/ صفحة 78 /

المرأة والحياة العلمية

في العصور الوسطى

لحضرة الأستاذ أحمد محمد عيسى

أمين مكتبة جامعة فؤاد الأول

مضى على المرأة حين من الدهر لم تكن شيئا مذكورا، فلما جاء الإسلام أعطاها ما لم تعرفه لها أو تعترف لها به الشرائع السابقة، سماوية أو بشرية، ونشر بين الناس كتاب الله، وحفظه الرجال والنساء، وأدركت المرأة ما فيه من خير كثير لها، واعترف الرجال بما أعطاه الدين الجديد لهن من حقوق عن رضى وطيب خاطر. ووجد الفريقان في الحديث النبوي ما يفسر ما أجمله القرآن من تقرير للعلاقات بين لارجل والمرأة ومن حق لها قبله ومن واجب عليه نحوها، زوجة كانت أم أما أم أختا أم ابنة أم إنسانة عادة، ووضّح الدين الجديد تلك الحقوق النسوية في شتى أشكالها: في الأمومة، والزواج، والطلاق، والوصاية والبنوة، وغيرها.

وسرعان ما ساهمت المرأة في الحركات الإسلامية الأولى بنصيب مشكور، ولم تقعد حتى عن المشاركة في الحرب بين المسلمين والكفار، بل استأذنت النبي في الخروج للقتال لتؤدي من أعمال الميدان ما يلائم تكوينها.

والنتيجة الطبيعية لهذا، بلوغ المرأة الشرقية درجة اجتماعية دونها مراتب النساء جميعا في أنحاء العالم المعروف حينذاك، ولم ير علماء المسلمين في عصر صدر الإسلام

/ صفحة 79 /

أي حرج في السعي نحو امرأة ما، لعلمهم أنها تروي حديثا نبويا بذاته، على أنه من الصعب هنا أن نحصى من اشتهرن برواية الحديث عن النبي أو عن أحد الصحابة، أو التابعين أو تابعي التابعين، فهن كثيرات ازدحمت بأخبارهن كتب الحديث، وأفاضت في ذكرهن كتب التراجم والطبقات.

ثم انتقلت الدولة الإسلامية بعد محمد عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين من بعده إلى الأمويين ثم العباسيين، وهنا نلمح تلون ثقافة المرأة بلون مغاير لما كان قبلا بسبب دخول عنصر جديد على الحياة الأجتماعية الإسلامية وهو الموالى، وتتميز تلك الفترة بازدياد الاهتمام بالأدب ورواية الشعر وفني الغناء والموسيقا، حقا لقد وجد الشعر والغناء وغيرهما في العصور السابقة للعباسيين الذين اعتمد حكمهم على الموالي، والذين امتلأت قصورهم بالإماء والجواري من كل صاحبة صوت، أو ناظمة شعر أو قارعة دف، أو ضاربة بوتر.

وبلغت الدولة الإسلامية في ذلك العهد من الاستقرار السياسي ما كفل لها الأمن والاطمئنان، وازدحمت بغداد بالرجال والأموال والقصور، وما تستلزمه حياة القصور من ألوان الترف والنعيم والرفاهية، فارتفع قدر الآداب والفنون، واهتمت به راغبات الشهرة من النساء، وصادف ذلك هوى ورغبة في نفوس السادة والأمراء، فأجزلوا العطاء لكل من أحسنت غناء، أو أجادت لحنا، أو أبدعت نظما، ونتيجة ذلك تغلب الجانب الفني على حياة المرأة، حتى لقد أسهم في الانتاج الفني لذلك العصر، نساء من بيت الخلافة نفسه.

على أن تلك الحياة لا تعدم أن توصف بأنها حياة علمية، إذ استلزم ذلك الجانب الفني الإحاطة الشاملة الدقيقة بأخبار الشعراء والرواة والكتاب والعلماء والفقهاء والقواد والأمراء والخلفاء منذ صدر الدولة الإسلامية، ومعرفة ما كان في حياة هؤلاء من نوادر وطرائف وملح، وصار الالمام بذلك أو بشيء منه وسيلة الحظوة عند السادة الأكابر.

ثم أصاب الدولة العباسية ما أصابها من تفكك وإنحلال، بعد حياة الدعة

/ صفحة 80 /

والنعيم، وزدحم تاريخها المتأخر بأخبار المؤامرات والدسائس، وأسهمت المرأة في ذلك بنصيب، لأن أحداث السياسة جرت تحت سمعها وبصرها، ثم انتهى الأمر بزوال الخلافة العباسية، وانتقال حكم المسلمين إلى سلطان غير عربي، وتعرضت بغداد لأنواع من الحكم والحكام لم تكن معهودة من قبل، وخضع العالم الإسلامي لسلطان المؤثرات الطارئة، وانتقلت الشائعات إلى أهل الشرق عما أصاب أهل الغرب من حملات الصليبيين، ولاي أهل الغرب عما أصاب أهل الشرق من غارات التتار، واضطربت الأحوال السياسية فترة من الزمن، ثم عادت فانتظمت بعد ما أمكن للجيوش المصرية البطش بالمغول في عين جالوت، والبطش بالصليبيين في مصر والشام.

عندئذ اتجه الاهتمام إلى العلوم الدينية، وكان للحديث والفقه أكبر نصيب من ذلك الاهتمام. ويمكن القول بأن هذه العناية ترجع إلى أمرين:

الأول: أن السلاجقة والأتراك جاءوا في أعقاب البويهيين بالعراق، كما جاء الأيوبيون والمماليك في أعقاب الفاطميين بمصر، وقد بذل الحكام الجدد هنا وهناك من العناية ببعض العلوم ما ظنوا أنه يقضي على ما بقى من نفوذ السابقين.

الثاني: أن انتقال شئون العالم الإسلامي إلى حكام مسلمين من غير العرب، متحمسين للعقيدة الإسلامية أدى إلى الإكثار من المدارس ودور القرآن والحديث، وتيسير سبل العلم لمن أراد تحصيله من الرجال والنساء على السواء سعياً لا كتساب رضا المحكومين، وظهوراً بالتحمس للدين.

والجدير بالملاحظة، إقبال المرأة الشديد على العلم في ذلك العصر، واهتمامها بدراسة العلوم الشرعية، وهو ما لم يكن مشهوراً في عهد الخلافتين، العباسية والفاطمية أو ما قبلهما، حقا لقد اشتهرت كثيرات منهن بالشعر والغناء والموسيقا ولكن هذا اللون من الثقافة ليس في تعقيد وصعوبة

التثقف بعلوم القرآن والحديث والأصول واللغة.

/ صفحة 81 /

والسؤال الذي يدور في الأذهان هو: كيف أتيح للمرأة أن تخرج من قوقعتها المغلقة إلى دنيا العلم الواسعة، وأن تتحرر من قيود الحجاب التي فرضها عليها الفقهاء، فتبرز من خدرها إلى مجالس العلم مع الرجال دون اعتراض أو ثورة؟ والواقع أن أحداث العالم الإسلامي وقتها ساعدت على ذلك. ولا شك أن خروج نساء من أوروبا لمرافقة الحملات الصليبيه بالشرق والعمل في خدمتها مع الرجال، كان له أثره في المخالطين من المسلمين، هذا بالاضافة الى اتساع نطاق الهجرات نتيجة للحركات الحربية بالشوق ا لأدنى، وانتقال إمرة المسلمين إلى حكام من غير العرب، مما عجل تطور أحوال المجتمع

الإسلامي وقتذلك، وعندئذ لم يكن غريباً في نظر المعاصرين جلوس نساْ على رأس حلقات الدرس في المدارس المنشأة، أو المساجد المعمورة، ولم يعجب أحد للكثيرات المرتحلات في سبيل العلم أو لمن قصد مجالسهن من الرجال المشتغلين بالفقه والحديث وعلوم القرآن، للاستماع إليهن أو الأخذ عنهن أو طلب الإجازة منهن. وهذا هو السخاوي يذكر عن واحدة من أولئك هي سارة بنت عمر بن عبد العزيز بن محمد المعروفة ببنب ابن جماعة والمتوفاة سنة 855هـ، أنها كانت صالحة محبة للطلبة ذات صبر على الاسماع وصحة السماع، وأن أهل مصر نزلوا بموتها درجة في الرواية.

ومما يدعو إلى الإعجاب بحركة التحرر المبكرة هذه، أن المرأة لم تقتصر على تعلم العلم أو تعلمه في صورة سهلة أو لعقليات مبتدئة، بل زحفت إلى مركز الأستاذية، وجلس أمامها أشياخ كبار يلتمسون الاستماع إليها أو القراءة عليها أو الإجازة منها. وتذكر مراجع ذلك الموضع أن زينب بنت محمد بن عثمان ابن عبد الرحمن الدمشقية أنها كانت أعلم أهل زمانها بالفقه والحديث، وأنها حدثت بالإجازة العامة عن فخر الدين بن الحجار، ومن تلاميذها: الحافظ بن حجر، وله منها إجازة، وأن حلقة درسها كانت لا تقل عن خمسين طالبا في الحديث، ويقال مثل ذلك عن فاطمة بنت سعد الخير التي عاصرت البوصيري، وعن عائشة بنت علي بن محمد الدمشقية، وعن فاطمة بنت جمال الدين سليمان بن عبد الكريم

/ صفحة 82 /

الأنصاري التي أجازها كثير من علماء القرن السابع الهجري في الشام والعراق والحجاز وفارس، وعن نشوان بنت الجمال عبد الله بن محمد الكناني التي حمد الطلبة محبتها لهم وصبرها عليهم.

__وتبدو لنا مدى رغبة المرأة في تحصيل العلم إذ استعرضنا ـ على سبيل المثال ـ أخبار هاجر بنت محمد بن محمد بن أبي بكر القاهرية المتوفاة سنة 874هـ، التي أخذت العلم عن واحد وأربعين شيخا منهم ثلاث سيدات، والتي أجازها أربعة عشر شيخا من أعلام عصرها، وقد حدث أن شغل التحصيل بعضهن فانقطعن للعلم، ولم يتزوجن طوال حياتهن.

والذي يستعرض كتب التراجم والطبقات التي تناولت أخبار نساء ذلك العصر، يلاحظ رغبة المتعلمات وميلهن إلى اتقان الخط، وحفظ القرآن، والحديث، والقراءات، والفقه، والتأليف في كل ذلك أو بعضه، غير أني لم أستطع الظفر ـ بمناسبة هذا المقال ـ بكتاب محفوظ باسم واحدة من فضليات ذلك العصر، على الرغم من ورود أ سماء كثيرة لمؤلفات لهن فيما قرأته من مراجع.

ومما يدعو إلى الدهشة حقاً كثرة عدد النساء المشتغلات بالعلم، والعا كفات عليه منذ آل أمر العالم الإسلامي إلى السلاجقة والمماليك، وأعجب من هذا أن أشياخ العلم في ذلك الزمان، أمثال: الحافظ بن عساكر (499 ـ 571هـ) ـ إمام أهل عصره في الحديث ـ قد أخذ بعض علمه عن نساء زمانه، وأن شيوخه منهن بلغن نيفاً وثمانين، وأن ابن حجر ـ وهو من هو في عالم التدريس والفتيا وصاحب المؤلفات القيمة في التاريخ ـ لم يجد غضاضة في أن يأخذ بعض علمه عن امرأة، أو أن يطلب إليها أن تجيزه، بل يعدها وغيرها ضمن أشياخه بكل افتخار واحترام، وإن ما نقرؤه في كتب التراجم، من سعي طالبي العلم في ذلك العصر إلى تلقيه عن الشمهورات به في مصر والشام والعراق وغيرها، والجلوس في حلقات دروسهن للاستماع، يعطينا فكرة واضحة قوية عن مركز المرأة العلمي وعما نالته من تقدير معاصريها واحترامهم.

/ صفحة 83 /

ونظرة سريعة إلى الجزء الذي ترجم فيه السخاوى لشهيرات القرن التاسع الهجري من كتابه (الضوء اللامع) يتجلى منها للباحث ازدحام الكتاب بأخبار ربات العلم، ويعجب للعد الكبير الذي تتلمذ عليه السخاوى استماعاً أو قراءة؛ ويمكن القول أن أشياخ السخاوى من النساء، قد زدن على الخمسين، اجازه منهن قرابة خمسة وعشرون شيخة.

ويلاحظ أن اشتغال المرأة بالعلوم التجريبية كان في حكم العدم، فلم أعثر في مراجع هذا المقال على كثير أو قليل من المشتغلات بهذه العلوم، وكل ما هنالك محاولات للاشتغال بالطب تنحصر في مزاولة الكحالة، على أن محترفات هذه الصنعة قليلات جداً، لا يتجاوزون عدد الأصابع. وإذن فلم يكن هناك منفذ للرغبة في التعلّم إلا في العلوم الشرعية.

واستمرت حال المرأة على هذا النحو من الانتظام والسعي في تحصيل العلوم، إلى أن حل بالشرق الأدنى ما عكر صفوه، وقلب أوضاعه من جديد، حين بدأ النزاع بين الأتراك العثمانيين بآسيا الصغرى والصفويين ببلاد فارس والمماليك بمصر والشام على السيادة على ذلك الشرق، ثم انتهى الأمر بغلبة العثمانيين، ولكن هؤلاء كانوا أكثر ميلا إلى الحياة العسكرية منهم إلى الحياة المدنية الرفيهة، ولذلك اختفى على أيديهم ما نما وترعرع على أيدي سابقيهم، إلى أن ظهر عامل جديد في الميدان تأثر الشرق به، وهو النهضة الأوروبية الحديثة.

تصويب: في صحيفة 23 سطر 17 من هذا العدد وقع تحريف في الآية الكريمة وصحتها: (قل أن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم...) الآية، فنرجو من حضرات القراء ملاحظة ذلك.