/ صفحه 369/
كلمات في العلم والدين
لحضرة صاحب العزة الكاتب الكبير
الأستاذ محمد فريد وجدي بك
مدير مجلة الأزهر
ظهر العدد الثالث من هذه المجلة المباركة، فقرأت عقب مقالي فيه كلمات وجهها إلى فضيلة الأستاذ المحترم الشيخ محمد فؤاد السيد المدرس بالأزهر، يلاحظ فيها على ما ذكرته من خطر العلم على كثير من العقول، وقد جاء في آخر كلمة فضيلته قوله: " فهل يتفضل أستاذنا الجليل ببيان ما هو العلم المقصود، وما خطره على العقول الشرقية ؟ وعلى الإسلام دين العلم والعقل ؟ وكيف يمكن أن تتألب لدفع هذا الخطر " جميع العقول البشرية " ومن بينها العقول القوامة على إزجاء هذا الخطر".
ونحن نجعل مقالنا في هذا العدد خاصاً بشرح ما أجملناه في العدد الأول فنقول:
اتفق أهل العلم في القرون الاخيرة بعد كفاح اسلافهم لرجال الدين زهاء عشرة قرون متوالية في سبيل حرية النظر، على إطلاق كلمة (العلم) على المحصول العقلي والعملي لجميع مجالات البحث من أول ما اشتغل به الفلاسفة الأولون، وجميع من جاء بعدهم من أهل التفكير الحر، وصبروا على ما عوملوا به من العسف، وما سيموا به الاضطهاد، حتى استُشهد منهم في القيام بحقه أكثر من ثلاثمائة ألف في ثلاثة قرون متوالية، إحراقاً بالنار، وإغراقاً في اليم، وذبحاً بالمدى، وما لا يمر بخيال أحد من صنوف التعذيب التي تقشعر منها الأبدان،
/ صفحه 370/
وكان الذين يتولون هذه الحركة العدائية للعلم رجال الدين، فلما نشأت البروتستانتية في النصف الأول من القرن السادس عشر، واشتغل رجال الدين بالخلافات المذهبية، وأظهر قادة هذا المذهب الأخير تسامحاً مشكوراً حيال العلم والمشتغلين به، تحرر العلم من رقابة خصومه، فنهض رجاله، وقد امتلأوا حقداً على الدين وأهله، يشهرون بهم وبالعقائد معهم، ويبالغون في نقدهم، ونقد مذاهبهم، وكلما أمعن هؤلاء في تناحرهم، وأغرقوا في جهودهم ضد أنفسهم، عمل أهل العلم على جميع صفوفهم، وتقوية جهات ضعفهم، وعلى قدر ما كان يثمره العلم من الاكتشافات ومن اختراع الالات، وتدارك الحاجات، وكان يزداد تاثير فلسفته في العقول، ويتضاعف الشعور باحترامه في النفوس، حتى نفوس من ليس له أدنى نصيب منه من العامة ومن هم قريبون منهم من المتعلمين. فأصبح للعلم بعد هذا التطور العظيم منزلة في القلوب تفوق منزلته في العهود الماضية، ولما توالت مكتشفاته البخارية والكهربائية والمغناطيسية في القرن الماضي وما سبقه، اكتسب العلم سلطانا على النفوس لم يكن لغير الدين، وتناسى الناس العقائد، بل اغفل ذكرها أكثرهم.
كان شعور أهل العلم في هذا الدور، وقد استغرق نحواً من قرنين، شعور من أسقطوا الدين، وقضوا على دولته أبد الأبيد ! وقد صرحوا بذلك في مؤلفاتهم.
اكتسب (العلم) بالاجماع الذي انعقد حوله مكانا ممتازاً، فلو كان هذا الاجماع على العلم المطلق البالغ اقصى مداه بحيث يستحيل نقض أي حرف منه، لكان تقديسه من أوجب الواجبات على كل عاقل، ولكن العلم الانساني كان لا يزال بحاجة إلى التمحيص، وكان كثيرا مما يعتبرونه بداهات علمية لا يزال يعوزه التحقيق، وكانت المذاهب التي عللوا بها قيام الوجود بنفسه لا تزال ظنية، وكان كثير منهم يعرف هذا ولا يجاهر به حتى لا يحط من مكانة العلم الذي أصبحت له بفضل هذا التقديس المحيط به، شخصية أدبية تخر العقول امامها ساجدة، وقد بالغ بعضهم في هذا الغلو حتى وصفوه بالعصمة المطلقة، واعتبروا أنفسهم
/ صفحه 371/
أهله الاقربين الذين من حقهم أن يحتكروا شرف التكلم باسمه، فقرروا أن كل قول ينافي أصلا من أصوله المقررة، أو اكتشافا سبق له أن حكم باستحالته، أو رأيا جديداً يوهن بعض ما أيده، كل هذا لا يجوز أن يتلفت اليه، فضلا عن دراسته والعناية به مهما كانت الغاية التي يرمي اليها، أما محاولة اثبات بعض العقائد الدينية، أو لفت النظر إلى ما يؤيدها من حوادث، أو الأخذ في تمحيص ظواهر جديدة تمت إلى عالم الروح بسبب، فقد كان هذا في رأي الكهنوت العلمي من الاسفاف الذي يجب أن يترفع عنه المنتسبون إلى العلم بعد ان بلغ الغاية القصوى من حصر العوامل الوجودية والعلل الاولية.
في هذا الدور ـ وقد بلغ أوجه في القرن التاسع عشر ـ أنتشر الالحاد بين العلماء وذاع بين الطلاب والمتصلين بهم ذيوعا ينذر بانتهاء عصر الدين، كما كان يذيعه مروجوا هذا العهد في كتبهم ومجلاتهم، وشعر رجال الأديان بالخطر فقبعوا في معابدهم يقرأون الطعن فيهم، والتشهير بهم، ولا يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم.
هذا هو الذي عنيته في مقالي بقولي (خطر العلم على العقول الشرقية) وبقولي (أن تتألب لدفع هذا الخطر جميع العقول البشرية)، ومرادي بهذه العقول هنا التي أفاقت من غشية هذا الخطر، لا العقول التي لا تزال غرقة في حمأته أو خابطة في دُجُنته. وسيتبين القارئ مما يلي استقامة معنى هذا التعبير.
لم يكد يهل القرن العشرون، ويهتدي بعض العلماء إلى تفتيت الذرة في سنة 1907 (1) ويثبت أنها قوة وكهرباء، وكان قد سبق ذلك اكتشافات أخرى في المادة ونواميسها، حتى هب رجال العلم من سباتهم، وأعادوا النظر فيما لديهم من صروح نظرياتهم، واليك ما قاله في هذا الموضوع العلامة (جوستاف لوبون) في كتابه (تحول المادة):
*(هوامش)*
(1) الذي اكتشف أخيراً وتردد ذكره كثيراً هو صنع قنبلة متى ألقيت انفجرت فيها الذرة.
/ صفحه 372/
" كان العالم يختال بالعلم الذي هو ثمرة جهود بذلت في عدة قرون. وكانت الوحدة والبساطة سائدة بفضله في كل مجال من مجالاته … ".
" دامت هذه العقيدة في المقررات الكبرى للعلم العصري حافظة لقوتها إلى أن حدثت في الأيام الأخيرة مكتشفات غير منتظرة قضت على الكفر العلمي أن يكابد من الشكوك ما كان يعتقد أنه قد تخلص منه أبد الدهر. فإن الصرح العلمي الذي كان لا يرى صدوعه الا عدد قليل من العقول العالية، تزعزع فجأة بشدة عظيمة وصارت التناقضات والمحالات التي فيه ظاهرة للعيان، بعد أن كانت من الخفاء بحيث تكاد لا تبلغها الظنون … ".
" تلك المكتشفات التي توهت بها آنفا قد كشفت اللثام عن الظنيات التي بدأت تفضحها الكتب الحديثة، وبذلك دخل العلم نفسه في دور من الفوضى كان العلماء يظنون انه سلم منه أبد الآبدين … ".
" وقد كتب المسيولوسيان بوانكارية (العلامة الرياضي الكبير) من جهته يقول: إنه لا توجد لدينا نظريات كبرى الان يمكن قبولها قبولا تاماً، ويجمع علها المجربون إجماعاً عاماً، بل يسود اليوم على عالم العلوم الطبيعية نوع من الفوضى، واتسع المجال للإجتراءات الممكنة، ولم يظهر أن ناموساً من النواميس ضروري ضرورة مطلقة، فنحن نشهد في هذه الاونة أعمالا هي أشبه بالهدم منها بإقامة بناء نهائي. فالآراء التي كانت تظهر لمن سبقنا كأنها تأسست تاسساً ثابتاً، صارت اليوم لدينا موضوعاً للمناقشة ".
ثم ختم العلامة (جوستاف لوبون) هذا الفصل بقوله:
" من حسن الحظ لا شئ أحسن ملائمة للترقي العلمي من هذه الفوضى. فالوجود مفعم بمجهولات لا نراها، والحجاب الذي يحجبها عنا منسوخ غالباً من الآراء الضالة أو الناقصة التي توجبها علينا تقاليد العلم الرسمي. فلا يمكن عمل خطوة للإمام إلا بعد تفكك عرى الآراء السابقة، والأشد خطرا على تقدم العقل الانساني هو تقديم الظنيات للقراء لابسة حلل الحقائق المقررة، على نحو ما تفعله.
/ صفحه 373/
كتب التعليم، والتطاول لوضع تخوم للعلم، ورسم حدود لما يمكن معرفته، كما كان يود ذلك اجوست كونت " انتهى.
وقال العلامة الرياضي الكبير (هنري بوانكاريه) العضو بالمجمع العلمي الفرنسي في مقدمة كتابه (العلم والافتراض) بعد ما وصف استسلام العلماء لكل ما اطلقوا عليه اسم العلم.
" لما تروّى العلماء قليلا لاحظوا مكان الفروض من هذه العلوم، ورأوا أن الرياضي نفسه لا يستطيع الاستغناء عنها، وأن التجربة لا تستغني عنها كذلك، حنيذاك سأل بعضهم بعضا هل كانت هذه المباني العلمية على شئ من المتانة ؟ وتحققوا أن نفخة واحدة تكفي لجعل عاليها سافلها ".
هذا وإني استطيع ان آتي على عدد كبير من هذه الاعترافات، وكلها تدل على إفاقة العقلية من غشيتها، وعلى أنها استردت اتزانها، ولست في حاجة لأن أقول بعد هذا: إنه بزوال هذا السد الفولاذي الذي كان قائما امام العقول، انفتح أمامها مجال النظر الصحيح، والاستدلال القويم، وخلصت من كابوس الانخداع الذي كانت تحت تأثيره عشرات السنين. ولكن هل بلغ هذا التطور العظيم انصاف العلماء ومريديهم من كل قبيل في مشارق الأرض ومغاربها ؟ لا، فلا يزال السواد الأعظم في غفلة من هذا، ولا يزالون ينشرون الالحاد حيث يوجدون، ولم يفت هذا الأمر أئمة العلم الأعلين. قال العلامة (جوستاف لوبون) في كتابه المتقدم ذكره:
" لا مشاحة في أن الأصول التي كان العلم يختال بها اختيالا لم تزل كل الزوال، فستبقي امدا طويلا ـ في نظر الدهماء ـ كحقائق مقررة، وستستمر الكتب الابتدائية على نشرها، ولكنها قد فقدت كل ما كان لها من القيمة في نظر العلماء الحقيقيين ".
وبعد فهذا هو خطر العلم الذي أشرت إليه في مقالي السابق هنا، على كثير من العقول، وليس بخافٍ اليوم أحد عليه هذه العقول من الاصرار على
/ صفحه 374/
مجافاة الدين، والحكم عليه بالزوال، تمسكا منهم بالنظريات العلمية القديمة التي سقطت وأثبتنا لك رأي العلماء في سقوطها وسقوط منزلتها.
لذلك أهبنا بالعقول التي استنارت بالعلم الحق أن تتألب على دفع هذا الخطر عن الدين، فإنه رأس المقومات الأدبية للنوع الانساني، تلك المقومات التي إن سقطت سقط معها صرح الاجتماع كله، ولا يغني عنها العلم المادي كما لم يغن عن الامم البائدة. وها هي ذي الأمم التي أمّلست من شكيمة الدين تتفانى بوسائلها العلمية، ولا يغني عنها علمها الزاخر شيئاً.
الـدين والعـلم
الدين والعلم في نظر الماديين العصريين نقيضان لا يجتمعان، وضدان لا يتفقان، ذلك بأنهم قصروا الكون على المحسوسات، وأنكروا ما وراءها جملة وتفصيلاً، فلا روح ولا خلود ولا ملائكة، ولا غير هذا من العوالم الغيبية، وتصوروا الدين على الشكل الذي يرون عليه المتدينين، ولكنهم لو أنصفوا كما أنصف في هذا العصر أكابرهم، ووقفوا على ما فتح الله به على العالم العصري من الحجج العيانية في إثبات عالم ما وراء المادة، ثم نظروا للدين في أصله وينبوعه وعلاقته بالروح الإنسانية نظر الحكيم المتبصر، لعلموا أنهم كانوا في أحكامهم الأولى غلاة مفرطين ولأصبحوا من اعز أبناء الدين كما اصبح اليوم كذلك أكبر علماء الماديين، ولسنا نيأس من رجوعهم، فقد رجع أشد منهم بطشا، ومضى مثل الاولين.
[ محمد فريد وجدي بك ]