/ صفحه 52 /

الفقه والفقهاء في مصر

على عهد المماليك

لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ

الشيخ عبد العزيز المراغي

الإمام الخاص للحضرة الملكية

قد يبدو للقارئ غريباً بادئ الرأي أن تكون ثمة صلة بين الفقه الإسلامي في تطوره وحالة البلد الاجتماعية، فللفقه الإسلامي طريقته الخاصة في التطور وفي التطبيق، وله معينه الخاص الذي يفيض منه، وتخرج منه فروعه ضيقاً أو اتساعاً، وقبضاً أو بسطاً، حسب ما يعن لكل فقيه مجتهد على ضوء القواعد الأصولية التي ارتضاها جمهرة العلماء فيصلاً في قواعد التفريع واستنباط الأحكام الفرعية.

نعم إن الفقه الإسلامي قد اتخذ شكلاً خاصاً عندما اتسعت رقعة الأمبراطورية الإسلامية، وأظل الخفاق من راياتها أمماً لها نظامها الخاص وطابعها الخاص مما استدعى في أكثر الأحايين أن تبقى تلك النظم وهذه الطوابع ما دامت لا تؤثر على الروح العامة للتشريع، أو بعبارة أوضح، ما دامت لا تصدم القواعد العامة للتشريع. وحسبك أن تقرأ أي كتاب ذكرت فيه آراء الخلفاء الذين تمت تكل الفتوحات في عهدهم، فتجد من تلك الآراء ومن آراء من تعتد برأيهم ما يقنعك بصدق تلك القضية التي أسلفناها وما كانوا يرون في ذلك غضاضة، فالدين يجب ان يكون للكل، والشرعية تجب أن تكون سمحة ميسرة للكل، وظل الحال كذلك حتى جاء دور التدوين ودور الاجتهادات المذهبية، فتبلورت هذه المجموعة الفقهية الأولى الواسعة فيما عرف بعد باسم مذاهب الفقه الإسلامية، من الأربعة المعروفة وغيرها، مما ضُبط وجه الرأي فيه ونقل نقلاً صحيحاً، وكان ممن يعتد

/ صفحه 53 /

بقائله في الإجماع وظل الحال على ذلك أيضاً ـ ولكن على شئ من الضيق ـ شيئاً فشيئاً حتى اكتسحت العالم الإسلامي موجة المغول التي قضت على تلك الامبراطورية وأتت بنيانها من القواعد.

وفي الحق لم يكن مجئ المغول ليعني قيام دولة وذهاب أخرى فحسب، ولكنه كان في الواقع صراعاً بين نوعين من التفكير لم يعهد لهما اجتماع ولا تقارب من قبل، فللغول قانونهم، ولهم نظامهم، ولهم شريعتهم، إلى غير ذلك مما لا نريد الاطالة فيه فمرجعه كتب التاريخ التي عنيت بهذه الناحية، وللمسلمين أيضاً طرائقهم في التفكير، وشريعتهم، وسنتهم، وفقههم، ولكن مجئ المغول قد عنى من الناحية السياسية أن ينقل عبء الدفاع عن الإسلام وتقاليده وميراثه إلى مصر. ذلك أنه لم يكن ثمت في أي بلد من البلاد الإسلامية ـ وقد نخر في عظامها جميعاً السوس ـ دولة أو دويلة أو أقليم ينهض للقيام بهذا العبء غير مصر فكان من الطبيعي أن يولي العالم الإسلامي وجهه شطرها لتقف سداً ضد ذلك السيل الجارف الذي لم يبق في طريقه علماً، ولم يقف في طريق جبروته سلطان، بل اكتسح كل ما كان لهذه الدول الضعيفة من أثر وحاول أن يعفى على رقيها ومدنيتها، ولم يَكذب المماليكُ أو لم تكذب مصرُ ما رجاه العالم وما شامه فيها من مخايل فاضطلعوا بالعبء صابرين. وأدوا رسالة الإسلام أمام ذلك السيل الجارف، واستطاعت مصر بعد بغداد ومكة والحجاز أن تحمل مشعل الثقافة الإسلامية في شتى نواحيها، وكان من الطبيعي أن يتلو ذلك ارتحال الجمهرة الغفيرة من العلماء إلى مصر ليعيشوا في كنف هذه الدولة التي أبلت البلاء الحسن في الدفاع عن الإسلام وكان منهم المحدثون والمفسرون واللغويون والنسّابون والأطباء والأخباريون وكان منهم بعد هذا وقبل هذا الفقهاء ويحسن أن ننبه القارئ إلى أننا حين نتكلم على مصر يحسن أن يطبق القول على الشام والأقاليم التي دانت بالخضوع للمماليك واستظلوا بسلطانهم.

تلك كلمة عابرة قدمناها بين يدي الموضوع ليكون القارئ على علم بمقدمات هذه الظروف التي سنعرض لها ونتحدث على ضوئها عن الفقه والفقهاء.

/ صفحه 54/

كان المماليك في مصر أو غالبيتهم قد جلبوا إلى مصر من الجيش التركي أو الشركسي وإن كان ثمت فيهم مماليك من أجناس أخرى، وتطور بهم الأمر حتى استولوا على زمام الأمر في مصر بعد عهد الدولة الأيوبية على يد الملك المعز عام 648 هـ، وظلوا يقبضون على سلطانها حتى عام 923 هـ، وكان لهؤلاء المماليك تربية خاصة، وثقافة قُدّت على غرار النظام الإقطاعي الذي كان سائداً في البلاد التركية التي نزحوا منها، وهو الذي ساد العالم كله في القرون الوسطى، ولكن النظام الذي اتبعوه كان فذا في التاريخ، فلا هو ملكية وراثية مطلقة أو مقيدة، ولا جمهورية شورية، وكانوا طبقة تتجدد بما يفد على مصر من الخارج، وهم مع ذلك كانوا يعتبرون أنفسهم طبقة متميزة من الشعب، وليس للشعب مظهر لإرادته اللهم إلا اشتراك القضاة في حفلة تنصيب السلطان.

وهم ـ على هذا الاعتبار ـ كانوا يرون لأنفسهم من الحق ما ليس للشعب وأنهم ـ إلا قليلاً منهم ـ وإن كانوا مسلمين، فيجب أن يسرى عليهم نظام خاص هو النظام الذي ألفوه في البلاد التي رحلوا منها، والذي ساد العالم بعد موجة التتار، ذلك هو نظام (الياسا) أو الياسق كما يسميها ابن بطوطة في رحلته. وتلك (الياسا) هي شريعة جنكيز خان التي كانت محفوظة في الألواح، والتي كانت تظهر عند كل مناسبة في تولية خاناتهم وأمرائهم، وقد كتب المستشرقون كثيراً عن هذه (الياسا) ولكننا سندع المقريزي يتكلم عنها حتى نعرف السر في ثورة الفقهاء على نظامها في عهد المماليك. قال في الخطط في ذكر أحكام الياسا: (وكان جنكيز خان قد قرر قواعد وعقوبات أثبتها في كتاب سماه (ياسا) ونقشه في صفائح الفولاذ، وجعله شريعة لقومه، فالتزموه بعده، وكان جنكيز خان لا يتدين بشئ من أديان أهل الأرض، فصار (الياسا) حكما بتا بقي في أعقابه لا يخرجون عن شئ من حكمه، ومن جملة ما شرعه جنكيز خان في الياسا أن من زنى قتل، ولم يفرق بين المحصن وغير المحصن، ومن لاط قتل، ومن تعمد الكذب أو سحر أو تجسس على أحد أو دخل بين اثنين وهما يتخاصمان وأعان أحدهما على الآخر قتل، ومن بال في الماء أو على الرماد قتل، ومن أعطى بضاعة فخسر فيها فأنه يقتل بعد الثالثة،

/ صفحه 55 /

ومن أطعم أسير قوم أو كساه بغير إذنهم قتل، ومن وجد عبداً هارباً أو أسيراً قد هرب ولم يرده على من كان في يده قتل، وأن الحيوان تكتف قوائمه ويشق بطنه ويمرس قلبه إلى أن يموت ثم يؤكل لحمه، وأن من ذبح حيواناً كذبيحة المسلمين قتل، إلى غير ذلك من الأحكام.

وقد حرّف أهل مصر كلمة ياسا إلى سياسة، وأدخلوا عليها الألف واللام، فصارت السياسة، ثم قال: وكانوا ـ يعني المماليك ـ إنما ربوا بدار الإسلام ولقنوا القرآن وعرفوا أحكام الملة المحمدية، فجمعوا بين الحق والباطل، وضموا الجيد إلى الردئ، وفوضوا لقاضي القضاة كل ما يتعلق بالامور الدينية من الصلاة والصوم والزكاة والحج، وناطوا به أمر الأوقاف والأيتام، وجعلوا إليه النظر في الأقضية الشرعية، واحتاجوا في ذات أنفسهم إلى الرجوع لعادة جنكيز خان، والاقتداء بحكم الياسا، فلذلك نصبوا الحاجب ليقضي بينهم فيما اختلفوا فيه من عوائدهم، والأخذ على يد قويهم، وإنصاف الضعيف منهم على مقتضى ما في الياسا وجعلوا إليه مع ذلك النظر في قضايا الدواوين السلطانية عند الاختلاف في أمور الاقطاعات لينفذ ما استقرت عليه أوضاع الديوان وقواعد الحساب، وكانت من أجل القواعد وأفضلها حتى تحكم القبط في الأموال وخراج الأراضي فشرعوا في الديوان ما لم يأذن به الله تعالى ليصير لهم ذلك سبيلاً إلى أكل مال الله تعالى بغير حقه، وكان مع ذلك الحاجب يُحتاج إلى مراجعة النائب أو السلطان في معظم الأمور، هذا وستر الحياء يومئذ مسدول، وظل العدل صاف، وجناب الشريعة محترم، وناموس الحشمة مهاب، فلا يكاد أحد أن يزيغ عن الحق ولا يخرج عن قضية الحياء، إن لم يكن له وازع من دين، كان له ناه من عقل: ثم تقلص ظل العدل، وسفرت أوجه الفجور، وكشر الجور أنيابه، وقلت المبالاة وذهب الحياء والحشمة من الناس حتى فعل من شاء ما شاء، وتعدي ـ منذ عهد المحن التي كانت في سنة ست وثمانمائة ـ الحجّاب، وهتكوا الحرمة، وتحكموا بالجور تحكما خفي معه نور الهدى، وتسلطوا على الناس) هذه عبارة المقريزي نقلناها على طولها لأسباب.

/ صفحه 56 /

أولها: أنها تمثل الصراع الذي كان بين طبقة المماليك وطبقات الشعب.

ثانيها: أنها تمثل نوع القانون الذي كانوا يحتكمون اليه، والذي أثار المتمسكين بالدين من الفقهاء والشعب.

ثالثها: رد الفعل الذي أنتجه تمسك المماليك بهذا النظام الممقوت.

وإنما عنينا ببحث موقف الفقه والفقهاء في عهد المماليك لأن عهدهم كان العهد الذي ألفت فيه جمهرة الكتب التي بين أيدينا من كتب الفقه، والتي نرجع إليها في استفتاءاتنا في شتى المذاهب، والذي تركزت فيه الآراء الفقهية في المعاملات بوجه خاص نتيجة لتلاقي الفقه الإسلامي مع شريعة الياسا، ومع النظم الأوروبية التي وردت على مصر عن طريق الحروب الصليبية، وعن طريق تجارة أوربا في ذلك العهد، مما اضطر معه الفقهاء أن يحددوا موقفهم منها، ويبينوا نظرات الشريعة إلى تلك المعاملات وهذه النظم.

وما من شك في أن النظام الإقطاعي الذي ساد مصر في ذلك العهد كان له أثره البين على الفقه الإسلامي في جميع مذاهبه، وخاصة في مذهب أبي حنيفة في باب الإجارة وكتاب الوقف وشروطه ونظرية التعدي والغصب، وما عرف في فروع الوقف من مسائل الخلو، وقد حدث في هذا العصر التركي الفاظ لم يكن في الواقع لأغلب الفقهاء إلف بها من قبل، مثل لفظ: الكرواد، ومشد المسكة، والجامكية والحكر، والتيماري، والسباهي. إلى آخر تلك الألفاظ التي يعلمها من راجع كتب المتأخرين من الحنيفة متونهم وفتاواهم، والتي كانت نتيجة لذلك النظام التركي الاقطاعي، وإنك لا تكاد تجد هذه الألفاظ إلا في بعض كتب الحنفية التي ألفها من يعلمون شيئاً عن مثل هذا النظام، ولكنها في ذلك العصر تعدت الحنفية إلى جميع المذاهب، وإن كانت قد ذكرت بأسماء مختلفة، وما من شك في أن الفقهاء رضوان الله عليهم قد وقفوا موقفا محموداً يشكرون عليه احتساباً لله عزوجل، وكان من آثار موقفهم هذا إيجاد شئ من التوازن الاجتماعي الذي وقف دون تبديد ثروة البلد بالقدر الممكن، ودون تركيزها جمعيها في أيدي المماليك، وكان

/ صفحه 57/

لفتاواهم في أرض الاقطاع من حيث جواز إجارتها أو وقفها أو بيعها أثر بالغ في كبح جماع المماليك، وما كانوا ينوونه في هذه الناحية، وهم كانوا في الواقع أداة عاطلة من حيث الإنتاج، وكل ما كان في مكنتهم هو الاستيلاء على الاراضي بإذن السلطان على النظام الذي كان سائداً، والذي شرحه صاحب صبح الأعشى، وصاحب كتاب قوانين الدواوين والتحفة السنية في الأراضي المصرية، ثم يدفعون الأرض للملتزم وللتيماري، وفي ثنايا هذا الالتزام كم كان يرتكب من مظالم وتعسفات، وقد نص الحنفية على أن أغلب أوقاف الممالك إقطاعات يجعلونها مشتراة صورة من بيت المال وهي ليست وقفا حقيقة بل هي إرصاد، وكان للإمام النووي، وللعز بن عبد السلام مواقف مشهورة سجلت لهم في التاريخ صفحات من الفخار وقفوا فيها من الأمراء مواقف ظاهرهم فيها العامة فاستطاعوا أن يوقفوا العدوان عند الغاية التي لا تضر بالثروة العامة، ولا تحمل على الطبقة الفقيرة أثقالا فوق ما كان ظهرها ينوء به من أثقال، وهم كما أسلفنا ما كانوا يعتبرون هذا الاقطاع في الأراضي إقطاعها صحيحاً يملك كما كان يظن المماليك وإنما هو نوع من الإجازة والأرض لا تزال لبيت المال، وقد ذكر الإمام السيوطي في رسالة النقل المستور في قبض المعلوم من غير حضور، إفتاء جميع علماء عصره بذلك، ورتبوا على ذلك آثارا كثيرة يمكن مراجعتها في كتاب: تنقيح الحامدية في كتاب الوقف.

وما من شك في أن هذا النظام الاقطاعي الذي كان يلزم المقطع بتقديم نوع خاص من الخدمة والذي كان من أجله يلجأ للعسف والاضطهاد ترك في نفوس الطبقات الفقيرة آثاراً بالغة ما كانوا يجدون مداواة لجرحها إلا على يد الفقهاء، وقد كان لبعضهم منزلة ممتازة خضع لها سلاطين المماليك كما كان من شأن عزالدين بن عبد السلام مع برقوق، وكان بعض الفقهاء يلجأ أحيانا إلى أن يكون قاضياً عرفياً يسرى حكمه على المتخاصمين، وقد ذكر ذلك السخاوي في الضوء اللامع في ترجمة عزالدين الحنبلي، إذ قال في سياقها ما نصه: (وصار يقضي فيما يقصد به في بيته مجاناً ثم تركه جملة).

/ صفحه 58/

وما من شك أيضاً في أن ذلك النوع من العناد من ناحية الفقهاء قد ترك أثره في نفوس سلاطين المماليك وأمرائهم فبدل أن يكون قضاؤهم قاصراً على ما يقوم به الحاحب من الفصل في الخصومات المدنية التي تقع بين الجنود المماليك فحسب على ما في الياسا بدءوا يتدخلون في النظر في الديون بين أفراد الشعب والفصل فيها وكان أول قضاء الحجاب بما في السياسة من الأحكام عام 753 في عهد الملك صالح بن محمد بن قلاوون إذ رسم للأمير سيف الدين جرجي الحاجب أن يتحدث في أرباب الديوان ويفصل بينهم وبين غرمائهم وكان هذا من اختصاص قضاة الشرع وكان سبب ذلك أن تجاراً من العجم شكوا إلى السلطان بدار العدل أنهم ما خرجوا من ديارهم إلا لكثرة ما ظلمهم التتار وجاروا عليهم، وأن التجار بالقاهرة اشتروا منهم عدة بضائع وأكلوا أثمانها، فأثبتوا أمام القاضي الحنفي إعسارهم وأودعوا سجنه وقد أفلس بعضهم ولم يستفيدواهم من وراء سجنهم شيئاً فرسم السلطان للأمير سيف الدين أن يخرج هؤلاء الغرماء من السجن وأن يعمل على استخلاص الديون منهم وأنكر السلطان على قاضي القضاء جمال الدين عبد الله التركماني الحنفي ما عمله ومنع من التحدث في أمر التجار والمداينات فأخرج الحاجب غرماء التجار من السجن وعاقبهم حتى أخذ التجار أموالهم منهم شيئاً بعد شئ.

قال المقريزي: وتمكن الحجاب حينئذ من التحكم على الناس بما شاءوا.

تأمل هذه العبارة الأخيرة لترى ميدان الصراع بين الطبقة الأرستقراطية المسلطة يومذاك والطبقة المستضعفة، التي ما كانت لتجد لها نصيراً إلا في رجال الشرع والمتشرعين ليصدروا لهم من الأحكام ما يوافق دين الله، والمماليك ولو أنهم كانوا لا يعبئون بهذه الأحكام إلا في الوقت الذي تظهر فيه سطوة الفقهاء فإنهم كانوا في كثير من الأحيان يحجمون عما قدموا عليه خوفاً من الثورات في البلد، وخوفاً من تعطل مصالحهم في إقطاعاتهم التي كان يقوم عليها كيانهم السياسي.

وبعد فإن كان للمماليك فضل الوقوف في وجه المغول فقد كان لهم ـ رغم تلك المعايب السالفة ـ فضل كثير من أماكن البر والعبادة كالمساجد والمدارس

/ صفحه 59/

التي كان لها فضل نقل هذه الثورة العلمية الضخمة لنا من فقه وحديث وتفسير إلى غير ذلك وفوق هذا فضل تلك المصارعات الاجتماعية التي نبهت أذهان الفقهاء لابتكار هذه الفتاوى الضخمة وتلك النصوص المتعددة وتلك الحلول التي لا يحدها حصر لهذه المشاكل التي واجهت الشعب وواجهتهم هم أيضاً. وبالتالي فضل وجود هذه الكتب التي لا زلنا نرشف من معينها ونعدها ثروة جديرة بالعناية ولعل لنا رجعة لنفصل هذه الكلمة المجملة عن الفقه في ذلك العهد بتفصيل ذلك المجمل وذكر شواهد وفروع كثيرة من آثار ذلك التفاعل الفقهي الذي كان نتيجة لذلك التفاعل الاجتماعي.

اجعله حيث شئت

يروى أن يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج دخل على سليمان بن عبد الملك فازدراه ونبه عنه عينه (1) فقال: ما رأت عيني كاليوم قط، لعن الله امرأ أجرَّك رسنه وحكَّمك في أمره. فقال: يا أمير المؤمنين لا تقل ذلك فإنك رأيتني والأمر عني مدبر وعليك مقبل، فلو رأيتني والأمر علي مقبل وعنك مدبر لاستعظمت مني ما استصغرت، واستكثرت ما استقللت. قال: عزمت عليك يابن أبي مسلم لتخبرني عن الحجاج؛ أتراه يهوي في جهنم أم قد قر فيها ؟ فقال يا أمير المؤمنين: لا تقل هذا في الحجاج وقد بذلك لكم النصيحة وأمّن دولتكم وأخاف عدوكم وكأني به يوم القيامة وهو عن يمين أبيك ويسار أخيك، فاجعله حيث شئت. فقال سليمان: وقد التفت إلى جلسائه: قاتله الله ! ما أحسن بديهته وترفيعه لنفسه ولصاحبه ! وقد أحسن المكافأة في الصنيعة. خلوا عنه.

*(هوامش)*

(1) نبا بصره عن الشئ: تجافى عنه كراهية له.