/ صفحة 3 /
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة التحرير
نحمدك اللهم حمداً يوافي نعمك، ويكافئ مزيدك، ونصلي ونسلم على خاتم أنبيائك، وصفوة خلقك، سيدنا محمد وعلى آله واصحابه ومن اتبع هداه.
* * *
أما بعد: فإن (رسالة الإسلام) تفتتح عامها الثالث على بركة الله مغتبطة قريرة العين بما وفقت إليه من سفارة ناجحة بين أهل العلم والدين في مختلف البلاد الإسلامية، وما قربت من شقة بين العقول والقلوب، ناشرة مبادئ الإسلام، باسطة مناهجه في الإصلاح، داعية أهله إلى الوئام، مروِّجة في الخافقين لدعوة السلام، رافعة راية القرآن، تنادي أهله بنداء منه: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون). (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها). (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله). (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات).
تغتبط بذلك (رسالة الإسلام) وتقر به عينا، وتتحدث بنعمة الله فيه، وتمضي في خطتها السديدة الراشدة ـ إن شاء الله ـ هَينةً لينةً، تدعوا إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وتجادل عن مبادئ الحق بالتي هي أحسن، واثقة
/ صفحة 4 /
أن كل يوم يمر عليها فهو بفضل الله يوم لها، وأن كل قارئ يتصفحها فهو كسب كسبته، وأن كل فكرة تتردد على أقلام كاتبيها فهي غراس طيب لا يلبث أن تزهو ثماره، وندنو للناس قطافه (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طبية أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون).
* * *
لقد كان المسلمون إلى عهد قريب أمة تنازعتها الظنون على نفسها، وأفسدت الخلافات ذات بينها، وشغلتها عن المجد الأول، وعن منازل العزة التي أنزلها الله إياها بالإسلام والقرآن، شواغل مصنوعة مدخولة أثقلتها حتى جاز المخفُّون، وعوَّقتها حتى سبق المخَلَّفون، وكان أعداؤها يقفون منها موقف من يغري بين ديكة لتحترب، أو كباش لتنتطح، أو آساد ليصول بعضها على بعض، فتُنشَب أضغان وتسال دماء، وتُفرَي أدُم، وتهاض عظام، وكان قصاري ما يفعله نابهٌ إذا نبه أن يحوقل للشر دون أن يدفعه، أو يصد عنه حتى لا يراه أو يسمعه، فاستشري الداء، وتفاقم الخطب، وعظم الامر، وصار المسلمون متقاطعين متدابرين. يتبادلون بينهم من العداوات ما لا يتنبادله أهل الديانات، وجرهم هذا التجافي إلى الجهل بأنفسهم، والاختلاف على مصادر علمهم، والاحتكام إلى موازين مختلفة، كل شعب يمسك بأحدها فيراه ميزان الحق والعدل، ويرى في غيره الباطل والجور.
ثم شاءت حكمة الله ورحمته أن يشرق النور من بين جحافل الظلام، وأن تبدو القافية من خَلل السقام (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا، وينشر رحمته، فهيأ للمسلمين تلك الجماعة الخالصة المخلصة التي تمثل طائفهم، وتحمع مفكريهم وقادتهم، وتدعو إلى إصلاح ذات بينهم، ويستوي لديها كل من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ما دام لم ينكر من الدين معروفا، أو يعتنق منكراً، وها هي ذل (دار التقريب) ترسى أو تادها في قاهرة المعز، على ضفة النيل اليسرى، تجاه الأزهر الشريف الراسخ على ضفته اليمنى، فتعينه
/ صفحة 5 /
ويعينها، ويعملان كلاهما على اصلاح العقول والقلوب، والتأليف بين الإخوة، تحقيقاً لقوله تعالى (إنما المؤمنون إخوة فاصلحوا بين أخويكم، واتقوا الله لعلكم ترحمون).
* * *
لقد تولى مشيخة الأزهر الجليلة في مطلع هذا العام الهجري المبارك رجل عظيم بإيمانه، عظيم بعلمه، عظيم بخلقه، عظيم بأفكاره الاصلاحية، وليس من عادتنا أن نعني بالأشخاص أو نترجم للرجال من الأحياء، ولكننا نذكر الآن فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ عبد المجيد سليم، ومنزلته من جماعة التقريب هي منزلته، لأنه في نظر المسلمين قد أصبح في هذا الجيل رمزاً لفكرة، قبل أن يكون شخصاً يُتحدث عنه، كذلك ينظر إلى فضيلته المسلمون جميعاً، لا فرق بين سني وشيعي، فكلهم يعرفونه، وكلهم يرجونه.
إن الذين يتابعون شئون الأزهر، ويعرفون رجاله، ويرقبون تاريخه الحديث يعلمون أن فضيلة الأستاذ الأكبر رجل مؤمن بالله حق الإيمان، غيور على العلم والدين غيرة تشبه غيرة السلف الصالح من المؤمنين الأولين، وكأنما أراد الله أن يتولى فضيلته زعامة المنادين بالإصلاح قبل أن يتولى مكان القيادة العملية، والتوجيه الرسمي، فكان بيته قبلة، وقوله حجة، ورأيه منهاجا، لذلك استبشر الناس بمقدمه، ورجَوا للأزهر على عهد تقدما ونجاحا، واستقامة وصلاحا، وسيراً إلى غايته السامية بخطى واسعة، وتالله إنه لأهل لهذه الثقة، وموطن لذاك الرجاء.
إن أبرز صفة في الأزهر بين الجامعات والمعاهد التعليمية، أنه (اسلامي عالمي) وقد ثبتت له هذه الصفة من جانبين، أحدهما أنه يضم بين جوانحه أبناء المسلين من كل شعب، فترى فيه التركي والشامي والعراقي والهندي واليوغوسلافي والجاوي وغيرهم ممن يجلسون إلى جانب أخوانهم المصريين في حلقاته، ويزاملونهم في دراساته، والثاني أنه عريق في عصور الإسلام كلها، بدأ شيعياً ثم صار سنياً،
/ صفحة 6 /
وتقلبت عليه ألوان من الدراسات والقيادات والحكومات، فكان موقفه منها موقف الفاحص المتخير، الذي يعرف ما يعرف، وينكر ما ينكر، معتزاً بحريته وسعة أفقه، ولا توجد جامعة إسلامية أو غير إسلامية لها هذا العمر المديد، والتاريخ المجيد، فإذا كان هذا هو مقام الأزهر في تاريخ المسلمين، وفي بلادهم وشعوبهم، فلن تتحقق رسالته إلا إذا أسند أمره إلى رجل (إسلامي عالمي) قد حلب الدهرَ أشطرَه، وذاق حلوه ومره، واتسع أفقه الفكري فبرئ من التعصب لا يبغي إلا الله، ولا يخضع إلا للحق.
ولذلك رجا الناس خيراً كثيراً حين علموا أن فضيلة الشيخ عبد المجيد سليم قد صار شيخاً للأزهر: رجَوه للعلم والدرس، ورجوه للإسلام والمسلمين، وإن أسرة التقريب لأول الراجين، وما أسرة التقريب بألف أو ألفين أو عدة آلاف، وإنما هي الملايين ممن يدينون بدين الحق على اختلاف المواطن الشعوب والطوائف الإسلامية. إنهم قد ذاقوا مرارة التفرق، واكتووا بنيرانه أجيالا بعد أجيال،، وإن تاريخهم ليسجل ألواناً من المآسي التي ليس تقشعر لذكرها الجلود، وآن ما هم فيه من تخلف وضعف لمن آثار تلك المآسي التي لدينهم ولا لدنياهم حظ فيها، فإذا نظروا إلى الشيخ الأكبر متطلعين فيه إلى منقذ، فحق لهم أن يفعلوا فإنه أمل مبعثه جهات ثلاث في فضيلته: إيمانه، وأزهريته، ومكانته من التقريب، ولهذا تتوارد على (دار التقريب) منذ أسندت إليه المشيخة الجليلة، رسائل تفيض بالشكر لله على نعمته، والرجاء في أن يؤيده بنصره، ويمنحه القوة، ويوفقه إلى ما فيه مصلحة العلم والدين، والإسلام والمسلمين.
اللهم كما وجهت اليه القلوب، فحقق على يديه الآمال، ويسر له الصعاب، إنه لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت إن شئت جعلت الحزن سهلا.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
محمد محمد المدني