مقدمة 1

بسم الله الرحمن الرحيم

(الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً). الاحزاب39.

نحمد الله ونشكره حيث وفقنا لإعادة طبع مجلة (رسالة الإسلام) وهي اكثر المجلات الإسلامية اتزاناً في حقبة غابرة من الحقب الزمنية، ولها فضل إيصال نداء التقريب لعلماء الإسلام ومفكّرية في العالم آنذاك. ويُعاد طبع هذه المجلّة لإحياء فكرة التقريب، والتأليف بين قلوب المسلمين. وقد استهلّ مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية أعمالة العلمية والإعلامية بهذا العمل المبارك.

صدرت هذه المجلة عن (دار التقريب بين المذاهب الإسلامية)، حيث بدأت عملها سنة 1368، واستمرّت حتى سنة 1392 هجرية (1949 ـ 1972 ميلادية) بأربعة أعداد سنوياً، بيد أنها عاشت بين مدّ وجزر في الصدور حتى بلغ مجموع ما صدر منها ستين عدداً.

كانت دار التقريب مقرّاً لنشاطات (جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية) بالقاهرة. وضمَّت الجماعة علماء من الطراز الأول، ينتمون لمختلف المذاهب الإسلامية. وقام هؤلاء العلماء بتوطيد أواصر الأخوة فيما بينهم خلال سنين طويلة، كما أدرك بعضهم البعض الآخر، وتفاهموا فيما بينهم وتآلفوا على حبّ الله، فسادت الأخوة الإسلامية والثقة المتبادلة أجواءهم.

لقد عاش هؤلاء العلماء الأخبار آلاماً ممضّة بسبب معاناة المسلمين الدّامية من التفرقة، والتشتت، والضعف، والإمتهان، والغلبة على أمرهم. وكذلك كانوا يشعرون بالأسى لفداحة الأخطار التي كانت تهدد الإسلام. لقد أدركوا تلك الحقيقة المُرّة المتمثّلة بتفرّق أتباع المذاهب الإسلامية ـ مع وجود نقاط الالتقاء الكثيرة التي تجمعهم، مضافاً إلى تمسكهم بأصول الإسلام ـ ممّا ولدّ

((مقدمة 2))

عندهم حالة من التشكيك والاستغراب، تمخضت عن خصومة وتشاؤم مؤسفين. وهذا بنفسه أشدّ حربة بيد أعداء الإسلام لإيجاد صدع عميق في كيان الأمة الإسلامية، وتغذية الخصومات والنزاعات بين المسلمين. والتاريخ الإسلامي خير شاهد على ما نقول، حيث استغلّ حكام المسلمين غير الكفوئين، وكذلك المستعمرون الأجانب في القرون الأخيرة هذه الحربة القاطعة المسمومة مراراً لتحقيق مآربهم المشؤومة، وسلاحهم الفتّاك دوماً وأبداً: (فرّق، وتَسُد).

كان المؤسّسون لدار التقريب من العلماء المخلصين المتحمسين للإصلاح. و (إنهم فتيةٌ آمنوا بربهم وزدناهم هدى. وربطنا على قلوبهم …). (الكهف 12،13) وبعد سنين طويلة من المناقشات وتبادل الآراء وتلاقح الأفكار، اتخذوا موقفاً حكيماً نابعاً من رؤية إسلامية نقيّة، ومستنداً إلى منهج منطقي منظّم، حيث حذّروا المسلمين من التفرقة البغيضة، والنزاع العقيم الخطير.

أنّ مجلّة (رسالة الإسلام) هي المجلة المتحدّثة باسم (جماعة التقريب) والناشرة لأفكارها، وأفكار غيرها من الشخصيات الإسلامية حيث كانوا، يعبرّون عن آرائهم بشكل صريح في إطار المبادئ الإسلامية العامّة، والقواسم المشتركة تجمعهم مع التزامهم بانتمائهم المذهبي وبينهم علماء من المذاهب الاربعة لأهل السنّة ومذهب الشيعة: الإمامية والزيدية. وكان كلّ منهم يطرح مذهبه كما هو، مع رفض ما من شأنه التفرقة وسوء الظن، اذيفرّقون بين المبادئ الإسلامية العامّة المشتركة التي يلتزم بها كل مسلم، وبين المسائل المذهبية الخاصة لكل منهم.

إنّ هذه المجلة ـ باُسلوبها المركز، وحيادها التامّ، واحترامها المتقابل، وابتعادها عن كافة الميول والاتجاهات السياسية لحكام تلك الفترة، واجتنابها الاتصال ببلاطات المتحكمين ـ مدرسة متنقّلة، لم تضمر إلاّ الخير والنصيحة للمسلمين، ومنبرُ إعلاميّ راسخ للمصلحين من أبناء العالم الاسلامي، لذلك

((مقدمة 3))

سرعان ما أصبح لها موضع قدم في كافة أرجاء الأقطار الإسلامية، ونالت ثقة علماء المذاهب، وأصبحت محطّ أنظار المفكّرين الإسلاميين فكانوا يُتحفونها بمقالاتهم، أو يراسلونها من أجل أن يعلنوا عن دعمهم لخطّ التقريب، أو ينقدوها بكل نزاهة وتحمس. وكانت تطرح فيها جميع هذه الآراء والأفكار، والتّساؤلات مع أجوبتها المناسبة. ولأوّل مرة، وبعد قرون من الغربة والجفاء، كان علماء المذاهب الإسلامية يعبّرون عن آرائهم وأفكارهم جنباً إلى جنب على صفحات تلك المجلة الغراء.

ومن بين الكتاب الذين رفدوا المجلة، وحماة التقريب: علماء الشيعة ومراجعهم الكبار في النجف وقم، شيوخ الازهر في مصر، وأساتذة الجامعات الإسلامية، وكتاب آخرون معروفون. فمن الشيعة: أصحاب السماحة من العلماء الأعلام أمثال: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والسيد هبة الدين الشهرستاني، والسيد عبد الحسين شرف الدين العاملي، والشيخ محمد صالح المازندراني (السّمناني)، والشيخ محمد جواد مغنية، والشيخ عبد الحسين الرشتي، والشيخ عبد الحسين ابن الدين، والشيخ محمد تقي القمّيّ (الأمين العام لدار التقريب آنذاك)، وآية الله السيد صدر الدين الصدر، وآية الله السيد محمد تقي الخونساري، والمرجع الكبير آية الله العظمى البروجردي، ومن السنة: شيخا الأزهر الكبيران: الشيخ عبد المجيد سليم، والشيخ محمود شلتوت، وجمع من علماء الازهر، أمثال: الشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ محمد محمد المدني (رئيس تحرير المجلة)، والاستاذ الكبير الشيخ عبد العزيز عيسى (مدير ادراة المجلة)، وآخرون غيرهم. ومن الكتّاب يومذاك السادة: أحمد أمين، وعباس محمود العقاد، ومحمد فريد وجدي، وأمثالهم.

ومن العلماء ومراجع الشيعة الكبار الذين كانوا أكثر جدّية في تعاملهم مع فكرة التقريب، هو أُستاذنا المرحوم آية الله البروجردي الذي كان يركز على تلك الفكرة، ولم يدخّر وسعاً في دعمها مادياً ومعنوياً. وكان يراسل شيخ الازهر آنذاك. وقد لاحظت بنفسي توجهه الصادق، وهمته العالية، ورغبته

((مقدمة 4))

الأكيدة في مسألة التقريب.

إن من دواعي السرور والابتهاج أن يعاد طبع هذا الاثر القيّم النادر متزامناً مع الذكرى الثلاثين لوفاة السيد البروجردي، والذكرى الثانية لرحيل قائد الثورة الإسلامية الكبير الإمام الخميني، المنادي الأعظم للوحدة الإسلامية في واقعنا المعاصر. ولا جرم أن روحي ذينك المرجعين العظيمين، وأرواح ذلك الجمع من العماء الكبار ستغتبط لهذا العمل الميمون المبارك. ولا شك فإن هذه الخطوة المجيدة المفرّحة ستساعد على ربط أفكار العلماء المعاصرين بأفكار إخوانهم المتقدمين. علماً أن إعادة طبع هذه المجلة التي تبين أهداف التقريب غابراً وحاضراً كانت بإشارة ودعم من قائد الثورة الإسلامية سماحة آية الله السيد علي الخامنئي ـ متّع الله المسلمين بطول بقائه ـ. وهو مبتكر فكرة تأسيس (مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية) الى جانب (المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)).

من الجدير ذكره أن مجمع البحوث الإسلامية التابع للآستانة الرضوية المقدسة في مشهد يأخذ على عاتقه القسط الأكبر في إحياء هذا التراث باعادة طبع هذه المجلة. وذلك بالاشتراك مع (مجمع التقريب). فما علينا إلا أن نقدم جزيل شكرنا وكبير تقديرنا لمتولي الآستانة الرضوية المقدسة والمسؤولين المعنيين، وكافة ذوى العلاقة الذين ساهموا في هذا العمل المحمود.

(ربَّنا اغفر لنا ولإخوننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربَّنا إنّكَ رؤوفٌ رحيمٌ). الحشر 10.

محمد واعظ زاده الخراسان رئيس الهيئة الادارية لمجمع البحوث الإسلامية والأمين العام لمجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية.