/ صفحة 47 /

الثنائية في الوجود

أساس الكفاح إلى الوحدة والخير

لحضرة الدكتور محمد البهي

أستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين

(التعدد سبيل الوحدة)

(الشر مصدر الخير)

لو نطق إنسان بهاتين الجملتين ربما يوصف بأنه يغمض في القول، إن لم يوصف بأنه يقول ضد المتعارف. إذ (الواحد) في علم الحساب أساس التعدد، وليس العكس: فإضافة واحد إلى واحد تساوي اثنين، وإضافة واحد وواحد إلى واحد تساوي ثلاثة... وهلم جرا، وفيما بعد الواحد من اثنين أو ثلاثة يكون التعدد. والوحدة أيضاً أساس الكثرة، إذ باجتماع وحدات بعضها مع بعض تتكون الكثرة.

والأولى كذلك أن يكون الخير أساس الشر، لأن الشر انحراف عن طبيعة الخير وجهته. ونظرة كثير من علماء الأخلاق إلى طبيعة الإنسان توحى بأنهم يرون أن الخير أصل فيها، وأن الشر طارئ عليها.

* * *

لكن ربما نصل بالتفكير إلى أن التعدد أساس الوحدة، والشر أساس الخير، وإن كان طرف كل جملة من هاتين الجملتين في ظاهره يضاد أو يعارض الطرف الآخر على العموم:

فالإنسان في نظر القدامى مزدوج أو ذو اثنينية؛ هو مركب من روح وجسم واعتباره متعدداً هو الذي برّر فرض الكفاح عليه. وبالتالي أوجب مسئوليته.

/ صفحة 48 /

ولو كان ذا روح فقط أو جسم فقط لما طلب منه الكفاح. لكن طلب منه أن يكافح من أجل روحه، وذلك بأن يكبت رغباته الجسمية أو المادية ليساعد روحه على أن تصفى وتخلص، بعد صُوِّر له أن جسمه ظلمة وأن روحه نور، وأن، النور أشرف من الظلمة، ولذا وجب عليه أن يكون بجانب الأشرف منهما. ووسيلته كما ذكرنا أن يكافح ما فيه من ظلمة، وباستمرار كفاحه لهذه الظلمة يصير في النهاية نوراً خالصاً. إذن طلب منه أن يستبدل بالتعدد وحدة، وأن يصل عن طريق ثنائيته إلى واحد.

والناحية الجسمية في الإنسان جزؤه الأخس إذن، والناحية النورية أو الروحية فيه هي جزؤه الأشرف. وليس الشر إلا ذلك الأخس فيه، كما أن الخير ليس إلا ذلك الأشرف من جزأيه. وقد طلب من الإنسان أو فرض عليه أن يكون مكافحاً. وطلب منه أن يكون كفاحه موجهاً ضد جزئه الأخس لصالح الأشرف فيه، وبالتالي طلب منه أن يكون عاملا على محو الشر فيه ليخلص كله إلى الخير.

فلولا التعدد في الانسان لما كان له كفاح، ولكن فرض عليه الكفاح فكفاحه من أجل الوحدة. فالتعدد فيه إذن أساس للوحدة. ولو لا اعتبار أنه ذو شر وذو خير معاً لما كان له كفاح أيضاً، وحيث وجب عليه الكفاح فكفاحه للخير. فالشر كذلك إذن اساس للخير.

والقدامى يشتركون جميعاً في نظرتهم الازدواجية للإنسان لعي هذا النحو ويختلفون فيما بينهم كذلك في تحديد الوسيلة التي يكافح بها الانسان التعدد أو الشر فيه. فإن هم نصحوا جميعاً بالصوم مثلا يختلفون بعد ذلك في مدته. وإن رضوا بالزهد وأمروا به كطريق لاضعاف الجسمية أو الشر يختلفون وراء ذلك فيما يجب أن يتناوله الزهد في حياة الانسان من جوانب.

* * *

والأسرة قائمة على الازدواج أيضاً: أساسها ذكر وأنثى، وهدفها إضعاف ما في أصل تكوينها من إزدواج أو تعدد عن طريق التقارب النفسي بين الاثنين، أو عن

/ صفحة 49 /

طريق ما يسمى بالانسجام بينهما. هدفها إضعاف الفوارق الفردية بين الطرفين إضعافاً يقترب بهما من أن يكونا نفساً واحدة وذاتاً واحدة. فإن لم يصل الزوجان إلى تقارب نفسي أو انسجام، وبقيت الفوارق الفردية على قوتها انهدم معنى الأسرة وكيانها، أو بعبارة أخرى بقى الزوجان اثنين أو متعددين. وفي إنسجام الأسرة سعادتها أو خيرها، وفي عدم انسجامها شقاؤها أو شرها.

فالتعدد في الأسرة يهدف إلى الوحدة إذن، أو هو أساسها، كما يصح بالتالي أن يكون أساس السعادة أو الخير، وإن كان في طبيعته يحمل معنى الشقاء أو الشر.

* * *

والقوم جماعة إنسانية متعددة الأفراد كذلك. وهدف أى قوم تماسك أفراده، أو صيرورة عدده الكثير إلى وحدة منسجمة. هدف أي قوم أن يكون قويا بحكم ما يميله عليه حفظ بقائه بين الأقوام الأخرى. وقوته في تضامنه بحيث إذا اشتكى من أفراده فرد تداعي له جميع الأفراد بالحمى والسهر، ومنتهى قوته في وحدته. وفي وحدته اطمئنانه إذن لما يقع عليه من أحداث خارجية، إذ يستطيع عندئذ ردها. في وحدته الخير كله له. وفي بقائه متفرق الأفراد، متفرق الكلمة والتوجيه عدم اطمئنانه واستقراره. وليس عدم الاطمئنان لأي قوم على كيانه ـ كقوم وجماعة ـ إلا ما يوصف باسم (الشر) في الجماعة.

فطبيعة تعدد الأفراد في أي قوم توحى بالسعي إلى الوحدة بينهم. وفي الوحدة يرى كل قوم معنى الخير له، كما يرى الشر في بقائه منثوراً غير موحد لعي أمل وغاية. وإذن التعدد في القوم أساس الوحدة، والشر فيه أساس الخير له.

* * *

والعالم كله ـ وهو متعدد كثير ـ يسعى للوحدة. لأن أي كائن فيه يسعى إلى الوحدة بحكم ما فيه من ازدواج واثنينية. وفي صيرورة العالم إلى الوحدة ينتهي به الأمر إلى الخير، لأن الخير ليس أكثر من إضعاف معنى التعدد في الكائن وبالتالي في العالم. والوجود كله ينتهي حتما إلى وحدة، وفيها خيره أو هي والخير سواء.

/ صفحة 50 /

الوحدة إذن منشودة للانسان بطبعه، وللأسرة بطبعها وللقوم بطبيعته، وللعالم بطبعه. ولو لا أن التعدد هو طبيعة كل أمر من ذلك لما هدف كل واحد منها للوحدة. فالتعدد إذن أمارة ودليل على الوحدة، أو منه يكون الكفاح والسعي للوحدة. وفي الوحدة الخير لأنها نهاية الكفاح والسعي. وما دام هناك تعدد فهناك كفاح، وما دام هناك كفاح فالأمر لم يتمحض للخير، وما دام الأمر لم يتمحض للخير فهناك شر. والشر إذن أماره ودليل على الخير، أو منه يكون الكفاح والسعي إلى الخير.

* * *

العالم إذن صائر إلى وحدة وبالتالي إلى الخير. أو هو مفروض فيه أن يصير إلى ذلك بحكم طبعه. والوحدة أو الخير أمل العالم وهدفه بحكم طبيعته أيضا. ويستحيل إذن أن يكون هدفه التعدد أو الانقسام ـ وبالتالي الشر ـ بحكم طبيعته كذلك.

هذه الوحدة ـ أو الخير ـ التي يسعى إليها العالم هي خلاصته، أو ما يتمخض عنه كفاحهم هي الباقي بعد استنفاد الكفاح موضوعه. الوحدة ـ أو الخير ـ إذن العنصر الباقي في الوجود، وما عداه سيفنى، وصائر للفناء حتما، بحكم طبيعة الوجود.

الوحدة ـ أو الخير ـ قمة الوجود أو مطلوب كل كائن فيه. ولأنها العنصر الباقي فيه كانت أسمى كائناته: إن اتجه اليها الانسان يتجه إليها بطبيعته، وان ميزها في الوجود ميزها لا عن رغبة وهوى، بل عن ضرورة من واقع الوجود نفسه. وليس تقديسه لها سوى الاعتراف بميزتها، وليست عبادته للواحد سوى إيمانه بانفراده بالبقاء.

والدين عبادة. وإذن هو من ضرورات الحياة أو الوجود. وأسمى الأديان ما كان معبوده الواحد الباقي، وخير المذاهب والاتجاهات ما دعا إلى الوحدة.