/ صفحه 277/

لا تنابزوا بالألقاب

للعلامة الكبير الأستاذ

الشيخ عبد الكريم بن جهيمان

من أفاضل العلماء في نجد (1)

قبل أن أكتب في هذا الموضوع يسرني أن أرحب بهذه المجلة المباركة (رسالة الإسلام) وأن أزجي إلى أولئك النفر الذين فكروا في إنشائها أطيب الثناء، فقد جاءت في أوانها، فإن كثيراً من المفكرين من جميع أرباب المذاهب والنِحل قد شعروا بضرورة التفاهم والتقارب في الآراء، سواء أكان ذلك من الناحية الدينية أم من الناحية السياسية.

وقد علمتهم التجارب أن الطريق التي كانوا يسيرون عليها لا تؤدي بهم عاجلا وآجلا إلا إلى الضعف والانحلال والاضمحلال.

فما لهم إذاً لا يرعوون إلى داعي الوئام، ويصيخون إلى " رسالة الإسلام " وقد نهجت منهجاً حسناً، وسارت إلى غرض سام، ودعت إلى حق واضح يعترف به كل صاحب فكر مستنير، ويؤمن به كل منصف نحرير ؟

فسيرى أيتها المجلة المباركة في طريقك موفقة راشدة ان شاء الله، تلمين شعث المسلمين، وتقربين بين فرقهم، وتوحدين كلمتهم في اناة ورفق (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ".

*(هوامش)*

(1) فضيلته مدرس أنجال حضرة صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد الرحمن آل سعود ـ بالرياض.

 

/ صفحه 278/

بعد هذا أعود إلى الالقاب الشنيعة وآثارها السيئة في عداء بعض فرق المسلمين لبعض، وتباعد كثير من الناس عن دعاة الحق والهدى بسبب ما رموا به من الألقاب الشنيعة، وما أشيع عنهم من الأعمال التي تخالف ما درج عليه جمهور الناس وألفوه.

فالناس ـ كما يقول المثل ـ أعداء ما جهلوا، وهم لا يملكون الحواس التي يميزون بها بين الحق والباطل، وليس لديهم إلا مقياس واحد هو ما ألفوه ودرج عليه الآباء والأجداد فما وافقه فهو حق، وما خالفه فهو باطل " إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون " وأغلبية الناس يرون أن الحق مع الكثرة وكأنهم لم يسمعوا قول الله تعالى: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) وقوله: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين).

ونبز دعاة الحق بالالقاب المنفرة طريق مسلوك منذ قديم الزمان، وهو طريق من طرق الدعاية السيئة التي يتبعها غالباً الرؤساء الدينيون والسياسيون الذين يرون في انتصار الحق وانتشاره نقصاً من سلطانهم أو هضما من مراتبهم أو تقليلا من معاشهم فيرسلون تلك الألقاب بين العوام، فتنطلي عليهم وتروج فيما بينهم، وتكون سداً منيعاً بينهم وبين فهم الحقائق، ولذلك ورد في الاثر: (صلاح أمتي بصلاح العلماء والامراء) أو كما قال.

ولما أرسل نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)، إلى قومه ودعاهم إلى الدين الحق، وكانوا من قبل يلقبونه بالأمين، فلما دعاهم إلى ما دعاهم إليه، نفروا منه ودعوه مذمما، ولقبوه بأنه ساحر، وبأنه شاعر، وبأنه مفتر، وأن ما جاء به ما هو إلا أساطير الأولى وخرافات السالفين.

وهكذا يمعنون في اختراع الألقاب وإلصاقها به (صلى الله عليه وسلم)، حتى ينفروا عنه سواد الناس، ويحولوا بينهم وبين فهم ما جاء به، فلا يسمعوا دعوته وإن سمعوها، لم يستجيبوا لها، ولم يحاولوا فهمها على وجهها.

ومن هذا القبيل ما يرمي به أهل السنة والجماعة، الذي يثبتون لله ما أثبته

/ صفحه 279/

لنفسه من صفات الكمال، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، من صفات النقص فإن منافسيهم يرمونهم بأنهم مجسمه وبأنهم مشبهة وبأنهم حشوية.

فإذا سمع أكثر الناس هذه الألقاب، نفر من رُمي بها ولو كان من أصلح الناس وأتقاهم، وقد قال أحد العلماء:

فإن كان تجسيماً ثبوت استوائه ****** على عرشه إني إذاً لمجسم

وإن كان تشبيها ثبوت صفاته ****** فمن ذلك التشبيه لا اتلعثم

ومما ينسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله:

با راكبا قف بالمحصب من منى ****** واهتف بقاعد خيفها والناهض

إن كان رفضا حب آل محمد ****** فليشهد الثقلان أني رافضي

ومن هذا ما رمي به شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، فإنه لم دعا الناس إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة، وترك البدع والخرافات، تبعه كثير من الناس ولقيت دعوته قبولا حسناً، لم يرض منافسيه، فراحوا يرمونه بالألقاب الشنيعة وينسبون إليه كثيراً من الحوادث المشوهة، فيسمون مذهبه بالمذهب الوهابي، ويصفونه بأنه مذهب خامس، وينسبون إلى أتباعه كثيرا من الأمور التي هم منها برآء، مثل عدم محبة الاولياء، أو أنهم لا يصلون على النبي (صلى الله عليه وسلم)، أو أنهم يلزمون من يدخل في الدين أن يكّفر آباءه وأجداده، وكثيراً من أمثال هذه الخزعبلات، التي لا نصيب لها من الصحة، وإنما حملهم عليها الحسد والخوف على مراكزهم، وإلا فإن الوهابية ليس لهم مذهب خاص، لا في الأصول ولا في الفروع، فهم في المعتقدات يرجعون إلى مذهب السلف الصالح المستند على جاء ما في القرآن الكريم، وعلى ما ثبت من سنة سيد المرسلين نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم).

وأما في الفروع، فهم يرجعون إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وهم لا يتعصبون لهذا المذهب ذلك التعصب المذموم، بل من طريقتهم، إذا رأوا في

/ صفحه 280/

مسألة أن مخالفيهم أرجح دليلا، أنهم لا يأنفون من الأخذ بقولهم، والانصياع إلى الحق، فإن الرجوع إلى الحق اولى من التمادي في الباطل، وهم في هذا يقتفون أثر الائمة المجتهدين في تعاليمهم، فقد ورد عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال: (إذا قلت قولا يخالف قول رسول الله، فاضربوا بقولي عرض الحائط وخذوا بقول رسول الله) أو كما قال، وقد روي عن كل امام من الأئمة ما يقارب هذا الكلام في أن قولهم إذا خالف شيئاً من كلام الرسول يجب رفضه، واتباع ما ورد عن الرسول.

وإن تعجب فعجب من أمة واحدة هذا قول أئمتها، وهي تدين بدين واحد وتعبد رباً واحداً، وتتبع نبياً واحداً، وتهتدي بكتاب واحد، ثم يكون بينها هذا التفاوت العظيم، وتتسع الشقّة بين فرقها هذا الاتساع الشاسع، مع أن دينها دين الفطرة الذي لا تعقيد فيه ولا غموض، وكتابها واضح وقد تكفل الله بحفظه وصيانته من التغيير والتبديل.

ولكن هذا مصداق ما ورد عن الرسول من أن هذه الأمة (ستتبع سنن من كان قبلها من الأمم حذو القذة بالقذة) إلا أن علينا أن نسعى جهدنا في تقليل الخلاف، وأن يكون رائدنا الحق نتبعه أيا كان مصدره.

والطريق الوحيد الذي تصلح به هذه الأمة هو الرجوع إلى كتاب الله، والى ما صح من سنة رسوله (فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها) فهل لنا أن نرجع إلى أصل ديننا، وأن نستقي أوامره من مناهله العذبة سقط الشنيعة وراءنا ظهرياً، وأن ننظر إلى حقائق الأمور دون ظواهرها، وأن نعرف الحق لأنه حق بالبرهان، لا لأنه قول فلان أو فلان وأن نعرف الباطل لأنه باطل بالبرهان لا لأنه قول فلان أو فلان ؟!

نرجو ذلك ونسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين، وان يوحد صفوفهم وأهدافهم إنه على ما يشاء قدير.