/ صفحه 403 /

افـضل الديـن الكـاشانـي

فليسوف مغمور

لحضرة الدكتور محمود محمد الخضيري

أستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين

من أوهام المؤرخين في القرن الماضي ـ أفضل الدين وصلته بالنصير الطوسي ـ درجته في الشعر ـ مؤلفاته بالفارسية والعربية ـ تحليل المطالب الإلهية ـ رأيه في قياس الخلف ـ تأثير " العرفان " على فلسفته وتصوفه.

في النصف الأول من القرن الماضي لم يكن علماء أوربا يعرفون من أسماء الفلاسفة الاسلامييين إلا قليلا ممن نقلت آثارهم إلى اللغة اللاتينية في العصور الوسطى وكان عدد هؤلاء الفلاسفة لا يزيد على العشرة، أو لهم الكندي، وآخرهم في الزمن ابن رشد الأندلسي، وذهب بعض هؤلاء العلماء إلى أن تاريخ الفسلفة في الإسلام انتهت آخر صفحة من صفحاته بوفاة ابن رشد، على أن علماء أوربا عدلوا بعد ذلك عن هذا الرأي الفاسد، وهداهم بحثهم واجتهادهم إلى أن الفلسفة ظهرت في الإسلام قبل زمن الكندي، وأن تاريخها أعمق وأغنى مما كانوا يتصورون، وأن المسلمين ظلوا يشتغلون بالفسلفة في مختلف البلاد، يفكرون في مسائلها الكبرى، ويدرسونها، ويؤلفون فيها الكتب، سالكين شتى المناهج، ومتجهين بالفكر الفسلفي مختلف الاتجاهات والمذاهب، وكانت بعض البلاد أكثر أحيانا في هذا المجال رجالا من البعض الآخر، فينتقل بعضهم من بلد إلى بلد حيث تلقى تعاليمه بيئة مختلفة فيكون لها مع القبول والاجتهاد نتائج مغايرة،

/ صفحه 404/

وكثيراً ما كان طالب الفلسفة يهاجر قاصدا الأخذ عن فليسوف ذاع صيته يقيم في بعض المدائن أو القرى يستقبل الراغبين في الأخذ عنه لا يردّ عن منهله أحدا منهم.

وفي الحقيقة ان الحضارة الإسلامية أنتجت من الفلاسفة عدداً كبيرا لم يحط به الإحصاء بعد، ومن عُرف من هؤلاء، فان مؤلفاته لم يوقف عليها جميعاً، بل لم تحصر أسماؤها جميعاً، ولذلك ينبغي ألا يأخذنا العجب إذا فاجأنا يوماً أحد الباحثين الموفقين باستكشافه لآثار فكرية قيمة تركها فيلسوف إسلامي مغمور لا يعرف أكثر المشتغلين بتاريخ العلوم الإسلامية عنه شيئا قبل إعلان هذا الكشف.

وإني مخصص هذا المقال لفليسوف إسلامي إيراني فذ. جمع إلى درايته بالفلسفة وإحاطته بالكثير من فنونها، النبوغ والتفوق في الشعر. ومع ذلك فهو مجهول في مصر لا أعرف فيها أحدا عني بدرس أفكاره، أو تتبع سيرته. هذا الفيلسوف الشاعر هو أفضل الدين محمد الكاشي أو الكاشاني، وقد يذكر بلقبه فقط، وهو بابا أفضل الدين، وينسب إلى كاشان كما ينسب ايضاً إلى مَرَق من قرى كاشان، حيث دفن هناك، ويلقب الإمام وبالصدر، وهو من أعلام المائتين السادسة والسابعة.

ولست بمتعرض لدرس شعره، فهذا ليس غرضي، ولا هو من اختصاصي، ولكني أكتفى للتدليل على علو درجته، بإيراد شهادة لمستشرق كبير هو الاستاذ هرمن إتيه Hermann Ethe إذ قرنه بالشيخ أبي سعيد بن أبي الخير، وعمر الخيام وجعله معهما أكبر ثلاثة ألفوا الرباعيات في الشعر الفارسي (1) وتوجد مجموعة من رباعياته الفارسية محفوظة في خزانة المخطوطات الفارسية، بالمتحف البريطاني.(2)

*(هوامش)*

(1) راجع HERMANN Ethe Catalogue of the persian Manuscripts أي فهرست المخطوطات الفارسية في خزانة. in the Library of the India Office ديوان الهند لواضعه هرمن إتيه نهر 994.

(2) راجع Ch. Rieu. Catalogua of the Persian Manuscripts in the أي فهرست المخطوطات الفارسية في خزانة المتحف البريطاني من تأليف British muesum شارل ريوج 2 ص 739 رقم 4

 

/ صفحه 405/

أما مكانه في الفلسفة الاسلامية، فهذا هو الغرض الذي نرمي إليه، وليس هذا من الامور الهينة، كما أنه ليس من الهين معرفة ما يشفي الغليل عن سيرته وحياته، وأقدم ما عثرت عليه من أخباره هو ما وجدته في مخطوط صغير الحجم كبير القائدة، عنوانه: " مختصر في ذكر الحكماء اليونانيين والمليين" وليس في المخطوط ذكر لاسم مؤلفه، على أني أعتقد أنه لا يمكن أن يكون متأخرا عن المائة الثامنة، وهذا المخطوط ضمن مجموعة في خزانة الاسكوريال بأسبانيا رقمها 635 من الخزانة العربية، ذكر أفضل الدين فيه مرتين، الأولى باسم: أفضل الدين محمد بن المرقى القاشي، ووصفه صاحب المختصر بالزهد والتصوف ومداومة الرياضة، ثم قال إنه مات في حدود سنة 610 هجرية، وفي المرة الثانية في ظهر الورقة نفسها ذكره عند ترجمة فخر المحققين نصير الدين الطوسي إذ قال عن الأخير: " نشأ بمشهد طوس واشتغل بها بالتحصيل على خاله ".

أما ان أفضل الدين هو خال نصير الدين الطوسي، فهذا ما تشهد به أيضاً بعض الكتب المتأخرة مثل كتاب: " رياض الشعراء " لمؤلفه علي قُلي الداغستاني الملقب بالواله، فرغ من تاليفه سنة 1161 هجرية، حيث ورد أن نصير الدين ابن أخت لأفضل الدين الكاشاني (1)، وكذلك قال العالم الجليل المعاصر محمد محسن المعروف بالشيخ آغا بزرك الرازي أو الطهراني، عند كلامه عن كتاب منسوب إلى أفضل الدين ـ: " إنه معروف بـ " بابا أفضل المَرَقى " لانه دفن بمرق من قرى كاشان، وإنه كان معاصرا لخواجه نصير الدين، بل قيل إنه خال المحقق الطوسي ". (2)

ولأفضل الدين عدا الرباعيات مؤلفات كثيرة العدد، وكان يكتب بالعربية

*(هوامش)*

(1) راجع فهرست المخطوطات الفارسية في المتحف البريطاني تأليف ريو ج 2 ص 829 وج 1 ص 371.

(2) راجع الذريعة إلى تصانيف الشيعة تأليف محمد محسن نزيل سامراء ج2 رقم 1479 مكرر ص 364، 365.

 

/ صفحه 406/

والفارسية، كما أنه ترجم كتبا في الفلسفة إلى اللغة الفارسية، ونذكر من أسماء كتبه ما وقفنا عليه مع إشارة موجزة إلى موضوع كل منها:

1 ـ جاودان نامه: أي كتاب البقاء، وموضوعه معرفة النفس والمبدأ والمعاد، وهو مرتب على أربعة أبواب في أحوال السلوك وحقائق أمور الصوفية (1).

2 ـ مدارج الكمال إلى معارج الوصال، كتبه أولا بالعربية، ثم نقله إلى الفارسية، وهو وصية جامعة لخير الدارين، رتبه على ثمانية أبواب. (2)

3 ـ أنجام نامه: مختصر. ويقال له: " آغاز وأنجام " أي في المبدأ والمعاد.(3)

4 ـ عرض نامه: في التفرقة بين الجواهر والأعراض.(4)

5 ـ سازو بيرايه شاهان: في حقوق الملوك وواجباتهم (5)

6 ـ جهار عنوان: أي العناوين الأربعة (6)، وهو مستمد من كتاب: " كيمياي سعادت " لأبي حامد الغزالي، اختصر فيه كتابه إحياء علوم الدين.

7 ـ انتخاب كيمياي سعادت (7): لا يبعد أن يكون هو نفس الكتاب السابق.

8 ـ رسالة ينبوع الحياة. أو ترجمة سيزده فصل إدريس (8): وهو ترجمة فارسية لكتاب عربي منسوب إلى هرمس المثلث بالحكمة، وعنوانه بالعربية:

*(هوامش)*

(1) حاجي خليفة، كشف الظنون، طبع ليبز ج 2 ص 581، 582 رقم 3995 وراجع أيضا فهرست ريو للمخطوطات الفارسية بالمتحف البريطاني ص 831.

(2) حاجي خليفة، الكتاب السابق ذكره، ج 5 ص 469 رقم 11662، وفهرست ريو المذكور من قبل ص 830 ب.

(3) حاجي خليفة، كشف الظنون ج 3 ص 515 رقم 6704، ومحمد محسن كتاب الذريعة ج 2 ص 364، 365.

(4) فهرست Ethe إتيه لخزانة ديوان الهند رقم 1812 (2) نهر 994.

(5) المرجع السابق رقم 1921 (4).

(6) فهرست ريو لمخطوطات المتحف البريطاني الفارسية ج2 ص 829 ب.

(7) فهرست إتيه لمخطوطات ديوان الهند الفارسية رقم 1719.

(8) المرجع السابق الذكر رقم 1922 (16) ورقم 1921 (14).

 

/ صفحه 407 /

كتاب زجر النفس (1)، وهو في الأصل في أربعة عشر فصلا، ولكنه في ترجمة أفضل الدين واقع في ثلاثة عشر فصلا.

9 ـ مجموعة نكات أرسطو در علم حكمت: ترجمة مقالة أرسطا طاليس (2)، وهو ترجمة لما جرى بين أرسطو قبيل موته وبين تلاميذه من أحاديث، وموضوع الكتاب: بيان فضل الحكمة، وعندي أن هذا الكتاب هو ترجمة لما يعرف في العربية بكتاب التفاحة، وقد نشر الأستاذ مرغليوث نص الترجمة الفارسية منذ أكثر من خمسين عاما (3)، وبحث عن شخصية مترجمي هذا الكتاب إلى اللاتينية والعبرية، ولكنه لم يعن بالبحث عن شخصية صاحب الأثر الفارسي الذي نشره. ومنذ ثلاثين سنة وبدون علم بما قدمه مرغليوث نشر أديب شرقي النص العربي لهذا الكتاب.(4)

والإسلاميون يضيفون كتاب التفاحة إلى أرسطو، وقد ينسبون إليه ما ورد فيه من آراء، كما فعل إخوان الصفاء في رسالتهم الرابعة والأربعين.(5)

والحقيقة أن هذا الكتاب ليس من تاليف أرسطو، وإنما هو من وضع فلاسفة " العرفان " Gnose المتأثرين بالمذهب الأفلاطوني الحديث. ويُذكر هرمس في كتاب التفاحة موصوفا بأنه أول من علم الحكمة التي استفادها بالوحي من السماء، ثم نشرها في الأرض بين مختلف الأجناس والملل.

*(هوامش)*

(1) نشر عدة مرات آخرها بتصحيح الخوري فيليمون الكاتب، بيروت سنة 1903

(2) فهرست إتيه لمخطوطات ديوان الهند الفارسية رقم 1812 (1) وأيضا رقم 1921 (1) نهر 1065 ـ 1066.

(3) راجع D.S.Margoliouth , The Book of the Apple , ascribed to في صحيفة الجمعية الاسيوية الملكية البريطانية سنة 1892 ص 187 ـ 252. Aristotle.

(4) الشيخ أمين ظاهر خير الله، في مجلة المقتطف أعداد ديسمبر سنة 1919 ويناير وفبراير ومارس سنة 1920.

(5) رسائل إخوان الصفاء، طبعة القاهرة سنة 1928 ج4 ص 100.

/ صفحه 408 /

10 ـ كتاب نفس ـ وهو ترجمة فارسية لكتاب أرسطو في النفس، في ثلاث مقالات (1). وترجمة أفضل الدين لابد أن تكون عن العربية. وقد عثر أخيراً على مخطوط في استانبول للترجمة العربية الكاملة، ونرجو أن تنشر عن قريب.(2)

11 ـ مطالب إلهية سبعة (3) وهي رسالة صغيرة الحجم باللغة العربية، نشرت في مصر مشوهة، كثيرة التحريف، أصاب التحريف فيها لقب المؤلف، فحاء " الموقى " بدل " المرقى " وسماها الناسخ، باسم " آيات الإبداع في الصنعة " ثم غير الناشر في هذا العنوان وزاد فيه فجعله " آيات الصنعة في الكشف عن مطالب إلهية سبعة ".

ونحن نعتمد الآن على هذه الرسالة الصغيرة الحجم للتعرف بمذهب أفضل الدين وأدعو من وقف على شئ آخر من آثاره أن يتفضل بالكتابة عنه، فإن هذا الرجل يستحق المزيد من الدرس والعناية.

يتضح في هذه الرسالة، تأثير المذهب الأفلاطوني المحدث على نحو ما تمثله بعض المتصوفين من الإسلاميين، لا سيما في المائتين السادسة والسابعة، وبالرغم من صغر حجمها فإن فيها من الفوائد اللطيفة ما يكفي مادة لبحث جليل.

وأهم ما في الرسالة، الإشارة إلى تنزيه " الهوية " عن الصفات تنزيها مطلقاً، وظاهر أنه يستعمل لفظ الهوية استعمال القدماء إياه، والشائع عند أكثر الفلاسفة

*(هوامش)*

(1) توجد منه نسخة بين مخطوطات ديوان الهند الفارسية راجع فهرست إتيه Ethe نهر 1066 رقم 1921 (4).

(2) يوجد بين مخطوطات الاسكوريال العربية تلخيص جيد لكتاب أرسطو في النفس وهو الثالث من المجموع رقم 649 وليس هو ترجمة للكتاب كما قال ديرنبورغ Derenbourg في فهرسته لمخطوطات هذه الخزانة العربية.

(3) نشرت ضمن مجموع الرسائل المسمى " جامع البدائع " لناشره محيي الدين صبري الكردي، القاهرة سن 1335 هـ 1919 م ص 201 ـ 204

 

/ صفحه 409/

الإسلاميين، هو لفظ الموجود، وإنما عدل البعض عن استعمال هذا اللفظ الأخير كما قال أبو نصر الفارابي، لأنه بشكل المشتق، والمشتق يدل على عرض بينما يقسم الفلاسفة هذا المعنى إلى الجوهر والعرض، والى ما بالفعل، وما بالقوة (1). ويستعمل البعض الأخر لفظ " الإنية " وهو تعريب للكلمة اليونانية الدالة على " الموجود ".

ويتبين من سياق عبارته في هذه الرسالة، أنه يقدس الهوية، ولذلك نرجح أنه يعني بها ما يعني " العارفون " من الاسلاميين باسم " المرتبة الاحدية " التي هي أعلى مراتب الوجود الكلية، وهي حقيقة الوجود بشرط أن لا يكون معها شئ (2) والهوية عند أفضل الدين الكاشاني سامية جداً، ولا يمكن أن نتصور بينها وبين العالم أي نوع من الاتصال، إلا إذا أخذناها موصوفة بالصفات. ومع أن الصفات تكون ذاتية إلا أن اعتبار الهوية موصوفة بها، فيه تقليل من تنزهها وإذا أخذت الهوية موصوفة بالعلم، تكون مبدعة للعقل، وإذا اخذت من حيث تقتضي أوصافا، كانت فاعلة، أو خالقة لها.

ثم ان مما يستحق أن يشار إليه، هو أن أفضل الدين، يرى في هذه الرسالة أن العقل، وهو الذي تبدعه الهوية العالمة بذاتها، ليس إلا فعل التعقل، وليس جوهراً ولا عرضاً، وإذن فهو ليس ممن يذهبون إلى اعتبار العقل شخصاً يسميه بعضهم ملكا، ويسميه الآخر ربا.

أما النفس فهي عنده جامعة بين الوحدة والكثرة، وهي البرزخ بين الوجوب والإمكان، والفعل والانفعال، وهذا رأي أصحاب القول بالصدور على اختلاف مذاهبهم.

*(هوامش)*

(1) راجع كتاب ابن رشد " تهافت التهافت " تحرير بويج، طبع بيروت ص 371 ـ 372.

(2) انظر تعريفات السيد الشريف الجرجاني عند مادة " المرتبة الأحدية " وكذلك بحث الاستاذ هرتن M. Horten الذي عنوانهDer Allah_ Begriff im Islam في مجلة Archiv f. Philos u. Soziol برلين سنة 1922 " المجلد المهدي إلى اشتين " ص 122 وما بعدها.

 

/ صفحه 410 /

ثم إنه يعرف الجسم بالتعريف الذي يختاره الاشراقيون، ولا يقبله المشاءون أي إن الجسم عنده هو القابل لفرض الأبعاد الثلاثة، المتقاطعة على زوايا قائمة فيه بالفعل (1).

هذا تفسير مختصر لما في هذه الرسالة الصغيرة من المعاني الخطيرة، وإني واثق أن الكشف عن غيرها من مؤلفات أفضل الدين كفيل بتوضيح مذهبه في الفلسفة والتصوف على نحو لا يختلف عن الاتجاه الذي سلكته في تقدير هذا الفيلسوف.

وأضيف إلى ما سبق أني وقفت على رأي له في قياس الخُلف أورده صدر الدين الشيرازي حيث قال: " ذهب الشيخ افضل الدين المرقى القاشاني قدس سره إلى أن الخلف قياس استثنائي من متصلة مقدمها نقيض المطلوب، ويحتاج في بيان تاليها إلى حملية مسلمة " ثم قال صدر الدين: " وهذا الطريق هو الذي ذكره الشارح " (2)، يعني محمود بن مسعود المشهور بقطب الدين الشيرازي وظاهر أنه لا يذهب هذا المذهب في مثل هذه المسألة الدقيقة إلا عالم له مشاركة عظيمة في علم المنطق.

ونستطيع بعد ما قدمناه في التعرف بأفضل الدين الكاشاني أن نتصور تصورا واضحاً شخصية أستاذ لنصير الدين الطوسي له تأثير كبير في توجيهه الروحي والعقلي، وليس يقتصر ما بين المعلم وتلميذه على ما بينهما من صلات الرحم فحسب، بل إهما يشتركان في العناية بعلوم الأوائل، والميل إلى التصوف الممزوج بمذهب " العرفان " وقد ذكر أكثر من واحد أن نصير الدين مدح أفضل الدين برباعيات أو لعله رثاه بها، ولم نقف عليها لسوء الحظ، ولكننا نحسب أنه أشار فيها إلى ما بينهما من صلة، وقال فيها أيضا ما معناه:

نسب أقرب في شرع الهوى ***** بيننا من نسب أبوي

*(هوامش)*

(1) راجع السهروردي المقتول ـ كتاب حكمة الاشراق، طبع طهران ص 206 وما بعدها.

(2) حاشية صدر الدين الشيرازي على حكمة الاشراق للسهروردي المقتول، طبع طهران، هامش ص 117.

 

/ صفحه 411/

نشأة الرواية وتطورها

في تاريخ الادب العربي

لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ محمد فؤاد السيد

المدرس بالأزهر

أسلفنا في مقالنا السابق الكلام على " نشأة الرواية وتطورها في تاريخ الادب العربي " وقد بدا لنا أن نستمر في متابعة ما يتصل بهذا البحث، ونعرض بعد لحياة الأعلام من علماء هذه الرواية وشيوخها كالأصمعي، وأبي عمرو بن العلاء، والخليل، وابي زيد، وأبي عبيدة، في ترجمات مستفيضة، وبحوث تحليلية، في حياتهم وأدبهم وعلمهم، مع عرض مصنفاتهم، وفاء لبعض ما يجب علينا من حق هؤلاء الأعلام الذين أخذت عنهم فنون الأدب العربي، وفي عهدهم دونت.

الأصعمي:

ولما كان الأصعمي هو فارس هذه الحلبة، وأتقن تلك الطبعة، وأبعدهم صيتاً واوفرهم حظاً وشهرة، فإنننا نبدأ بسلسلة الحديث عنه في حلقات متتابعة والله المستعان.

نسـبـه:

هو أبو سعيد عبد الملك بن قُرَيب بن عبد الملك بن علي بن أصمع بن مظهَّر بن رياح بن عمرو بن عبد شمس بن أعيا بن سعد بن عبد بن غَنْم بن قتيبة بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان (1) بن مضر بن زار بن معد بن عدنان ـ المعروف بالأصمعي الباهلي البصري.

*(هوامش)*

(1) إلى عيلان انتهت رواية الخطيب البغدادي التي أسندها إلى أبي حاتم السجستاني تلميذ الأصمعي، والزيادة ذكرها ابن خلكان والسيوطي.

 

/ صفحه 412/

فهو قيسي من أبناء عدنان، وقد اشتهر بالأصمعي نسبة إلى جده أصمع.

قال ابن خلكان " وإنما قيل له الباهلي وليس في نسبه اسم باهلة، لأن باهلة اسم امرأة مالك بن أعصر، وقيل أن باهلة بن أعصر " ا هـ وقيل " بنو معن هم بنو باهلة، وباهلة امرأة من همدان تزوجت معناً فنسب ولده إليها، وقيل: " معن أبو باهلة، وباهلة امرأة من همدان ".

ولعل الصحيح هو القول الأول الذي ذكره ابن خلكان، وهو الثابت في العقد الفريد حيث يقول ابن عبد ربه: (باهلة) ثم بنو مالك بن أعصر نسبوا إلى أمهم باهلة، وهم معن وحارثة وسعد مناة، أمهم باهلة وبها يعرفون. وهذا لا ينافي أنها كانت من همدان.

وقد كانت العرب تستنكف من الانتساب إلى قبيلة باهلة، وتعدّه سبّة، لاشتهارهم بالحمق والجهل وخمول الشأن. قال بشار بن برد في مهاجاته الشاعر البصري أبا هاشم الباهلي من قصيدة له:

وهجـاني معـشر كـلهم ***** حُمُق ! دام لهم ذاك الحمق

ليس من جرم ! ولكن غاظهم ***** شرفي العارض قد سد الأفق

فلما سمع الأصمعي ذلك اغتاط وقال: " ويلي على هذا العبد القن ابن القن " ! وقد كان بشار شديد الافتخار بفارسيته عظيم التعصب لها، وكان الأصمعي متعصباً للعرب. ويظهر أن نسبة بني باهلة إلى امهم دون أبيهم كانت لكرم أصلها بخلافه هو وكان ذلك أصل الطعن عليهم، فضلا عما عرف عنهم بعد من الحماقة.

يدلنا على هذا ما ذكره أبو العباس المبرّد حيث يقول: (وإذا كانت الأم كريمة والأب خسيسا قيل له (يعني لولدهما) المُذرَّع قال الفرزدق:

إذا باهليٌ تحته حنظليّة ***** له ولد منها فذاك المذرع

وقال الأخر:

إن المذرع لا تغني خؤولته ***** كالبغل يعجز عن شرط المحاضير

/ صفحه 413/

(جمع محضير وهو الفرس السريع) وإنما سمي مذرعا للرقمتين في ذارع البغل وإنما صارتا فيه من ناحية الحمار " اهـ.

هذا وقد اشتهر بنو باهلة بذلك حتى كانوا مضرب المثل في المذمة عند العرب تنطق بهذا أشعارهم ونوادرهم، ومما يروى من الشعر ما يقوله فهيم الممزق الحضرمي:

إذا ولدت حليلة باهلي ***** غلاما زيد في عدد اللئام

وعرض الباهلي وإن توقي ***** عليه مثل منديل الطعام

ولو كان الخليفة باهليا ***** لقصّر عن مساماة الكرام

ومن طريف النوادر في هذا أن قتيية بن مسلم بن عمرو الباهلي ـ وكان من عظماء الدولة المروانية، ومن أكبر أمرائها، ولم يكن يعاب إلا بأنه باهلي ـ مازح أعرابياً من الحفاة فقال: " أيسرك أن تكون مثلي باهليا أميرا ؟ فقال: لا والله! قال: فتكون باهلياً خليفة ؟ فقال: لا والله ولو أن لي ما طلعت عليه الشمس ! قال: فيسرك ان تكون باهلياً وتكون في الجنة ؟ فأطرق ثم قال: بشرط ألا يعلم أهل الجنة أني باهلي! فضحك قتيبة من قوله:

ولقد هُجي الأصمعي بأنه باهلي من اليزيدي الشاعر في قوله:

وما أنت ؟ هل أنت إلا امرؤ ***** إذا صح أصلك، من باهله !

وللباهلـي على خبـزة ***** كتاب " لآكله الآكله "

وكذلك هجاه إسحق في شعر سيأتي ذكره ان شاء الله.

ولكن هذا لا يقدح في الأصمعي، كما لا يقدح فيمن سودتهم أعمالهم ونفوسهم من الباهليين، أمثال أبي أمامة صاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وسلمان بن ربيعة أحد الولاة في خلافة أبي بكر، زيد بن الحباب، وقتيبة بن مسلم الذي قدمنا ذكره وغيرهم كثير.

/ صفحه 414/

وصفه:

وفي ظننا أن الأصمعي في شكله كان أقرب إلى أهل البادية منه إلى أهل الحضر، يرجح ذلك ما نعلمه عنه من أنه يكثر الخروج إليها، ويطيل الاقامة فيها، وربما استغرقت بعض رحلاته سنوات يحج في أثنائها، ويلتقي بالفصحاء في المواسم حتى اشتهراً بذلك اشتهار زاد فيه على لداته ومعاصريه من أهل صناعته، مما يجعلنا ـ من غير حرج ـ نقسم حياته إلى شطرين، إن لم يكن أوفاهما حظا، وأكثرهما أثرا في حياته هو ذلك الشطر الصحراوي، فهو بلا شك ذو أثر عظيم في جسمه وعقله وخلقه، ولا شك أن طبيعة الصحراء تسبغ على ابنها والعائش فيها والمكثر من التردد عليها لونا خاصا، ومزاجا خاصاً، وطبيعة في جملتها تشاكل طبيعة الصحراء في بساطتها، ولما كنا الآن بصدد وصفه الظاهر، فنحن نكتفي الآن هنا بذكر ما يؤدي إلى تقريب ذلك القدر مرجئين غيره إلى موضع آخر فنقول:

نشأ الأصمعي بالبصرة التي يعد موقعها الإقليمي من أعدل المواقع، فكان له بالطبع نصيب أبنائها من خواص طبائعهم وسماتهم، وشبّ على ذلك حتى ولّد الميل العلمي في نفسه حب هذه الرحلات، ورغب إليه الأسفار، فنهض بحاجات نفسه، وصار يشد رحاله في جد ونشاط، يركب متون الصحاري، ويضرب في بطون الأودية، متكبداً وعثاء السفر فيها، متقلبا في حرارها وكثبانها، وسهولها وحزونها، منسلكا بين هضابها وشعابها، يعايش وحشها وأهلها، ويصادف جنها وإنسها، ينزل في منتجعاتهم ويجاورهم في أخبيتهم وخيامهم، ويشاركهم في إقلالهم وفقرهم، ويسمع حداءهم وغناءهم وشعرهم ورجزهم، ويشاهد مراعيهم، وإبلهم وشاءهم، يأكل مما يأكلون، ويشرب مما يشربون، وينشق أريج خزاماهم وشيحهم كما ينشقون.

وما زال على حاله تلك يعاودها وتعاوده حتى كان لها معه في النهاية ما كان من آثار مختلفة، فراح مشبها لأبناء الصحراء في سمرة ألوانهم وضوى أجسامهم وعادِهم وسماتهم، وإن شاب ذلك شئ من آثار الحضر.

/ صفحه 415/

ومع هذا لم يكن الأصمعي وسيما، ولعله كان أقرب إلى الدمامة إن لم يكن دميما فلقد روى البغدادي في كتابه " تاريخ بغداد " عن الأصمعي قال: " دخلت على جعفر بن يحيى بن خالد يوما فقال لي: يا أصمعي هل لك من زوجة ؟ قلت: لا، قال: فجارية ؟ قلت: جارية للمهنة، قال: فهل لك أن أهب لك جارية لطيفة ؟ قال: إني لمحتاج إلى ذلك، فأمر بإخراج جارية إلى مجلسه، فخرجت جارية في غاية الحسن والجمال والهيئة والظرف والمقال، فقال لها: قد وهبتك لهذا، وقال: يا أصمعي خذها، فشكرته، وبكت الجارية وقالت: يا سيدي تدفعني إلى هذا الشيخ مع ما أرى من سماجته، وقبح منظره، وجزعت جزعا شديداً ! فقال: يا أصمعي هل لك أن أعوضك منها ألف دينار ؟ قلت: ما أكره ذلك، فأمر لي بألف دينار ودخلت الجارية، فقال لي: يا أصمعي إني أنكرت من هذه الجارية أمراً، فأردت عقوبتها بك ثم رحمتها منك، قلت: أيها الأمير فهلا أعلمتني قبل ذلك ؟ فإني لم آتك حتى سرّحت لحيتي، وأصلحت عمتي، ولو عرفت الخبر لصرت على هيئة خلقتي فو الله لو رأتني كذلك لما عاودت شيئا تنكره منها أبدا ما بقيت ".

ويؤكد هذا أيضاً ما رواه أبو الفرج والشريشي لمناسبة سنذكرها إن شاء الله في مكانها من هجو اسحاق الموصلي له بأبيات يقول في أولها:

أليس من العجائب أن قردا ***** أصيمع باهليا يستطيل ؟!

ويهجوه في بيتين آخرين يخاطب فيهما الفضل بن الربيع:

عليك ابا عبيدة فاصطنعه ***** فإن العلم عند أبي عبيدة

وقدمه، وآثـره عليه ***** ودع عنك القُريد ابن القريدة

فتشبيه اسحق له بالقرد مرة وبالقُريد أخرى، وأنه أصيمع ربما يزيد على دمامته ووصفه بالضآلة والقصر أيضا، وبذلك لا نستطيع أن نقول كان الأصمعي مفرط الطول، كما لا نستطيع أن نقول إنه كان بائن القصر وإن احتملته مبالغة اسحق، ولا كان مثلا في الدمامة والقبح، لأن شيئا من ذلك لم يرو عنه، ولو صح لعلمناه كما علمنا من جحوظة عيني الجاحظ ودمامته، وقبح عمي بشار وضخامته.

/ صفحه 416/

وقد اشتهر ـ إلى جانب ما ذكرنا ـ بالتقشف والبخل مما يجعلنا نميل في وصف لباسه إلى ما تقتضيه تلك الطبيعة من غل اليد عما ينبغي لمثله ممن يجالسون الخلفاء والأمراء والوزراء وأصحاب النفوذ في شئون الدولة.

فإذا قلنا ـ بما نعلمه من بعض قصصه عن نفسه، وبما نرجحه من المتعارف عن علماء ذلك العصر ـ: إن الأصمعي كان في الغالب يلبس القميص والجبة، جنحت بنا القرائن إلى أنهما كانا غالبا من نوع خاص تستلزمه طبيعته الخاصة، فما في ظننا أنه كان يعني بلبس الموشيات والمقطعات والمشهرات كما كان يفعل غالب الشعراء والعلماء في ذلك العصر، كما يروي الجاحظ، إلا إذا استثينا ما كان يهبه إياه الخليفة والأمراء والعظماء أحيانا، ولعل ملابسه في جملتها كانت تلتئم مع مثل نعله المذكورة في قصة الخطيب البغدادي قال: " قال الجاحظ كان الأصمعي مانيا (1) فقال له العباس بن رستم: " لا والله ولكن نذكر حين جلست إليه تسأله، فجعل يأخذ نعله بيده وهي مخصوفة بحديد، ويقول: نعم قناع القدري نعم قناع القدري، فعلمت أنه يعنيك فقمت ". فها هو ذا يرى أن نعله المخصوفة بحديد، بحال تغنيه في رده على الجاحظ هذا الرد المقذع الذي أخزاه وأقامه من مجلسه، وذكر السيوطي: أنه لم تبيض لحيته إلا لما بلغ الستين من عمره.

والخلاصة: أن الأصمعي كان أسمر اللون، دميماً، أدنى إلى الضالة والقصر ان لم يكن ضئيلا قصيراً، ولكنه كان ظريفا، خفيف الروح، يحب الملحة والنادرة ويرويهما لمحدثه فيعجبه ويضحكه، وكان يلبس القميص والجبة، مخشوشنا في لباسه ومظهره، ولم تبيض لحيته إلا لما بلغ الستين من عمره.

(يتبع)

*(هوامش)*

(1) نسبة إلى (ماني الثنوي) الذي تنسب إليه (المانوية) كان مجوسيا يقول إن صانع العالم اثنان: فاعل الخير نور، وفاعل الشر ظلمة، ويقول: هما قديمان لم يزالا ولن يزالا سميعين بصيرين، وان النور لا يقدر على الشر ولا يجوز منه، والظلمة لا تقدر على الخير ولا يجوز منها، ورد عليهم في ذلك بأنه لو هرب مخلوق فاستتر بالظلمة فهذا خير وقع في شر، ومن هنا أخذ المتنبى معنى بيته:

وكم لظلام الليل عندي من يد ***** تخبر أن المانوية تكذب