/ صفحه 426/

بـين القـديم والحـديث

للدكتور محمد محمود غالي

دكتوراه الدولة في العلوم الطبيعية من السوربون

وكيل مصلحة النقل

عرضنا مقال حضرة الاستاذ البحاثة الشيخ عبد الحليم آل كاشف الغطاء " الدين والفلسفة والعلم " على حضرة العالم الفاضل الدكتور محمد محمود غالي، باعتباره من أصدقاء " رسالة الإسلام " الاخصائيين في البحوث الطبيعية، وصاحب الجولات الموفقة على صفحاتها في موضوع الذرة، فكتب لنا هذه الكلمة واعدا أن يرجع إلى هذا البحث في فرصة أخرى إن شاء الله.

[ المحرر ]

لقد طالعت المقال القيم للأستاذ عبد الحليم كاشف الغطاء من النجف، وإني لا أعلق عليه اليوم، وقد تتاح لي الفرصة إلى العود إلى هذا المقال، والى امثال هذه البحوث في فرصة أخرى.

إنما الذي يلفت نظري هي هذه المحاولة من فريق من الذين درسوا الآداب في عدم إهمالهم الناحية العلمية والاطلاع عليها عند ما يكتبون مقالاتهم وبحوثهم الفلسفية.

والذي يطالع مقال اليوم يشعر كيف يحاول كاتب المقال، أن يشرح للقارئ ـ بالرجوع إلى النسبية عند " أينشتاين " والكم عند بلانك ـ كيف تطورت نظرة

/ صفحه 427/

العلماء المحدثين للمادة والطاقة والحيز والزمان، وكيف تطورت بهذا أسس الفلسفة المادية.

لعل السيد عبد الحليم كاشف الغطاء هو الذي عرفته في دار المعلمين العالية ببغداد طالباً للآداب من طلبة الليسانس عندما كنت أستاذا للفيزياء في قسم العلوم بهذه الدار في سني 1941 إلى 1943، وهو ابن العالم الكبير فضيلة الأستاذ الشيخ حسين محمد كاشف الغطاء، الذي تشرفت بمقابلته في النجف، ولا شك أن كاتب المقال قد ترك في نفسي لا من اليوم بل من سنين خلت أحسن الأثر، فهو من الباحثين المجدين.

ولعله وأمثاله يوالون قراء العربية بمثل هذه البحوث القيمة.

لقد أرجعني مقالك إلى نحو من الشعور الذي يبلغه الإنسان في الليل عن النظر إلى النجوم المنتشرة في الفراغ، وأرجعني إلى شئ من التأمل في هذا الكون وأنت تتحدث عن النظرية القديمة للمادة أن لها وجوداً مستمراً في الزمان والمكان، وعما تسميه النظرية الحديثة بتمثيل هذا الوجود المستمر بخط مستمر في الزمان والمكان، خط ينحرف بحالة مستمرة مكوناً انحناء تمثل كل نقطة منه حادثة وجود المادة في لحظة معينة.

لقد رجعت وأنا أطالع سطورك إلى الكون العظيم الذي نعيش فيه، هذا الكون الذي تزداد معارفنا عنه من أيام كوبرنيك ونيوتن وجاليليه إلى أيامنا هذه التي يصح أن نسميها أيام بلانك وأينشتاين ودي بروي، وهم من العلماء النظريين المحدثين بل نسميها أيام مدام كوري وبكارل.

وأتوهان من العلماء المحدثين المشتغلين بالعلم التجربي، وجلست في ليلة مظلمة لا قمر فيها، أتأمل أن هذا النجم الذي أراه من مجموعة الدب الأكبر، ماثلاً أمام عيني، كما يمثل أمام أعين جميع الناس، قد خرجت فوتوناته هذه التي تقع على رتينة العين، وتحدث هذا الاثر، الذي نسميه الإبصار قبل وجود الجنس البشرى، ترى هل هو موجود الآن ؟ أم أننا نرى أحداثه السابقة ؟ ومع ذلك فأننا نعده

/ صفحه 428/

من النجوم القريبة لنا بالنسبة للكون، فالضوء يقطع المسافة بينه وبيننا في 68 مليون سنة ضوئية، مع العلم أن نصف المسير في هذا الكون، يبلغ عشرة آلاف مليون سنة ضوئية، باعتبار أن السنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة كاملة بسرعته التي تبلغ 300 ألف كيلومترا في الثانية الواحدة.

ليس لي إذن تعليق اليوم على المقال، بأكثر من أنه يرد النفس إلى شئ من التأمل الذي فيه لذة للنفس، والى شئ من التفكير العميق الذي لا يخلو من هذه اللذة.

ثم إني بعد الذي ذكرت، أرجو أن يسمح لي الأستاذ عبد الحليم كاشف الغطاء بذكر بعض الملاحظات العابرة التي لا تغير من جوهر المقال في شئ، مثل أن يكتب " نيترونات " بدل " نوترونات " لقرب هذه الكتابة من نطقها في اللغتين الانجليزية والفرنسية معا، كما أرجو أن يعتبر أن الشمس تشع أكثر بكثير من 250 مليون طن في الدقيقة من مادتها، كذلك أفضل كتابة اسم العالم الانجليزي " إدنجتون " بالجيم لا بالكاف، وهي طريقة كتابتنا في مصر، لاتفاق هذه الكتابة مع النطق الأصلي ـ كذلك ليسمح لي الأستاذ أن تكون العناصر 96 عنصراً آخرها الكيريوم من اسم مدام كوري مكتشفة الراديوم لا 92 عنصراً آخرها اليورانيوم، ولقد ذكرت ذلك في كتابي " ماذا تخبئه نواة الذرة للأنسان ".

هذه ملاحظات عابرة، لم أقصد منها غير الرجوع إلى الحقائق العلمية الثابتة، اللهم إلا إذا كان للأستاذ اعتراضات على ما ذكرت، أود أن أعلمها منه على صفحات رسالة الإسلام.