/ صفحة 40 /
أربَعَةُ رِجَال
لحضرة الأستاذ الفاضل الدكتور محمد مصطفى زيادة
رئيس قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول
ـ 2 ـ
اتسع القسم الأول من هذا المقال لرجلين اثنين من أولئك الرجال، وهذان الاثنان هما: السلطان الكامل محمد الأيوبي، والقديس فرنسيس الأسيسي، أما الاثنان الباقيانن فهما فردريك الثاني هو هنشتاوفن إمبراطور الدولة الغربية الشاملة لألمانيا وإيطاليا وتوابعهما في العصور الوسطى، والفيلسوف أبو الحق ابن سبعين الأشبيلي صاحب الآراء الجدلية الجريئة التي أساءت إلى الكثيرين من أهل التقوى في تلك العصور.
وفردريك الثاني ابن للإمبراطور الداهي الكدود هنري السادس، وهو الإمبراطور الذي تراءى للمعاصرين كأنه من زمرة المنصرفين عن الدنيا ومتاعها إلى العلم ولذائذه الروحية، وهو في طويته من أمهر الأباطرة الدنيويين. اما أم فردريك فهي كونستانس النورمانية الصقلية سليلة الشماليين المغامرين الذين عبروا عتبة التاريخ أول عبورهم حين هبطوا جنوباً من بلادهم القطبية الداكنة، وأغاروا على شواطئ غرب أوربا حتى أسبانيا الإسلامية، ثم أسسوا لفروعهم دولا عاتية عظيمة الشأن في الشمال الغربي من فرنسا، ثم في إنجلترا، ثم في صقلية التي انتزعوها من المسلمين، بل حاولوا الاستيلاء على القسطنطينية والحول محل البيزنطيين. ونشأ فردريك يتيما في صقلية بلد أمه، بعد أن توفى عنه أبواه سنة 1198م، ولما يبلغ من العمر سوى أربع سنوات، فكفلته تيارات
/ صفحة 41 /
سياسية عنيفة، صيرته إمبراطوراً سنة 1212م، بمساعدة وصيّه البابا إنو نسنت الثالث. وبدا فردريك طوال عهده الإمبراطوري شخصيته ملؤها الحيلة والتحدي والتقلب، في صورة تبهر العقول والأبصار، واتصف بصفات قل أن تجتمع في رجل واحد، إذ أجاد الكتابة والكلام في ست لغات، ونظم الشعر العاطفي في نغم دافئ دفء أنعام الصقليين الذين نشأ بينهم، وأغدق من ماله وعنايته لتشجيع العمارة والنحت والتعليم، وهو إلى ذلك جندي بارع، وسياسي لبق إلى أقصى درجات اللباقة، ومع الجسارة التي لا تخشى خاشية، والنزعة الفكرية الجانحة إلى ميادين الفلسفة والفلك والهندسة والجبر والتاريخ الطبيعي، وألف فردريك في البيزرة ـ أي علم تربية الطيور الجوارح ـ كتاباً هو أصل من أصول العلوم التجريبية في غرب أوربا، واصطحب في أسفاره مجموعة من الفيلة والهجائن وعجائب المناطق الاستوائية الحارة من أنواع الحيوان، ولم تكن الكوابت والتقاليد المسيحية في ذلك العصر مما يأبه له فردريك الذي نشأ في صفلية، حيث ملتقى الاجناس والاديان، بل اصطنع المسيحي والمسلم واليهودي، وعرف لكل منهم قدره ومقامه.
ودهش المعاصرون لإمبراطور مسيحي يتكلم العربية إلى رعاياه من المسلمين بصقلية، ويقتني الجواري المنشآت في القصور، وينأى عن التعصب الذي طفح به اعتقاد ذلك العصر. الواقع أن ثمة صفات خارقة اجتمعت في هذا الإمبراطور الذي عالج شئونه السياسية في نشاط هائل وواقعية بصيرة، واشتهر بدقة الذوق الفني، وبدا كالشرقي في عاداته وحياته الخاصة، كما اشتهر بالتصوف والتشكك في آن في احد، مع الجرأة والثورة على القديم في جميع مناهجه وآرائه. وإذن فلا غرو أن ينعت المعاصرون الأوربيون فردريك الثاني بأنه أعجوبة العال، وأن يظلّ ذلك الأمبراطوري كذلك على مرّ القرون، وأن يشهد المعاصرون الشرقيون والغربيون منه بفلسطين ما عقد ألسنتهم عجباً وإعجاباً.
افتتح فردريك الثاني عهده الإمبراطوري، وفي عنقه نذر الذهاب إلى الشرق
/ صفحة 42 /
في حملة صليبية، وأقسم في حماسة الشباب أن يقوم على رأس حملته المرجوة إرضاء للبابوية التي ساعدته على الوصول إلى العرش الإمبراطوري. وفي هذه الأثناء تكونت الحملة الصليبية المعروفة بالخامسة، ولم يسهم الإمبراطوري في تكوينها بنصيب كبير أو صغير، واستولت تلك الحملة على دمياط سنة 1219م، وأقامت بها مدة سنين تقريبا، استعداداً لما بيتته من الزحف جنوباً نحو القاهرة، وانتظاراً لما عسى يمدّها به فردريك من نجدة يكون هو على رأسها. وزحفت هذه الحملة أخيراً نحو الجنوب تريد القاهرة، فانهزمت عند دمياط، وسلّمت للسلطان الكامل محمد سنة 1221م، دون قيد أو شرط، ما عدا الأمان العام والجلاء التام عن البلاد والشواطئ المصرية. كل ذلك والإمبراطور في شغل بإمبراطوريته، عاكف على تأجيل الوفاء بنذره مرة بعد مرة، إلا فرقة ألمانية صغيرة وصلت إلى الشواطئ المصرية والحملة الصليبية المتقدمة على وشك الجلاء، فعادت هذه الفرقة دون أن تؤثر في الموقف أي تأثير.
والعقل الحديث لا يستطيع إلا أن يرى شيئاً من الغرابة في موقف البابوية التي توسّمت في إمبراطور حديث السن أن يقوم على رأس حملة صليبية كثيرة التكاليف عبر البحار، غداة اعتلائه عرش إمبراطورية مزقتها الفوضي أثناء وصاية طويلة، وتراءت تلك الغرابة كذلك لفردريك، فلم يفكر تفكيراً جدياً في مغادرة الشواطئ الأوربية إلا بعد أن نظم حكومته في صقلية، حيث أخضع المسلمين والنبلاء الصقليين المسيحيين، والمدن الصقلية، وبعد أن أنشأ جامعة نابلي بإيطاليا، فضلا عن أنه لم يرد أن يقود حملة صليبية على غرار الحملة الفاشلة الخائبة التي فضلت الاستمساك بمدينة هي دمياط نزولا على رغبة البندقية وأطماعها التجارية، عن أن تستعيد مملكة هي بيت المقدس إحتراماً للفكرة الصليبية وأهدافها المسيحية. ثم إن فردريك أراد أن يفيد من غلطات تلك الحملة، وان يستغل السلطان الكامل محمداً وسياسته، وأن يسوي ما بين المسلمين والصليبين، لا بالسيف والنار والحديد
/ صفحة 43 /
والدمار، والتعصب الديني، بل باللسان الحلو، والحسنى والملاينة، والاتفاق والتسامح.
وبينما تظل البابوية على إلحاحها ومطالبتها فردريك بضرورة الوفاء بنذره القديم بدأ الامبراطو مبادلة السلطان الكامل رسائل ودية، تمهيداً لتفاهم صليبي إسلامي. ورحب السلطان لذلك، لتفاقم العلاقات بينه وين بعض أقاربه ملوك البيت الأيوبي بالشام. ثم تزوج فردريك سنة 1225م من وريثة مملكة بيت المقدس الرمزية، والمقصود بالرمزية هنا أن هذه المملكة فقدت عاصمتها ومعظم مدنها لصلاح الدين، ولم يبق لها إلا اسمها ورمزها وذكراها. فأضحى لفردريك منفعة مباشرة في إحيائها وإعادتها بعض سيرتها الاولى. ورأى فردريك وقتذاك تهدئة لإلحاح البابوية وإلحافها أن يجهز حملة صليبية أبحر هو على رأسها من جنوب إيطاليا سنة 1227م، ولم تك إلا بضعة أيام حتى عاد بسفنه إلى الشواطئ الإيطالية، بسبب مرضه بالحمي. لكنن البابوية اعتبرت المرض تمارضاً، وأعلنت سخطهأ على الإمبراطور، وصبت جام غضبها على رأسه بأن قطعته من رحمة الكنيسة. ثم توفيت زوج فردريك سنة 1228م، وأخذ هو في المطالبة بإرثها ـ أي عرش مملكة بيت المقدس الرمزية ـ وأبوها على قيد الحياة.. ويبدو أن المراسلات الفردريكية الكاملية وصلت وقتذاك إلى مرحله الانفاق على معاهدة سلمية رضى الطرفان عنها، ولم يبق إلا أن يذهب فردريك إلى الشرق، لتوقيع هذه المعاهدة وتنفيذ ما يمكن تنفيذه من شروطها؛ فغادر إيطاليا في أسطول صغير، وحملة أصغر عدتها ستمائة فارس. عند ذلك أصدرت البابوية قراراً ثانيا بقطع فردريك من رحمة الكنيسة، ووصفته وحملته أشنع الأوصاف المعهودة في العصور الوسطى، بل دعت إلى حملة صليبية لمحاربيه في إمبراطوريته وهو غائب عنها بفلسطين.
وفي فلسطين أرسى الإمبراطور عند مدينة عكا، وهي إحدى البقايا الباقية للصليبيين من مملكة بيت المقدس، واستقبل رسل السلطان الكامل، وهم الأمير فخر الدين بن حمويه وأخوه كمال الدين، والشريف شمس الدين الأرموي قاضي نابلس.
/ صفحة 44 /
وتمت المعاهدة على أن يتسلم فردريك مدينة بيت المقدس، وأن يكون للصليبيين ممرّ من الأرض يصل بين عكا وبيت المقدس، على أن يبقى المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وسائر قرى بيت المقدس للمسلمين، وأن يمنع فردريك أية حملة صليبية أوربية عن الشواطئ الأيوبية بمصر والشام. وأعقب فردريك هذه المعاهدة بزيارة المسجد الأقصى، بإذن السلطان الكامل صحبة شمس الدين قاضي نابلس، وطاف بمزاراته مستفسراً عنها في لسان عربي واضح. ولم يكن ذلك غريباً سماعه على الحاضرين من المسلمين، فإن كثيراً من الصليبيين الأوربيين المقيمين بالشاك كانوا يتكلمون العربية منذ استقر مقامهم بمختلف الإمارات الصليبية، وبات فردريك ليلته بدار القاضي شمس الدين ببيت المقدس، ثم رحل إلى عكا، بعد أن توج نفسه ملكاً على مملكة بيت المقدس بحق زوجه المتوفاة.
وعاد فردريك إلى أوربا دون قتال أو جرحى أو خسائر، بل بمكاسب لم تستطع الحملات الصليبية الضخمة أن تعود بها منذ أيام صلاح الدين. غير أنه وجد البابوية حانقة على جميع ما حدث أشد حنق، لأن الصليبيين لا ينبغي لهم مصالحة المسلمين، بل عليهم مقاتلتهم ما ثقفوهم خدمة للمسيحية. ثم اقتنعت البابوية بفضل فردريك، ورضيت عن المعاهدة، كما أعلنت عودة الإمبراطور إلى رحمة الكنيسة.
أما السلطان الكامل محمد، فلم يقتنع أحد بأنه أدى بهذه المعاهدة خدمة ما للإسلام أو المسلمين، وامتلأت مساجد القاهرة ودمشق وبغداد وغيرها بالشانئين الناقمين على السلطان الذي ضحى المصلحة الإسلامية العامة من أجل مصلحته الخاصة، وهي التهاون مع فردريك في سبيل المحافظة على دولته من عادية أقار به الأيوبيين. ولم يشفع للسلطان الكامل أنه أرسل البعوث إلى مختلف العواصم الإسلامية ليشرح فوائد المعاهدة للطرفين الإسلامي والمسيحي سواء، وأهمها تجنيب مصر والشام ويلات الحروب الصليبية مدة ربع قرن من الزمان. ولعل في عبارة الفقيه ابن الأهدل ما يدل دلالة واضحة على مبلغ ما أحس به المسلمون وقتذاك نحو السلطان،
/ صفحة 45 /
رغم الدعاية الواسعة التي قات عليها هذه البعوث، ونصها: (وللكامل هفوة جرت منه عفا الله عنه، وذلك أنه سلم مرة بيت المقدس إلى الفرنج اختيارا، نعوذ بالله من سخط الله وموالاة أعداء الله).
وصفوة القول أن معاهدة من طراز المعاهدة الكاملية الفردريكية لم تكن مما ينبت من شيم العصور الوسطى في الشرق والغرب، بل لم يكن من المقبول أو المعقول عند أهلها، ولذا فكل من الكامل وفردريك ليس من أبناء تلك العصور. وكيفما يكن فالمعروف أن حسن العلاقات بين فردريك والبابوية لم يظل طويلا، لأن مسألة النزاع والتخاصم فيما بين الإمبراطورية والبابوية، وهي المسألة التي ملأت غرب أوربا بالحروب منذ أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، ثارت من جديد بسبب إصرار فردريك أن تكون إيطاليا والبابوية طوع بنانه وسلطانه وحكومته الإمبراطورية المستنيرة، وإصرار البابوية أن تكون هي صاحبة السمو والجلالة في شئون الدنيا والدين، باعتبار الجالس على كرسيها خليفة المسيح في الارض. ورأى فردريك أن حرب البابوية يتطلب سلاحا مذهبياً مضاداً لمذهب البابوية، لا جيوشاً وأسلحة فحسب، واستوحى في سبيل ذلك ما عَمِر به رأسه من أحلام المنتبئ وتنبؤات المنجم، بالإضافة إلى القانون الروماني الذي أضحى بعد إحيائه في الجامعات الأوربية وقتذاك مرجع الدعاة لمختلف النظم وأساليب الحكم. ثم ما لبث فردريك أن دلته سجيته السياسية النافذة على أنه ليس أمضى سلاحا من مذهب التقشف عند الإخوان الفرنسسكانيين، لمحاربة الدعاوي الدنيوية التي أصبحت ديدن البابوية، فسلط من طلاوته وعمقه في الجدل ما شاء أن يسلط، وأعلن في عبارات تهديدية غامضة عن قرب إقامة كنيسة إمبراطورية جديدة تحل فضائلها محل مفاسد البابوية، على قوله.
وبعد. فلا حاجة لباحث في هذا الموقف الذي اتخذه فردريك الثاني من البابوية للتدليل منه على مبلغ ما امتلأت به شخصيه من جسارة، وهو الإمبراطور المسيحي في العصور الوسطى المسيحية، فإن في حياة فردريك وتفكيره وسياسته منذ
/ صفحة 46 /
شبابه الإمبراطوري ما يدل على هذه الجسارة أوضح دليل. غير أن هذا الموقف الذي سبقته إليه سلسلة الأباطرة حيال البابوية قبل فردريك، دون جدوي أو نتيجة قريبة، برهن على شيء من القصور في بصيرة فردريك بالذات، لأنه آخر هذه السلسلة من الأباطرة، وكان ينبغي له ـ وهو الإمبراطور الذكي اللبيق ـ أن يدرك أن البابوية تستند في العصور الوسطى إلى قوة ليس في استطاعة الباحث الحديث إن يقيسها على وجه الدقة، كما أنه ليس من السهل على السياسي أن ينفذ إليها أو يستميلها إليه في سرعة. وربما كان منشأ ذلك الخطأ الذي دفع فردريك ثمنه غالبا، أنه برغم ما اتصف به من صفات عقلية توجب الالتفات في كل عصر ـ مثل البعد عن التعصب للون أو جنس، وهو التعصب الذي يشين الكثيرين من المحدثين أبناء العصر الحاضر، ومثل حب الاستطلاع الدائم في أسرار الطبيعة، وقوة الإيمان بالحق والمعرفة ـ، فإنه جمع في نفسه بين هذه الصفات النادرة والخرافات المألوفة في عصره ـ مثل الاعتقاد في المنجمين، والإذعان الأحمق لمشورات العرافين والكهان، والعجز عن التمييز بين الأسئلة التي تؤدي والتي لا تؤذي إلى إجابات علمية دقيقة. ذلك أنه على حين أدت بعض اسئلة فردريك إلى كشف شيء من الحقيقة، لم يكن في استطاعة أحد أن يجيب على بعض آخر منها مهما أوتي من العلم والإيمان، إلا أن يكون شاعراً فحلا متدينا ذا خيال واسع، ومثال ذلك: كم عدد الجهنمات؟ وما الأرواح التي تسكنها؟ وما أسماؤها؟ وأبن جهنم؟ وأبن الجنة هل تعرف روح الانسان روحا ثانية في الحياة الآخرة وهل يمكن أن تعود الروح إلى الحياة الدنيا، وتظهر لأحد من الناس؟ وهذه الأسئلة وأشباهها في الدين والفلسفة هي التي أدت إلى سلسلة من المراسلات بين الإمبراطور فردريك الثاني هو هنشتاوفن والفيلسوف أبي الحق ابن سبعين الإشبيلي.
[للمقال بقية]