/ صفحه 298/

ماذا تخبئه نواة الذرة للإنسان

للدكتور محمد محمود غالي

دكتوراه الدولة في العلوم الطبيعية من السوربون

وكيل مصلحة النقل

لقد ألقيت في موضوع نواة الذرة اكثر من عشر محاضرات، أولها بعنوان " عالم الذرة " القيتها في قاعة فيصل في بغداد سنة 1941، وثانيتها عنوانها: " من أخبار العلماء المحدثين " ألقيتها في القاعة ذاتها سنة 1943، والثالثة عنوانها: " الذرة " القيتها في الجمعية الرياضية والطبيعية في كلية العلوم بمصر، والمحاضرة الرابعة في المجمع المصري للثقافة العلمية في قاعة الكيمياء، وكانت عن الذرة والقنبلة الذرية، وقد ألقيتها في 21 يناير سنة 1946، ولم أنشرها لضيق الوقت، وأما المحاضرتان الخامسة والسادسة فقد ألقيت إحداها في 3 مارس سنة 1946، بدعوة من جمعية المهندسين الملكية، وعنوانها: " القوى الذرية والقنابل النووية " ذكرت فيها بإسهاب المتساويات النووية، وقد أصبح يهم الكثير معرفتها والاطلاع عليها، وأرجو أن تتاح الفرصة لنشرها قريباً، والأخرى ألقيتها بدعوة من زملائي المهندسين في الزقازيق، وفي العام الماضي ألقيت محاضرة سابعة حول هذا الموضوع بعنوان: (القوى الذرية في السلم والحرب). بدعوة من جمعية المهندسين بالاسكندرية، وألقيتها في كلية الهندسة بجامعة فاروق الأول في 18 مايو سنة 1948، ومحاضرة ثامنه ألقيتها في المجمع المصري للثقافة العلمية في 21 ديسمبر سنة 1948، وهذه المحاضرة نشرها المجمع في كتابه للمؤتمر السنوي الثامن عشر، ثم ألقيت محاضرة تاسعة في كلية الهندسة بجامعة فاروق، وأخرى عاشرة بالجامعة

/ صفحه 299/

ذاتها في كلية العلوم، وألقيتها عن: " دنيا النواة " في 2 مايو سنة 1949، وأخيرا ألقيت في الاسكندرية وفي جماعة الصداقة الفرنسية في 31 مايو الماضي، بدعوة من رئيسها الدكتور حسين فوزي بك، محاضرة باللغة الفرنسية عنوانها: " الطاقة الذرية ومستقبل المدنية " تحدثت فيها عن هذا الموضوع، وخصصت بالذكر: الدور العظيم الذي لعبه العالم الفرنسي " جوليو كوري " وقرينته " أيرين كوري " كريمة مدام كوري المعروفة.

ولقد نشرت في مجلة الكاتب المصري عدة مقالات عن الذرة، كذلك خصصت مجلة رسالة الإسلام في عدديها السابقين مكاناً فسيحاً لبحث هذا الموضوع، واليوم اكتب في هذه المجلة مقالي الثالث عن نواة الذرة، وماذا تخبئه للإنسان، وبهذا العرض لا تنتهي بحوثي عن الذرة ونواتها، فقد أصبح موضوع النواة من الموضوعات الهامة لمستقبل البشر، ويرتبط بسلم العالم ورفاهيته، لذلك سأتابع بحثه واستعراضه أمام أكبر عدد من مواطني الأعزاء، ومن قراء العربية لارتباطه بسلامتنا وسلامة البشر.

ولقد وصفت الذرة بأنها عالم شمسي صغير يتكون من شمس وسطى يدور حولها جسيمات صغيرة يسمونها الكترونات، وقلت ان هذا العالم الشمسي من الصغر بحيث أن المليمتر الطولي يتسع لحوالي عشرة مليون من هذه العوالم، ولما يقرب من مليون المليون من هذه الشموس، ولعل وصفنا للذرة بأنها عالم شمسي يتكون من شمس وسطى هي النواة يدور حولها جسيمات كالكواكب، تدور هذه حول نفسها وتدور حول النواة هو أول وسائل التبسيط في هذا العرض، فهذه الجسيمات سواء الموجود منها داخل النواة أو الدائر منها في أفلاكها ليست جسيمات فحسب، وإنما هي جسيمات وموجات في الوقت ذاته، فهي على حد تعبير " دي بروي " صاحب الميكانيكا الموجية وأستاذ الفيزياء النظرية في السوربون، جسيمات تستصحب أمواجاً، وإني لا أشرح في هذا المقال الفكرة عند دي بروي، كما لا أشرح هنا مبدأ " بولي " الذي يقرر ان الألكترون الدائر الحائر لا يمكن

/ صفحه 300/

وجوده في حالة كم معين ووجود غيره في حالة الكم ذاته (لقد اتيت في مقالي السابق بشرح وجيز عن فكرة الكم عند " بلانك ")، بل سوف لا اشرح ما يسمى عدم التعيين عند " هيز نبرج " الذي يقول إننا لا نستطيع كما اعتدنا في الميكانيكا أن نعين موضع هذا السيار الصغير وسرعته في آن واحد، فإن نحن حددنا موضعه فإننا لا نحدد سرعته إلا باحتمال معين، وإن نحن حددنا سرعته فإننا لا نحدد موضعه إلا باحتمال معين، بمعنى أننا لا نستطيع أن نتكلم عن الموضع والسرعة لهذا السيار الصغير داخل المادة بالدرجة ذاتها من التعيين.

إنما أذكر ذلك حتى لا ننظر لهذا الكوكب الصغير نظرتنا للأجسام التي اعتدناها من حيث هي أجسام مادية ومن حيث التعرف على مواضعها وسرعتها، وهكذا نبتعد عن بعض النقط العويصة مكتفين بالإشارة إليها.

ونعود الآن لدراسة هذه النواة داخل عالم الذرة، فقد ذكرنا أنها تتكون من نوعين اثنين من الجسيمات، النوع الأول هو البروتون وهو نواة ذرة الهيدروجين وشحنة هذا الجسيم موجبه، والنوع الثاني إسمه (النيترون) ولا شحنة له، وكتلته تساوي كتلة البروتون تقريباً. ولأهمية هذا الجسيم (النيترون) الذي يلعب حالياً أكبر دور على مسرح العمليات النووية وطاقتها الأزلية، التي يسعى العلماء إلى فك عقالها، أذكر عنه بعض المعلومات الهامة:

ظل العالم يعتقد خطأ أن الذرة مكونة من بروتونات والكترونات دون معرفة لوجود هذه النيترونات، فهي لم تكتشف إلا سنة 1930، ولا نذكر هنا لماذا طال الزمن على هذا الخطأ في معرفة تركيب الذرة، والواقع أ ن التأخير في الكشف عن النيترون كان مبعثه أن هذا الجسيم عديم الشحنة، ولقد كان " لبوث " و " بكر " ثم " لايرين كوري " و " جوليو " وأخيراً " لشادويك " الفضل في الكشف عن النيترون، وإنه لمما يوجب الأسف أن الكثير من الكتب والمراجع، أهملت ذكر بعض هؤلاء العلماء الخمسة عن التحدث عن الكشف عن

/ صفحه 301 /

النيترون، أو ذكرت بعضهم وأغفلت البعض الأخر، وإني ألخص حقيقة الأمر في فقرات ثلاث، ويتفق معي مؤلف (جريمزيل) في جزئه الخامس:

1 ـ كشف بوث وبكر وجود النيترون إلا أنهما اعتقدا أنه الأشعة المسماة أشعة جاما.

2 ـ أكدت إيرين كوري وزوجها جوليو بعد ذلك بقليل أن طبيعة هذه القذائف جسيمية وليست إشعاعية.

3 ـ اعتبر شادويك عام 1932 أنها نيترونات وأعطاها هذا الاسم.

وللنيترون أهمية خاصة كقذيفة موفقة في البحوث النووية، ذلك أنه بينما تصلح القذائف الأخرى ـ كالبروتون (وهو شمس أو نواة ذرة عنصر الهيدروجين، وللعلماء وسائل في فصل هذه الشمس عن عالمها الذري واستخدامها كقذيفة)، وجسيم الفا (وهو شمس، أي نواة ذرة الهيليوم العنصر الثاني في جدول العناصر) ـ لتحويل 15 عنصراً من عنصر إلى عنصر، فان النيترون يصلح لقذف جميع العناصر وعددها 96 وتبدأ من الهيدروجين، وتنتهي بعنصر الكوريوم ـ نسبة لكريمة مدام كوري التي كشفته ـ ما عدا تسعة عناصر لا تتأثر بهذه القذيفه، ومن هذه العناصر التسعة الكربون والأكسجين، وطالما فكرت أن هذه الحقيقة قد تكون في صالح الخليقة، إذ أن أولهما مكون هام للمادة الحية، وثانيهما عنصر هام لاستمرار الحياة فيها.

وظفرت الدراسات عن النيترون، وأضحى له في الجامعات متخصصون يكونون ما نستطيع تسميته مدارس أو حلقات النيترون، ولعل أهم هذه الحلقات تلك التي كان يرأسها في جامعة روما العالم الإيطالي الشهير " أنيريكو فرمي " المقيم الآن في أمريكا، ولقد سمعت هذا الرياضي سنة 1934 يستعرض أمام علماء السوربون بحوثه العلمية، وكنا نعد أهمها في ذلك الوقت غريباً عن المنطق السليم،

/ صفحه 302 /

ذلك أنه كشف أن للنيترون البطئ أثراً على النواة أكبر من أثر النيترون السريع، ومن الصعب أن نتصور في ذلك الوقت أن لسلسلة من الأحجار البطيئة أثراً أكبر في هدم حائط عن سلسلة متساوية في عددها، وفي كتلة كل منها من الأحجار السريعة.

وقد لفت " فرمي " بهذا نظر العلماء المعاصرين الفرنسيين أذكر من بين الحاضرين أستاذي الكبير " كوتون " الذي كشف مع المرحوم " موتون " الألترا ميكروسكوب، والذي ضغط معه الذرة، وأذكر من بين الحاضرين المرحوم " شارلز فابري " الذي له في قياس سرعة طرفي قرص الشمس بحوث معروفة، ذكرها حديثاً في مصر العالم الفلكي جورجيو أبتِّي مدير مرصد فلورنسا بإيطاليا، بل أذكر المرحوم " جييه " كذلك " ايرين كوري " و " جوليو " و " جان بيران " وكثيراً غيرهم ممن أجلُّهم، وممن عاشوا لزمانهم ويعيشون أبداً لغير زمانهم.

ونستطيع أن نلخص جوهر الدراسات الأولى لفرمي وغيره عن النيترون فيما يلي: ـ

1 ـ يمكن الحصول على نيترونات سريعة تقرب سرعتها من سرعة الضوء وتصل طاقتها إلى 15 مليون الكترون فولت، وتنفذ في 30 س. م من الرصاص، ويمكن جعل هذه النيترونات تبطئ بوضع ستائر من البارفين أو الماء الثقيل أو غير ذلك من المواد في طريقها.

2 ـ تصل النيترونات إلى مسافة قدرها 100 مرة قدر قطر النواة، وهي مسافة كافية لإيقافها.

3 ـ ثمة حالات تتصادم فيها النيترونات بعضها ببعض كما تتصادم كرات البلياردو، وتغير طريقها كما تغير طريق النواة (بحوث إيرين كوري) وثمة حالات تُمتص فيها هذه النيترونات.

4 ـ تُحدث النيترونات البطيئة بنوع خاص أثراً شديداً في النواة، فهي

/ صفحه 303 /

تحدث تهدماً، وتحدث أحياناً انفلاقاً كما حدث في تجارب " أوتوهان " الألماني وهي التجارب التي تكلمنا عليها في مقالنا المنشور بأول عدد لمجلة " رسالة الإسلام " وهي التجارب التي أمكن بعد معرفة نتائجها صناعة القنابل الذرية التي أفضّل تسميتها القنابل النووية.

وقد يعنّ لنا أن نسأل كيف السبيل للعلماء للحصول على النيترونات وهي أحد نوعين من الأحجار المكونة للنواة، والجواب على ذلك أننا نجدها في كثير من التحولات النووية التي لاحظها العلماء حيث تخرج من نواتها خلال عملية التحول هذه النيترونات، وحيث يمكن استخدام هذه النيترونات المطرودة من النواة كقذائف لنوى تصاب بواسطتها.

مثال ذلك: إذا ضربنا عنصر البريليوم بجسيمات ألفا، التي هي نواة عنصر الهيليوم تحوّل البريليون إلى كربون، وخرجت من نواته نيترونات. وقد لوحظ أننا لا نحصل في العملية المتقدمة إلا على حوالي بضع عشرات من النيترونات لكل عشرة مليون قذيفة من جسيمات ألفا، بحيث إن هذا التفاعل النووي السابق لا يصلح وسيلة عملية للحصول على النيترونات بكمية كافية. وقد وجد أخيراً: أنه يضرب البريليوم، ويسمونه الحليسنيوم، بالديترونات التي هي نواة الماء الثقيل، أو إذ خلطناه بالرادون المتخلف عن إشعاع الراديوم نحصل على كميات أكبر من النيترونات، وأعتقد أن هذه الوسيلة كانت على قدر ما أعلم إلى عهد قريب خير الوسائل للحصول على النيترونات بكميات وفيرة لأغراض البحث العلمي.

ومهما يكن من الأمر فقد مهد " فرمي " بدراسته للنيترون وللنيترون البطئ على الخصوص لكشف هام لعالم ألماني هو " أوتوهان " عن انفلاق خطير في نواة الذرة ونوع من الانفجار في هذه الشمس الصغيرة، ولملاحظات هامة لعالمين فرنسيين هما جوليو كوري وقرينته إيرين كوري عن وجود سلسلة من الانفلاقات

/ صفحه 304/

المتتابعة وعدوى تسري إلى غير النواة المنفلقة، وهو تناولته بشئ من الشرح في مقالي الذي كتبته في أول عدد لمجلة رسالة الإسلام، وفي ظني أننا لو استطعنا فهم هذه السلسلة ومتابعة الكتابة فيها، واستطعنا فهم هذا الكشف الجسيم، أدركنا لماذا نستطيع الحصول على طاقة فوق الوصف من قليل من المادة، وأدركنا ما يحدثه ذلك من تقدم في حياة البشر ومن أثر في المدنية القادمة، وأكرر القول الذي ذكرته في مقالي بأول عدد لهذه المجلة وعلى غلاف كتابي الذي يصدر هذا الأسبوع " إما مدنية فوق التصور نصبح فيها كالملائكة نستطيع ما لا نستطيعه اليوم، وإما مفاجأة محزنة قد ينمحي معها الكوكب الوديع الذي نعيش عليه ".

والآن نورد كلمة عن العمل العظيم لأوتوهان الألماني خاصاً بانفلاق أو انشطار نواة اليورانيوم: يحوي جدول العناصر 96 عنصراً، تبدأ من الهيدروجين أخفها، وتنتهي بالكوريوم أثقلها، وإذا اعتبر الوزون الذري للهيدررجين 0078 ر 1 باعتبار الوزن الذري للأكسجين 16 فإن الوزن الذري للكوريوم أثقل العناصر يكون 241.

وقد لوحظ في جميع عمليات تحول العناصر، وبجميع الوسائل المختلفة، سواء ضرب النواة بالبروتونات أو بجسيم ألفاً أو بالديترونات أو النيترونات، أن العناصر التي نحصل عليها هي عناصر قريبة في جدول العناصر من العنصر الذي أصبناه، فقد استطاع " رذرفورد " مثلاً عندما تمكن لأول مرة سنة 1919 من أن يحول ذرة العنصر إلى ذرة عنصر آخر، أن يحصل من عنصر النيتروجين، ووزنه الذري 14 على مماكن للأكسجين، وزنة الذري 17، أي أكسجين يختلف عن الاكسجين العادي بوحدة واحدة في الوزن الذري، وفي أعمال " إيرين وجوليو كوري " الشهيرة تحول الألومنيوم ووزنه الذري 27 إلى عنصر قريب منه هو السليسيوم ووزنه الذري 30، وحصل لكل قذيفة واحدة من

/ صفحه 305 /

قذائف ألفا على نيترون واحد، وفي عملية تحضير النيترونات نحصل من البريليوم ووزنه الذري 9 على البور ووزنه الذري 10، كذلك نحصل من كل قذيفة ديترونية على قذيفة واحدة نيترونية وهكذا.

ونرى في النشرات العلمية آلاف التحولات المتشابهة التي يصادف الباحثون فيها دائماً أوزانا ذرية متقاربة، بمعنى أننا ننتقل عادة من عنصر إلى عنصر آخر وزنه الذري لا يفترق إلا بعدد قريب جداً من الوزن الذري للقذيفة ذاتها التي أثقلها جسيم ألفا حيث يبلغ وزنه الذري 4.

ولم يحدث قط أن ضربنا عنصرا وزنه الذري 80 فحصلنا على عنصر آخر بعيد جداً عنه في جدول العناصر يكون وزنه الذري 50 مثلاً، وعلى عنصر ثان يقرب وزنه الذري من 30، بمعنى أننا لم نحصل على قسمة عنصر إلى عنصرين متباعدين عن العنصر الأصلي.

وكأننا أمام منزل خشبي من تلك اللعب التي يلهو بها الأطفال، يمكن تكوينه من عدد من المكعبات الخشبية تبلغ الـ 239 مثلاً، " وهو عدد ما بنواة البليتونيوم من بروتونات ونيترونات " واستطعنا حتى الآن أن نزيد هذا المنزل مكعبا أو اثنين أو ننقصه مكعباً أو اثنين، ولكننا لم نوفق قط إلى أن نجعل هذا المنزل ينهار أو ينقسم قسمين كبيرين بضربة من مكعب واحد، أو بوضع مكعبين مثلاً فوق سطحه يقومان بعمل هذه القسمة، بل إننا لم نوفق إلى أن نجعل منازل أخرى تنهار، منازل موجودة في البلدة ذاتها ولدى أطفال آخرين وبعيدين جداً عنه.

هنا وقف العلم سنين طويلة من أيام " بكارل " سنة 1896، و " رذرفورد " سنة 1919، ولم يقع الحادث الهام إلا سنة 1939، إذ حدثت لفيزياء النواة مفاجأة كبرى، وكان حدوثها دون قصد من العالم الألماني " أوتوهان " فقد ضرب المكعب الذي جعل المنزل الكبير ينقسم إلى منزلين كبيرين ومنازل أصغر منها، بل قذف بالمكعب الذي جعل منازل أخرى بعيدة جداً من المنزل الأول ينقسم

/ صفحه 306/

الواحد منها بعد الأخر. ووصل إلى ذلك بضربة واحدة أصابت أول هذه المنازل فخرج منه مكعب يصيب من تلقاء ذاته المنزل المجاور وهكذا.

كان أمام " أتوهان " عنصر البليتونيوم من ـ إسم الكوكب بليتون آخر الكواكب التي تدور حول الشمس ـ باعتبار أن هذا آخر العناصر التي تيسر للإنسان الحصول عليها في ذلك الوقت، والبليتونيوم هو عنصر جديد وزنه الذري 239 يزيد بوحدة عن الوزن الذري لليورانيوم، وعدد الكتروناته 94 مقابل 92 لليوروانيوم.

قذف " أوتوهان " البليتونيوم بنيترون بطئ ليحصل بهذه القذيفة على مماكن آخر لليورانيوم يزداد في وزنه الذري بوحدة، ولكنه عوضاً عن أن يحصل على يورانيوم 240 مثلاً، أو عوضاً عن أن يعود إلى اليورانيوم 238 الموجود في الطبيعة حصل على عنصرين لم يكن يتوقعهما بعيدين جداً في جدول العناصر، وهذان العنصران هما الكريبتون ووزنه الذري 84 والباريوم ووزنه الذري 138 كما حصل على هيليوم، كذلك حدث من دخول هذا النيترون الواحد المقذوف خروج ثلاثة نيترونات أخرى من نواة البليتونيوم، نيترونات متطوعة تضرب كما ذكرنا آنفا وفي مقابل سابق ثلاثة نويات أخرى، وقد حدث من جراء عملية التقسيم الجديدة نقص واضح في كتلة النواة الاصلية، نقص يساوي 1 على 20 تقريباً من كتلة هذه النواة، وهذا النقص المادي في نواة البليتونيوم تحول كله إلى طاقة إشعاعية تبعاً لعلاقة " أينشتاين " المعروفة.

ومعنى ذلك أن البليتونيوم ووزنه الذري 239 وعدد ما يدور حول نواته من الاكترونات 94 عندما يقذف بنيترون بطئ وزنه الذري واحد وليس له شحنة ـ أي عدد الكتروناته صفر ـ نحصل على عنصر الكريبتون ووزنه الذري 84 وعدد الكتروناته 36 وعنصر الباريوم ووزنه الذري 137 وعدد الكتروناته 56 وعلى هيليوم وزنه الذري 4 وعدد الكتروناته 2، ونحصل على ثلاثة نيترونات متطوعة، الوزن الذري لكل منها 1، ولا شحنة لها أي عدد الكتروناتها صفر، ثم نحصل على طاقة نووية في شكل إشعاع تعادل مادة وزن نواة ذرتها 12 تحولت كلها إلى طاقة.

/ صفحه 307/

ونلاحظ إذن أننا إذا جمعنا الأوزان الذرية في الطرف الأول وجدنا أنها تساوي مجموع الاوزان الذرية في الطرف الثاني زائد النقص المادي وقدره 12، كما أننا إذا جمعنا عدد الألكترونات في الطرف الأول وجدناه مساوياً لعددها في الطرف الثاني.

239 + 1 = 240 ـ 84 + 137 + 4 + 3 + 12 = 240 الوزن الذري

94 + 0 = 94 ـ 36 + 56 + 2 = 94 عدد الاكترونات أي الكواكب الدائرة.

وإذا تأملنا في المتساوية النووية السابقة نجد أن الوزن الذري لمجموع المادة في تغير من 240 إلى 228 بنقص 12 في الوزن الذري، أي أن نسبة ما فقدته المادة 12 على 240 يساوي 1 على 20، ولعل هذا النقص الذي أصاب المادة من أعظم ما حدث في العلوم، وقد ظهرت أول نشرة في هذا الموضوع لأتوهان منذ عشر سنين، ونظر العالم بشئ من الاهتمام لما حدث في هذه التجربة بالذات من دخول هذا النيترون أو هذا الجاسوس في النواة وقسمتها وخروج طاقة عظيمة منها، قدرت هذه المرة بحوالي 200 مليون الكترون فولت للنواة الواحدة.

وكان يساعد أوتوهان عالمان هما ستراسمان والسيدة السويدية ليزمايتنر وقد أكداهما ايضا وجود عنصري الكريبتون والباريوم، كما أكدت هذه الوقائع معامل عديدة من معامل البحث العلمي في أنحاء اوروبا.

حدث كل هذا في سرعة ولعل الذي تابع مقالاتي السابقة يدرك الآن ما دلت عليه " إيرين كوري " وزوجها " جوليو " في السوربون من احداث جسام خلال عملية الانفلاق المتقدمة وملاحظتهما لخروج ثلاث جواسيس متطوعين من النواة المصابة وضربهم نويات أخرى تخرج كل واحدة منها ثلاثة نترونات جدد كل واحدة من هذه تخرج ثلاثة نترونات أخرى وهكذا تعم عدوى الضرب ويتكاثر

/ صفحه 308 /

بسرعة عدد المتطوعين وفي كل حالة فردية تخرج طاقة نووية وفي النهاية تصبح الطاقة من قطعة صغيرة من المادة فوق الوصف.

وطفق العلماء في أوروبا في ذلك العهد من سنة 1939 يعيدون التجارب، وظهرت نشرات علمية كثيرة تؤكد صحة الملاحظة التي أبدتها إيرين كوري من وجود ثلاثة نيترونات مطرودة لكل نيترون يدخل النواة.

ولقد سافرت السيدة ليزما يتنر إلى الدنمارك، وبعد مقابلة " نيلزيور " الذي ذكرنا في مقالنا الثاني طرفاً من بحوثه في تفسير الانبعاث الضوئي بوثبات للألكترونات، سافر هذا ليجتمع بعلماء الانجليز أولاً وعلماء القارة الامريكية ثانياً، حيث بدأ هذا الجزء الاخير من العالم يكون مسرحاً هاماً لصناعة القنبلة النووية.

أي فارق بين هذه النتائج العظيمة وبعد حدوث هذه السلسلة النيترونية العظيمة وتلك النتائج الضئيلة التي حصل عليها العلماء باستخدام البروتونات (البرتون نواة ذرة الهيدروجين) كقذائف لضرب نواة العناصر المختلفة.

كان رذرفورد يضرب حوالي عشرة مليون قذيفة بروتونية في اتجاه النوى فتصيب قذيفة واحدة من هذا العدد الكبير نواة واحدة، وهذه الاصابة النادرة لا تحدث عطبا يذكر، والآن نضرب بالقذائف النيترونية فتحدث إحداها إصابة جسيمة في النواة يتبعها بلايين البلايين من الاصابات المماثلة، دون أن نبعث من ناحيتنا بقذائف أخرى.

لقد ذكر " اينشتاين " أننا كنا كمن يريد أن يصيب طيورا في ليال مظلمة في بلاد تندر فيها الطيور، ولنا ان نذكر الآن أننا تعلمنا نوعاً جديداً من الصيد لم يخطر على بال إنسان، وهو أننا إن أصبنا طائراً واحداً خرج هذا الطائر ليصيد هو نيابة عنا الكثير من الطيور، بل خرج لتحريض طيور البلدة كلها ليصيدوا طيور البلاد المجاورة لبلدتهم وغيرها من البلاد، حيث يعم الصيد المملكة بأسرها.

/ صفحه 309 /

لقد وضع العلماء لأول مرة، وبصورة جلية أيديهم على الطاقة النووية، وعرفوا إحدى الطرق الفعالة لفك عقالها، وعاش " أينشتاين " ليشهد بنفسه نتيجة نظريته الخطيرة، وليشهد بنفسه كيف تمكن الإنسان أن يعيد المادة سيرتها الأولى ـ طاقة خطيرة في هذا الكون الفسيح.

لقد شرحت النواة وما حدث في دنيا النواة، ولعلنا قد أدركنا أن المادة قوة عظيمة مدخرة من الأزل، لا نعرف لها بداية، ولا ندرك لها نهاية، هي طاقة متبلورة من العصور الغابرة، وكنز خطير لا يفنى على الزمن، هذه المادة بدأنا نلهو بها، وبدأنا نتعلم كيف نعيدها سيرتها الأولى.

وها نحن أولاء لا ندري ماذا تخبئه نواة الذرة للإنسان في المستقبل القريب أو البعيد، أمدنية نووية ؟ أمعارف جديدة فوق تصورنا الحالي ؟ أدنيا غير التي عهدناها ؟ أم نهاية لحياة الجنس البشري على هذا الكوكب مع بقائه دون أي نوع من الحياة عليه ؟ أم فناء لنا ولهذا السيار الوديع ؟ وكل ما ابتغيه من محاضراتي العديدة وكتاباتي المستمرة، أن يؤمن القارئ معي أن ثمة احتمالات للإنقسام في نواة الذرة أو للإنفلاق في هذه الشمس داخل الذرة كثيرة، والواقع أن الرواية لم تتم فصولاً، وإذا استبعدنا حدوث سلسلة من نوع خطير في الاكسجين أو الماء وكلاهما لازم لاستمرار الحياة، كما يستبعد ذلك غالبية العلماء المعاصرين فإننا نؤمن في الوقت ذاته أن هذه العلوم ما زالت في بدايتها، وأن أحداً لا يجزم بما يخبئه القدر للعلماء، وللناس عامة من مفاجآت.

وعلى آية حال فالعناصر الثقيلة الأخرى ومما كنانها قد تكون قابلة للإنفلاق بوسائل لا نعرفها اليوم، وقد نصادف انقساماً ثلاثياً أو رباعياً أو كثير الحدود.

ومع ذلك فإنه يجب أن لا نعتقد خطأ، بأن حياتنا كجنس محتوم لها الدوام

/ صفحه 310 /

على هذا الكوكب الارضي، فقد تكون زيارتنا له قصيرة قاربت الانتهاء، وقد تدوم زيارتنا له أطول مما نظن.

والان نحن على مفترق الطرق: إما العقل والهناء، وإما الجنون والفناء، لقد حققت العلوم أحلام الرجال، ووصل الإنسان إلى أعظم ما كان يحلم به كيميائيو القرون الوسطى عن حجر الفلاسفة.

وها هي الدنيا بخير: الشمس تشرق صباحاً وتغرب مساء، والنبات ينمو والشجر يزدهر، والنساء تلد أطفالاً، والأطفال تضحى شيوخاً، وعجلة الحياة دائما في حركة وفي تجديد، فلنحافظ عليها وعلى أنفسنا ـ لقد ذكرت لك أيها القارئ العزيز أنه يجب أن نحب السلام، وأن نعمل للسلام، ونحب الحياة ونعمل من أجل الحياة، وتراني ما زلت عند رأيي وإلى لقاء معك في جولة أخرى من الفكر في وقت قريب.

كتاب جديد

يسرنا أن نبشر قراءنا في أنحاء العالم الاسلامي، وكل مهتم بالبحوث العلمية بأن حضرة العالم الكبير الدكتور محمد محمود غالي كاتب المقالات التي نشرت في أعدادنا الثلاثة عن الذرة، سيصدر في وقت ظهور هذا العدد كتاباً نفيساً بعنوان:

ماذا تخبئه نواة الذرة للإنسان

والكتاب بحث طريف في أسلوب مبسط يفهمه العامة والخاصة، ويروق الأديب كما يروق العالم، وهو يقع في 60 صفحة، ويحتوي على 13 صورة، وقد قامت بنشره (مكتبة النهضة) 9 شارع عدلي باشا بالقاهرة وطبعته بمطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر طبعاً، أنيقا، وثمن النسخة منه 14 قرشا عدا أجرة البريد ومجلة (رسالة الإسلام) تلفت قراءها الكرام، إلى هذا المؤلَف النفيس وترجو له الذيوع بين اكبر طائفة من العلماء وطلاب المعرفة.