( 1 )
مع
المجمع العالمي للتقريب
بين المذاهب الاسلامية
إعداد :
محمد مهدى نجف
المعاون الثقافي للمجمع
( 2 )
هوية الكتاب
اسم الكتاب : … مع المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
تأليف : … محمد مهدي نجف
الناشر : …المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
الطبعة : …الاولى 1423 هـ . ش
المطبعة : … سرور / قم
الاوراق الحساسة …تيزهوش
الكمية …3000
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد :
لقد بات من الواضح أ نَّ مسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية وتوحيد صفوف الاُمة أمام أعداء الإسلام أمل من الآمال التي يتطلّع إليها كلّ المصلحين الَّذين ظهروا في العالم الإسلامي ، ولا يخفى حجم مسؤولية اُولي الأمر في الدول الإسلامية والدور الذي يمكن أن تلعبه الحكومات في تحقيق التعايش الأخوي بين المنتمين إلى المذاهب المختلفة ، وتحدّ من انتشار ظاهرة التعصّب المذهبي وحصرها في حدود ضيِّقة لا تسيء إلى سمعة الإسلام ، وتحقّق المصلحة الجَماعية للمسلمين .
وممّا لا شكّ فيه أ نَّ نَقْل صورة مُثلى للإسلام يحتاج إلى تعاون بين مختلف العلماء من مختلف المذاهب الإسلامية . وقد بذل بعض القادة والعلماء والمفكرون جهوداً مشكورة كبيرة في هذا السبيل .
( 4 )
كما شهدت القرون الأولى وحتى القرن السادس الهجري تلاقحاً فكرياً واسعاً بين العلماء وحملة الحديث من مختلف المذاهب الإسلامية فكانت هناك الندوات والمناظرات العلمية المختلفة والتي غلب عليها طابع الموضوعية والبحث العلمي ، كما نرى حضور وتلمّذ رواد العلم على اختلاف مذاهبهم عند مَنْ يُعرف بالعلم والمعرفة وإن لم يكن على مذهبه .
وقد يتصَّور البعض ولأوَّل وهلة أ نّ الهدف من الدعوة إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية هو نبذ المذاهب المختلفة واعتناق مذهب موحَّد ، أو أ نَّ ذلك يعني خروج طائفة من المسلمين عمّا اعتقدته من المسائل العبادية والعقائدية والدخول في معتقدات لمذهب جديد .
لكنَّ الهدف الأساس والحقيقي الذي نتوخّاه وكلّ المخلصين ، هو دعوة المسلمين كافة إلى ما أمر الله تعالى به من التمسّك بحبله المتين ، وبث روح الاُخوّة والتحابب والتوادد ، ونبذ عرى التفرقة من تكفير واتّهام بالشرك .
وفي أوائل القرن الميلادي الأخير ظهر مصلحون من دعاة الوحدة أمثال السيد جمال الدين الأسدآبادي المعروف بالأفغاني ، والشيخ محمّد عبده ، ثم الإمام كاشف الغطاء والشيخ عبد المجيد
( 5 )
سليم والشيخ محمود شلتوت ، والشيخ محمد تقي القمي وغيرهم الكثير وأخذوا على عاتقهم دعوة المسلمين الذين باعدت بينهم آراء لا تمسّ العقائد التي يجب على المسلم الإيمان بها ، فسافر الشيخ محمد تقي القمي من أجل ذلك إلى الكثير من بلاد المسلمين ، وكانت مصر إحدى محطّات سفره ، ومصر ـ كما نعلم ـ بلد الأزهر ، وموطن علماء الإسلام ، ومجمع رجال أهل السنّة .
فالتقى داعية التقريب هؤلاء ، وشرح لهم فكرته ، ودعا إلى كلمة سواء ، فلبّى هذه الدعوة طائفة من هؤلاء ـ على تعدد مذاهبهم ـ ممّن شرح الله لهذه الدعوة صدورهم ، فكانت حصيلة هذا التلاقح الفكري الجاد : تأسيس جماعة التقريب «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية» بالقاهرة ، وإصدار مجلة رسالة الإسلام والذي صدر العدد الأول منها في ربيع الأول 1368 ـ يناير 1949 ـ واستمر إصدارها حتى شهر رمضان عام 1392 ـ اكتوبر 1972 ـ ضمت هذه المجلة العديد من المقالات العلميّة القيّمة المقارنة بأقلام مجموعة كبيرة من الشخصيات العلميّة من مختلف المذاهب الإسلامية .
كما سعت هذه الجماعة لتصحيح وإخراج كتاب مجمع البيان لعلوم القرآن للشيخ الجليل أمين الإسلام أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي من اعلام القرن السادس الهجري والذي وصفه شيخ
( 6 )
الجامع الأزهر آنذاك الشيخ عبد المجيد سليم بقوله :
«كتاب جليل الشأن ، غزير العلم ، كثير الفوائد ، حسن الترتيب ، لا احسبني مبالغاً إذا قلت إ نه في مقدمة كتب التفسير التي تعدُّ مراجع لعلومه وبحوثه» .
وتمت طباعته تحت إشراف لجنة من العلماء والمحققين في أوائل منتصف القرن الحالي .
ثم أصدر الشيخ محمود شلتوت شيخ جامع الأزهر فتواه القاضية بجواز الرجوع إلى جميع المذاهب الإسلامية المعروفة ومن بينها مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وذلك في 17 ربيع الأول من عام 1378 هـ ، والتي جاء فيها :
«إن الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه اتباع مذهب معين بل نقول : إن لكل مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلاً صحيحاً والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة ولمن قلَّد مذهباً من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره ـ أي مذهب كان ـ ولا حرج عليه في شيء من ذلك .
إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الإثنا عشرية مذهب يجوز التعبّد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنة . فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك ، وأن يتخلصوا من العصبية بغير
( 7 )
الحق لمذاهب معيّنة ، فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب ، فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى يجوز لمن ليس أهلاً للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم ، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات ».
وكذلك تعرّف علماء أهل السنّة والمتصدّون للإفتاء في مصر على فقه الشيعة ، وأدخلوا بعض الفتاوى الشيعية الخاصة في قانون الأحوال الشخصية المصري ، وتعرّف علماء الشيعة على كبار علماء أهل السنّة وفقههم وحديثهم .
أخذت هذه الدعوة لون المدرسة الفكرية القائمة على أساس الدراسة والبحث العلمي ، واعتماد الدليل من كتاب الله تعالى وسنة رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لتنهض بذاتها دون أن ترتبط بأفراد بأعيانهم أو بمراكزهم .
وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران إنصبّ اهتمام قادتها وعلمائها ومفكريها على أهمية وحدة المسلمين ، وبذلوا جهوداً كبيرة في هذا السبيل ، حيث كان فقيد الاُمة الإسلامية ومفجّر ثورتها وقائد مسيرتها الإمام الخميني(قدس سره) يؤكد دوماً على هذا الأمر ، وقد أثمرت تلك الجهود الجبارة ثماراً نافعة ، وخلّفت آثاراً طيبة بين المسلمين .
( 8 )
تأسيس
المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
واصل خلفه الصالح قائد الثورة سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي(حفظه الله تعالى) في السير على هذا المنهج ، فأمر بتأسيس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية ـ ضمّ مجلسه الأعلى علماء ومفكرين من أقطار العالم الإسلامي على اختلاف مذاهبهم وجنسياتهم على أن يبقى المجمع

صورة توضح جانباً من الجلسه الاولى للاعضاء شورى التقريب
( 10 )
مؤسسة عالمية لا تخص منطقة دون أخرى أو قطراً دون آخر أو عنصراً دون عنصر آخر ـ وصادق سماحته على نظامه الداخلي .
وانطلاقاً من مبدأ توحيد الأمة الإسلامية اعتمد المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية في مساعيه العلمية وجهوده العملية أُموراً اصبحت بمثابة اصول اساسية ثابتة له وهي:
الأمر الأول:
اتفق المسلمون كافة على أن الإسلام بني على أركان هي شهادة أن لا إله إلا الله وان محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج... وهي مورد التسليم والاحترام لدى جميع المسلمين وأن الأُمة الإسلامية بجميع مذاهبها وقومياتها وشعوبها أُمة واحدة لقوله تعالى (ان هذه امتكم اُمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون).
فالكل يعتقد بتوحيد الباري جلّ شأنه، وبنبّوة نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله) والأنبياء من قبله(عليهم السلام)، وان القرآن واحد، والقبلة واحدة، كل ذلك اصول متفق عليها، وهي بالذات ملاك الاخوة الإسلامية ومعيار وحدتها، واداة حصانتها، وما دون ذلك فهي مسائل فرعية تخص كل مذهب لا ضير في الاختلاف فيها بين أصحاب المذاهب.
( 11 )
الأمر الثاني:
ان مفهوم التقريب بين المذاهب الإسلامية لا يعني انصهار المذاهب في بوتقة واحدة، أو الذوبان في مذهب معين، بل هو خطوة نحو جمع المسلمين وإشاعة روح التفاهم والتعارف فيما بينهم، والتقائهم بعد تنافرهم وتباعدهم، واستثمار ما وصلت اليه المذاهب الإسلامية الفقهية والكلامية في الوصول الى انطلاقة الفكر الإسلامي وبيان سعة الفقه وقدرته على المواجهة والتصدي لكل التيارات المناوءة للإسلام.
إنّ فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية تساهم مساهمة فعالة في تعميق الصحوة الإسلامية وتجعل الأُمة جميعاً تتحمل مسؤولياتها في حمايتها ودعمها وتهيئة سبل نجاحها .
الأمر الثالث :
ضرورة الفصل بين حقيقة الخلافات الفكرية والعلمية في المسائل الفرعية بين أئمة المذاهب الإسلامية ـ كما هو سائد بين العلماء قديماً وحديثاً في فهم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وما لها من أثر في استنباط الأحكام الشرعية ـ وبين مسارات الاحداث الدامية التي شهدتها وتشهدها الأُمة الإسلامية من خلال بث روح التفرقة بين المسلمين يعني ذلك ان الاختلاف في المسائل
( 12 )
الفرعية ـ وان اختلفت مدارسها الفقهية والفكرية ـ امر طبيعي يجب ان ننظر إليه في اطار تنوع الفكر والعطاء ولا يجوز بحال أن يكون عقبة مانعة أمام توحيد الأُمة والتعاون فيما بينها في ظل الأُسس المشتركة .
الأمر الرابع:
وهو أمر يرتبط بمشكلة تحمل الشعوب الإسلامية وزر التبليغ السيئ عن المذاهب الإسلامية مما أدى ويؤدي الى تمزيق هذه الأمة في الوقت الذي تداعى عقلاء البشرية لدعم فكرة حوار الحضارات والمساهمة في نشرها بعد دعوة الجمهورية الإسلامية الإيرانية رسمياً لها.
فالمسائل الخلافية يجب أن تبيّن على يد علماء المذاهب باعتماد المصادر المعتبرة عندهم وعدم الاستناد الى الاشاعات المغرضة والأقوال الغير مسندة.
الأمر الخامس :
السعي لإيقاظ المسلمين وإشعارهم بالاخطار والمؤامرات والمخططات التي يتخذها اعداء الإسلام ضدهم سواء باشاعة الخلافات المذهبية أو القومية أو السياسية أو غيرها ودعوتهم لاتخاذ موقف موحد امام هذه المؤامرات.
كما اعتمد المجمع في مسيرته التقريبية على اشاعة فكر التقريب والحوار بين الجماهير الإسلامية وتوعيتها وتعريفها بانماط التآمر التمزيقي المعادي من خلال عقد المؤتمرات العالمية والداخلية الهادفة الى تحقيق الوحدة بين الأُمة وتنظيم الندوات والمشاركة في المؤتمرات.
أولا: مؤتمر الوحدة الإسلامية
يعقد المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية في الفترة ما بين الثاني عشر والسابع عشر من شهر ربيع الأول كل عام مؤتمراً عالمياً يشارك فيه جماعة من العلماء والمفكرين الاسلاميين من أقطار العالم على اختلاف مذاهبهم لبحث ودراسة الموضوعات والسبل العلمية الكفيلة لإقامة الوحدة بين الأمة والتقريب بين مذاهبها .
وانّ اقتران هذه الأيام المباركة بذكرى ميلاد سيد الرسل محمد(صلى الله عليه وآله) وميلاد سبطه الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) لخير أمل في نجاح هذه الدعوة، فالرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) رمز الوحدة بين المسلمين وسبطه الصادق (عليه السلام) استاذ أئمة المذاهب الإسلامية .
وقد عقد المجمع منذ تأسيسه حتّى الآن عشر مؤتمرات ابتداءً
( 14 )
من المؤتمر الخامس للوحدة الإسلامية والذي انعقد عام 1413 هجرية تحت عنوان (رواد الوحدة الإسلامية) في قاعة فندق الاستقلال، حضره عدد كبير من العلماء والمفكّرين الإسلاميين من أقطار العالم وجمع غفير من علماء الدين والمثقفين على اختلاف مذاهبهم من داخل الجمهورية الإسلامية، وحتّى المؤتمر الرابع عشر، وقد طبعت بعض بحوثها ومحاضراتها في كتب مستقلة باللغتين العربية والفارسية، وهو الآن يعدّ العدة لعقد مؤتمره الخامس عشر برعاية أمينه العام الجديد آية الله الشيخ محمد علي التسخيري(حفظه الله) حيث اولاه اهتماماً خاصاً، سائلين المولى العلي القدير أن يوفق العاملين لما فيه خير هذه الأُمة وصلاحها.

صورة توضح جانباً من المؤتمر العالمي الخامس للوحدة الإسلامية