/ صفحه 217/

 

رسالة الإسلام

مجلة إسلامية عاليمة

تصدر عن دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة

السنة الأولى رمضان 1368 هـ.

العدد الثالث يوليو 1949 م.

 

/ صفحه 218 /

 

إن هذه أمتكم أمة واحدة

وأنا ربكم فاعبدون

 

 

/ صفحه 219/

 

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة التحرير

تجتاز الشعوب الإسلامية في هذا العصر مرحلة من ادق مراحلها، وتمر بطور خطير ربما كان أخطر أطوارها، ذلك بأنها استفاقت بعد عهد طويل من السبات أو الخَدَر كانت فيه رازحة تحت كابوس من الجهل والاستعمار والتفرق بين كثير من امرها لا تدركه، وقليل تدركه ولا تملكه، فكان عليها أن تصلح شؤونها في مختلف النواحي، وأن تجاري الأمم القوية في الأخذ بأسباب التقدم الملائمة للعصر، المناسبة الظروف والأحوال العالمية، وعليها قبل ذلك ان تحتفظ بمقوماتها فلا تذوب في غيرها معنى، وقد وقاها أن تذوب في غيرها حساً وفعلاً.

وهذه المرحلة في الأمم والشعوب أشبه بمرحلة الرشد في حياة الأفراد، تكتنفها الخطورة والدقة والصعاب من جميع نواحيها، فإن الفتى الذي عاش دهراً في حماية وصية أووليه ثم سُلم إليه أمر نفسه، يشعر بأنه مقبل على ما لم يألف، مكلف بالفصل فيما لم يعهد، مضطلع بألوان من التدبير والتصرف تحتاج إلى كثير من النظر والتأمل والاقدام والتجرؤ، فإذا لم يكن حصيفاً واسع الحيلة قوي العارضة مقداماً على الأمور غير هياب، فإن الدهر لا ينظره، والأحداث لا تمهله.

ولقد ثقلت ـ لذلك ـ أعباء الحكومات في البلاد الإسلامية ثقلا شديداً، وأصبح الحكام والرؤساء فيها أولى الناس بالاشفاق والرثاء، لكثرة ما يحملون فوق كواهلهم من أمانات كتب الله عليهم أن يؤدوها كاملة غير منقوصة، والأمور أمامهم مشتبهة، وميادين الإصلاح والجهاد متعددة، ومطالب الحياة السعيدة الراقية متكاثرة، وثمن الأمن والطمأ نينة غال غال حتى إنه ليصل إلى الارواح تبذل بذل السماح، والدماء تراق كما يراق الماء، وليس رجال الحكم وولاة

/ صفحه 220 /

الأمر بالجبال ولا الحديد، وإنما هم رجال كسائر الرجال إذا تراكمت عليهم الأعمال، واستُنزِفت منهم القوى أكْدَت ملكاتهم، وضعف نتاجهم، وقل غناؤهم، وهذا هو السر فيما نراه من بطء وعقم وتراخٍ في تنفيذ خطط الإصلاح.

والشعوب الراقية تيسّر على الحكومات أمرها، وتعينها على أداء واجبها بما تبثه في نواحي الحياة من نشاط، ولقد نعلم أن فيها لكل فرع من فروع العلوم العلمية أو النظرية مؤسسة تهتم به وتدرسه وتحيط بدقائقه وتفاصيله، ونعلم أن بعض هذه المؤسسات تقوم على ما يجود به رجل واحد ممن آتاهم الله المال، وآتاهم مع المال حب العلم والاصلاح، فكأنما كل واحد منهم بما يقدمه إلى الناس أمة برأسها.

ولقد كنا كذلك حين كانت أمورنا الينا، فكانت المساجد جامعات، والمجالس معاهد، وبيوت العلماء والأدباء نوادي للبحث، وكان فينا من يرحل لتحقيق رواية، وضبط كلمة، وسماح حرف، ومن يتبتل في سبيل العلم كما يتبتل الرهبان في الصوامع والبَيع، ومن يخرج من ماله ما ويملك لعالم أو أديب رفع له كتابا ثم لا يجد ذلك كفاءً لفضله، ولا عدلا لجميلة، فيعتذر إليه، ويُغضى حياء منه، وقد زخرت المكتبة العربية المستقصية في مختلف العلوم والآداب ما بين فقه وتاريخ وأدب وتفسير وحديث ولغة وتجارب وغيرها، وكل كتاب منها ـ لعمري ـ بحر لا يدرك غوره، وكنز لا تفنى أعلاقة ونفائسه، وهذا مجمع الضاد يأتلف فيه عقد الفطاحل من أبناء الشرق والغرب فيدرسون إلى اليوم قرابة عشرين عاما ولمّا يُبرزوا معجمهم الوسيط بَلْه الكبير، وبين أيديهم " لسان العرب " و " الصحاح " و " المخصص " و " النهاية " و " القاموس " وكل واحد منها ثمرة من ثمار رجل واحد.

فياليت قومي يعلمون أن " الحكومات " لن تغني عن الشعوب إذا نامت الشعوب.

رئيس التحرير محمد محمد المدني