/ صفحه 99/

في تركيا:

تبادلت (جماعة التقريب) مع كثير من علماء تركيا ومفكريهم رسالات هامة تتضمن أفكاراً عن بعض المسائل الإسلامية، وفي مقدمتها مسألة التقريب، واهتمت بذلك الصحافة التركية بدورها، وقد كتب إلينا حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل شيخ حمدي الأعظمي عميد كلية الشريعة ببغداد بعد رجوعه من رحلة إلى تركيا كتاباً جاء فيه:

(انتهزت فرصة وجودي في الآستانة، فأخبرت الأصدقاء هناك، وجلُّهم من أرباب الفكر وأهل الرأي، وفيهم العالم والمؤرخ والصحافي بما أقدمتم عليه، وسعيتم من أجله، فاستبشروا كثيراً بخبر إنشاء دار التقريب، وأظهروا ترحيباً كبيراً بالفكرة ودعوة لها، حتى أن الأستاذ أشرف أديب، وهو صاحب مجلة (ترك إسلام انسكلوبيد ياسي) ومحرر جريدة (سبيل الرشاد) وهو من أفاضل رجال وأساطين النهضة الدينية هناك رجا أن أكتب في مجلته بحثاً عن دار التقريب فنشرت مقالا مفصلا كان له على قصر في الباع، وعجز في اليراع، دويُّ استحسان كبير، وإعجاب وتقدير لما تهدف إليه الدار المؤسسة على التقوى والخير والاتحاد إن شاء الله تعالى).

وقد اتصلت (دار التقريب) بأحد مراسليها في تركيا طالبة منه موافاتها بأصل المقال المشار إليه. ويسرنا أن نوافي القراء بهذا المقال تقديراً لكاتبه، وللمجلة التي نشرته والبيئة التي اهتمت به:

(إذا كان هناك اختلاف في الفروع والمعاملات، وأحياناً في بعض المسائل الأصولية بين أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أو التابعين، فما كانت أبداً هذه الخلافات بالتي توجب الخصومة والقطيعة بينهم، بل إنهم كانوا يراجعون كتاب الله والأحاديث النبوية، ويحكمونها فيما بينهم، ونرى خلافاتهم في أكثر الأحيان ترمي إلى التيسير في الأحكام الشرعية.

وبعد توسع الفتح الإسلامي رأينا أعداء الإسلام يتدخلون فيما بين المسلمين

/ صفحه 100 /

ليحرضوا كل طائفة على غيرها ويستفيدوا من الاختلافات الفكرية بين المسلمين، ويبذروا بذور النفاق والخصومة.

وبهذا ساقوا المسلمين إلى الضلال، وجعلوهم فيما بينهم ألد الخصوم، ومن جهة أخرى تدخلت بعض الأغراض السياسية وسارت على قاعدة (فرق تسد) والتفرقة بين المذاهب والفرق الإسلامية فأوجدت هوة كبيرة، وسببت النفور والقطيعة، واشتدت المجادلات والمحاورات، ولم تقف عند حد علمي أو إقناعي بل تعدت ذلك إلى الشتم والسب والتقاذف بالتهم، حتى انتهى الأمر إلى الاشتباك بالسيوف، وعلى أثر ذلك ضعف المسلمون، ومع أن معبودهم واحد وكتابهم واحد ورسولهم واحد وقبلتهم واحدة، تفرقوا وذهبت ريحهم، وكسرت شوكتهم، وضاعت قدرتهم، وبدل أن يدخلوا العالم تحت لواء التوحيد والهداية الإسلامية رجعوا القهقري وخسروا نفوذهم وسطانهم.

هذا الوضع المؤلم المفجع دفع بعض علماء المسلمين ومفكريهم إلى الفكير في القضاء على هذه التفرقة، والتثبت بالعمل لعلاج هذه الحالة، لكنهم وجدوا أن الخصوم جعلوا هذه الحفر بالفرقة بين المذاهب عميقة إلى حد لا يسهل معه التغلب عليها، والوصل بين المسلمين.

ومنذ خمسة وثلاثين عاماً فكر بعض علماء أهل السنة ومجتهدي الشيعة في العراق في الاتحاد والاتفاق للقضاء على الاختلاف، توسلوا إلى ذلك بالمواعظ والنشرات ولكن ذلك للأسف صادف وقت الحرب العالمية الأولى وفيها استشهد بعضهم مما جر إلى تعطيل العمل، أما في هذه المرة فقد تكونت في مصر جماعة من كبار علماء المذاهب الستة ومفكريهم ليقضوا على الخصومات والفرقة ونظروا إلى ذلك الأمر نظرة جدية على أساس قويم يبشر بنتائج عظيمة.

حين كنت بالعراق وصلني من العالم الكبير والمفكر الإسلامي العظيم حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد المجيد سليم كتاب ينبئ أن هذه الجماعة ألفت في مصر وأذاعت على العالم الإسلامي بياناً ووزعت على المسلمين قانونها الأساسي ومن واجب كل مسلم أن يعضد هذه الجماعة ويؤيدها لتصل إلى مقاصدها السامية).

وبعد أن ذكر الأستاذ أسماء أعضاء الجماعة ومذاهبهم الدينية التي تشمل الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والإمامية والزيدية، ذكر أن أهل العراق بصدد تكوين فرع لهذه الجماعة هناك، وأن النشاط والهمة في ذلك مبذولان، ثم ختم مقالة بقوله:

(نرجو أن يتقبل العالم الإسلامي في كل الممالك أفكار هذه الجماعة تقبلا حسنا، وألا يدخروا وسعاً في نصرتها. إن السعي والعمل علينا. والتوفيق والنصر من عند الله تعالى).