/ صفحه 347/
الاجتهاد في الشريعة
أثر مقال " الاجتهاد في الشريعة " ـ فضل يذكر ـ بحث في الموضوع للإمام المراغي: شروط المجتهد المطلق متحققة أ لان ـ الاجتهاد الخاص وآراء العلماء فيه ـ التقليد ـ إجماع المحققين وتمسك ابن الصلاح به ـ ليس في الأدلة الشرعية شئ يسمى " إجماع المحققين " ـ عدم العلم بالمخالف لا يسمى إجماعا ـ جواز تقليد غير الأئمة الأربعة متى صح النقل عنهم.
قرأ أهل العلم والفقه ذلك البحث القيم الذي جاد به قلم العلامة الأكبر والشيخ الموقر محمد الحسين آل كاشف الغطاء عن " الاجتهاد في الشريعة، بين السنة والشيعة " فرأوا كيف جلّى فضيلته العلم، وأنصف الحق، وكرم وجه الوفاء، وعرف الفضل لأصحاب الفضل.
ولما كان هذا الموضوع الذي عرض له فضيلة الشيخ ـ حفظه الله ـ من اهم الموضوعات الحية التي تتصل بالفقه الإسلامي اتصالا عمليا كما قال، وكان قد أشار في ثناياه إلى أ ن الحذاق من علماء أهل السنة لا يرون فيه غير ما يرى إخوانهم من الشيعة، فقد أشار علينا بعض حضرات أصحاب الفضيلة كبار العلماء في الأزهر، بأن نسجل على صفحات مجلة (رسالة الإسلام) هذا البحث الجيد لإمام من أئمة أهل السنة في العصر الحديث المغفور له الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي، شيخ الجامع الازهر الاسبق، وهو بحث كتبه بروح العالم
/ صفحه 348/
المتمكن الغيور على الشريعة، الحريص على أن تتبوأ مكانتها اللائقة بها في اصلاح المجتمع، وإسعاد البشر، وعلى أن يكون أهلها بحق مصابيح الظلام، وهداة الأنام.
والأستاذ الأكبر الشيخ المراغي ـ رحمه الله ـ أشهر وأجل ذكرا من أن نقدمه لقرائنا في شتى أنحاء العالم، ولكننا نذكر من آثاره الطيبة أنه أول من تنبه إلى وجوب دراسة " الفقه المقارن " في الأزهر، ولم يزل يدعو إلى ذلك، ويعمل عليه، منذ رياسته للمحكمة الشرعية العليا، على صدود من العلماء، ونفور من كثير ممن بيدهم مقاليد الأزهر حتى يسر الله فأصبح هذا الفقه مادة مقررة في منهاج أعلى فرقة في كلية الشريعة، وكان عميدها يومئذ هو حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مأمون الشناوي شيخ الجامع الأزهر الحالي ـ أطال الله بقاءه ـ وهو الان يدرس دراسة حرة خالية من التعصب المذهبي، وليست المقارنة في مقصورة على آراء أصحاب المذاهب الأربعة أو متبعيهم، وإنما هي اوسع من ذلك دائرة، وأكبر نطاقا.
وهذا البحث الذي نقدمه اليوم لقرائنا هو أثر من آثار الإمام الراحل، كتبه إبان مساجلته لفريق من العلماء بشأن مشروع قانون الزواج والطلاق الذي كان من بين مواده أحكام عن الطلاق المعلق، والطلاق الثلاث، لم يأخذ فيها برأي الأربعة، وإنما أخذ فيها برأي يتفق وما يراه الشيعة الامامية.
والى القراء الكرام نسوق هذا البحث:
المجتهد المطلق:
بعد أن قدم فضيلة الأستاذ الأكبر كلمة عن سبب تعرضه لهذا البحث، قال:
ينبغي الاشارة إلى أن المجتهد قد يكون أهلا لاستنباط الأحكام الشرعية جميعها لتوافر الشروط فيه، ويسمى " المجتهد المطلق " وقد يكون أهلا لاستنباط
/ صفحه 349/
أحكام وقائع خاصة لإحاطته بما يلزم لتلك الوقائع، ويسمى " المجتهد الخاص " أو " المجتهد الجزئي "، والمجتهد والفقيه والمفتي ألفاظ مترادفة مترادفة في إصطلاح علماء الأصول.
ثم نقل فضيلته نصا طويلا عن الإمام الغزالي في كتابه " المستصفى " وعلق عليه بقوله:
هذه هي شروط المجتهد المطلق الذي كلفه الشارع البحث عن الأحكام جميعها من ادلتها التفصيلية، وحرم عليه التقليد وتوسيط أحد من خلق الله بينه وبين الأدلة، وتلخص فيما يأتي:
1 ـ يشترط في المجتهد أن يكون عالما بموضع الاية التي يريد الاستدلال بها وتطبيقها عند الحاجة، ولا يشترط في حفظ الكتاب كله ولاحظ آيات الأحكام.
2 ـ يشترط أن يكون عارفا بموقع كل باب من أبواب الحديث بحيث يستطيع المراجعة وقت الفتوى، ولا يشترط أن يكون حافظاً للأحاديث كلها، ولا أن يكون حافظا لأحاديث الأحكام، ويكفي أن يكون عنده أصل كسنن أبي داود ومعرفة السنن لأحمد البيهقي.
3 ـ يلزم أن يعرف أن الاية التي يستدل بها ليست منسوخة والحديث الذي يستدل به ليس منسوخا.
4 ـ يلزم أن يعرف أن المسألة التي يبحث فيها ليست مجمعا فيها على رأي يخالف رأيه، ولا يلزمه حفظ مواقع الاجماع والخلاف.
5 ـ يلزم أن يكون عارفا باللغة والنحو على الوجه الذي يتيسر به فهم خطاب العرب، وأن يكون عارفا للأدلة وشروطها.
6 ـ الأحاديث التي اشتهر رواتها بالعدالة وقبلتها الأمة لا يلزمه أن يبحث
/ صفحه 350/
عن أسانيدها، أما الأحاديث التي ليست كذلك فيكفيه فيها تعديل الأئمة العدول لرواتها بعد أن يعرف مذاهبهم في الجرح والتعديل، وأنها مذاهب صحيحة.
ومعظم هذه الشروط يشتمل عليه ثلاثة فنون: الحديث، واللغة، وأصول الفقه، ولقد جمع العلماء آيات الأحكام في غير ما كتاب، وجمعوا أحاديث الأحكام في غير ما كتاب، وجمعوا الناسخ والمنسوخ في غير ما كتاب، وجمعوا مواقع الاجماع في غير ما كتاب، وأصبحت الأحكام مدونة في كتب الفقه وفي شروح الحديث وكتب التفسير.
وقد انتهى زمن الرواية للحديث وأصبحت الأمة تعتمد على الكتب المدونة كما تعتمد على آراء أئمة الجرح والتعديل في الرواة، ومع هذا فكتب الرجال موفورة تضم سيرهم وأحوالهم ولا يعسر على طلاب العلم البحث عن رواة أي حديث من الأحاديث.
واللغة العربية وفنونها من نحو وصرف وأدب وبلاغة تدرس في معاهد مصر الدينية وغيرها دراسة دقيقة تكفي لفهم خطاب العرب، كما يدرس أصول الفقه على أدق الوجوه وأكملها، وتدرس الأدلة وشروطها، وغير ذلك مما نص على الغزالي وما لم ينص عليه.
وليس مما يلائم سمعة المعاهد الدينية في مصر أن يقال عنها إن ما يدرس فيها من علوم اللغة والمنطق والكلام والأصول لا يكفي لفهم خطاب العرب ولا لمعرفة الأدلة وشروطها، وإذا صح هذا، فيالضيعة الأعمار والأموال التي تنفق في سبيلها.
ليس الاجتهاد ممكنا عقلا فقط، بل هو ممكن عادة، وطرقه أيسر مما كانت في الأزمنة الماضية أيام كان يرحل المحدث إلى قطر آخر لرواية حديث، وأيام كان يرحل الرواة لرواية بيت من الشعر، أو كلمة من كلم اللغة، وقد توافرت مواد البحث في كل فرع من فروع العلوم: في التفسير، والحديث، والفقه،
/ صفحه 351/
واللغة، والنحو، والمنطق، وجمع الحديث كله، وميز صحيحة من فاسده، وفرغ الناس من تدوين سير الرواة، وأصبحت كتب هذه الفنون تضمها مكتبات للأفراد والحكومات في كل قطر من الأقطار الأسلامية، وهذا لم يكن ميسورا لأحد في العصور الأولى، ومذاهب الفقهاء جميعهم مدونة، وأدلتها معروفة.
والواقع أنه في أكثر المسائل التي عرضت للبحث، وأفتى الفقهاء فيها، لم يبق للمجتهد الا اختيار رأي من آرائهم فيها، أما الحوادث التي تجدّ فهي التي تحتاج إلى آراء محدثة وأن حفظ آيات الأحكام جميعها وفهمها فهما صحيحاً، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وحفظ مواقع الاجماع، لا يحتاج إلى المجهود الذي يبذل لفهم مرامي كتاب من كتب الأزهر المعقدة.
إن الزمن لم يغير خلقة الإنسان، والعقول لم تضمر، والطبيعة باقية في الإنسان كما كانت في العصور الماضية، وها هم أولاء علماء الأمم يحدوهم الأمل إلى بلوغ أقصى ما يتصوره العقل البشري ويصلون إليه بجدهم واجتهادهم، وقد كان أسلافهم في عماية وجهل، وكان أسلافنا في نور العلم وضياء المدنية، لم يقل أحد منهم بقصور العزائم، ولا بتراخي الهمم عن البحث التنقيب، بل كلما مر عليهم الزمن جدوا في البحث التنقيب، وكثرت وسائط البحث والتنقيب.
وإني مع احترامي لرأي القائلين باستحالة الاجتهاد، أخالفهم في رأيهم، وأقول ان في علماء المعاهد الدينية في مصر من توافرت فيهم شروط الاجتهاد ويحرم عليهم التقليد.
الاجتهاد الخاص:
ندع الاجتهاد المطلق وما يقال فيه من غير تبصر، ونتحدث عما يسعى الاجتهاد الخاص، أو الاجتهاد الجزئي وهو الاجتهاد في واقعة خاصة للوصول إلى معرفة حكمها الشرعي بالدليل، والقادر على هذا النوع يحرم عليه التقليد في المسألة التي يقدر على الاجتهاد فيها.
/ صفحه 352/
وقد اختلف العلماء في تجزأ الاجتهاد وعدمه، والأكثرون منهم على تجزئه، ومنهم حجة الإسلام الغزالي والشيخ ابن الهمام، وقد استدلوا لذلك بأن التقليد في حال القدرة على الدليل فيه ترك للعلم واتباع للريب وهذا منهي عنه بقوله عليه الصلاة والسلام: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " وقوله: " استفت قلبك وإن أفتاك المفتون " قال في مسلم الثبوت: ومن له حسن أدب بأحكام الله تعالى لا يتعدى هذا الاصل.
وفي المستصفى للغزالي: اجتماع هذه العلوم الثمانية إنما يشترط في حق المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع الشرع، وليس الاجتهاد عندي منصباً لا يتجزأ بل يجوز أن يقال للعالم انه مجتهد في بعض الأحكام دون بعض، فمن عرف النظر القياسي فله أن يفتي في مسألة قياسية وإن لم يكن ماهراً في علم الحديث، ومن عرف احاديث قتل المسلم بالذمي، وطريق التصرف فيها فلا يضره قصوره عن علم النحو الذي يعرف به قوله تعالى: (وامسحوا بروؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) وقس عليه ما في معناه.
وفي كتاب الإحكام للآمدي بعد أن نص على شروط المجتهد قال: وذلك كله إنما يشترط في المجتهد المطلق المتصدي للحكم والفتوى في جميع المسائل، وأما الاجتهاد في بعض المسائل فيكفي فيه أن يكون عارفا بما يتلعق بتلك المسألة وما لابد منه فيها، ولا يضره في ذلك جهله بما لا تعلق له بها مما يتعلق بباقي المسائل الفقهية.
المكلف إذا حصلت له أهلية الاجتهاد بتمامها في مسألة من المسائل، فإن اجتهد فيها وأداه اجتهاده إلى حكم فيها فقد اتفق الكل على أنه لا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين في خلاف ما أوجبه ظنه، وإن لم يكن قد اجتهد فقد اختلفوا فيه، والمعتمد أن يقال إن القول بجواز التقليد حكم شرعي لابد له من دليل والأصل عدم ذلك الدليل، فمن ادعاه فعليه البيان.
هذه آراء علماء الأصول في الاجتهاد الجزئي، وهي صريحة في حرمة التقليد
/ صفحه 353/
على من يقدر على الاجتهاد في وقائع خاصة، سواء أكان المقلد صحابيا أن تابعيا أم إماما من الأئمة الأربعة أو غيرهم.
وشروط الاجتهاد الجزئي كما يرى سهلة المنال، فليس على مريد الاجتهاد في مسألة من مسائل البيع أو الطلاق إلا أن يعرف آيات البيع أو آيات الطلاق، وأحاديث البيع أو أحاديث الطلاق، ويعرف ما نسخ منها وما بقي، ويعرف مواقع الاجماع ليتجنب المخالفة بعد أن يكون على بصيرة في فهم اللغة، ونصب الادلة وليس عليه أن يحيط بجميع الأدلة وجميع علوم اللغة وفنون المنطق والكلام وآراء الفقهاء. فهل يجوز لمسلم بعد هذا أن يقول ان على المسلمين في جميع بقاع الأرض تقليد واحد من الأئمة الأربعة دون سواهم وإلا كانوا أثمين جاهلين خارقين للإجماع؟!
وسأعرض لهذا الشئ المبتدع الذي سموه إجماع المحققين لأبين منزلته ومكانه بين الأدلة الشرعية، ولأكشف عن بصائر الناس هذا الغطاء الذي حجب عنهم نور الحق.
التقليد:
العامي ومن ليس له أهلية الاجتهاد، وإن كان محصلا لبعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد يجب عليه اتباع قول المجتهد والأخذ بفتواه، واتفقوا على جواز استفتائه لكل من عرف بالعلم وأهلية الاجتهاد والعدالة.
قال الآمدي: وإذا حدثت للعامي حادثة، وأراد الاستفتاء عن حكمها فإن كان في البلد مفتٍ واحد وجب عليه الرجوع إليه والأخذ بقوله، وإن تعدد المفتون، فمن الأصوليين من ذهب إلى أنه يجب عليه البحث عن أعيان المفتين واتباع الأورع والأعلم والأدين، ومنهم من ذهب إلى أنه مخير بينهم يأخذ برأي من شاء منهم سواء تساووا أم تفاضلوا وهو المختار.
وإذا اتبع العامي بعض المجتهدين في حكم حادثة وعمل بقوله فيها فليس له الرجوع عن ذلك القول في هذه المسألة، وهل له اتباع غيرْ في غير ذلك الحكم ؟ اختلفوا
/ صفحه 354/
فيه، فمنهم من منعه، ومنهم من أجازه، وهو الحق نظرا إلى ما وقع عليه إجماع الصحابة من تسيوغ استفتاء العامي لكل عالم في مسألة، ولم ينقل عن أحد من السلف الحجر في ذلك، ولو كان ممتنعا لما جاز من الصحابة إهماله.
وإذا عين العامي مذهباً معيناً كمذهب الشافعي أو أبي حنيفة أو غيره، وقال أنا على مذهبه وملتزم له، فهل له الرجوع الى قول غيره في مسالة من المسائل ؟ اختلفوا فيه فجوزه قوم ومنعه آخرون، والمختار التفصيل، وهو أن كل مسألة من مذهب الأول اتصل بها عمله فليس له تقليد الغير فيها، وما لم يتصل عمله بها فلا مانع من اتباع غير فيها.
وفي التحرير وشرحه: لا يرجع المقلد فيها قلد فيه، أي عمل به، اتفاقا. ذكره الآمدي، قال الزركشي: وليس الأمر كما قال، في كلام غيره ما يقتضي وجود الخلاف بعد الفعل، وكيف يمتنع ذلك عليه إذا اعتقد صحته، وعلى هذا فإذا تعارض قولا مجتهدين يجب التحري فيهما، والعمل بما يقع في قلبه أن الصواب وليس له الرجوع عما عمل به إلا إذا ظهر له خطؤه.
ولو التزم مذهبا معيناً فقيل يلزم وقيل لا، وهو الأصح، لأن التزامه غير ملزم، إذ لا واجب الا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجبالله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأئمة فيقلده في دينه في كل ما يأتي ويذر دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة على عدم القول بذلك، وصرح العلائي بأن المشهور في كتب المذهب جواز الانتقال في آحاد المسائل والعمل فيها بخلاف مذهب إمامه الذي يقلده إذا لم يكن ذلك على وجه التتبع للرخص.
وفي التحرير وشرحه نقل الإمام في البرهان إجماع المحققين على منع تقليد العوام أعيان الصحابة، وأن عليهم أن يقلدوا الائمة الذين جاءوا بعد الصحابة، لأنهم دونوا وهذبوا وفصلوا وبوبوا وأوضحوا طرق النظر، وعلى هذا بنى ابن الصلاح وجوب تقليد الائمة الاربعة لانضباط مذاهبهم وتحرير شروطها، وغير ذلك مما لم يعلم مثله في غيرهم، وحاصل هذا أنه امتنع تقليد غيرهم لتعذر
/ صفحه 355/
نقل حقيقة مذهبهم، وعدم ثبوته حق الثبوت، لا لأنه لا يقلد، ولذلك قال ابن عبد السلام ان تحقق ثبوت مذهب عن واحد منهم جاز تقليده وفاقا وإلا فلا، وإذا صح عن بعض الصحابة حكم لم يجز مخالفته الا بدليل أوضح من دليله، ومعلوم أنه لا يشترط أن يكون للمجتهد مذهب مدون، وأنه لا يلزم أحدا أن يتمذهب بمذهب أحد الائمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع اقول غيره انتهى بتصرف.
وفي مسلم الثبوت وشرحه بعد أن نقل ما في التحرير وشرحه من إجماع المحققين ورأى ابن الصلاح:
قال القرافي: انعقد الاجماع على أن من أسلم فله أن يقلد من شاء من العلماء من غير حجر، وأجمع الصحابة رضي الله عنهم على أن من استفتى أبابكر وعمر أميري المؤمنين فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما، فمن ادعى رفع هذين الاجماعين فعليه البيان، وقد بطل بهذين الاجماعين قول الإمام (يريد بذلك قوله إن المحققين أجمعوا على منع تقليد أعيان الصحابة).
وقوله أجمع المحققون ليس معناه الاجماع الذي هو حجة حتى يقال أن اجماعهم عارض الاجماعين السابقين. وفي كلام الإمام خلل آخر: لأن التبويب والتهذيب والتفصيل، لا دخل له في التقليد، فإن المقلد ان فهم راد الصحابي عمل به وإلا سأل مجتهداً آخر، وبهذا بطل قول ابن الصلاح ايضاً. وفي كلامه خلل آخر: إذ المجتهدون الاخرون أيضا بذلوا جهدهم مثل بذل الائمة الاربعة، وإنكار هذا مكابرة وسوء أدب، والحق أنه إنما منع من تقليد غيرهم لأنه لم تبق رواية مذهبهم محفوظة حتى لو وجدت رواية صحيحة من مجتهد آخر يجوز العمل بها، ألا ترى أن المتأخرين أفتوا بالتحليف للشهود إقامة له مقام التزكية عل مذهب ابن أبي ليلي ؟
أطلنا في بيان النصوص في هذه المسألة لنجلي الحق فيها، ولنبرهن على صحة ما قلناه في مذكرة المشروع من خطأ القول بعدم جواز تقليد غير الأئمة الاربعة،
/ صفحه 356/
ومن أن هذا رأي حادث في الأمة الإسلامية لم يقله أحد قبل ابن الصلاح، وهو رأي خاطئ مبني على خطأ.
كان المسلمون مجمعين على جواز تقليد أي عالم من علماء المسلمين، فجاء الإمام ونقل اجماع المحققين على منع تقليد أعيان الصحابة، لأنه ليس في وسع العامي أن يعرف غرضهم، وأن يفهم مقصودهم، ثم رتب ابن الصلاح على هذا وجوب تقليد الائمة الأربعة دون وسواهم، وبذلك نسخ حكم الاباحة الذي كان مستفاداً من إجماع المسلمين برأي ابن الصلاح المبني على إجماع المحققين.
ابن الصلاح هذا فقيه مقلد فكيف يؤخذ برأي فقيه مقلد ليس واحداً من الائمة الأربعة، وكيف ينسخ الاجماع برأي واحد لا يصح تقليده ولا الأخذ بقوله.
ليس لاجماع المحققين قيمة بين الأدلة الشرعية، فهي محصورة: كتاب الله وسنة رسوله، وإجماع المجتهدين، والقياس على المنصوص، ولم يعدُّ أحد من الادلة الشرعية إجماع المحققين، فكيف برز هذا الاجماع، وأخذ مكانته بين الأدلة، وأصبح يقوى على نسخ إجماع المسلمين ؟
لم نعرف أحداً من العلماء، تكلم عن إجماع المحققين، وشروطه، وطريقة نقله، وهل هو ممكن أو مستحيلن وهل يمكن نقله، وهل يكفر مخالفه، وغير ذلك من القواعد التي وضعها العلماء لاجماع المجتهدين، فكيف مع هذا نأخذ من إجماع المحققين أحكاما شرعية تحصر الدين الإسلامي جميعة في أشخاص أربعة بعد أن كان الفقهاء لا يمكن عدهم في جميع العصور الماضية ؟
الاجماع الذي هو حجة معروف في كتب الأصول أنه اتفاق جميع مجتهدي عصر من العصور على حكم شرعي ظني، وليس يعنينا الان أن نبين إمكانه واستحالته، وإمكان نقله وعدم إمكانه، فهذا لا يدخل في بحثنا الان، ولكن نذكر شيئا واحداً وهو أن محققي العلماء يرون استحالة الاجماع ونقله بعد القرون الثلاثة الأولى نظرا لتفرق العلماء في مشارق الأرض ومغاربها، واستحالة الاحاطة بهم وبآرائهم عادة، وهذا رأي واضح كل الوضوح لا يصح لعاقل أن ينازع فيه.
/ صفحه 357/
واذا كان هذا واضحاً بالنسبة لاجماع المجتهدين ـ وهم أقل عدداً بلا ريب من المحققين ـ فكيف عرف إجماع المحققين على منع تقليد أعيان الصحابة ؟ وكيف أمكن نقل هذا الاجماع ؟
ولندل على رأي الائمة في الاجماع، نثبت هنا ما قاله الامامان الجليلان الشافعي وأحمد رضي الله عنهما: قال الشافعي في الرسالة: ما لا يعلم فيه خلاف فليس بإجماع. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت ابي يقول ما يدعي فيه الرجل الاجماع فهو كذب، من ادعى الاجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ما يدريه ولم ينته إليه ؟ فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا.
هذا ونصوص رسول الله
(صلى الله عليه وسلم) أجل عند العلماء من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ ذلك لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم خلافا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف، على النصوص.ولكن ضعفاء الأحلام، ومن لم ينضج عليهم صاروا يدعون الاجماع عند عدم العلم بالمخالف قبل البحث عنه، ولم يكف الناس ما هم فيه من شر ادعاء الاجماع كذبا حتى زادوا لهم شيئا سموه إجماع المحققين.
والخلاصة أنه يجوز تقليد غير الأئمة الاربعة متى صح النقل عنهم، وفهم مرادهم، وسنثبت في فصل آخر إمكان صحة النقل عن غير الأئمة الأربعة، ومما ينبغي الاشارة إلى فساده ما قاله صاحب الاشباه، وهو: " الخامس مما لا ينفذ القضاء به ما إذا قضى بشئ مخالف للإجماع وهو ظاهر، وما خالف الأئمة الأربعة مخالف للإجماع، وإن كان فيه خلاف لغيره، فقد صرح في التحرير أن الاجماع انعقد على عدم العمل بمذهب مخالف للأربعة لانضباط مذاهبهم، وانتشارها، وكثرة أتباعهم، فان هذا مبنى على اعتبار حصول الاجماع، وهو غير صحيح.
لأن الذي حصل هو قول ابن الصلاح بالمنع بناء على إجماع المحققين، وقد عرف ما في هذا كله من الفساد.