(304)

على هامش كتاب: (ابن حنبل)

شخصيّة الطوفي

لحظرة الكتاتب الفاضل الأستاذ توفيق الفكيكي

المحامى ببغداد

هل كان الطوفى شيعيا؟ و هل فكرته بتقديم المصلحة على النص شيعية؟ و هل يجوز عند الإمامية نسخ النصوص و تخصيصها بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم؟

حضرة المفضال الأستاذ الكبير محمد أبو زهرة المحترم:

تحية مباركة: أما بعد: فقد أسعدنى الحظ بقراءة كتابكم القيم (ابن حنبل) و هو من فرائدكم العلمية الجليلة الممتازة،‌ و قد وجدته و الحق يقال من أهم ما ألف فى سيرة ذلك الإمام الجليل القدر، و المجتهد العادل الفذ، ذلك بما احتوته فصوله المهمة و بحوثه المفيدة الشائقة من الدراسات الفقهية العالية، و المقارانات التشريعية النفيسة الغالية.

و إن من المزايا الكثيرة التى امتازت بها مؤلفاتكم الثمينة عن غيرها من مؤلفات المعاصرين الأفاضل ماتعنون به من المقارنات الفقهية بين المذاهب الاسلامية، و من جملتها مذهب الإمامية من الشيعة الذى لم يكن مع الأسف لأقوال أئمته و آرائهم نصيب فى الدراسات الفقهية و القانونية الحديثة إلا الإ همال، و لم يهتم بذخائر أصحابه إلا أمثالكم من أصحاب الأقلام الجريئة والافكار الحرة . وهذه النزعة التى اتصفتم بها هى التى بعثتنى إلى هذا التعليق على ما جاء فى كتابكم بشأن: (نسخ و تخصيص النصوص فى مذهب الشيعة الإمامية) فى باب المصالح المرسلة وما قصدت يعلم الله ـ إلا خدمة الحقيقة العلمية التى هى الضالة المنشودة لكل باحث

(305)

محقق و عالم مدقق يروم وجه الصواب. لهذا أرجو أن تسمحوا لى بكشف اللثام عن وجه الحقيقة، و عما ذهبتم إليه من جواز نسخ النصوص عند الشيعة الإماميه بعد انتقال الرسول الأعظم (صلى الله عليه و سلم) الى الرفيق الأعلى كما نطق بذلك كتابكم فى باب المصالح المرسلة أثناء مناقشتكم آراء «الطوفي» فى الموضوع، فقد ذكرتم بعد فراغكم من تلك المناقشة ما يأتي:

1ـ «لم نجد من يجوز تخصيص النصوص بكثرة، و نسخ بعضها بالاجتهاد إلا بعض الشيعة كالشيعة الامامية، فانهم لم ينهوا النسخ و تخصيص النصوص بانتقال النبى (صلى الله عليه و سلم) إلى الرفيق الأعلي، بل أجازوا لأئمتهم مخالفتها بعلوم تلقوها، و لقد وجدنا «الطوفي» يقاربهم لأنه جعل المصلحة تنسخ النصوص و تخصها، فأحل المصلحة محل الأئمة، و التقى الرأيان فى أن النص بعد الرسول لا يزال قابلا للنسخ و الإخراج من عمومه إن وجدت مصالح على مسلك الطوفى أو رأى الامام على مذهب الشيعة» و بعد أن استقر رأيكم على أن الطوفى كان شيعياً فى الفقه و الأصول، و أنه شرح الأحاديث على أنه فقيه حنبلي، و كان يبث فى أثناء شرحها ما يؤيد به آراء الشيعة قلتم:

2ـ «و على ذلك نقرر أن مهاجمته للنصوص و نشر فكرة نسخها أو تخصيصها بالمصالح المرسلة، هى أسلوب شيعى أريد به تهوين القدسية التى تعطيها الجماعة الإسلامية لنصوص الشارع، و الشيعة الإمامية يرون أن باب النسخ و التخصيص لم يغلق، لأن الشارع الحكيم جاء بشرعه لمصالح الناس فى الدنيا و الآخرة. و أدرى الناس بذلك الإمام، فله أن يخصص كما خصص النبى صلى الله عليه سلم ، لأنه وصى رسول الله أوصيائه ، وقد أتى الطوفى فى رسالة بالفكرة كلها ،‌ إن لم يذكر كلمة الإمام ليروج القول وتنتشرالفكرة ».

أقول : أما ما يتعلق بعقيدة الطوفى و نحلته فلا أريد الخوض فيه الآن و سأتناول ذلك فى خاتنمة الكلام ،‌و سوإ أكان الطوفى شيعياً أم حنبلياً أم أشعرياً كما قيل فيه ، فليس هو المقصود فى هذا

(306)

التعليق الوجيز ، و إنما الحقيقة التى أريد بيانها و رفع القناع عن وجهها لتسفر وضّاءة ناصعة، هي: هل المصالح المرسلة من أدلة الفقه الجعفري؟ و هل الشيعة الامامية يرون باب النسخ لم يغلق بعد وفاة الرسول الكريم (صلى الله عليه و سلم)؟ و هل أريد بذلك عندهم تهوين القدسية التى تعطيها الجماعة الإسلامية لنصوص الشارع ؟ هذا هو الغرض من التعليق على كلام العلامة أبى زهرة، أستاذ الشريعة بكلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول.

من المعلوم أن أدلة الأحكام عند الشيعة الإمامية هي: (1) الكتاب (2) السنة (3) الإجماع (4) العقل. أما القياس و الاستحسان و المصالح المرسلة و الذرائع، فلا معول على حجيتها عندهم، مالم ينص عليها الشرع، أو يحكم بها العقل، و دليل العقل لايدخل فيه القياس و الاستحسان و المصالح المرسلة، و كذلك (الاستصحاب) فليس من الأدلة العقلية عند المتأخرين منهم لأنهم اعتبروا حجيته بدلالة الاخبار بعكس المتقدمين، فكانوا يعتبرونه من الأدلة العقلية المتوقفة على الخطاب، و هو المسمى باستصحاب حال الشرع، و قد تناولته كتب أصول الفقه بإسهاب.

و أما اعتقاد الشيعة الامامية فى «الكتاب» فهو القرآن العظيم كلام الله و وحيه و تنزيله، و أنه ما بين الدفتين، وهو ما فى أيدى الناس لا أكثر من ذلك و لاأقل، و بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه و سلم) لا يرجى للقرآن نزول تتمة، و المطلق و المقيد، و أن الحجة منه عند هم النص الظاهر دون المؤول و المجمل و المنسوخ.

أما «السنة» و هى قول المعصوم أو فعله أو تقريره و ما نقل منها، فالحجة منه بحسب السند ما كان متواتراً أو محفوفاً بقرائن توجب العلم بصدوره، و على هذا فخبر الواحد عندهم حجة متى روته العدول عن العدول، أو كان محفوفاً بقرائن توجب الوثوق بصدوره، و إلا فليس بحجة. و أما‌«الاجماع» فليس حجة بنفسه، و تعتبر حجيته عند دخول الامام فى المجمعين أو الكشف عن رأيه من باب استكشاف قول الرئيس بقول أتباعه، أو عند قيام دليل معتبر، فالاجماع فى

(307)

الحقيقة داخل فى السنة، لاتفاق أهل الحل و العقد من أمة محمد (صلى الله عليه و سلم) على أمر ديني، و ذلك لاعتقاد الامامية بعدم خلو عصر عن إمام، و أنه رئيس أهل الحل و العقد، و إجماع علماء الأمة حجة عندهم أيضا، لكشفه عن رأى الامام كما يعلم قول الامام أحمد بن حنبل باتفاق الحنابلة، وقول الامام الشافعى باتفاق الشافعية، و قول الامام أبى حنيفة باتفاق الأحناف.

هذا و إذا ما علمنا أن الحجة من (الكتاب) عندهم النص الظاهر دون المؤول و المجمل و المنسوخ فيكون الإمام بمنزلة المحدّث، و الراوى آلثقة العادل، و ليس بمشرع بعد وفاة الرسول الكريم (صلى الله عليه و سلم)، و لا يجوز لمسلم يؤمن بالله و اليوم الآخر أن يقول هذا القول، إذ كيف يجوز للإمام مخالفة النصوص أو نسخها، و هو بعلم بأن حلال محمد (صلى الله عليه و سلم) حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة؟ إليك ما قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) لأحد اصحابه، فقد روى عن محمد بن سليمان بن الديلمى عن أبيه، قال: سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد، فقلت: جُعلت فداك، سمعتك تقول غير مرة (لولا أنا نزداد لأَنْفًدَنا)(1) ، قال: (أما الحلال و الحرام فقد و الله أنزله الله على نبيه بكماله و ما يزداد الإمام فى حلال و لا حرام) قال : فقلت له ما هذه الزيادة ؟ قال : (فى سائر الاشياء سوى الحلال والحرام) قلت: فتزداد ون شيئاً لا يعلمه رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، فقال منكِراً: ويحك أيجوز أن يعلم الامام شيئاً لم يعلمه رسول الله (صلى الله عليه و سلم)؟

هذا و من أصول الاماميه عدم تغيير الأحكام إلا بتغيير الموضوعات، أما بالزمان و المكان و الأشخص فلا يتغير الحكم و دين الله واحد فى حق الجميع «ولن تجد لسنة الله تبديلا».

فهل يصح القول ـ بعد قول الامام الصادق (عليه السلام) ـ بأن الشيعة الامامية لم ينهوا نسخ

 

ـــــــــــ

(1) أنفد القوم على صيغة البناء للفاعل: نفد ماعندهم.

(308)

النصوص بانتقال النبى (صلى الله عليه و سلم) إلى الرفيق الأعلي، و أنهم أجازوا لأتمتهم مخالفتها بعلوم تلقوها أو نسخ بعضها بالاجتهاد لتهوين القدسية التى تعطيها الجماعة الاسلامية لنصوص الشارع؟ اللهم إلا إذا كان الشيعة الإمامية. ليسوا من الجماعة الاسلامية المتمسكة بنصوص الشارع و قدسيتها و العياذ بالله:

 

و الدعاوى ما لم يقيموا عليها        بيِّنات أبناؤها أدعياء

 

ثم إن الناسخ كما لا يخفى على فضيلة الأستاذ، هو كل من الكتاب و السنة، فينسخ الكتاب بالكتاب، و السنة بالسنة، و السنة بالكتاب، و الكتاب بالسنة فالأنواع أربعة، و قد انفرد الامام الشافعي، و أهل الظاهر، بقولهم: إن السنة لا تنسخ الكتاب، و يمكن معرفة الناسخ عند الحنفية بتخصيص الصحابة أيضاً.

و إن الشيعة الامامية لا يفترقون عن الجماعة الاسلامية فى جواز النسخ بالأنواع الأربعة، غير أنهم يعتقدون أن الله تعالى بين بحسب الشريعة الإسلامية الغراء فى كل واقعة حكماً، حتى أرش الخدش.

وقد بين ذلك الآستاذ الأكبر الحجة، الامام محمد الحسين آل كاشف الغطاء فى كتاب «أصل الشيعة و أصولها.

و قد ثبت أيضاً أن الأخبار المخالفة للقرآن و السنة، أو التى لم يقل بها الامام كثيرة جداً، و من حق تلك الأخبار المخالفة طرحها و أن يضرب بها عرض الجدار و يجب غربلة الصحيح منها بطريق التعادل و الترجيح عند تعارض الادلة و الامارات.

ثم إن تخصيص النصوص لم ينفرد به الشيعة الامامية وحدهم، و إلا لما وجد علم أصول الفقه، و لكن الفرق بينهم و بين إخوانهم من الجمهور: كما قلنا آنفا. و ما عدا ذلك فالاماميه و سائر المسلمين فيه سواء. لايختلفون إلا فى الفروع، كاختلاف أئمة أهل السنة فيما بينهم أو بين علماء الامامية أنفسهم، من حيث الفهم و الاستنباط، هذا و إذا ما فهمنا أن المراد من الاجتهاد هو استنباط الحكم الشرعى من تلك الادلة

(309)

المتقدمة بعد مزاولتها و استفراغ وسع المجتهد فيها لحصول ملكة الاستنباط مع شرط العدالة، فهل يبقى مجال للقول بأن الشيعة الامامية «أجازوا نسخ بعض النصوص بالاجتهاد لتهوين القدسية التى تعطيها الجماعة الإسلامية لنصوص الشارع؟» «ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق».

و إذا كان لابد من الإشارة إلى حقيقة (الطوفي) نجم الدين الصر صرى البغدادى الحنبلي، فهو على الرغم مماذكره الأوائل الذين اعتمد على روايتهم فضيلة الأستاذ أبو زهرة و الأستاذ عباس الغزاوى البغدادى فى كتابه: «تاريخ العراق بين احتلالين» فى تشيع الشيخ الطوفى باعتباره من المغالين فى القول بالمصالح المرسلة، و أن أسلوبه فى ذلك أسلوب شيعي، فالحقيقة التاريخية لا تعضد ما ذهب إليه الفاضلان، و ذلك:

1ـ ان الشيعة الامامية كما علمت لم يقولوا بالمصالح المرسلة، و لا بحجية الأدلة الأصولية الأخرى التى قررها الطوفى فى رسالته، و من جملتها: (1) إجماع أهل المدينة (2) القياس (3) قول الصحابى بلاقيد (4) العادات (5) الاستقراء (6) الاستدلال (7) الاستحسان (8) الأخذ بالأخف (9) إجماع أهل الكوفة . فكل ذلك لم يكن من أصولهم حتى يلتقى الرأيان أو يتقاربا.

2ـ ان كتب الرجال عندهم على كثرتها لم تذكره فى طبقات فقهائهم و محدثيهم، و لا فى طبقات شعرائهم و أدبائهم أو فى أى صنف من صنوف رجالهم و هم أشد الناس اهتماماً بتراجم أصحابهم و رواتهم.

3ـ أما كونه قد انفرد برأى عن أصحابه الحنابلة، أو كان قد تلمذ على أحد علماء الامامية فى علم من العلوم ـ إن صح ذلك ـ فهذا الدليل على ضعفه و وهنه لا يستلزم القول بأن مهاجمته للنصوص و تقديمه المصالح المرسلة عليها فى بعض الحالات قد استفاده من أسلوب الامامية، بعد أن علمنا أن ذلك لم يكن من مذهبهم.

(310)

ولو أردنا أن نذكر أسماء العلماء و الأدباء من أهل السنة الذين تخرجوا على أساتذتهم من الشيعة أو بالعكس، لا حتجنا إلى تحرير مجلد ضخم، و من هؤلاء: فخر الذين الرازى صاحب التفسير الكبير، فقد كان من تلاميذ أحد مشاهير فقهاء الإمامية و هو «سديد الدين محمود بن على الحمصى الحلي» كما أن «محمد بن مكى العاملي» المشهور بالشهيد الأول، و هو من أعاظم علماء الإمامية فى المنقول و المنقول، قد تلقى بعض علومه على أربعين شيخاً من علماء السنة، و كلُّ من فخر الدين الرازى و الشهيد الأول، مشهور فى عقيدته و نحلته فى قومه، ثم ممن وافق الإمامية فى عدم العمل بالقياس النَّظام، و جماعة من المعتزلة، كيحيى الاسكافي، و جعفر بن مبشر، و جعفر بن حرب، و إمام أهل الظاهر ابن حزم الأندلسي، و دواد الظاهرى و كلهم من أهل السنة، فهل استقى هؤلاء آراءهم فى إبطال القياس من أصلى شيعى ياتري؟

على أن أثار الطوافى الكثيرة فى الفقه الحنبلى و أصوله، كافية لهدم أقوال المتطرفين من أصحابه فيه لرأى غالى به فى المصالح المرسلة كما يقولون، و يقرب منه قول الحنفية بتخصيص النص العام باالعرف العام، لدفع الحرج و المشقة و الضرر، و كذلك قول المالكية بجواز الاحتجاج بالاجماع و تقديمه على النص، و منهم من قال بجواز نسخ النصوص بالاجماع.

و نكتفى الآن بهذه العجالة،‌ؤ ما قصدنا بها إلا تأليف القلوب، و خدمة البحث العلمي، و الله تعالى من وراء القصد، و هو الموفق5 للصواب؟