/ صفحه 281 /

اقتراح على الأزهر

لصاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد العزيز محمد عيسى

المدرس في كلية الشريعة

كان المسلمون الاولون في شغل عن الخلاف وعن المسائل الكلامية، بما هم فيه من جهاد في سبيل إعلاء كلمة الله، وتوطيد دعائم الدين، وكانوا يميلون إلى التفويض فيما يمر بهم من المسائل التي يحتاج ظاهرها إلى تأويل أو تفسير، ثقة منهم بأن هذا الدين قد أنزله الحكيم العليم، وما داموا قد آمنوا به إيماناً راسخاً، ولا بسوا رسوله الكريم منذ نشأته وفي كافة أحواله، فعرفوا فيه الأمانة والبعد عن التكلف، والتصنع، فليسوا في حاجة إلى الخوض فيما قد يثير بينهم نزاعاً، أو يفتح عليهم أو على من تُبلغه أقوالهم أبواباً من الشك أو التحير.

وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، والخلفاء الراشدون من بعده ينهون عن الخوض في أحاديث القدر أو المغيبات التي لا سبيل إلى تحديد معنى بذاته فيها، وإذا رأوا من تكلم في شئ من ذلك أعرضوا عنه أو انتهروه، وبلغ من شأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يعاقب على ذلك، ويضرب بدرته من يقدم عليه، وجاء رجل إلى امير المؤمنين علي بن ابي طالب كرم الله وجهه، فسأله عن الحساب قائلا: كيف يحاسب الله جميع الخلق في وقت واحد حتى يظن كل إنسان أنه هو المحاسب وحده ؟ فلم يزد على أن أجابه جوابه المسكت المعروف: " يحاسبهم كما يرزقهم " فاقتنع الرجل بذلك، ولم يخض مع أمير المؤمنين كرم الله وجهه، في بحث فلسفي، أو استطلاع تحليلي، يعرف به كنه ما هنالك.

وكذلك كان شأن أهل البصر من علماء التابعين رضي الله عنهم، وقد

/ صفحه 282/

أتُخذت قوله مالك بن أنس رضي الله عنه في الرد على من سأله: كيف استوى الله جل جلاله على العرش ؟ مبدأً من مبادئ الإيمان الصحيح في كل ما ورد به الكتاب والسنة من المتشابهات، واقصد بها قوله: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، واخرج أيها السائل) فهذا المبدأ هو الصراط المستقيم في كل ما يعترضنا مما لا ندرك حقيقته، وما علينا الا أن نؤمن بما جاء فيه عن المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، ونكف عن التزيد فيه أو محاولة إدراك كيفيته.

من هذا يتبين أن المذاهب الكلامية لم يكن لها وجود في العهد الأول للمسلمينن وأنها لم تنشأ ـ حين نشأت ـ كاملة في جميع أبوابها ومسائلها وأدلتها وتفاصيل الكلام فيها، وإنما نشأت في أول الأمر عن سؤال أو بحث كهذا الذي أشرنا إليه، وقد وجد ذلك من يستمع إليه، ويناقش فيه، ويكوِّن له رأيا عنه، وتعدد ذلك في المجالس العلمية، واستفاض بين العلماء، فوجدت آراء انحاز إليها بعض الناس، وخالفها آخرون ثم أخذوا يتبادلون الجدل، فيفضي بهم إلى وجوه جديدة من الخلاف.

وهذه المذاهب كسائر الأفكار والآراء تتطور على الزمان، ويصيبها التغيير أو التعديل بالزيادة أو النقص، أو الشرح أو البيان على أيدي رجالها المتتابعين جيلا بعد جيل، فلو أننا وازنا بين مذهب من المذاهب في أول نشأته، وبينه بعد مرور قرن أو قرنين عليه مثلاً، لوجدناه يبتعد كثيراً عن أصله، ويضاف إلى آراء الأولين فيه قيود أو تفسيرات ربما جعلته مذهبا جديداً، وربما ضيقت نقط الخلاف بينه وبين غيره من المذاهب.

وكما يحدث التطور في المذاهب والآراء على هذه السنة، يحدث أن ينقرض بعض المذاهب فلا يبقى له أتباع في أي بلد من البلاد الإسلامية، أو أن يبقى له أتباع ينتسبون إليه انتسابا اسميا جغرافياً لأنهم لا يدركون منه قليلا ولا كثيرا ولكنهم ورثوا الانتساب إليه عن آبائهم، كما ورثوا أموالهم وديارهم وألقابهم وتقاليدهم، ومع ذلك يبقى هذا المذهب في الكتب التي تحدثت عنه، ووصفت

/ صفحه 283/

مبادئه وأصوله، فإذا اطلع عليها أحد من الناس، حكم على الحاضرين المعاصرين بأحكام هذه الكتب على آبائهم وشيوخهم ومفكريهم، دون أن يلاحظ التطور الذي حدث أو أن يسائل نفسه: هل ظلت هذه البلاد أو هذه الطوائف على قديمها، فلم تتحرر منه ولو بعض التحرر، ولم تزد فيه أو تنقص أو تعدل؟

ثم إننا نجد الطائفة الواحدة تتنوع إلى طوائف، وتفترق إلى فرق، فأهل السنة مثلا أشاعرة وما تريدية، وعلماؤهم في كل فرقة من هاتين قد يختلفون فيما بينهم، وقد يشذ بعضهم عن رأي الآخرين في مسألة ما، وقد يعتنق في خصوص قضية من القضايا رأيا يماثل رأي الذي يخالفون هذا المذهب. وقل مثل ذلك عن الشيعة، فإن لفظ " الشيعة " قد حمِّل على مرور الزمان واختلاف المواطن والسياسات دلالات مختلفة ينطوي تحتها الإمامية والزيدية، كما ينطوي تحتها القرامطة والباطنية والاسماعيلية وغيرها مما تكفلت بذكره كتب الفرق. فإذا أخذنا أي موضوع من الموضوعات الكلامية، بالفكرة العامة عن الشيعيين أو السنيين، ولم تحدد أي فرقة من فرق هؤلاء أو أولئك نريد، فإننا نقع في الخطأ ونسند إلى فريق مقالات الفريق الآخر ولعلنا نأتي الى بعض الفرق الميتة التي انقرضت وذهب أربابها فنحكم بها على الفرق الحية الحاضرة التي لا تشارك الميتة إلا في الاسم العام، بينما تخالفها في كثير من الأصول والتفاصيل، وقد نأخذ بقول عالم من علمائها شط فيه أو انحرف أو ضل السبيل فنحكم به على الطائفة كلها ونقول: (إذا كان فيهم من يقول كذا كذا فانهم ولا شك قوم ضالون) دون أن نحقق هل القائل بهذا القول يمثل فكرة القوم أجمعين أولا يمثلها، وهل قبل قوله، واعتنق رايه عند طائفته أو رد عليه ؟

ثم إننا نجد الطوائف تنقسم إلى خاصة مفكرة، وعامة مقلدة أو متعصبة، وقد يرى الخاصة من ارباب مذهب آراء معقولة ربما يوافق عليها الخاصة من أرباب المذاهب الأخرى ولا يخالفون فيها، بينما نرى العامة من أهل هذا المذهب نفسه يؤمنون بفكرة معينة، ولا يقبلون فيها نقاشا ولا جدالا، ويتوراثها

/ صفحه 284/

أبناؤهم وأحفادهم ولا يحيدون عنها، وليس من الإنصاف أن نقول: إن أمثال هؤلاء العامة أرباب مذاهب بالمعنى العلمي، وإنما هم قوم حادوا عن الطريق في ناحية ما، وهم بحاجة إلى من يبصرهم بالصواب، ويهديهم إلى الصراط المستقيم.

من هذا كله يتبين أن الأحكام الارتجالية أو الجملية، التي تعود الناس أن يحكموا بها على أرباب المذاهب والطوائف الحاضرة اعتمادا على ما في بعض الكتب القديمة، أو استنادا إلى بعض الآراء الخاصة أو ملاحظة للرأي العام المقلد المتعصب، انما هي أحكام جائرة، يجب ان يتنزه عنها أولو العلم والنظر، ذلك بأن هذه الأحكام لم تستوف خطواتها الصحيحة، ومقدماتها التي يجب أن تسبقها، وقد أغفلت فيها سنة التطور والتغيير والتبديل، والانقلاب الفكري الذي يكون بين عصر وعصر، وبين جيل وجيل.

لو أننا اردنا أن نعرف الحال العلمية والفكرية للجامع الأزهر في عصرنا هذا مثلاً، فاستمددنا معلوماتنا عنه من كتاب ألف في القرن العاشر، يذكر علومه وكتبه ونظمه وأفكار رجاله وطلابه، وقطعنا النظر عن الحاضر الماثل بيننا الآن من شئونة العلمية والفكرية، ونظمه التعليمية والادارية، فلا شك أننا بهذا نحكم حكماً فاسداً لا يمثل الواقع ولا يتحدث عنه، ولعل أهل الأزهر لو سمعوا بباحث عنهم يسلك في تاريخ الأزهر هذا المسلك، وينشر ما ينشر على أنه صورة للأزهر الحاضر لعبجوا ودهشوا، وربما رموا هذا الباحث بأنه عابث أو جاهل أو مخبول.

من الواجب إذن أن ندرس قبل أن نحكم، وأن ندرس الجديد ولا نكتفي بالقديم، وأن نعلم عن يقين ما الذي تحول وما الذي بقي دون أن يتحول، وأن نتابع الأفكار من مصادرها الأصلية، ومن معينها الذي تنبع منه. وأن نفرق بين ما يراه الخاصة الذين لهم حق التحدث باسم العلم والفكر، والرأي والمذهب، وبين العامة الذين ليس لهم الا التقليد والتعصب ووراثة الآراء دون وقوف عند ما يعطيه الدليل أو يهدي إليه البحث.

/ صفحه 285/

وهذا متناول لا يسمو إليه الأفراد، ولا تصل إليه الجهود المبعثرة، والقوى المتفرقة، وإنما السبيل إلى بلوغه: هو أن يُنشأ معهد للدرس والبحث، على نمط المعاهد التي تنشئها الأمم الراقية لتبحث في ناحية من نواحي الصحة أو الاجتماع، وتكون مهمة هذا المعهد ـ الذي يقصر على الباحثين والعلماء دون طلاب يتعلمون ـ أن يبحث في شئون الطوائف والبلاد الإسلامية المعاصرة من حيث الفكرة الدينية عقيدة وشريعة ومعارف كلامية، وأن ينظر في علاقة أهلها بالمذاهب السابقة، ومدى هذه العلاقة، وأن يفحص ما عسى أن يكون عندها من مؤلفات ورسائل ومقالات، وأن يتابع في ذلك الخاصة من أهل العلم والفكر ويعرف لم اختلف هؤلاء مع العامة فيما يتعصبون له، ويجعل لكل طائفة وبلد سجلا خاصا يحوي جميع البحوث والمعلومات التي تتعلق بهذه الطائفة أو بهذا البلد، ويحوي مقارنات بين الماضي والحاضر إلى غير ذلك من الدراسات العلمية المنظمة التي تصور لكل من يريد العلم الصحيح والحكم الصادق صورة الحياة الدينية في كل ناحية من نواحي الأمة الإسلامية، ولدى كل طائفة تنتسب إليها.

بذلك يمكننا في سهولة ويسر أن نعرف أوجه الوفاق والخلاف على صورة محدودة، وأن نصلح ما أفسده الدهر، ونحقق ما زوره التاريخ وننشر في ربوع كل دولة ما عند الأخرى، فيتبادل المسلمون الثقافة الصحيحة ويعرف بعضهم بعضاً على حق. وتزول من بينهم الجفوة والقطيعة، ويأخذوا سبيلهم إلى الوحدة والألفة التي لا يصلح أمرهم الا عليها، ولا يستقيم شأنهم إلا بها.

وإن هذا المعهد ليحتاج إلى قوة ثابتة متركزة لها إشراف ديني ومركز ثقافي، ومال ضخم، وصلات متوثقة بالعالم الاسلامي، ومقام كريم بين أهله، لأن ذلك كله مما يعين هذا المعهد على النجاح في فكرته، والقيام بها على وجه مثمر، ويفتح الآفاق ويذلل الصعاب أمام رجاله، في بحوثهم وفي رحلاتهم وفي مراسلاتهم.

وأعتقد ان الازهر هو أولى الهيئات بإنشاء هذا المعهد العظيم، وأنه خير من يعهد إليه بالقيام على هذه الفكرة الجليلة، العظيمة الاثار، فهل يكون ؟