/ صفحه 417/
الإسلام دين الوحدة
لحضرة صاحب السماحة الاستاذ العلامة الشيخ مسلم الحسيني الحلي
" قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى اليّ إنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون ". آية كريمة، في كتاب كريم، أرسلها مرسِل كريم، على مرسَل كريم، وما هي إلا رمز وإشعار، وإعلام وإعلان، بالفكرة الأولية التي هي حجر الأساس لبناء هذا المبدأ، وقاعدة البناء للاشادة بتركيز ذلك الركن القويم، وهي بعينها وبعين ما هي حجر الأساس، أو قاعدة البناء، أو نقول كما هي فكرة وإيحاء، هي في الحال نفسه خطة وتخطيط لمنهج العمل وموازين الاتجاه.
منذ أن بذرت بذرة الإسلام، وأظهر رسول الإسلام صوت الدعاية والدعاء يتردد بين الأنحاء والأرجاء، وردده الكون كله من أقصاه إلى أقصاه، بذرت بذرة الإسلام، وما بذرت إلا على الوحدة والتوحيد، وظهرت دعوته ودعايته، وليس بين شفتيه إلا كلمة التوحيد، لا إله إلا الله، يحمل على يديه كتاب الله، وكل ما فيه الدعوة إلى الوحدة والتوحيد (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى الي انما الهكم اله واحد فهل أنتم مسلمون) شاء لنبيه محمد
(صلى الله عليه وسلم) أن يكون خاتم الانبياء، كما شاء الله لنبوته أن تكون خاتمة النبوات، فيكون دينه مسك الختام للأديان، وشريعته بقية السلف لتلك الشرائع المقدسة السالفة، وما سر هذا وذاك إلا أن دين محمد (صلى الله عليه وسلم) يتفق مع كل عصر، ويتلاءم مع كل حياة، فهو باق ببقاء العصور، خالد ما خلدت الحياة، ذلك أنه دين بلغ في كل فضيلة حدها البعيد، وضربَ أكبر رقم قياسي في المدنية والمعارف والأخلاق/ صفحه 418 /
والنظم والقوانين، فكان المثل الأعلى لكل أولئك، والمثل السائر لكل مكرمة وكرامة بين الناس أجمعين.
جاء محمد
(صلى الله عليه وسلم) بدين هو دين الوحدة في العقيدة والاتجاه، دين الوحدة في الفكر والعمل، دين الوحدة في العقيدة، لأنه ما جاء إلا بدعوة الاعتقاد بأن خالق الكون ومدبره، والمهيمن على الكائنات، والمسيطر على الموجودات إله واحد، هو الفاعل الكامل، والغني المطلق، والمتصرف القدير، يرقب النيات، ويحكم الضمائر، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ليس مع أمره أمر ولا دون حكمه حكم لأي كائن كان من كائنات هذه الحياة، لا ضدّ له ولا ندّ، ولا كفو ولا شبيه، سبحانه وتعالى عما يشركون، وأنت تعلم ـ وكل من له لمحة من ثقافة يعلم ـ ما لهذه العقيدة من بليغ الأثر في النفس، ومجتمع الحياة وحياة الاجتماع، فما عقيدة التوحيد ـ ولا يعرف الكثير منها إلا أنها عقيدة فحسب ـ إلا رأس كل ملكة فاضلة، وروح كل فضيلة نفسية سامية، وأساس كل عمل فاضل من فضائل الملكات.إن عقيدة التوحيد أساس الصدق ـ سواء أكان في القول أم في العمل ـ أساس كل فضيلة، ذلك أن الإنسان ـ وقد عرف أن من بيده أمر هذه الكائنات في كل أحوالها واحد ـ لا يرى حينذاك أي كائن غير الله سبحانه، شيئاً يستحق المجاراة والمداراة ـ إلا من حيث أمر الله ـ فتزهق حينذاك نفس الكذب والخداع وتزهق روح الدجل والرياء، وما للبشر والرياء للبشر، ولا نفع ولا ضرر للبشر بيد أو لسان، فهناك ـ وقد غلب الصدق وتغلب ـ يعود القول صادقاً، والفعل صادقاً، لا من أجل حب سمعة أو طلب ظهور، ويكون الناس حينذاك مثال الأثر الصحيح بكل وضوح (صانع وجهاً واحداً يكفك الوجوه).
إن عقيدة التوحيد تبعث في الإنسان قوة البطولة والبسالة، وتنفخ فيه روح الجرأة والشجاعة، ذلك أن الموحد يؤمن كل الإيمان بأن الآخذ بزمام الآجال، والمسيطر على الأعمار، هو ذاك الواحد الحي الذي لا يموت، فالموحد
/ صفحه 419 /
ـ وقد خامرته هذه العقيدة ـ لا يخشى بأس أي بشر ولا ضرره، مهما بلغ من شدة البأس ومضاء العزيمة، هذه هي الشجاعة، وبالشجاعة يحفظ كثير من نواميس الاجتماع، بالشجاعة تحفظ الأموال والنفوس، وتحمى الاعراض والحرمات، وتصان النواميس والديانات.
إن عقيدة التوحيد تطبع معتنقيها على حب الحرية والاستقلال، فإن الموحد ـ وقد علم علماً لا يقبل الجدل، أن كل تسيير أو تدبير، هو لتلك الذات، ومن تلك الذات، وبتلك الذات، الذات الأحدية الواحدة ـ يتيقن حينذاك يقينا لا يقبل الشك، إنه هو السلطان المطلق، والحاكم الوحيد، وليس من سمى نفسه باسم السلطان الحاكم، فما هو إلا مقهور بسلطان ذي السلطان والحاكم الحقيقي العظيم، وهو ـ وإن عد في زمرة المعدمين والفقراء ـ يرى انه شريكهم في التمتع بالحرية الكاملة، ونيل نصيبه من الحقوق الطبيعية في هذه الحياة، فهو وهم، في هذه الحقوق سواء بسواء، وإن تيقظ الإحساس وتعززت المشاعر للمطالبة بكل ذلك، نشأت حينذاك العدالة الصادقة والمساواة بمعناها الصحيح، ومات روح الاثرة، وذهب الاستغلال ضحية بسيف العدل الصميم، وبهذا تخمد نار الحروب، وتقطع ألسنة التنازع والخصومات، ويعيش البشر هادئين مطمئنين في مختلف الاحوال والشئون، فكأن الأرض غير الأرض، والناس غير الناس، ولكن ـ ونحن كما نحن الآن ـ هل يحلم بتحقيق ذلك إنسان ؟
أجل: الإسلام دين الوحدة والتوحيد، سار الإسلام سيره وسيرته هذه في الفكرة والعقيدة، وسار مع هذه الفكرة والعقيدة جنباً لجنب في ناحيتي التطبيق والعمل، فأراد الإسلام وما أراد، إلا الوحدة في كل شئ: الوحدة في التضامن والتعاون، الوحدة في الواجبات والحقوق، فالمسلمون جميعاً في نظر الإسلام سواء " لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى "، نص نبوي لا يقبل الجدل والتأويل، وهو قبة من نور كتاب الله الكريم، إذ صرح بكل قوة " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " هذا كله بعد أمرهما الأكيد بتسوية
/ صفحه 420/
الصفوف وتوحيد الكلمة، فهذا كتاب الله الكريم " إنما المؤمنون إخوة " وتلك السنة النبوية تقول " المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً " وبعد ذلك، انذارهما الشديد وتحذيرهما من اختلاف الكلمة، وكلمة الاختلاف. فهذا الكتاب الكريم يقول " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم " وتلك السنة النبوية تقول " لا لفينكم بعدي مرتدين على أعقابكم يضرب بعضكم رقاب بعض " وما للأمة الإسلامية والخلاف والاختلاف، ودينها واحد ونبيها واحد، وكتابها واحد، وقبلتها واحدة، وهي واحدة متحدة في جميع الطقوس والنواميس، وما هذه الفرق والفروق إلا بقايا عهود الجاهلية البائدة، فقد كان ـ ولا يزال اليوم ـ للعنصريات والقبليات، والقوميات، أثرها البليغ على تلك النفوس، وهنا لك قصتان هما قليل من كثير، وهما أوضح مثال لمبلغ ما بلغت إليه تلك العنعنات: روي أن أحد العرب من بني ربيعة لما ادعى مسيلمة الكذاب النبوة آمن به ولم يؤمن بالنبي محمد
(صلى الله عليه وسلم) فقيل له في ذلك، فقال إنني أعلم أن نبي ربيعة كاذب، ونبي مصر صادق، ولكن كاذب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر. وروي أيضا، أنه رؤي رجل في البيت الحرام يدعو لابيه، فقيل له: هلا دعوت لأمك ؟ فقال لا. إنها تميمية ! فمن هذا وذاك، تعرف كيف كان لهذه العنعنات الفارغة أثرها البليغ، وقد حاربها النبي (صلى الله عليه وسلم) بكل قواه فذهبت ذهاب أمس الدابر وأصبحت في حديث كان، وقد جهر (صلى الله عليه وسلم) بقوله " من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا " فكان لزاما علينا الإيمان بهذه التعاليم ان كنا مؤمنين بالمعنى الصحيح.