/ صفحه 213/

صوت من وراء البحار:

الإسلام في أمريكا

للأستاذ الأديب محمد علي الحوماني

رائد المهاجرين في أمريكا إلى الشرق

لا أعرف عهداً، قصر فيه المسلمون بين يدي رسالتهم القائمة على الدعوة إلى الله، كهذا العهد الذي كثر فيه الدعاة لكل فكرة وكل مذهب، حتى زاحم الباطل الحق، والشر الخير، والفساد الصلاح.

ثم لا أعرف بلاداً خليقة بهذه الدعوة إلى الله، وجديرة بعناية الإسلام ورسالته القائمة على الحق ديناً ومدنية، غير البلاد الاميركية، شمالها وجنوبها، فقد رأيت بعيني ولمست بروحي، هذا العالم، فوجدته خالي الصدر من كل ما يحول بينه وبين الاذعان للحق إذا تبين له الحق، والتنكر للباطل إذا تحدد له الباطل، ورأيت أن الدين الذي ينبت في صدور أهله ثم ينمو، هو الذي يجمع المادة إلى الروح، ويقرن العلم بالعمل، وهذا هو الدين الاسلامي فحسب.

فما بال أقوام يعلمون أن دينهم حق، وأن الدعوة إليه لازمة في أعناقهم وأن في طوقهم العمل على نشر هذه الدعوة، ثم يدعوهم الداعي إلى العمل عليها والتضحية في سبيلها فيقفون حائرين، ويعرضون ذاهلين.

لقد وفدت على المؤتمر الاسلامي المنعقد في القدس عام اثنين وثلاثين وتسعمائة وألف، باسم الهيئات الإسلامية التي تعيش في العالم الجديد " أمريكا " ورفعت

/ صفحه 214/

للمؤتمر يومئذ سجلا ضافياً يكشف للمؤتمرين أحوال هذه الفئة الحية، على قلتها، وكيف تنشأ أعقابهم في محيط لا يعرف غير المادة ديناً ولا مدنية، وأقنعت رجال المؤتمر بضرورة العناية بما يزيد عن مليون مسلم منتشرين في هذا العالم، لو عنينا بهم لأغنونا عن دعاية ترزح تحتها أضخم الثروات التي يضحى بها اليهود في سبيل دعايتهم تحت سماء ذلك العالم.

مئات الألوف من شبابنا المسلم الأمريكي يجهلون التراث الديني والقومي المنحدر إليهم من أصلاب آبائهم، ومئات الألوف من هؤلاء الآباء الذين هاجروا منذ خمسين عاما إلى عالم بعيد عنهم في الخلق والدين، كل أولئك معرضون للفناء خلال عشرين أو ثلاثين عاما إن لم نتداركهم بالبعثات دينية وقومية، لنتخذ من هديهم قوة تعزز آمالنا باستعادة مجدنا في ديننا ودنيانا.

كل ذلك أعلنته في المؤتمر الاسلامي، والمؤتمرات التي تلته من دينية وقومية، وقدمت للأزهر والنجف من جمعيات المسلمين في أمريكا رسائل تفيض رجاءً واستغاثة منذ عشرين سنة. ولم ألق من الأمة جمعاء غير الإهمال والإعراض الذي لا يقره دين، ولا يسيغه عقل.

وهأنذا أعود اليوم من جديد إلى مصر فأختلف ليل نهار، وصيف شتاء، إلى رجال الأزهر ومؤسسات الشباب المسلم القائم على تعزيز الدين في نفوس الأحداث، وعلى تربية النشيء تربية صالحة تعصمه من مضلات الفتن، أقول: لا أزال منذ سنة أختلف إلى الأندية والمحافل مثيراً قضية المهاجر المسلم، وداعياً إلى العناية بنشئه قبل أن يفنى الأباء، ونصبح في عجز عن أن نعيد الأبناء إلى حظيرة آبائهم.

ثم هأنذا الصيحة على صفحات هذه المجلة العالمية (رسالة الإسلام) فهل هي واجدة صداها لدى المؤمنين بهذا الدين ؟

/ صفحه 215/

صوت التقريب:

يعزّ علينا أن نرى أ نفسنا مضطرين إلى إرجاء ما تهيأ لهذا العدد من (صوت التقريب) فقد توارد على المجلة كثير من المقالات الممتعة والبحوث القيمة بأقلام جهابذة العلم، وفطاحل القانون والأدب والاجتماع، ولم نجد بُدأ من الإذعان لهذا الروح الكريم، روح الرغبة في المعاونة والإقبال على المساهمة، فضحينا بالصفحات المعدة لصوت التقريب، ثم زدنا على صفحات العدد الأول ثماني صفحات، ولم نستوف مع ذلك كل ما لدينا من بحوث.

فإلى العدد القادم إن شاء الله تعالى ومنه نستمد التوفيق والرشاد.

مكتبة التقريب:

ينص قانون الجماعة في مادته الرابعة على أنه (تكون للجماعة دار تسمى " دار التقريب بين المذاهب الإسلامية " ومكتبة تحوي كتب المذاهب الإسلامية والمراجع التي تحتاج إليها في بحوثها الدينية والاجتماعية).

ويسرنا أن أهل العلم والفكر من كافة الطوائف الإسلامية، بين أفراد وهيئات رسمية وشعبية، يدركون ما لهذه المكتبة الجامعة من أهمية، وأنها ستكون بعون الله طرازاً فريداً بين المكتبات تلم المتفرق وتجمع الشتات. وتسعف العلماء والباحثين بما لا يجدونه مجتمعاً في سواها، وهم لذلك يغذونها بكل نافع، ويحرصون على أن تلقتي لديها أفكار علمائهم وأدبائهم وباحثيهم في القديم والجديد.

وإن دار التقريب لتشكرهم أجزل الشكر، وتحيي فيهم جميعاً هذا الشعور الكريم.