/ صفحه 105/
رسالة الإسلام
مجلة اسلامية عالمية
تصدر عن دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة
السنة الأولى جمادي الاخرة 1368 هـ.
العدد الثاني أبريل 1949 م.
/ صفحه 106/
إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون
/ صفحه 107/
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة التحرير
لاشك أن بلاد العالم الإسلامي تتمتع في هذا العصر بقسط وافر من المدنية وألوان الحضارة، وتتعلق من العلوم الحديثة بأسباب ربما جعلت بعض شعوبها في طليعة الأمم فناً وصناعة وعلماً.
ولا شك أن الوعي القومي، والإدراك السياسي في الشعوب الإسلامية قد صحا بعد غفوة طال عليها الأمد، فاشرأبت الأعناق، وارتفعت الرؤوس، وامتدت العيون إلى أفق الحياة ترصد كوكب العزة والقوة والحرية أن يبزغ، فيعود الإسلام سيرته الأولى، ويراه العالم ـ كما كان، وكما ينبغي أن يكون ـ دين السادة والقادة، والأباة الأحرار.
ولو ان أمراً رجع إلى التاريخ القريب ليعرف حالة الأمة الإسلامية في القرنين الماضيين، لوجدها قد وصلت إلى أدنى درجات الضعف والانحلال، والجهل والتخبط، والذل والاستعباد، لا فرق في ذلك بين النواحي السياسية والاجتماعية والعلمية والصناعية والصحية، ولا فرق في ذلك أيضاً بين شعب وشعب في ربوع أفريقيا، أو أنحاء آسيا، أو أرجاء أوروبا، أو حيث تَرِّدُ كلمة التوحيد في أصقاع الصين والملايو وإندونيسيا، ولكن هذا الظلام قد بدأ ينجاب شيئاً فشيئاً منذ أواخر القرن الماضي، حتى أصبحث العيون ترى، والآذان تسمع، والقلوب تدرك، ولا سيما بعد هاتين الحربين الضروسين وما سبقهما أو توسط بينهما من حروب أخرى هزت العالم من بطاحه ورعانه، وكانت للأمم بمثابة قوارع تصيبهم أو تحل قريبا من دارهم، فتعلمهم ما لم يكونوا يعلمون.
/ صفحه 108 /
نستطيع أن ندخل تحت هذا الحكم العام ـ حكم النهضة بعد الرقاد، والصحوة بعد الغفوة ـ كل ناحية من نواحي الأمة الإسلامية إلا ناحية واحدة، لا نحب أن نسرف فنقول إن الأمة رجعت فيها القهقري، ولكننا نقتصد فنقول: إن حظها من النهوض والتقدم فيها جد ضئيل. تلك هي الناحية المتصلة بالدين علماً وعملاً وأخلاقاً وتشريعاً، واقتناعاً وتحمساً.
هؤلاء شبابنا لا يدركون من شئون دينهم ـ إذا استثنينا بعض الخاصة والأزهريين في مصر ومن إليهم في البلاد الإسلامية الأخرى ـ إلا صورة باهتة حائلة عن بعض عقائده وتعالميه ورثوها عن الآباء والأجداد كما يورث المتاع بالانتقال من مالك إلى مالك، ولم يدركوها عن تطلب وتحصيل واكتساب، ولذلك نراها مغمورة أو مطمورة فيما حولها من مذاهب وفلسفات وأفكار، فلا تكاد تبين. على أن النابهين من الخاصة لا يزعمون أنهم قد أوفوا بدارساتهم وتوجيهاتهم وقيادتهم الفكرية على ما ينتظرون ويُنتظر منهم، فما زال بينهم وبين هذه الغاية أشواط وأشواط.
وهذه هي المدارس العامة، والكليات الجامعية المدنية في سائر البلاد الإسلامية تخب في علوم الغرب وتضع، فتقدم إلى الأمة أعلاماً في الطب والصناعة والفنون المختلفة، على حين تهمَل فيها الثقافة الإسلامية العليا إهمالاً واضحاً.
وتلك هي الكتب التي ورثناها عمن سبقنا ما تزال هي المسيطرة على تفكيرنا، الموجهة لعقولنا، لأننا لم نجد خيراً منها، بل لم نستطع أن نجاري أصحابها ونسامتهم فيما نحاول اخراجه للناس من تآليف أو بحوث، دون أن نعتمد عليهم، أو نتقيد بأساليبهم، فكان قصارى المفكر فينا، أو الباحث منا، أن يبسط علمهم، وينشر آراءهم، أو يولِّد من كلامهم وأحكامهم، فاذا اختلفنا في شئ كانت لهم الكلمة العليا، والقول الفصل، وفي ذلك دليل أيُّ دليل على هبوطنا عن مستواهم ـ وإن زعمنا لأنفسنا غير ذلك ـ حيث درنا على محورهم، وجعلنا لمقاييسهم وموازينهم الفكرية سلطان الحكم لنا أو علينا.
/ صفحه 109 /
وهي مواظن الحكم والتشريع والنظام والإدارة والاقتصاد، جلُّها ـ ان لم نقل كلها ـ مقتبس مجلوب مستعار، نلبسه ضيِّقا حيناً، وحيناً فضفاضا، ونحن في غنى عنه بما قدَّ الله علينا من دثار، وشعَّر لنا من شعار.
ثم أخلاق الإسلام، وتقاليد الإسلام، وامتلاء النفوس غيرة على الإسلام وحماسة للإسلام، اين نحن من ذلك اليوم ؟ لقد كان ذلك فيما مضى سياجا حصينا يعصمنا من التدهور الخلقي، والانحلال النفسي، وكنا نؤمن إيمان الراسخين بان لنا (مقوّمات) لو خرجنا عنها لخرجنا عن أنفسنا، ولو فرطنا فيها لفرطنا في وجودنا، فلما طوَّعتنا المدنية الحديثة تطوّعنا لها بأنفسنا ونسائنا وتقاليدنا ومقوماتنا فصاغتنا خلقاً جديداً، لتجعلنا أسواقا تجارية لسلعها، وخدّاماً مخلصين لسياستها وأغراضها، وميادين تتنافس عليها دولها، ويطمع فيها كل طامع حتى نُفايات الأمم، وشذَّاذ الآفاق.
هذه حالتنا ـ معاشر أهل الإسلام ـ وهذا موقفنا من شريعة الإسلام، وتراث الإسلام: حقيقةٌ يجب أن تُعلم وتذاق، وإن كانت بَشِعة الطعم مُرَّةَ المذاق.
على أن الأمر لم يصل بنا إلى حد اليأس، ومعاذ الله أن ييأس المؤمنون (إنه لا ييأس من رَوْح الله إلا القوم الكافرون).
فمن الممكن أن يتآزر المسلمون في جميع شعوبهم وبلادهم على إصلاح هذه الناحية الأساسية فيهم، وإن الفرصة لذلك لسانحة، حيث تنبه المسلمون، وتفتحت عيونهم على حالة العالم الآن، وهو يتنقل بسبب إنكاره للقيم الروحية، وإفراطه في المادية، من فشل إلى فشل، ويرزح تحت أثقال حروب متلاحقة، لا يكاد يفيق من إحداها إلا ليصرع بأخرى.
الا وإن أول من يطالب بذلك هم العلماء وأهل الرأي والفكر، فإن الله قد أخذ عليهم الميثاق كما اخذه على النبيين: ليبيننه للناس ولا يكتمونه، وقد نادى بذلك حكماء الأمة من قبل في القديم والحديث، ومن بينهم السيدان المصلحان:
/ صفحه 110 /
جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده المصري، ولعل المسلمين يومئذ لم يكونوا قد انبعثوا لاصلاح شئونهم كما انبعثوا اليوم.
وإني أثبت هنا نص ما جاء في العدد الخامس من مجلة (العروة الوثقى) التي كان يصدرها الحكيمان العظيمان، عن تلك الناحية من نواحي الاصلاح فيالأمة: (من الواجب على العلماء قياماً بحق الوراثة التي شرفوا بها على لسان الشرع أن ينهضوا لإحياء الرابطة الدينية، ويتداركوا الاختلاف الذي وقع، بتمكين الاتفاق الذي يدعو إليه الدين، ويجعلوا معاقد هذا الاتفاق في مساجدهم ومدارسهم حتى يكون كل مسجد وكل مدرسة مهبطاً لروح حياة الوحدة، ويصير كل منها كسلسلة واحدة إذا أهتز أحد اطرافها اضطرب لهزته الطرف الاخر، ويرتبط العلماء والخطباء والائمة والوعاظ في جميع أنحاء الأرض بعضهم ببعض، ويجعلوا لهم مراكز في أقطار مختلفة يرجعون إليها في شئون وحدتهم، ويأخذون بأيدي العامة إلى حيث يرشدهم التنزيل وصحيح الاثر، ويجمعوا أطراف الوشائج إلى مَعقِد واحد حتى يتمكنوا بذلك من شد أزر الدين، وحفظه من قوارع العدوان، والقيام بحاجات اللغة، إذا عرض حادث الخلل، وتطرق الاجانب للتداخل فيها بما يحط من شأنها، ويكون ذلك أدعى إلى نشر العلوم، وتنوير الأفهام، وصيانة الدين من البدع).
وإنا لنرجو أن يكون الله قد أذن بتحقيق هذا الأمل الذي طالما اشتاقت إليه القلوب المؤمنة، والنفوس الطيبة، وأن يكون (المعقد العام) الذي أشار به الحكيمان و (المعاقد) الاخرى التي تتصل به هي (دار التقريب) في القاهرة، وفروعها في شتى البلاد الإسلامية.
أما (رسالة الإسلام) فلعلها (العروة الوثقى) في هذا الزمان.
محمد محمد المدني