/ صفحه 293/
من أحاديث الجد في باريس
لحضرة صاحب الفضيلة الدكتور محمد يوسف موسى
أستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين بالأزهر
وللطلاب العرب في باريس حياة غير حياتهم في الشرق والغرب من بلاد الإسلام، حياة تقوم على تصور آخر لمفهوم " الإنسان " على غير ما نعرف من " مفهوم " هذه الكلمة في بلادنا.
وللطلاب هناك أيضاً أحاديث منها الجاد ومنها الهازل: منها ما يدور حول العلم والحرية، ومنها ما يدور حول اللهو واللعب، ومنها ما يدور على المقارنة بين الحياة التي ألفناها في شرقنا المنكوب، والحياة الصحيحة الأوضاع التي يجب أن نحياها، الحياة التي ينال الفرد فيها حقه كاملا في غير ما عنت، ويؤدي واجبه على أحسن ما يكون في غير ضجة أو إعلان.
وهذه الأحاديث لا تدور كما يجب أن يكون، في ناد يضم هؤلاء الطلاب.
وكيف تريد أن يكون لبلد عربي دار تضمّ، ابناءه في مدينة باريس الجامعية، ومصر بميزانيتها الضخمة لم تفكر جدياً حتى الان في شئ من هذا، وأبناؤها الطلاب هناك يعدون بالمئات ؟ هذا، بينما بلد صغير كجمهورية كوبا، لها دار من أفخم الدور في هذا الحي، وليس لها من الطلاب إلا طالب واحد بباريس، وهذه الدار وسعتني ونفراً من الاخوان منذ حللنا باريس حتى عودتي منها، ولا تزال تضم خمسة من المواطنين.
إن داراً لطلاب مصر في المدينة الجامعية، حيث يعيش آلاف وآلاف من
/ صفحه 294/
الطلاب من كل جنس ودين، يكون لها في باب الدعاية لمصر والعرب والاسلام أثر أكبر بلا شك، وأفضل عائدة من كثير من دورها الرسمية في أوربا. هذه حقيقة لا ريب فيها، شغلنا الحديث طويلا فيها هناك، حتى لقد كتبت أنا واثنان من إخواني بذلك رسميا للقاهرة مباشرة، ثم للسفارة المصرية بباريس ولكن من يسمع.
والطلاب المصريون في باريس، وإن كان لكل منهم نهجه الخاص في فهم الحياة، يسعى بعضهم للقاء بعض، ويجتمعون جميعاً جماعات حين تنوب نائبة أو يحدث حدث في مصر أو في غير مصر من بلاد العروبة والاسلام: يجتمعون ويتناقشون في الامر، حتى يخلص لهم الحق أو ما يرونه حقا، وحينئذ يحس كل منهم أنه سرى عن نفسه، وأرضى عاطفته الوطنية والقومية.
كم كان لنا اجتماعات، وجدل وقرارات، بخصوص فلسطين ! وكم أثلج منا الصدور، وأحل فيها السكينة والثقة ببلوغ الهدف، إعلان مصر ـ ممثلة في رجالها وكبرائها المسئولين ـ الجهاد في سبيل فلسطين، متضامنة في هذا مع بلاد العروبة جميعا حينئذ كان كل عربي يفخر بجنسه، وكان المصري خاصة يرى أن أمته في طليعة الامم جميعاً في الشرق والغرب. ولكن ما كان أسرع زوال هذه الأحكام !
والان أنقل لقراء " رسالة الإسلام " حديثا من تلك الاحاديث التي كانت تدور بيننا. والامر في هذا الحديث يتصل بي وبزميل كريم فحسب، ومداره شئ آخر غير فلسطين ومشاكل العروبة المعروفة عامة:
ذات مساء حيث الليل هادئ ساكن، وقد أوى القوم إلى مضاجعهم يستريحون من نصب النهار، الا طالب علم أو طالب لهو، يدخل الي هذا الصديق فأفرح للقائه كعادتي، ظنا أنه جاء يشاركني ما أنا فيه من متعة روحية، بعد أن أجهده من العمل ما اجهدني. بيد أني لا ألبث أن أتبين أنه جاء لغير ما قدّرت، جاء لينتزعني من هذا الجو الحالم العلوي السعيد الذي كنت أحياه آنئذ، ولينقلني إلى جو آخر ان يكن جداً وحزماً، فإن له للوعة وألما.
/ صفحه 295/
يبدأني بهذه الأسئلة: هل نحن حقا خير امة أخرجت للناس ؟ وهل ما نحن عليه من دين هو خير الأديان كما اعتدنا ان نقول ؟ واذا كان الإسلام هو الدين الحق الذي ارتضى الله لنا، وكانت الأمة الإسلامية هي خير الأمم، فلم يرضى الله لنا أن نظل قرونا طويلة دون الغربيين، بل مستعبدين لهم ؟ ولم لا يغير الله من أنفسنا حتى نكون حريين بلطفه وعونه، وحتى لا يظن الأجانب بجنسنا وبديننا الظنون ؟
هذه الأسئلة ونحوها تتوالى من صديقي دون أن أستطيع وقفها، حتى ينتهي مما يسال عنه، وحتى يرضي نفسه بالتدليل على ما يعتلج في صدره من آراء.
وبهذا تنتهى ثورته ويجلس في هدوء منتظرا ما عساي أن أقول، وهو يرجو أن تعود إلى روحه الطيبة السكينة والاطمئنان إلى ما اختار الله له من دين.
نعم يا صديقي ـ هكذا بدأت الحديث معه ـ ويا أخي في الله وحافظ حق الوطن على القرب منه والبعد، نحن خير امة أخرجت للناس، ولكن ما دمنا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونؤمن بالله حقا كما جاء في القرآن، وما دمنا نعرف الحق ونعمل بما نعرف. وهذا الشرط الثاني ـ وهو عرفان الحق وبيانه للناس، أرضاهم هذا أو أغضبهم، والعمل بما نعرف منه ـ هو لب الإيمان وأساسه، وما لا قوام له الا به.
ومن ثم نعرف أنه لا تناقض بين عقيدة أن الإسلام هو الدين الحق الذي ارتضى الله لنا، وبين ما نحن عليه الان من هوان لم يرضه الله لنا، بل نحن الذين رضيناه لأنفسنا، واليك أمرا واحداً فيه مقنع لنا الان، وفيه تفصيل بعض ما أشير إليه.
روى عن ابن عمر عن الرسول الحكيم أنه قال: " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره ما لم يؤمَر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ". هذا حديث يجمع المسلمون على صحته، ونخضع له جميعاً، ولكن خضوع علم ومعرفة، لا خضوع عمل وتطبيق.
/ صفحه 296/
اريد أن أقول إننا نعرف الدين: أركانه ومبادئه معرفة نعتقد أنها تصل إلى اليقين، ولكن عند العمل في مختلف ظروف الحياة ومشاكلها نسير على غير هذه المبادئ التي جاء بها الإسلام، ونرى مع هذا اننا مسلمون. أي أن معرفتنا بالاسلام وأصوله هي معرفة بالقلب. لا معرفة تنتهى بالعمل، وذلك فيما أرى ليس الإسلام وليس الإيمان. من الحق أن ندرك المعنى الكريم الذي ينطوي عليه قول سيدنا محمد
(صلى الله عليه وسلم) " الناس هلكى الا العالمون " والعالمون هلكى الا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر ".أو أن ندرك ما يدركه هؤلاء الغربيون من قول سقراط " إن الفضيلة هي المعرفة، وكل معرفة لا تؤدي للعمل فليست في شئ من المعرفة الحقة " وإذاً، فكل من لا يعمل بأصول الإسلام ليس مسلما أو مؤمنا حقا، ليس مؤمنا كامل الإيمان. الإيمان يقين وعمل، لا يقين فقط، ومن هنا كان الإيمان يزيد وينقص كما جاء بذلك القرآن، وكان تفاضل المؤمنين في الإيمان.
إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ـ كما يقرر الرسول ـ وهذا مبدأ نؤمن به جميعاً ونعتقد أنه من أصول الدين، ولا يمكن أن يقوم مجتمع سليم إلا به، ومع هذا، فان كثيراً من إخواننا في الدين يرون ـ وربما نرى أحيانا معهم ـ أنهم مؤمنون حقا وأن إسلامهم لا ترقى إليه الظنون. إن الواحد منهم ليصلي على أحسن ما تكون الصلاة، ويصوم راضيا ما يلقى من جهد ومشقة احتسابا لوجه الله: ويؤدي الزكاة ويتطوع بالصدقات سعيدة بذلك نفسه، ثم يذهب لحج بيت الله الحرام خاشعاً قد تجردت روحه من المادة وظلماتها، وسمت إلى الملكوت الاعلى، ويعود إلى اهله وقد تجرد ـ كما يعتقد ـ من ذنوبه وصار كيوم ولدته أمه.
لكن الواحد من هؤلاء لا يخطر بباله، مع ذلك كله، أنه ينال من إيمانه حين يشارك بحكم عمله الرسمي في منحخ رخصة لبغيّ أو خمّار مثلا. أو يشارك في ظلم، أو يغض الطرف عن إثم آثم في حق وطنه، أو يستر على سارق من مال أمته. غافلا هذا المسلم الطيب عن أنه بعمله هذا قد عصى الله ورسوله وأثم
/ صفحه 297/
إثما كبيراً، إن كان فعل ما فعل عن غفلة، وإلا إن كان فعله مستحلاً له فقد مرق من الدين، وخرج عن الإيمان باستحلاله حراما بنص الكتاب، وليس لهذا المسلم أن يتعلل بأنه يطيع رئيسه في ديوانه، فإنه كما قال الرسول لا سمع ولا طاعة حين يؤمر المسلم بمعصية، وكما جاء في حديث آخر " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ".
وهنا بدأ صديقي تنفرج أسارير وجهه، وتزول حدة ثورته، كما أخذت رغبته في الحديث تزيد وتزيد، فقلت له: على أن الأمر لا يقف عند هذا الحد من المشاركة في منح الاذن لبغيّ أو خمّار أو غير ذلك ما ضربته لك مثلاً، ولكن الأمر أخطر من هذا بكثير.
إن أوربا وإن يكن لها أسرُها وفتنتها وعلوها بما وصلت إليه من علم وصناعة، فلا ينبغي أن يخدعنا ذلك عن سمو ما نعتز به من دين قوىً روحية لا يسعد العالم الا بها، لكن قوما من المسلمين فتنتهم أوربا في هذه النواحي من الحياة، فظنوا أن الغرب له العلو في كل شئ حتى في باب الشرائع والقانون.
من هذا الاعتقاد اُتي هؤلاء القوم. لقد راح بعضهم يقتبس لنا من شرائعهم ويجعل من هذه المِزَق المختلفة التي يأخذها من هنا ومن هناك شريعة تفرض علينا فرضا، كما لم ير بعض آخر أي بأس في أن يدافع بهذا القانون المجلوب ان كان إليه الدفاع، أو يطبقه في أحكامه ان كان إليه القضاء.
إن هؤلاء الاخوان في الدين، بصنيعهم في ناحية التشريع أو الدفاع أو القضاء، قد جعلوا ـ بلا ريب ـ الشرائع الوضعية في مرتبة أعلى من الشريعة الإسلامية التي تستند إلى القرآن والحديث. وأنه لا يستطيع انسان أن يظلم نفسه بأكثر من أن يرى هذا الرأي، وإن هذا لا يمكن أن يتفق ووصف المرء نفسه بالاسلام.
ثم يا أخي هناك مثُل أخرى لا نستطيع أن نعدها ولكن نعد منها، تقع ونحن شهود، ونعرف منها كيف نبتعد عن الإسلام من يوم إلى يوم.
وهنا قال صديقي: على رِسْلك الان، وحسبي اليوم ما سمعت، ولعل الله يجعل لنا من أمرنا رشدا.