/ صفحه 368/

بيان للمُسْلِمينْ

لحضرة صاحب الفضيلة العلامة الكبير

الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء

اطلع القراء على ما نشرناه من قبل لبعض العلماء من استعظام مهمة التقريب، و توهم استحالتها،

و قد جاد فكر الإمام العلامة شيخ الشريعة، و كبير مجتهدى الشيعة بهذا البيان الناصع، الذى يفيض إخلاصا و إيمانا، كما يفيض ألمعية و علما، و نحن إذ ننشره دفاعا عن فكرة الحق، و جمعا للمسلمين على كلمة الإيمان، نسأل الله تعالى أن يطيل حياة الشيخ، و يبارك فيها للاسلام و المسلمين.

قال دامت بركاته:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمن الرَّحيمْ

و صلنى العدد الأول من السنة الثانية من مجلة رسالة الإسلام الزاهرة التى تصدرها جماعة دار التقريب بين المذاهب الإسلامية فى القاهرة، و نظرت حسا سمح لى الوقت و الفراغ فى أكثر ما نشره الأعلام فيه من المقالات، فما وقع بصرى منه إلا على النافع الشهى مما لذ و طاب، من أقلام أو لئك الكتاب، بيد أنى شعرت من بعض ما نشر فى آخر هذا العدد، و بعض الأعداد السابقة، أن جماعة من ذوى الفضل لم يصلوا إلى ما يهدف له أعضاء هذه الجماعة الأماثل، و حيث ضلوا عن قصد السبيل، و جدوا أن حصول غرض الجمعية من المستحيل نعم إنه

 

/ صفحه 269/

 لمن المستحيل إن لم يكن عقلا فعادة، إذا كان الغرض هو إزالة الخلاف بين المذاهب الإسلامية، و جعلها مذهبا واحدا سنيا فقط أو شيعيا أو وهابيا، كيف و اختلاف الرأى و الخلاف فى الجملة طبيعة ارتكازية فى البشر، و لعل إليه الاشارة بقوله تعالي: «ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك و لذلك خلقهم» أى للرحمة ذو للختلاف على اخلاف.

ولكن ينبغى أن يكون من المقطوع به أن ليس المراد من التقريب بين المذاهب الاسلامية إزالة أصل الخلاف بينها، بل اقصى المراد و جلّ الغرض هو إزالة أن يكون هذا الخلاف سببا للعداء و البغضاء، الغرض تبديل التباعد و التضارب، بالإخاء و التقارب، فان المسلمين جميعا مهما اختلفوا فى أشياء من الأصول و الفروع فانهم قد اتفقوا على مضمون الأحاديث المقطوع عندهم بصحتها من أن من شهد الشهادتين واتخذ الاسلام دينا له، فقد حرم دمه و ماله و عرضه، و المسلم أخو المسلم، و أن من صلى إلى قبلتنا، و أكل من ذبيحتنا، و لم يتدين بغير ديننا فهو منا، له مالنا و عليه ما علينا.

إن «جمعية التقريب» لعلها تقول: المسلمون بعد اتفاقهم كلمة واحدة على أن القرآن العزيز وحى من الله جل شأنه و أن العمل به واجب، و منكر كونه وحيا كافر، و القرآن صريح فى لزوم الاتفاق و الإخاء و النهى عن التفرق و العداء. و قد جعل المسلمين إخوة فقال عز شأنه: إنما المؤمنون إخوة». «و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا». «إن الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعاً لست منهم فى شيء» إلى كثير من أمثالها، فبعد اتفاقهم على وجوب الأخذ بنصوص الكتاب الكريم فأى عذر لهم فى هذا التباعد و التباغض و العداء و البغضاء، و كفى بالقرآن جامعا لهم مهما بلغ الخلاف بينهم فى غيره، فان رابطة القرآن تجمعهم فى كثير من الأصول و الفروع، تجمعهم فى أشد الروابط من التوحيد و النبوة و القبلة و أمثالها من الأركان و الدعائم و اختلاف الرأى فيما يستنبط أو يفهم من القرآن فى بعض النواحي، اختلاف الجتهادى لا يوجب التباغض و التعادي.

نعم أعظم فرق جوهري، بل لعله الفارق الوحيد بين الطائفتين: السنة، و الشيعة، هو قضية الإمامة حيث وقع الفرقتان منها على طرفى الخط، فالشيعة ترى أن الامامة أصل من أصول الدين، و هى رديفة التوحيد و النبوة، و أنها منوطة بالنص من الله و رسوله، و ليس للأمة فيها من الرأى و الاختيار شيء، كما لا اختيار لهم فى النبوة بخلاف إخواننا من أهل السنة، فهم متفقون على عدم كونها من أصول الدين، و مختلفون بين قائل بوجوب نصب الامام على الرعية بالاجماع و نحوه، و بين قائل بأنها قضية سياسية ليست من الدين فى شيء لا من أصوله و لا من فروعع، ولكن مع هذا التباعد الشاسع بين الفريقين فى هذه القضية، هل تجد الشيعة تقول إن من لا يقول بالامامة غير مسلم (كلا و معاذ الله) أو تجد السنة تقول إن القائل بالامامة خارج عن الاسلام ـ لا وكلا ـ إذن فالقون بالامامة و عدمه لا علاقة له بالجامة الاسلامية و أحكامها من حرمة دم المسلم و عرضه و ماله، و وجوب أخوته، و حفظ حرمته، و عدم جواز غيبته، إلى كثير من أمثال ذلك من حقوق المسلم على أخيه.

نعم و نريد أن نكون أشد صراحة من ذلك، و لا نبقى ما لعله يعتلج أو يختلج فى نفس القراء الكرام. فنقول: لعل قائلا يقول إن سبب العداء بين الطائفتين أن الشيعة ترى جواز المس من كرامة الخلفاء أو الطعن فيهم، و قد يتجاوز البعض إلى السب و القدح مما يسيء الفريق الآخر طبعاً و يهيج عواطفهم. فيشتد العداء و الخصومة بينهم.

و الجواب أن هذا لو تبصرنا قليلا و رجعنا إلى حكم العقل بل و الشرع أيضا لم نجده مقتضياً للعداء أيضا.

أما (أولا) فليس هذا من رأى جميع الشيعة و إنما هو رأى فردى من بعضهم، و ربما لا يوافق عليه الأكثر. كيف و فى أخبار أئمة الشيعة النهى عن ذلك فلا يصح معاداة الشيعة أجمع لإساءة بعض المتطرفين منهم.

(و ثانياً) ذن هذا على فرضه لا يكون موجبا للكفر و الخروج عن الإسلام.

 بل أقصى ما هناك أن يكون معصية، و ما أكثر العصاة فى الطائفتين. و معصية المسلم لا تستوجب قطع رابطة الأخوة الإسلامية معه قطعا.

(و ثالثاً) قد لا يدخل هذا فى المعصية أيضاً ولا يوجب فسقا إذا كان ناشئاً عن اجتهاد و اعتقاد، و إن كان خطأ، فان من المُتسالم عليه عند الجميع فى باب الاجتهاد أن للمخطيء أجراً و للمصيب أجرين. و قد صحح علماء السنة الحروب التى وقعت بين الصحابة فى الصدر الأول كحرب الجمل و صفين و غير هما، بأن طلحة و الزبير و معاوية اجتهدوا هم و إن أخطأوا فى اجتهادهم، ولكن لا يقدح ذلك فى عدالتهم و عظيم مكانتهم. و إذا كان الاجتهاد يبررولا يستنكر قتل آلاف النفوس من المسلمين و إراقة دمائهم، فبالأولى أن يبررولا يستنكر معه ـ أى مع الاجتهاد ـ تجاوز بعض المتطرفين على تلك المقامات المحترمة.

و الغرض من كل هذا أننا مهما تعمقنا فى البحث و مشينا على ضوء الأدلة عقلية أو شرعية، و تجردنا من الهوى و الهوس و العصبيات، فلا نجد أى سبب مبرر للعداء و التضارب بين طوائف المسلمين مهما اتسعت شقة الخلاف بينهم فى كثير من المسائل.

هذا كله بالنظر إلى القضية من حيث ذاتها مجردة عن كل الملابسات، فكيف إذا نظرنا إليها من حيث ما جرّه هذا الخلاف و العداء من الويلات و البليات على المسلمين، و ما ضاع على أثره من الممالك الإسلامية الكبرى كالأندلس و القوقاز و بخارى و نحوها، و لو أن المسلمين كانوا فى تلك الظروف يداً واحدة كما أمرهم الله، لما انتزع من الإسلام شبر واحد. و إذا لم يكفنا عبرة ما سجله التاريخ من تلك الفجائع فليكفنا ما رأيناه بأعيننا من رزية المسلمين بفلسطين و هى الفردوس الثاني؛ سبع دول عربية إسلامية كما يزعمون تتغلب عليها عصابة من أذل الأمم مشهداً و أقلهم عددا. ثم يمزقون تلك الدول شر ممزق. يشردون تسعمائة ألف مسلم بل أكثر من عرب فلسطين فيملكون دورهم و قصورهم و أراضيهم و أموالهم، و يضعونهم فى البرارى و القفار، تحت رجحة الأقدار.

 

/ صفحه 272/

 يفتك بهم البرد و الجوع و المرض، و المسلمون يسرحون و يمرحون لا ينصرونهم إلا بالكلمات الفارغة، و التأوهات الكاذبة. أما و الله لو أن تلك الدول تركت عرب فلسطين يحاربون اليهود بأنفسهم لما استطاع اليهود أن يتغلبوا على قرية من قراهم أو قطعة من أراضيهم. لم يكتف المسلمون بخذلان اخوانهم و تسليمهم إلى اليهود، بل كانوا ولا يزالون حتى اليوم عونا لليهود، يساعدونهم بكل ما فى وسعهم من تهريب و غيره؛ بل بصنعون لليهود ما لا يصنع اليهود لأنفسهم؛ كل ذلك من آثار التقاطع و التخاذل بين المسلمين؛ فلا جامعة تجمعهم و لا رابطة تربط بعضهم ببعض، و تعطف بعضاً على بعض، لذلك حقت عليهم كلمة العذاب، و لا يسمع الصم الدعاء إذا ولؤا مدبرين.

نعود فنقول إن جمعية التقريب تريد أن تقرب بين الطوائف الإسلامية و ترفع العداء المستحكم بينهم، و تدعوهم إلى الأخذ بما أمرهم الله به من الاعتصام بحبل الإسلام، و أن لا يتفرقوا و يتنازعوا فتذهب ريحهم، و يتسلط عليهم أذل عباده و أرذل خلقه؛ و ليست هذه الفئة المباركة بأول من نهض بهذه الدعوة و قام بهذه الفكرة، بل سبقهم إلى ذلك جماعة من المخلصين الغيارى على السلام و المسلمين كالسيد الأفغانى و تلميذيه الشيخ محمد عبده و الكواكبى و غيرهم؛ سوى أن هؤلاء كانت دعوتهم بصفة فردية، و رجال التقريب قاموا بها بصفة جمعية؛ و لعل الحق جل شأنه بعناية إذا علم بإخلاصهم و صدق نياتهم يجعل لدعوتهم ثمراً جنياً، و أثراً حسيا.

أما هذا العاجز فقد أهبتُ بالمسلمين و صرختُ فيهم بهذه الدعوة منذ عهد سحيق كما تشهد بذلك مؤلفاتنا التى طبعت قبل زهاء أربعين سنة، كالدين و الإسلام و المراجعات و غيرهما. ثم ملأنا الصحف و المجلات بإيقاظهم من نومهم، و بعثهم من موتهم، و ألقينا مئات الخطب على المنابر فى عواصم الإسلام،

 

/ صفحه 273/

 و قد طبع عدة منها كخطبة فلسطين التاريخية، طبعت مرتين؛ و خطبة الاتحاد و الاقتصاد فى جامع الكوفة و الخطب الأربع إلى كثير من أمثالها؛ ولكن كأن الله ختم على قلوبهم و ذهب بنورهم و تركهم فى ظلمات لا يبصرون.

جماعة التقريب تريد أن تقرب بين الطوائف الإسلامية و تبعثهم و تحثهم على الأخوة و الوحدة التى أمرهم الله بها فى كتابه العزيز، و لكن يلزمهم و يلزمنا تهميداً لهذه الغاية الشريفة أن ينصحوا لإخوانهم من الكتّاب و حملة الأقلام فى مصر أن لا يتحر شوا و يطعنوا بإخوانهم الإمامية، فما يكاد يأتى عام إلاّ و نسمع أو نرى كتاباً أو رسالة من مصر ترمى الشيعة بالفظائع و تهجم عليهم بالمطاعن، و بحكم الضرورة يلتجيء هؤلاء إلى الدفاع عن أنفسهم فتثور الاحقاد، و تستعر الحفائظ، و تكون أكبر خدمة للأعداء و المستعمرين، كما أن اللازم على كل فرقة من المسلمين، من الشيعة و غير هم أن يوصدوا باب المجادلات المذهبية، و ما يثير الحفائظ و العصبية، فانها إن لم تكن محرمة بنفسها، و مضرة بذاتها، فهى من أعظم المحرمات فى هذه الظروف التى أحاط بنا فيها الأعداء أعداء الإسلام من كل جانب و مكان حتى من المسلمين و مدعى الإسلام العدو الداخلى الذى ضرره أعظم من العدو الخارجى فهل فى هذا كفاية و بلاغ أيها المسلمون.

«قل هذه سبيلى أدعو إلى الله. على بصيرة أنا و من اتبعني. و سبحان الله و ما أنا من المشركين»؟