/ صفحه 329/

 

رسالة الإسلام

مجلة اسلامية عالمية

تصدر عن دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة

السنة الاولى ذو الحجة 1368 هـ.

العدد الرابع أكتوبر 1949 م.

 

/ صفحه 330/

 

إن هذه امتكم أمةً واحدةً

وأنا ربكم فاعبدون

 

/ صفحه 331 /

 

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة التحرير

كان من أهم أسباب النزاع التي تفضي بالشعوب والدول إلى الخصومات والحروب، تلك الرغبة الطبيعية التي تمتلئ بها جوانح الإنسان من حب الغلب والقهر والاستئثار بأكبر حظ من متع الحياة ولو على حساب غيره، وقد سجل التاريخ كثيراً من أخبار الحروب التي كانت المطامع تشب نيرانها، وكيف كانت دول تنشأ، وأخرى تموت، وملوك تعز، وأخرى تذل، وكيف كانت الدماء تسيل أنهارا، والارواح تحصد حصداً لان زعيماً مسلطا، أو قائدا مظفراً، يريد أن يفرض سلطانه، أو يبني مجده، أو يجعل له في التاريخ شأنا وذكرا.

وقد ظل هذا الروح الآثم يسيطر على العالم ويتحكم في مصائر الامم إلى عصرنا هذا مع فرق يسير بين الماضي والحاضر، هو أن جبابرة الاولين كانوا صرحاء يصفون الواقع، ولا ينافقون فيه، ويعلنون ما يريدون أن يصلوا إليه من مجد الغلب والنصر والتوسع إعلانا صريحا واضحاً، أما جبابرة العصر الحديث فيتظاهرون بالدفاع عن المبادئ والمثل، والرغبة في رفع مستوى الإنسان، ومنحه الحقوق الطبيعية للبشر، وأمثال ذلك مما يتشدقون به، ويختفون من ورائه، ويجعلونه حبا ينثرونه حول حبائلهم، وطُعماً يغرون به فرائسهم، وكان من جراء ذلك أن اتخذت كل أمة من الامم العظمى، بل كل دولة متحكمة في امة، مبادئ زعم رجالها انهم يؤمنون بها، ويعملون عليها، وجعلوا يبشرون بها الخافقين،

/ صفحه 332/

ويدعون إليها أهل المشرقين وأهل المغربين، ويحشدون لها العقول والعلوم والفنون والمواهب، وسواعد الجند، وخزائن المال، ودهاء الساسة، وتجارب القادة، وقصارى ما يستطيعون دون ذلك أو فوق ذلك من جهود وقوى، ومن ثمت غُزيت الأفكار، قبل أن تغزى الديار، بالنازية أحياناً، والفاشيّة أحياناً، والشيوعية أحيانا، ووقف في الجانب الاخر قوم يتنادون بما يسمونه الديمقراطية أو الاشتراكية. وقُرعت الأسماع بمبادئ ولسن، وحريات روزفلت، وميثاق الاطلنطي، وخلبت الانظار بعصبة الأمم، ومحكمة العدل، ومجلس الامن، وقال الذين استكبروا للذين استضعفوا: بشراكم اليوم فقد أظلكم عصر حرية الشعوب وتقرير المصير، والتخلص من الظلم والعوز والخوف، وآدنت السماءُ الأرضَ بسلام وعدل دائمين تنام في ظلالهما الثاغية إلى جانب الباغية فلا تخاف ظلما ولا هضما.

وبات العالم مشغولا بهذه الافكار التي تثار، فأُلفت الاحزاب، وكوّنت الجماعات، وصنفت الكتب، ونشرت الصحف، وبثت الدعاوات، وصور الامر للناس في كل امة على أن حروب القهر والغلب والتوسع قد دالت دولتها من الأرض، فان تكن اليوم حرب فهي بين الخير والشر، والصلاح والفساد، والحق والباطل، والعدل والبغي، حرب افكار ومبادئ ومُثُل، وما هي الا جولة أو جولتان حتى تضع هذه الحرب أوزارها، ويغشي الأرض السلام.

ومن عجب أن الذين وقّعوا على أسماع العالم هذا النغم فاستنام إليه وسكن، قد استطاعوا أن يخدعوا به الناس مرتين في حربين متعاقبتين كانت نوايا السوء بعدهما تسفر واضحة ليس من دونها حجاب، وأكبر الظن أن العالم سيخدع بذلك مرات آخر، لأن السلام والعدل والأمن هي أقصى آمال البشر، ومن دأب النفوس أن تصدق حديث الامال، وتركن في شأنها إلى الوعود والمواعيد.

إن العالم لم يعرف " الجهاد " بمعناه الصحيح، وباعثه الشريف، الجهاد من

/ صفحه 333/

أجل الفكرة والمبدأ وسيادة الحق والفضيلة والخير والسعادة والاصلاح والمساواة، إلا يوم بزغت شمس الرسالة المحمدية، حين وقف رجل واحد نشأ، يتيما فقيرا أميا في بلاد جردها البؤس، وأنهكتها حروب الترات والنزغات، وأضلتها الاوثان والنصب، ينادي في صوت جهير لا يخافت به من شك ولا من خوف: أيها الناس. إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى " " ليس منا من دعا إلى عصبية أو قاتل عصبية " " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم واموالهم الا بحقها وحسابهم على الله " " إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى ان تلقوا ربكم " " من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائمتنه عليها " " إن لنسائكم عليكم حقا " " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي " " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم ان تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون " " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين " " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فان انتهوا فلا عدوان الا على الظالمين " " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه " " ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوى عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور ".

بهذه المبادئ وأمثالها جهر في العالم رسول الإسلام فتفتحت لها قلوب، وصدت عنها قلوب، ولكن الله أذن للحق أن يعلو، وللخير أن يغلب، فسرى الإسلام وغدا حيث يسري الليل ويغدو النهار، وجرت ريحه رخاء حيث أصاب من مشارق الأرض ومغاربها، واستوى في عدله السيد والمولى، وفاء إلى ظله الضعيف والقوي،واجتمع في أخوّته القاصي والداني، فإذا العربي أخو الفارسي،

/ صفحه 334/

والهندي أخو الصيني، والمغربي أخو المشرقي، بناء متماسك يشد بعضه بعضاً، وجسد واحد إذا اشتكى عضو منه تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمّى.

هذا لعمري هو الرباط الذي يسعد الناس إذا ارتبطوا به، وتلك هي المبادئ التي ينبغي أن يعتنقها العالم، ويبشر بها دعاة الإصلاح والخير فيه.

إن العالم في حاجة إلى دعوة صادقة مخلصة ترسم له سبل الحياة السعيدة، وتضع له أسس الاستقرار والسكينة، وتجمع في تعاليمها بين المادية والروحية، فلا تسمح لاحداهما بأن تطغى على الاخرى، ويشعر في ظلالها كل فرد بأنه لبنة في بناء المجتمع، وتأخذ الفطرة الصافية فيها حظها الطبيعي في كل ناحية من نواحي الحياة، فلا أثرة ولا استئثار، ولا معاندة لما طبع الله عليه العالم من التفاوت في المال والمواهب والاختصاص، ولا تحكم ولا تمرد، ولا عصبية لجنس على جنس، ولا امتياز للون على لون، ولا غمط لحق، ولا انتصار لباطل، ولا ترويج لرذيلة، ولا تنكر لفضيلة، ولن يجد العالم هذه الدعوة الصادقة المنقذة الا في " الإسلام " ولو ظل قرونا من الدهر ينظر إلى " الكلتين "، ويرجع البصر كرتين. فليت شعري الإم يقبع المسلمون في ديارهم وأوطانهم منكمشين يطرقها عليهم الطارقون، فإما فتحوها لهم كارهين، وإما ظلوا من ورائها خائفين يترقبون.

ألا إنهم لأرباب دعوة، وأصحاب فكرة، ودعوتهم هي النور المبين الذي به تمحى ظلمات الجهل والشرك والفساد، والعلاج الحاسم لأدواء هذا العالم التي احتار فيها المتطببون، فليخوضوا بدعوتهم كل مخاض، وليعرضوها على العقول بيضاء نقية كما جاء بها محمد (صلى الله عليه وسلم) وليلقوا بها في وجوه أهل الباطل وما اصطنعوا من دعوات الزيف والضلال، فإن الحق سيزهق الباطل، وإن عصا موسى ستلقف ما يأفكون.

[ رئيس التحرير محمد محمد المدني ]