن يرتكبون جرائم تلحق
ضررا فعليا بالأفراد والممتلكات يجب تقديمهم للعدالة بأسرع
ما يمكن. وينعقد على الـ DNA لإثبات براءة البريء وإدانة
المذنب.
ولكن يجب في نفس الوقت حماية حقوقنا التي يكفلها لنا
التعديلان الرابع والخامس في الدستور. إن الحرية المدنية
في أمريكا تتعارض تماما مع التوسع في إستخدام عينات الـ
DNA. وينبغي حفاظا على هذه الحرية تدمير العينات خلال فترة
معقولة بعد إتمام التحليل والبت في القضايا الجنائية
المعلقة.
والأخطر فيما يتعلق بعينات الـ DNA أنها لا تفشي أسرار
الفرد الوراثية فحسب، بل تفشي أيضا أسرار من يشاركوه
الخصائص الوراثية من أفراد أسرته وممن تربطه بهم صلة
الرحم. وقد يترتب على إفشاء هذه المعلومات سواء عن الفرد
أو عن افراد أسرته أن يزداد التمييز ضد الأفراد في الشركات
الصناعية والأعمال التجارية. وقد يتم حرمان أشخاص أصحاء من
التمتع بخدمات التأمين أو الحصول على وظائف بناءً على
التنبؤات الوراثية التي تفصح عنها ما يؤخذ
(129)
منهم من عينات
الـ DNA. وليس من السهل تأمين السرية التامة لهذه التنبؤات
والمعلومات خاصة في ظل الوضع القائم الذي يقتضي تداول هذه
البيانات بين جهات متعددة بحيث لا يمكن للفرد التحكم في
مثل هذا التداول. ولهذا السبب تم التقدم للكونجرس الأمريكي
بمشروع قانون «الخصوصية الوراثية»، ويحدد القانون، ضمن
أمور أخرى، من له الحق في الإطلاع على معلومات الفرد
الوراثية.
بنك بيانات الـ DNA
إن الجهات المسؤولة عن جميع عينات الـ DNA وتخزينها
وتحليلها ورقابتها تحتاج إلى العمل في إطار قواعد جديدة
تضمن التقليل بقدر الإمكان من أي أضرار قد تلحق بخصوصية
الفرد.
وتتعدد في الولايات المتحدة الجهات التي يناط بها مسؤولية
جمع عينات الـ DNA وتخزينها، ومن بين هذه الجهات مكتب
التحقيقات الفيدرالية، وبرامج في كل ولاية لتخزين هذه
العينات التي تؤخذ ممن يدانون في جرائم جنسية وغيرها من
الجرائم. وهناك أيضا برامج لتخزين العينات خاصة بالجيش
الأمريكي، إلى جانب المشروعات البحثية الخاصة في المجال
الطبي. ناهيك عن برامج تخزين أخرى خاصة بالصليب الأحمر،
وبنوك الدم، وبنوك الخلايا المنوية والبويضات والأجنة
المضغيّة والجهات الحكومية في كل ولاية، التي تقوم أيضا
بتخزين عينات الدم. كل هذه الجهات تحتفظ بعينات يجري
تحليلها، وتبوح هذه العينات باسرار وراثية يمكن استخدامها
في أغراض شرعية، كما يمكن استغلالها في أغراض غير شرعية.
من هذه الأغراض الشرعية التعرف على مرتكبي الجرائم في
القضايا الجنائية، وفي هذه الحالة يتم جمع العينات
وتحليلها بأمر السلطات المعنية في الولاية.
(130)
كما تشتمل الأغراض الشرعية على التعرف على جثث الموتى بناء
على طلب جهة حكومية.
إننا في حاجة إلى ضوابط لحماية سرية المعلومات المختزنة في
بنوك البيانات الوراثية وينبغي أن تشمل هذه الضوابط ما
يأتي:
من حق من تؤخذ منه العينة أو من ينوب عنه أن يفعل الآتي:
1ـ يحدد من يأخذ منه العينة ويقوم بتحليلها.
2- يحدد الغرض من هذا التحليل.
3- يعرف نوع المعلومات المطلوب تحديدها.
4- يأمر بتدمير العينة ويفوض من يفعل ذلك في حالة وفاته.
5- يرفض السماح بإستخدام العينة لأغراض البحث العلمي.
6- الحصول على نسخ من السجلات التي تحتوي على المعلومات
مستقاة من التحليل الوراثي للعينة.
7- يحظر إجراء أية أبحاث على عينة فرد بعينه مالم يعط هذا
الفرد تصريحا بذلك أو يقوم من ينوب عنه بعمل ذلك.
وبالرغم من كل هذه الإحتياطات مازال القلق يساور كثيرا من
جماعات الحقوق المدنية ورجال الأخلاق، أن هذه المعلومات
الهامة قد تتسرب مما يؤدي إلى عمليات تمييز مختلفة ضد
الأفراد أو الجماعات، وقد توفر للسلطات الفيدرالية القدرة
على اقتحام خصوصية المواطنين.
لابد أن يوازن المجتمع بين مخاطر هذه الاتجاهات وبين
فوائدها، وأن يقوم بوضع الخطط والأساليب التي تضمن حماية
حق كل فرد في حياة خاصة آمنة من عبث العابثين.