/ صفحه 69/

اليمن

منذ ظهور الإسلام

لحضرة القاضي عبد الله الجرافي الصنعاني

مندوب وزارة المعارف اليمنية بمصر

يمثل اليمن في جماعة التقريب إثنان من كبار رجالاتهم، هما: حضرتا صاحبي السعادة السيد علي بن اسماعيل المؤيد مندوب اليمن بمصر، والقاضي محمد بن عبد الله العمري رئيس مجلس الجامعة العربية في الدورة الحالية.

ونظراً لغياب سعادة القاضي العمري في أسفاره الكثيرة أناب عنه في الحضور بجلسات التقريب حضرة القاضي كاتب هذا المقال.

1 ـ ظهور الإسلام باليمن ووفود أهله

إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

لما ظهر أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم استقبل اليمنيون دعوته بكل تهليل وترحيب، وأسلم الكثيرون منهم، وعلى رأسهم باذان، وكان والي اليمن من قبل كسرى ملك الفرس، وفشا الإسلام باليمن، وكتب النبي صلى الله عليه واله وسلم إلى أقيال حمير، قيل ذي رعين، والحرث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، وقيل ذي القلاع، وغيرهم يدعوهم إلى الإسلام فأجابوه، وترادفت الوفود من اليمن إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فوفد في العاشرة من المبعث نصارى نجران ووفد ضماد الأزدي والطفيل بن عمر الدوسي، ووفد بعد الهجرة أبو موسى الأشعرى، وقبائل الاشاعرة أهل وادي زبيد، والتقت سفينتهم بسفينة جعفر أبن أبي طالب، ومن معه من مهاجرة الحبشة عند قفولهم إلى المدينة في السنة السابعة من الهجرة، وقدموا على النبي صلى الله عليه واله وسلم بعد فتح خيبر، فأشركهم في الغنائم، ووفد من نجران بنو عبد المدان، ووفدت قبائل همدان وكان منهم مالك

/ صفحه 70 /

ابن نمط ذو المشعار، وافوا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بالمدينة عند رجوعه من تبوك عليهم الحبرات والعمائم العدنية، وهم على النجائب المهرية والأرجبية، وكان الوفد من خازف ويام وشاكر، ووفدت قبائل خولان والنخع، ووفد الأشعث بن قيس الكندي ومن معه من كِندة، ووفد وائل بن حجر ومن معه من حضر موت، ووفد فروة بن مسيد المرادي، واستعمله النبي صلى الله عليه وآله وسلم على مراد وزبيد ومذحج، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة.

وممن وفد عليه أبيض بن حمال الماربي فوهبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الملح فقيل له: أن المال العِد فاستقاله، ووفد غير هؤلاء، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أهل اليمن: أتاكم أهل اليمن هم الين قلوباً وأرق أفئدة، الإيمان يمان والحكمة يمانية. رواه البخاري والترمذي عن أبي هريرة.

2 ـ عماله صلى الله عليه وآله وسلم على اليمن:

بعد ظهور الإسلام باليمن بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم عماله عليها وأمرهم بإرشاد الناس، وتعليمهم معالم دينهم، وأخذ واجباتهم المالية.

فمنهم علي بن أ بي طالب بعثه مرة إلى نجران، ومرة إلى همدان، وأسلمت همدان كلها في يوم واحد، وبعث علي (عليه السلام) بإسلامهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسجد لله شكراً.

ومنهم أبو موسى الأشعري وخالد بن الوليد والبراء بن عازب وزياد بن لبيد الانصاري والطاهر بن أبي هاله ويعلى بن أمية وعمرو بن حزم وعكاشة بن ثور وجرير بن عبد الله البجلي وعامر بن شهر وشهر بن بادام ووبر بن يُحِنَّس وأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعمر مسجد صنعا في بستان باذان وأمره أن يعمر الجبانة في شمال مدينة صنعا.

ومنهم معاذ بن جبل وأمره أن يعمر مسجد الجند، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمعاد حين بعثه إلى اليمن

/ صفحه 71/

(إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فاخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك فاخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب.

وعن معاذ قال: بعثني النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافرّياً أخرجه أهل السنن وابن ماجه (والمعافرية ثياب كانت تصنع بالمعافر).

3 ـ عمال اليمن أيام الخلفاء الراشدين ومن بعدهم.

لما مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقر أبو بكر عمال رسول الله على اليمن ولم يزل العمال يتداولون على اليمن أيام الخلفاء الراشدين ثم أيام الدولة الاموية والعباسية.

4 ـ استنفار أهل اليمن للجهاد.

كان في أيام أبي بكر استنفار أهل اليمن للجهاد فساروا إليه أفواجاً، وبعث نصفهم إلى الشام وهم قبائل عكر وحمير وبعث النصف الآخر إلى العراق وهم قبائل همدان ومذحج وغيرهم وكان لهم أثر عظيم في الفتوحات الإسلامية ونبغ كثير من أبنائهم في الشام والعراق والأندلس وسميت بعض قلاع الأندلس باسمائهم من ذلك قلعة همدان بالقرب من غرناطه وقلعة خولان بالقرب ن أشبيلية وقلعة يحصب وغير ذلك مما ذكره المؤرخون.

5 ـ الدول المتعاقبة على اليمن.

ظهرت باليمن أيام الدولتين الأموية والعباسية فما بعدهما عدة دول منها ما نبت باليمن ومنها ما أتى من خارج اليمن وقد ألمت بها كتب التاريخ ولنشر هنا إلى الدولة الهاشمية فهي التي لا تزال قائمة منذ ألف عام، ثم نذكر المذهب الزيدي باليمن.

/ صفحه 72 /

6 ـ الدولة الهاشمية باليمن ومؤسسها الإمام الهادي

إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم.

ولد الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بجبل الرس من بلاد الحجاز حول المدينة المنورة سنة خمس وأربعين ومائتين، ونشأ في طلب العلم ومعالي الأمور وأخذ العلم عن أبيه الحسين وعمه الحسن أبني القاسم وعن غيرهما، واستدعاه أهل اليمن لاظهار معالم السنن فخرج إليها المرة الأولى سنة ثمانين ومائتين، ثم عاد إلى الحجاز وخرج المرة الثانية سنة أربع وثمانين، واستولى على مدينة صعدة وما حولها ثم فتح بلاد نجران وجبل برط وامتد نفوذه في كثير من البلاد اليمنية وسار إلى مدينة صنعا، وجال في البلاد وأظهر السنن وأخمد البدع وعمر كثيراً من المساجد وأسس الدولة الهاشمية باليمن وقفاً أولاده أثره على طريقة ما عدوها وهي التمسك بالتقوى والتردي بشعار الدين مع لين الحجاب، والمثابرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما زالت القبائل اليمنية ولا سيما صميمها، وهي قبيلة همدان أنصار هذا البيت الهاشمي إلى التاريخ الحاضر.

7 ـ وفاة الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين.

توفي الإمام الهادي إلى الحق بمدينة صعدة لعشر بقين من ذي الحجة سنة ثمان وتسعين ومائتين وعمره ثلاث وخمسون عاماً، وقبره بمدينة صعدة مشهور وأكثر أشراف اليمن من ذريته، وكان مشهوراً بالقوة والشجاعة والورع والفقه والخصال الحميدة والأعمال المجيدة، وتولى الأمر من بعده ولده الإمام المرتضى محمد ثم صنوه الإمام الناصر للدين أحمد، وتلاهما أولادهما، ولهم مع الدول المعارضة خطوب وحروب تضمنها التاريخ.

8 ـ الزيدية باليمن:

الزيدية باليمن ينتمون إلى الإمام الشهيد زيد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب ويوافقونه في كثير من المسائل، ويقلدون الإمام الهادي يحيى

/ صفحه 73 /

ابن الحسين في المسائل الفقهية ويعتمدون مؤلفاته في الفقه منها كتاب الأحكام، والمنتخب، والقنون. وقد قام بخدمتها كثير من فقهاء الزيدية وخرّجوا من نصوصها مسائل فرعية، كما فعله أصحاب الأئمة الأربعة، وانتشرت مؤلفات الهادي في بلاد جيلان وديلمان في شمال إيران، وقام بخدمتها بعض أئمة تلك البلاد، منهم الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني، والإمام ابو طالب يحيى بن الحسين، ومعظم الزيدية باليمن هم أهل الجبال. أما أهل تهامة والجزء الجنوبي، فغالبهم ينتمون إلى الإمام الشافعي، والجميع في العهد الحاضر إخوة، وقد خمدت العصبية المذهبية بمساعي الإمام الراحل المتوكل على الله يحيى بن محمد رضي الله عنه. وبما بذله ويبذله جلالة نجلة الإمام الحالي الناصر لدين الله أحمد بن يحيى، ومذهب الإمام زيد بن علي والإمام الهادي وأولاده برئ من الغلو في الدين، وكتبهم ومؤلفاتهم شاهد عدل على ذلك، والتقليد إنما هو لمن لم يتمكن من الاجتهاد، أما من تمكن من الاجتهاد، فإنه يجتهد لنفسه، فباب الاجتهاد مفتوح عند الزيدية كما هو كذلك عند غيرهم من المذاهب الإسلامية، وقد ظهرت باليمن بدع وفتن، منها: فتنة علي بن الفضل القرمطي في القرن الثالث، وكان اضمحلالها واخماد نارها بسيوف الأئمة من أهل البيت، وذلك معروف في كتب التاريخ.

في اللغة

يقال: امتاز القوم، إذا تنحى عصابةٌ منهم ناحية، وكذلك استماز.

قال الأخطل:

فإن لا تعيِّرْها قريش بمَلْكها ****** يكن عن قريس مُستَماز ومرحل

ويقال: امتاز القوم إذا تميز بعضهم من بعض، وفي الحديث: لا تهلك أمتي حتى يكون بينهم التمايُل والتمايزُ، أي يتحزبون أحزاباً، ويتميز بعضهم من بعض، ويقع التنازع.