/ صفحه 258/
أمة واحدة وثقافة واحدة
لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير
الشيخ محمد تقي القمي
السكرتير العام لجماعة التقريب
جرى الحديث بيني وبين العلامة الشهير المغفور له الإمام الشيخ المراغي شيخ الجامع الازهر (1)، وكأني أرى هذا الحديث أمامي كما لو كان بالأمس القريب، والحال انه قد مر عليه زمان لا يقل عن عشرة أعوام.
كان موضوع الحديث هو المشكل الخطير الذي على المسلمين أن يعالجوه إذا أرادو نهضة موحدة تشمل جميع شعوبهم وبلادهم: وهو توحيد المسلمين ثقافياً.
كان الكلام بيننا في أن المسلمين لا يعرف بعضهم بعضاً، وأن الصلة منقطعة بينهم، ولابد من تقريبهم ثقافياً، ليعرف كل ما عند الاخر، وبذلك يحصل التوحيد المنشود، وترتفع المنازعات والخلافات في كل المسائل أو في أكثرها، أو تقف ـ على الأقل ـ عند حدودها الحقيقية.
*(هوامش)*
(1) وكان ثالثنا في هذه الجلسة هو حضرة صاحب السعادة محمد خالد حسنين بك (باشا) كبير مفتشي الازهر حينذاك.
/ صفحه 259/
ذكرني هذا الكلام يومئذ بقصة ذكرها في أحد كتبه عارف الهي عظيم (1)، في سياق أراد به استنتاج بعض المعاني العرفانية السامية، فذكرت لفضيلته هذه القصة، ولا أرى بأساً من أن أعيد ذكرها للقراء لأنها تعبر عما نحن فيه أصدق تعبير، وتوحي بمعالجته من أقرب سبيل:
كان أربعة من الفقراء جالسين في طريق، وكل منهم من بلد: أحدهم رومي، والثاني فارسي، والثالث عربي، والرابع تركي، ومر عليهم محسن فأعطاهم قطعة من النقد غير قابلة للتجزئة، ومن هنا بدأ الخلاف بينهم، يريد كل منهم أن يحمل الاخرين على اتباع رأيه في التصرف في هذا النقد، أما الرومي فقال: نشتري به (رستافيل) وأما الفارسي فقال: أن لا أرى من (الأنكور) بديلاً، وقال العربي: لا والله لا نشتر به الا (عنبا)، وقال التركي متشدداً في لهجة صارمة: ان الشئ الوحيد الذي أرضى به هو (أوزوم)، أما ما سواه فإني لا أوافق عليه أبداً، وجر الكلام بين الأربعة إلى الخصام، وكاد يستفحل الأمر لو لا أن مر عليهم رجل يعرف لغاتهم جميعاً، وتدخل للحكم بينهم، فبعد أن سمع كلامهم جميعاً، وشاهد ما أبداه كل منهم من تشدد في موقفه أخذ منهم النقد واشترى به شيئاً، وما إن عرضه عليهم حتى رأى كل منهم فيه طلبته، قال الرومي: هذا هو (رستافيل) الذي طلبته، وقال الفارسي: هذا هو (الأنكور) وقال العربي: الحمد لله الذي اتاني ما طلبت ! وقال التركي: هذا هو (أوزوم) الذي طلبته، وقد ظهر أن كلا منهم كان يطلب (العنب) من غير أن يعرف كل واحد منهم أنه هو بعينه ما يطلبه أصحابه.
لسنا في هذا المقام بصدد بيان ما دار في هذه الجلسة أو في الجلسات الاخرى الممتعة التي كنت اجتمع فيها بفضيلة الإمام المراغي، ولسنا أيضاً بصدد بيان ما وصلنا إليه في نفس تلك الجلسة من إقرار تدريس بعض اللغات الإسلامية كوسيلة للتفاهم بين البلاد الإسلامية المختلفة، كما أننا لسنا بصدد أن نقول: هل واصلنا السير إلى الامام منذ ذلك الوقت أو رجعنا القهقري ؟ ومهما يكن من
*(هوامش)*
(1) هو مولانا جلال الدين البلخي الشهير بالرومي في كتابه العرفاني الجليل (المثنوي)
/ صفحه 260 /
شئ فإن أمامنا في اللجنة الثقافية لجماعة التقريب مشروعا يرمي إلى توحيد المسلمين ثقافياً، أو إن شئت فقل توحيد الثقافة الإسلامية بين المسلمين: فكرة ضخمة، ومشروع جليل، ينظر إلى المسلمين كأمة واحدة، لغاتها محترمة عند الجميع، آدابها للجميع، رجالها للمسلمين عامة.
ليس أحد ينكر على المسلم أن يعرف الأدب الغربي، لكن عليه في الوقت نفسه أن يعرف شيئاً عن أدب رجال نشئوا في الإسلام، ونبغوا في البلاد الإسلامية، لا مانع يمنع المسلم أن يعرف اللغة الغربية، ولكن مما ينكر عليه ان لا يعطي قسطا من اهتمامه للغات الإسلامية ـ ولعل منها ما يتكلم به أكثر من مائة مليون من المسلمين ـ فتكون لغة التخاطب بين كثير من المسلمين بعضهم وبعض إحدى اللغات الغربية، لأن كلا الطرفين المسلمين لا يعرف من لغة الاخر شيئا.
ليس بمنكر على المسلم ـ بل من المستحسن ـ ان يعرف كثيرا من القارة الاوربية أو الامريكية أو غيرهما، غير انه بوصفه مسلما عليه أن يعرف أكثر مما يعرفه الان عن البلاد الإسلامية وأقطارها.
أن توحيد المسلمين ثقافيا لا ينافي أن تعمل كل طائفة من الطوائف الإسلامية، بما ثبت عندها واعتقدته، مادام هذا لا يمس العقائد الاساسية، التي يجب الإيمان بها، ولكن من الواجب ان تعرف كل طائفة من المسلمين حقيقة عقائد الاخرين، لعلها تجد فيها ما تستفيد منه، أو ـ على الاقل ـ إذا اراد أحد باحثيها ان يكتب عنهم شيئا، أو ينقل بعض فتاواهم، فلا يكتب (وأما ما سمعنا عنهم أنهم يقولون كذا وكذا أو أنه يقال عنهم كذا وكذا) ولعمري ان هذا لسبة في جبين العلم: أن لا يتعب رجاله أنفهسم بالبحث عن كتاب يجدون فيه كل ما يبحثون عنه، من غير أن يسندوا أقوالهم إلى السماع، وكثيراً ما يجيء هذا القول المسموع من ذوى الاغراض الخبيثة.
ومما هو واضح أنه ليس معنى توحيد الثقافة، توحيد اللغة، وليس هذا امراً ممكناً، ولعله لا يفكر في هذا، ولا يتفوه به، إلا من يريد أن يبعث
/ صفحه 261/
التعصب للغات ايضا، أو يريد ان يستعمر الاخرين، ولكن المهم هنا ان يفهم بعضنا بعضاً، وهذا ممكن جداً إذا وجد في البلاد العربية مثلا رجال يعرفون لغات الاخرين وعند الاخرين من يعرف العربية ويتحدث بها، وهذا ما كان في العصر الذهبي للإسلام: شعوب لم يصطبغوا بالصبغة العربية، واحتفظوا بلغتهم القومية الا ان رجالا منهم ـ وهم علماؤهم عامة ـ كتبوا ودونوا العلوم بالعربية، وخدموا اللغة العربية نفسها اية خدمة، من دون أي تعصب، أو أقل تحيز، الا وان الترجمة مما لا بد أن يهتم به، وكثيرا ما نترجم آثارا من الغربيين بأنواعها، فنجد فيها، ما يفيد ولا ننكره ونجد فيها ما يفسد الأخلاق وينشر الخلاعة حيناً، والالحاد والمادية حيناً آخر، ولا يشك مسلم في خطر هذا النوع على الدين والاداب الإسلامية.
وما دام عندنا هذا الاستعداد للترجمة، وليس لدينا مانع من أن نعطي لفكرة نشأت في بيئة مغايرة لبيئتنا وصيغت في جو تقاليد غير تقاليدنا الدينية والقومية، صورة مناسبة أو أقل بعدا ـ نقول ـ ما دام عندنا هذا الاستعداد أليس من الخير ان نوجهه إلى الصحيح من الأدب الغربي، وأفكار أهله، والى الاثار الإسلامية بما في ذلك ترجمة الكتب والدواوين والحكم والقصص واخبار التاريخ السائرة بين الشعوب الإسلامية، وان منها لكتبا لو كان أحدها هو الكتاب الوحيد في لغته، ولم يكن سبيل لترجمته، الا بتعلم اللغة، لكان على الإنسان ان يتعلم تلك اللغة ليعرف ذاك الكتاب ويلتذ بما فيه !.
ان في البلاد الإسلامية معادن وكنوزاً، وأن للمسلمين رجالا نابغين، وعلماء أكفاء عاملين، وأدباء قديرين، فهل يعرفهم العالم الاسلامي، وهل يعرف عنهم عشر ما يعرف عن بعض علماء المادة وكتاب السوء ؟ وهل سمع عن آثارهم ؟ وهل عرف أن منهم مؤلفين خلفوا مجلدات من الكتب، يعد كل واحد منها، مرجعاً من المراجع ودليلاً قائما بذاته، لفكرة ناضجة عند المسلمين.
إن للمسلمين جامعات علمية كبرى في مختلف البلدان، وإن فيها لما يجتمع
/ صفحه 262/
به أكثر من ألفين من طلاب علوم الدين، وإن النظام الدراسي فيها لنظام حر، فهل عرفت الأغلبية من المسلمين عنهم شيئاً.
لو أن التعارف بين المسلمين تم على أساس توحيد الثقافة، بما في ذلك التبادل الثقافي، وتأليف كتب عن كل طائفة لإعطاء صورة صحيحة عنها، وتعليم اللغات الإسلامية في جامعاتهم وترجمة آثارهم ورجالهم، لعرف المسلمون أنفسهم، وعلموا قوتهم ومقدرتهم، وأنهم مسلمون قبل كل شئ، مسلمون في كتابتهم وتآليفهم، مسلمون في قصصهم وأشعارهم، وأنهم أمناء فيما يكتبون.
لابد أن يلتقي المسلمون بعضهم ببعض، وهل من منكر أن خير اللقاء هو اللقاء عند الثقافة ـ الثقافة الصالحة لان تكون ثقافة اسلامية بعيدة عن كل تعصب أعمى، ثقافة تحت ظل الدين. ثقافة يجتمع المسلمون في ظلها مثلا (بالحافظ الشيرازي) المتوفى في القرن الثامن و (حافظ ابراهيم) المصري، المتوفى في القرن الحاضر، ومحمد اقبال المسلم الهندي المتوفى أخيراً، مع اختلاف لغاتهم وتفاوت درجاتهم.
وإذا كان هذا شأن الاداب لدى المسلمين، فأسهل منه شأن الفقه وعلوم الدين، والعلماء كلهم من أي مذهب من المذاهب الإسلامية،قد استمدواعلومهم من الكتاب والسنة، واللغة العربية هي لغة الدين، وبما أن المصدر واحد واللغة واحدة، فان أقل تبادل ثقافي، يكفي لأن تحترم كل طائفة ما عند الاخرى ولأن يقمع كثير من الخلاف الذي نحن في غنى عنه.
هذا ما نبغيه، وهذا ما نسعى اليه، وان لنا في توحيد الثقافة الإسلامية، الذي يجعل كلا منا يعرف ما عند الاخرين لا ملا كبيراً في أن يرجع للمسلمين مجدهم، ويجعل الاجانب والمستعمرين، يحسبون لهم ألف حساب، وترجع للعلم الإسلامي قدرته على انتاج أطيب الثمار. وبالله التوفيق وهو ولينا ونعم النصير.