/ صفحه 154/
الفقه السياسي عند المسلمين
للباحث القانوني الكبير
الاستاذ محمد الشافعي اللبان بك
المستشار السابق بمجلس الدولة
ـ 1 ـ
1 ـ اطلعت على بحث قيم عن أنظمة الحكم عند المسلمين لأستاذنا الكبير حضرة صاحب المعالي علي عبد الرازق باشا قال فيه: (من الملاحظ البين في تاريخ الحركة العلمية عند المسلمين أن حظ العلوم السياسية فيهم كان بالنسبة لغيرها من العلوم الاخرى أسوا حظ، وأن وجودها بينهم كان أضعف وجود، فلسنا نعرف لهم مؤلفاً في السياسة ولا مترجماً، ولا نعرف لهم بحثاً في شئ من أنظمة الحكم، ولا أصول السياسة، اللهم إلا قليلا لا يقام له وزن إزاء حركتهم العلمية في غير السياسة من الفنون. ذلك وقد توافرت عندهم الدواعي التي تدفعهم إلى البحث الدقيق في علوم السياسة، وتظاهرت لديهم الأسباب التي تُعدهم للتعمق فيها. وأقل تلك الأسباب انهم مع ذكائهم الفطري ونشاطهم العلمي كانوا مولعين بما عند اليونان من فلسفة وعلم، ولقد كانت كتب اليونان التي انكبوا على ترجمتها ودرسها كافية في أن تغريهم بعلم السياسة وتحببه إليهم فإن ذلك العلم قديم، وقد شغل كثيراً من قدماء الفلاسفة اليونانيين، وكان له في فلسفة اليونان، بل في حياتهم شأن خطير).
وفي بحث آخر عن الديمقراطية في الإسلام لصديقي الدكتور عبد الله العربي بك أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول سابقاً والاستاذ بكلية التجارة
/ صفحه 155/
بتلك الجامعة حالا ما نصه: (إن علماء الفقه الإسلامي لم يخصوا هذه الأصول الديمقراطية بالعناية التي عرفت عنهم في أبحاثهم حتى إن المرء ليقلب نظره في كتبهم الحافلة بكل صغيرة وكبيرة في شئون هذه الحياة والحياة الاخرى فلا يجد فيها تدويناً متجانساً مجتمع الشمل للدستور الاسلامي، بل يجد معها نبذاً متفرقة عارضة وصفحات متباعدة مبعثرة هنا وهناك، منبثة في غير موضعها بحيث لا تبرز وهي على هذا الشتات صورة قوية كاملة للديمقراطية الإسلامية).
2 ـ وفي الحق إن هذا القول على علاته يحتاج إلى كثير من التعليق وهو ان صدق على المتأخرين من علماء المسلمين فإنه لا يصدق على المتقدمين منهم الذين عاشوا في عصور النهضة الاولى قبل أن ينتاب البلاد الإسلامية من عوامل الضعف والوهن والتفكك ما اضمحلت معه الحركة الفكرية وقل به البحث والانتاج العلمي.
لم يهمل المسلمون الأولون البحث في نظريات الحكم والسياسة، بل كانت لهم في هذا المضمار نظريات وآراء خطيرة الأثر أقاموها على أساس من مبادئ الحكم العامة التي جاء بها الكتاب، ودعت إليها السنة، وسار عليها الصحابة، وأصبحت مع الزمن تقاليد ثابتة في بناء الحكومات الإسلامية.
عنوا ببحث نظرية الإمامة والخلافة، وما يتفرع عنها من مبادئ سياسية على وجه فصلوا فيه هذه النظم وأصولها أوسع تفصيل، وكانوا في ذلك متقدمين على معاصريهم من كل شعوب العالم الذين عاشوا إذ ذاك تحت سلطان الحكم المطلق وأوضاع الحكومات المستبدة، وظل هذا السبق طويلاً حتى قامت النهضة الفكرية الحديثة في أوروبا، وظهرت معها في أواخر القرن السابع عشر وما تلاه النظريات السياسية الحديثة.
3 ـ تقررت أصول الحكم في الإسلام إجمالا على أساس سليم من الديمقراطية فقد جاء هذا الدين داعياً إلى نظام حكومي دعامته اختيار رئيس الدولة أو الخليفة
/ صفحه 156/
بالمبايعة، أو الانتخاب العام، ثم تقييد هذا الخليفة في تصريف شئون الدولة بالشورى، وجاء في نفس الوقت مقرراً للحريات بكافة مظاهرها من حرية شخصية وحرية مسكن، وحرية عقيدة، وحرية رأي، وحرية ملك، وللمساواة بين الأفراد في التكاليف وأمام القضاء والقوانين، لا فرق في ذلك بين عربي وعجمي ولا بين أمير وصغير، وثم نسج على هذا الأصول والمبادئ ثوباً طهوراً من الأخلاق ليكون وقاية منيعة لهذا البنيان الديمقراطي الرفيع.
وإن المطلع على كتب الفقه الإسلامي ليراها زاخرة بكثير من نظريات الحكم والسياسة بشكل تناول كل أوجه البحث والنظر، عرضوا لذلك عند تفسير الآيات وشرح الأحاديث الخاصة بنظم الحكم وحقوق الأفراد وواجب الوالي نحو الرعية وواجب الرعية نحو الوالي. تلك الآيات والأحاديث التي أقامت المبادئ الأساسية للحريات العامة، ومبادئ المساواة وحكم الشورى، وهي المبادئ التي انفجر في سبيلها بركان الثورة الفرنسية بعد ثلاثة عشر قرنا من تقريرها عند المسلمين.
ظهرت كل هذه الأبحاث في كتب الفقه على وجه تناول الأصول الحكم عند المسلمين، ومصدر السلطات، وشكل الحكومة، وحقوق المسلمين وواجباتهم، وحقوق غير المسلمين، وما عليهم من تكاليف، وضمن الحريات، وأعلن المساواة وأمر بالعدل في الأحكام.
ومن مجموع هذه الدراسات والأحكام المجملة الأصول، تكونت نظرية كاملة عن الحكومة في الإسلام في حدود الأوضاع التي أسلفنا، وهي نظرية نالت عناية الفقهاء في كل العصور، حتى صارت أوضاعها بحق خير نظم الحكم في إجمالها.
4 ـ وكان من أثر هذه العناية أن أفرد بعض الفقهاء لهذه الأوضاع كتباً خاصة بها، فظهر أبو الحسن الماوردي المتوفى سنة 450 هجرية، يتحدث في كتابة الشهير (الأحكام السلطانية) عن الإمامة وشروطها وعن الإمام وصفاته
/ صفحه 157/
وما يخرج به عن الامارة، وما يجب عليه نحو الأمة، وعلى الأمة نحوه، ثم عن الوزارة وأنواعها، والولاية وأقسامها، والقضاء وشروطه، والخراج والجزية والدواوين ونظامها، ويعرض لذلك كله من الناحية الفقهية في حدود مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه. يقول أبو الحسن الماوردي في مقدمة كتابه عن الأسباب التي دعته إلى وضع مؤلفه (لما كانت الأحكام بولاة الامر أحق، وكان امتزاجها بجميع الأحكام يقطعهم عن تصفحها مع تشاغلهم بالسياسة والتدبير أفردت لها كتابا امتثلت فيه أمر من لزمت طاعته، ليعلم مذاهب الفقهاء فيما له منها فيستوفيه، وما عليه منها فيوفيه، توخياً للعدل في تنفيذه وقضائه، وتحرياً للنصفة في أخذه وعطائه).
وظهرت كذلك كتب أخرى نذكر منها (آراء أهل المدينة الفاضلة) وفيه يتحدث صاحبه الفارابي عن الاجتماع والتعاون وعن نشأة القرى والمدن، وعن الفرق بين أهل المجتمع الصالح وأهل المجتمع الضال وعن خلال الحاكم وواجباته، وبعده ظهرت (رسائل إخوان الصفا) وفيها مباحث عن بعض الموضوعات السياسية كالحكمة من الملك، وكالإمامة وشروطها وأحكامها، وكالرياسات على الجماعات المختلفة وغير ذلك.
وفي كتاب (الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية) يتحدث مؤلفه الطقطقي عن واجبات الملك وعن حقوقه وعن أسباب ضعف الدول الإسلامية التي تقدمت عصره وسقوطها، وعن سياسة الملك نحو مختلف الطبقات وعن خطر الانغماس في الشهوات. وهو في أبحاثه يخرج عن النطاق الفقهي فيعتمد على الوقائع والحوادث التاريخية لتأييد آرائه وأفكاره.
وأخيراً جاء المؤرخ الكبير عبد الرحمن بن خلدون المغربي المتوفي في مصر في أوائل القرن التاسع الهجري ومهد لبحوثه التاريخية بتلك المقدمة الشهيرة التي ضمنها ما ادى إليه اجتهاده من دراسات هي في نظره علم مستقل بنفسه مستحدث
/ صفحه 158/
الصنعة انتهى إليه بالبحث الخاص ولم يقف لأحد قبله على كلام فيه. وهي في نظرنا أول كتاب عرض لعلم السياسة كعلم مستقل ذي كيان خاص.
تعرض ابن خلدون في مقدمته للعمران بصفة عامة وشرح طبيعة الاجتماع وضرورته، وكيفية تنوعه، وما يؤثر عليه، من العوامل وأثر الطبيعة في أخلاق البشر وألوانهم وأحوالهم وعن المجتمع البدوي وخواصه، وعن الحضر، وعن اختلاف الملك وأثر الغلبة في الأمم المغلوبة، وعن الدولة وقيامها بالقبيل والعصبية، وعن خواصها وصورها، وعن أعمارها وأسباب سقوطها وعن تحول الدول من عهد البداوة إلى عهد الحضارة، وعن الملك وأصنافه، وعن الإمامة والخلافة، ورسوم الخلافة من بيعة وولاية عهد، وعن القضاء، وعن الادارة والوزارة والدواوين، وعن الشرطة والجيش، وعن الجزية والخراج، وعن الحروب ومذاهبها، وعن التجارة والصناعة والعلوم. عرض ابن خلدون لهذه النظريات وعالجها جميعاً كما يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان في كتابه عن ابن خلدون (معالجة دلت على فضله وعلو مكانته وكان فيها موفقاً غاية التوفيق) نظر ابن خلدون إلى موضوعه الاجتماعي من أفق واسع فجعل من المجتمع الانساني وما يعرض له من الظواهر الطبيعية مادة لبحثه وموضوعاً لدراساته وكان لأبحاث علم السياسة محل كبير من عنايته فعالجها بإفاضة في سلك منتظم الروابط والشواهد، متخذاً من التاريخ عدته في تأييد أفكاره، ومن المنطق السليم طريقاً في توضيحها وجلائها، فكان بحق من أكبر واضعي علم السياسة وبناته.
5 ـ عالج فقهاء المسلمين هذه المسائل على أساس جديد خالفوا به من تقدمهم من فلاسفة الاغريق وغيرهم: نظر فلاسفة اليونان إلى العلوم السياسية نظرة اجتماعية واسعة، ونظر إليها علماء المسلمين نظرة قانونية محضة، وعالجوا مباحثها مع ما عالجوا من أحكام الفقه الإسلامي المختلفة، وهو طريق سليم واتجاه لا شك
/ صفحه 159/
سديد أخذ به أخيراً كثير من علماء الدستور في العصر الحديث، وخاصة الألمانيين منهم الذين رأوا أن الدولة هي الشكل القانوني لحياة الجماعة، وأن مباحث الحكم وما يتصل به هي مباحث قانونية تتناول علاقة الدولة بالافراد من ناحية القانون حتى لقد قالوا في بيان أن الإنسان مدني بالطبع محتاج إلى الاجتماع ببني جنسه ـ قالوا: (إن الشعب في الدولة يتلقى أمراً قانونياً يلزمه بأن يعيش حياة الجماعة، ـ كتاب أساس القانون الألماني للدولة تأليف جرير ـ) وقالوا في شأن الدولة: (إنها شخص معنوي يستمد وجوده من القانون، وله حقوق وعليه التزامات قانونية، ـ نفس المرجع ـ) وقرروا في صدد علاقة الفرد بالدولة (أن مبناها ما بين الاثنين من روابط الصلة القانونية ـ نفس المرجع ـ).
ولعل في هذا الايضاح ما يكفي للرد على ما تساءل عنه أستاذنا الكبير علي عبد الرازق باشا حين قال في بحثه المشار إليه، (ما لهم أهملوا النظر في كتاب الجمهورية لافلاطون، وكتاب السياسة لأرسطو، وهم الذين بلغ من إعجابهم بأرسطو أن لقبوه المعلم الأول ؟ وما لهم رضوا أن يتركوا المسلمين في جهالة مطبقة بمبادئ السياسة وأوضاع الحكومات عند اليونان ؟).
لم يترك علماؤنا الاهتمام بعلوم السياسة عند اليونان غفلة منهم عن تلك العلوم ولكن لأن وجهة النظر في معالجتها قد اختلفت عندهم عنها عند الاغريق.
وقد أطلق مونتسيكيو وبور لا ماكي وجان جاك روسو وغيرهم من علماء علم السياسة على تلك العلوم اسم: (القانون السياسي) وقد أسماها الدكتور محمد حسين هيكل باشا في كلمة له (الفقه السياسي) وذلك تسليماً منهم بالرابطة التي تجمع بين علوم السياسة والقانون.
6 ـ وإذا كانت النظرة الغالبة عند الغربيين إلى تلك العلوم السياسية قد ظلت إلى أواخر القرن التاسع عشر مبنية على أساس من السياسة والاجتماع والفلسفة،
/ صفحه 160 /
فإن هذه النظرة لم تلبث أخيراً ـ تحت تاثير النظريات الالمانية وقوة الحجج التي قامت عليها ـ أن تغيرت، وأصبحت علوم السياسة تدرس من ناحيتها السياسية والقانونية معاً، حتى لقد قال بعض العلماء الفرنسيين: (إنه من المستحيل أن نجني أية ثمرة محسوسة من دراسة نظم الدولة إذا نحن لم نجمع بين السياسة وعلم القانون).
7 ـ والواقع ان اثر علماء المسلمين في الفقه السياسي أثر ملموس كبير القيمة عظيم الخطر، وأن الأساس الذي قامت عليه مباحثهم في هذا الشأن من الاتجاه صوب الفقه مع مراعاة مقتضيات الاحوال، والعدالة السياسية والاجتماعية، وحاجات الامم، هو خير أساس عولجت به هذه الشئون.
وإذا كانت المبادئ العامة التي وضعها علماء المسلمين لم تخرج إلى أوضاع ذات إجراءات مفصلة، ومراسيم مرتبة، وتقاليد راسخة، بل بقيت على حالتها الاولى من التعميم والاجمال، مما لم يجعل لها سلطانا كبيراً على عقلية جمهور المسلمين بحيث سهل صرفهم عنها بالخداع أو القوة، فان ذلك راجع ـ كما يقول بحق صديقنا الدكتور عبد الله العربي بك ـ إلى (أن الاجيال التي أعقبت الصدر الأول من الإسلام غفلت أو تغافلت عن خطر هذه الأصول، وعن ضرورة استنباط القواعد التنفيذية والاجراءات العملية التي تكفل نفاذها في كل نواحي سياسة الدولة، إذ توالت الأجيال المتعاقبة، وهي ذاهلة عن واجبها في استخراج تلك الأوضاع والاساليب العملية التي تكفل التوفيق بين هذه الأصول العامة واحتياجات كل عصر، فلم تلبث هذه الأصول الإسلامية لطول الترك أن اندثر أثرها في وجدان الشعب، ولحقها من تشويه المعنى وعبث التفسير ما جعلها مطية ذلولا لبغي الطغاة وسحق الحريات، والمطّلع على تاريخ الشرع الإسلامي لا يسعه الا ان يقرر أن وزر هذا البلاء واقع على نفر من الخاصة استهانوا بالاصول
/ صفحه 161/
الديمقراطية التي دعا الإسلام إلى اقامتها، وقلبوا منصب الخلافة إلى ملك أتوقراطي وهدموا مبدأ الشورى ومستلزماته).
8 ـ وإذا كان الكثير من مبادئ الفقه السياسي التي وضعها المسلمون قد جاء عاماً ومجملاً، فان لهذا التعميم والاجمال ميزته المقصودة، ذلك أن التعميم الذي لا ينزل إلى التفصيلات الجزئية لا يقيد الاجيال المقبلة بهذه التفصيلات والتطبيقات بل يتركها حرة تقتبس الوضع الحكومي الذي توافرت فيه الملائمة العملية لحاجات كل زمان ومكان مع التقيد بالفكرة الإسلاميّة بوجه عام. وتلك هي المرونة اللازمة في المبادئ التي يراد لها الخلود، لتكون ملائمة لتطور احتياجات البشر.
9 ـ لما عهد إلى بتدريس القانونين الدستوري والاداري بالجامعة الازهرية وجدت من واجبي ـ وأنا أدرّس في جامعة تعتبر الحارس الأول على تراث المتقدمين من علماء المسلمين، والعامل على نشر آرائهم ومذاهبهم ـ وجدت من واجبي أن أعمد على قدر الإمكان إلى البحث المقارن لأضع أمام طلبتي نظريات السياسة الحديثة وبجانبها ما جاء به المسلمون المتقدمون من آراء في هذه الشئون.
ولا اعدو الحق إذا قلت إني وجدت لكل حديث من تلك النظريات تقريباً بحثاً قديماً في نفس الفكرة مما يجوز معه القول بأن أوائلنا لم يتركوا في هذا المضمار للأواخر شيئاً يذكر، وأن حظ العلوم السياسية فيهم كان بالنسبة لغيرها من العلوم أكبر حظ، وأن وجودها بينهم كان أقوى وجود، مما سألتناوله بالتفصيل والإيضاح في مقالاتي المقبلة ان شاء الله اتماماً للبحث وخدمة للغرض الذي من أجله قدمت هذه الكلمة، والله الموفق وهو الهادي إلى خير سبيل.